أثارت استقالة ألكسندر فوتشيتش في 27 سبتمبر تكهنات واسعة بأنها محاولة لتمديد حكمه الشخصي إلى ما بعد الحدّ الذي يفرضه الدستور على الولايات الرئاسية، في وقت يسعى فيه الزعيم الصربي إلى تولّي رئاسة الوزراء.
يأتي هذا التحول وفق منطق مشابه لخطوة فلاديمير بوتين حين انتقل إلى رئاسة الوزراء عام 2008، وإن اختلفت الحالتان من الناحية المؤسسية، ففوتشيتش يتجه للعودة من رئاسةٍ محدودة الصلاحيات رسمياً إلى المنصب الذي غادره عام 2017، وهو المكان الذي يمنحه الدستور الصربي السلطة التنفيذية الفعلية.
يصبّ الجدول الزمني للاستحقاقات الانتخابية في مصلحته، فالصرب ينتخبون البرلمان أولاً، ثم ينتخبون رئيس الجمهورية لاحقاً، وخلال الفترة الفاصلة تنتقل صلاحيات الرئاسة إلى رئيس البرلمان، وهو المنصب الذي يشغله حالياً أحد أعضاء حزب فوتشيتش.
وإذا نجحت أغلبية برلمانية جديدة في تشكيل حكومة سريعاً، فقد يتولى فوتشيتش رئاسة الوزراء قبل أن تفرز الانتخابات الرئاسية منافساً يحظى بتفويض شعبي على مستوى البلاد.
لكن هذه الخطوة تنطوي على مخاطرة سياسية أكبر بكثير من تلك التي واجهها بوتين عام 2008. فعلى مدى تسع سنوات، كان بإمكان فوتشيتش أن يترك لرؤساء حكوماته تحمّل تبعات الأزمات، كما حدث عندما استقال ميلوش فوتشيفيتش من منصبه في يناير 2025، أما تولّيه رئاسة الوزراء، فسيمنحه صلاحيات تنفيذية رسمية أوسع، لكنه في المقابل سيحرمه من الحصانة السياسية التي كان منصب الرئاسة يوفرها له.
تمنح رئاسة الوزراء فوتشيتش صلاحيات تنفيذية رسمية أكبر لكنها في المقابل تحرمه من الحصانة السياسية التي وفّرتها له الرئاسة
ثمة سابقةً أقرب إلى الحالة الصربية وهي أرمينيا عام 2018، حين انهارت خلال أيام محاولةٌ لتبادل المناصب السياسية جرت في ظل ضغوط شعبية واحتجاجات في الشوارع، إذ لم تصل صربيا إلى هذه المرحلة بعد، لكن حركة الاحتجاج فيها تخوض الآن غمار المنافسة الانتخابية في صورة قائمة انتخابية تحظى بدعم جزء كبير من قوى المعارضة القائمة.
وتتباين نتائج استطلاعات الرأي المتاحة بدرجة كبيرة، بما لا يسمح باعتبار الانتخابات البرلمانية محسومة سلفاً، وحتى إذا عاد فوتشيتش إلى رئاسة الوزراء بعد انتخابات 25 أكتوبر، فإن الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها بحلول أواخر ديسمبر ستشكّل اختباراً مؤسسياً ثانياً.
تبادل المناصب في الاتجاه المعاكس
غادر فوتشيتش منصب الرئاسة قبل ثمانية أشهر من انتهاء ولايته الثانية، فالدستور يمنعه من الترشح لولاية رئاسية ثالثة، لكنه لا يحول دون توليه رئاسة الحكومة، لا سيما وأنه يقود حالياً قائمة الائتلاف الحاكم “ألكسندر فوتشيتش – صربيا المتحدة”، بوصفه مرشحها لمنصب رئيس الوزراء في الانتخابات البرلمانية المبكرة المقرر إجراؤها في 25 أكتوبر.
تعود السابقة الأبرز إلى عام 2008، عندما تعذر على بوتين الترشح لولاية ثالثة متتالية، فانتقل إلى منصب رئيس الوزراء، بينما تولى دميتري ميدفيديف الرئاسة، قبل أن يعود بوتين إلى الكرملين بعد أربع سنوات، غير أن بوتين انتقل آنذاك من رئاسة روسية تتمتع بهيمنة واسعة إلى منصب رئاسة الوزراء الذي كان أدنى منها رسمياً.
أما فوتشيتش، فيتجه إلى العودة إلى المنصب الذي يمنحه الدستور الصربي السلطة التنفيذية، حيث يتولى رئيس الوزراء توجيه عمل الحكومة.
يمثل الرئيس الدولة ويتولى قيادة القوات المسلحة، كما يرشح رئيس الوزراء، ويحق له إعادة القانون إلى البرلمان، ولكن مرة واحدة فقط، ومع ذلك، لم تُصمم مؤسسة الرئاسة أصلًا لإدارة الحكومة، فبعد انتقال فوتشيتش إليها من رئاسة الوزراء عام 2017، أصبحت مركز الحياة السياسية في صربيا، لأن النفوذ السياسي انتقل معه إلى المنصب.
في عام 2019، خفضت منظمة “فريدوم هاوس” تصنيف صربيا إلى حرة جزئياً، مشيرة، من بين عوامل أخرى، إلى تراكم فوتشيتش لصلاحيات تنفيذية فعلية تتعارض مع دوره الدستوري.
وتبرز النصوص الدستورية مزيداً من أوجه الاختلاف مع موسكو، حيث كان دستور روسيا لعام 1993 يمنع الشخص نفسه من تولي الرئاسة لأكثر من ولايتين متتاليتين، إذ كان هذا القيد هو الأساس الذي قامت عليه ترتيبات عام 2008، حيث كانت ولاية واحدة خارج الكرملين كافية لإعادة أهلية بوتين للترشح، وهو ما استفاد منه عام 2012، وبعد ثماني سنوات، أعادت التعديلات الدستورية التي أُقرت عام 2020 احتساب ولاياته من جديد.
أما الدستور الصربي، فلا يتيح مثل هذا الاحتمال، فبموجب المادة 116، لا يجوز انتخاب الشخص نفسه رئيساً لأكثر من مرتين، في قيد نهائي يستمر مدى الحياة ويغلق منصب الرئاسة أمام فوتشيتش في ظل الدستور الحالي.
وبينما كان انتقال بوتين إلى رئاسة الحكومة في نهاية المطاف مرحلة مؤقتة، فإن انتقال فوتشيتش إليها نهائي، حيث أصبحت سلطته الرسمية تعتمد الآن على وجود أغلبية برلمانية، طالما أراد مواصلة ممارستها.
حدود المقارنة مع بوتين
ما يجمع بين الحالتين هو منطق سياسي واحد، ففي الأنظمة التي تتمحور فيها السلطة حول شخص واحد، يتركز النفوذ حول الأفراد، بينما لا تستطيع الدساتير سوى تنظيم المناصب، وبالتالي، قد تؤدي حدود الولاية إلى إبعاد القائد عن منصبه، من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تقليص نفوذه بصورة كبيرة.
في الأنظمة التي تتمحور فيها السلطة حول شخص واحد يتركز النفوذ حول الأفراد بينما لا تستطيع الدساتير سوى تنظيم المناصب وبالتالي قد تؤدي حدود الولاية إلى إبعاد القائد عن منصبه من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تقليص نفوذه بصورة كبيرة
حلّ بوتين تلك المعضلة من خلال خليفة موالٍ، إلى جانب تفاهم راسخ بشأن الجهة التي تتمركز لديها السلطة النهائية، حيث تولى ميدفيديف الصلاحيات الواسعة التي يمنحها منصب الرئاسة، بينما حافظ بوتين على موقعه في قلب النخبة الحاكمة، وتولى رئاسة حزب “روسيا الموحدة”، الذي يُعرف بأنه “حزب السلطة” في الكرملين.
بنى فوتشيتش بنية مشابهة حول الحزب التقدمي الصربي، فمنذ عام 2012، شغل منصب نائب رئيس الوزراء الأول، ثم رئيس الوزراء، ثم رئيس الجمهورية، حيث يعكس اسم قائمته الانتخابية هذا الطابع الشخصي للسلطة بوضوح، ولذلك، تمثل انتخابات 25 أكتوبر في الوقت نفسه انتخابات برلمانية واستفتاءً على قدرته على تجديد تفويضه من خلال منصب آخر.
في المقابل، نفّذ بوتين خطوته من موقع سيطرة سياسية طاغية، إذ حصل حزب “روسيا الموحدة” على 315 مقعداً من أصل 450 في مجلس الدوما عقب انتخابات ديسمبر 2007، فيما أُقصيت المعارضة المنظمة إلى حد كبير إلى هامش المشهد السياسي، ولم يكن انتقال ميدفيديف إلى الرئاسة يثير قدراً كبيراً من عدم اليقين المؤسسي.
أما فوتشيتش، فيغيّر منصبه في مواجهة حركة احتجاجية مستمرة منذ نحو عامين.
في نوفمبر 2024، أدى انهيار مظلة خرسانية في محطة السكك الحديدية بمدينة نوفي ساد إلى مقتل 16 شخصاً، حيث حوّلت الكارثة مظالم متراكمة بشأن الفساد والمساءلة إلى أكثر التحديات استمراراً لحكمه، كما انتشرت الاحتجاجات التي قادها الطلاب في أنحاء البلاد، وجعلت الدعوة إلى انتخابات مبكرة مطلبها الرئيسي، حيث تمسكت الحكومة بموقفها لأشهر، لكن الاحتجاجات دفعتها في نهاية المطاف إلى الدعوة لانتخابات مبكرة.

يرسم الدستور هذا التسلسل بما يصب في مصلحة فوتشيتش، فآنا برنابيتش، بصفتها رئيسة للبرلمان، تولت مهام الرئاسة بالوكالة في اليوم التالي لاستقالة فوتشيتش، إذ لا يجوز لها شغل المنصب لأكثر من ثلاثة أشهر، على أن تُجرى الانتخابات الرئاسية خلال هذه المدة، وبمجرد انعقاد الجمعية الوطنية الجديدة، يتولى رئيسها مهام الرئاسة بالوكالة. ويجوز لرئيس الدولة بالوكالة اقتراح مرشح لمنصب رئيس الوزراء، لكنه ملزم بإصدار جميع القوانين التي يقرها البرلمان، من دون أن يملك حق إعادتها إليه.
وفي حال حصل الحزب التقدمي الصربي وشركاؤه على الأغلبية، فإن رئيساً للبرلمان من صفوفهم سيتولى تسمية رئيس الوزراء، ولن تكون للرئاسة صلاحية مؤسسية تحول دون ذلك، حيث يتيح تشكيل الحكومة سريعاً لفوتشيتش تولي رئاسة الوزراء قبل إجراء الانتخابات الرئاسية.
أما إذا طال أمد مفاوضات تشكيل الائتلاف، فقد تضيق هذه الفرصة أو تنتهي، حيث يمنح الدستور مهلة 90 يوماً تبدأ من أول جلسة للجمعية الوطنية الجديدة، وبعد انقضائها من دون تشكيل حكومة، تُجرى انتخابات جديدة.
منذ عام 2017، مكّنت الرئاسة فوتشيتش من الهيمنة على الحياة السياسية، بينما ظلت الحكومات تتحمل المسؤولية الرسمية، وعندما تصاعدت أزمة نوفي ساد، كان رئيس الوزراء هو من غادر منصبه، قبل أن يتولى دجورو ماتشوت، أستاذ الطب، رئاسة الحكومة في أبريل 2025.
أما تولي فوتشيتش رئاسة الوزراء فسيفقده هذا الغطاء السياسي، وسيصبح مسؤولاً أمام البرلمان، ويواجه تصويتات على الثقة، كما سيرتبط أداء الحكومة مباشرة بمنصبه.
سيُنتخب رئيس صربيا المقبل بالاقتراع المباشر، ويمكن لفوتشيتش دعم مرشح موالٍ له، لكنه لا يستطيع تعيينه، وقد لا يتمكن رئيس مدعوم من المعارضة من إدارة الحكومة، لكن حصوله على تفويض شعبي مباشر سيمنح وزناً لكل قانون يعيده إلى البرلمان، ولكل مرشح يسميه، كما ستمثل صربيا في الخارج عبر صوت لا تسيطر عليه الحكومة، إذ لم تشهد مؤسسات الدولة منافسة فعلية فيما بينها منذ وصول الحزب التقدمي الصربي إلى السلطة عام 2012.
صربيا ستمثل في الخارج عبر صوت لا تسيطر عليه الحكومة إذ لم تشهد مؤسسات الدولة منافسة فعلية فيما بينها منذ وصول الحزب التقدمي الصربي إلى السلطة عام 2012
التحذير الأرمني
فيما يتعلق بتبادل المناصب تحت ضغط سياسي، تقدم أرمينيا عام 2018 مقارنة أكثر دلالة، فبعد ولايتين رئاسيتين، أشرف سيرج سركيسيان على تعديلات دستورية نقلت جانباً كبيراً من صلاحيات الرئاسة إلى رئاسة الوزراء، حيث انتخبه البرلمان رئيساً للوزراء في أبريل 2018، لكن احتجاجات جماهيرية قادها نيكول باشينيان أجبرته على الاستقالة بعد أسبوع واحد فقط.
وتحول ما كان مخططاً له بوصفه مساراً للاستمرارية المؤسسية إلى القضية التي التفّت حولها المعارضة، فعلى خلاف سركيسيان، لم يُجرِ فوتشيتش تعديلات دستورية لخدمة بقائه في السلطة، كما أنه يطلب من الناخبين تفويضاً جديداً، بدلاً من الاعتماد على برلمان انتُخب قبل عام.
من حركة احتجاج إلى بديل سياسي
استمدت حركة الاحتجاج قوتها من رفضها للسياسة الحزبية القائمة، وحشدت مواطنين فقدوا الثقة بالحكومة وبالمعارضة التقليدية على حد سواء، حيث تضم قائمتها الانتخابية، “قائمة الطلاب – الطلاب يفوزون”، 250 مرشحاً من الأوساط الأكاديمية والطبية والثقافية وقطاع الأعمال، ويتصدرها طبيب القلب إيليا سردانوفيتش.
تخلّى الحزب الديمقراطي وجبهة اليسار الأخضر وأحزاب معارضة أخرى عن خوض الانتخابات بقوائمها الخاصة، لدعم هذه القائمة، أما ائتلاف “صربيا الأوروبية”، الذي يقوده حزب الحرية والعدالة، فيخوض الانتخابات بقائمة منفصلة.
وتجمع القائمة مواقف متباينة بصورة حادة من قضايا كوسوفو والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، إذ يخدم هذا التنوع حركةً تستند هويتها إلى حد كبير إلى ما ترفضه، لكنه سيضعها أمام اختبار بمجرد أن تواجه مسؤولية إدارة البلاد.
في المقابل، يعمل الحزب التقدمي الصربي بمنطق مختلف، فهو حزب شديد المركزية، ويمتد نفوذه في أنحاء البلاد عبر أجهزة الدولة ووسائل الإعلام التي يهيمن عليها، كما بنى حملته الانتخابية، شأنه في ذلك شأن جميع حملاته السابقة، حول فوتشيتش.
كما لا توفر استطلاعات الرأي نقطة انطلاق موثوقة للحكم على اتجاه المنافسة، حيث أظهر استطلاع أجرته في يونيو منظمة “سيرتا” لمراقبة الانتخابات ومختبر العمل الديمقراطي في جامعة ستانفورد، تقدم “قائمة الطلاب” على الحزب التقدمي الصربي بفارق تسع نقاط بين الناخبين الذين حسموا خياراتهم، وفي المقابل، أظهر استطلاع أجرته “فاكتور بلاس” في منتصف سبتمبر تقدم قائمة فوتشيتش بفارق 11.5 نقطة.
القيود الخارجية
تمتلك بروكسل في عام 2026 نفوذاً هيكلياً أكبر بكثير على بلغراد مما كانت تتمتع به على موسكو عام 2008، حيث مثّل الاتحاد الأوروبي 58.3% من التجارة الخارجية لصربيا في عام 2025، كما استحوذ على أكثر من نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تلقتها البلاد بين عامي 2010 و2024.
لكن العلاقات شهدت تدهوراً حاداً رغم ذلك، ففي يوليو، عرقلت ثماني دول أعضاء فتح مجموعة الانضمام التالية، مستندةً إلى مخاوف بشأن سيادة القانون ورفض بلغراد مواءمة موقفها مع عقوبات الاتحاد الأوروبي على روسيا، وفي أواخر أغسطس، توفي راتكو ملاديتش، المدان بارتكاب إبادة جماعية في سريبرينيتسا، في لاهاي.
في سبتمبر، نقلت طائرة حكومية جثمانه إلى بلغراد، حيث دُفن بمراسم تشريف عسكرية وبحضور مسؤولين حكوميين كبار، إذ ألغت مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسع، مارتا كوس، زيارتها المقررة بسبب مراسم التكريم، فيما وصفت أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا، في إدانة مشتركة، مشاهد الجنازة بأنها صادمة، حيث لا تزال مجموعة الانضمام معطلة، فيما أدت التطورات الأخيرة إلى تراجع فرص تحقيق انفراج مبكر.
لطالما استندت السياسة الخارجية لفوتشيتش إلى تحقيق توازن بين أفق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والحفاظ على علاقات وثيقة مع موسكو، والاستفادة من الاستثمارات الصينية الواسعة، وإقامة حوار استراتيجي مع واشنطن في الآونة الأخيرة، إلا أن ركيزة الطاقة في هذا التوازن بدأت تتهاوى بالفعل، فشركة “إن آي إس”، التي تدير مصفاة النفط الوحيدة في صربيا، مملوكة بأغلبية أسهمها لشركة “غازبروم نفت” وشركة أخرى مرتبطة بـ”غازبروم”.
استندت سياسة فوتشيتش إلى تحقيق توازن بين الاتحاد الأوروبي والعلاقات مع موسكو والاستثمارات الصينية والحوار مع واشنطن لكن ركيزة الطاقة هنا بدأت تتهاوى بالفعل
ودفعت العقوبات الأمريكية المساهمين الروس فعلياً إلى السعي لبيع حصصهم، حيث وقعت شركة “مول” المجرية في يناير اتفاقاً ملزماً بشأن المبادئ الأساسية للاستحواذ على هذه الحصص، لكن إتمام الصفقة لا يزال مرهوناً بالتوصل إلى اتفاق نهائي والحصول على موافقة الولايات المتحدة.
التداعيات الاستراتيجية
تقع بلغراد في قلب معظم النزاعات التي لم تُحسم بعد في المنطقة، ما يمنح نتيجة الانتخابات أهمية تتجاوز صربيا بكثير، فبالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، تفرض هذه الانتخابات خياراً أجّلت بروكسل مواجهته لسنوات، إذ يُفسَّر الضغط خلال الحملة الانتخابية في بلغراد على أنه تدخل خارجي، بما قد يعزز موقف الحكومة التي يفترض أن يستهدفها هذا الضغط.
وفي المقابل، فإن ضبط النفس بعد جنازة ملاديتش قد يعزز الشكوك التي يعبّر عنها كثيرون في حركة الاحتجاج، ومفادها بأن بروكسل تضع استقرار بلغراد فوق المعايير الديمقراطية.

أما على مستوى المنطقة، سيحتفظ فوتشيتش، إذا عزز موقعه، بهامش من المناورة يسمح له باستخدام نفوذ صربيا على جمهورية صربسكا والجالية الصربية في كوسوفو كورقتين تفاوضيتين مع بروكسل وواشنطن.
ومن شأن التعايش بين رئيس ورئيس حكومة من توجهين سياسيين مختلفين أن يعقد هذه الممارسة، إذ يمكن لرئيس مدعوم من المعارضة أن يعارضها علناً، أما تغيير الحكومة، فسيفتح الباب أمام مراجعة هذا النهج، لكن القاعدة المتنوعة التي تستند إليها “قائمة الطلاب” لا تضمن تبني سياسة مختلفة تجاه كوسوفو.
بالنسبة إلى موسكو، فإن بيع شركة “إن آي إس” سيزيل أكثر أدوات نفوذها الملموسة في صربيا، وبالتالي تزيد أهمية استمرار النهج السياسي القائم في بلغراد، فمع زوال أدوات النفوذ الاقتصادي، تزداد أهمية وجود حكومة ترفض مواءمة موقفها مع عقوبات الاتحاد الأوروبي وتحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع الكرملين بالنسبة إلى روسيا.
السيناريوهات:
في هذا السياق، تزداد أهمية المجر، فإذا استحوذت شركة “مول” على “إن آي إس”، التي تهيمن على سوق الوقود في صربيا، فستصبح في موقع يتعين على أي حكومة في بلغراد أخذه في الحسبان، وضمن هذا الإطار يطرح سيناريوهات عدة:
الأول، ترسيخ السلطة:
يفوز الحزب التقدمي الصربي وشركاؤه بالأغلبية، ويتولى فوتشيتش رئاسة الوزراء، بينما يفوز مرشح من معسكره بالانتخابات الرئاسية، وفي هذه الحالة، ستتجه السلطة الرسمية وغير الرسمية مجدداً في الاتجاه نفسه، لكن فوتشيتش سيكون هذه المرة في المنصب الذي يملك السلطة التنفيذية، حيث ستظل حركة الاحتجاج قادرة على الحشد، إلا أن مؤسسات الحكم ستبقى تحت سيطرة الكتلة الحاكمة.
الثاني، التعايش السياسي:
يتولى فوتشيتش رئاسة الوزراء، بينما يفوز مرشح مدعوم من المعارضة بمنصب الرئاسة، حيث ستشهد صربيا للمرة الأولى منذ وصول الحزب التقدمي الصربي إلى السلطة سلطة تنفيذية منقسمة، ولن يكون الرئيس قادراً على فرض السياسة العامة، لكنه سيحظى بتفويض وطني مباشر وبحضور واسع على المستويين الداخلي والدولي، كما سيحتفظ فوتشيتش بالحكومة، لكنه سيفقد القدرة على التحدث باسم الدولة بأكملها.
الثالث انتقال السلطة:
يفشل الحزب التقدمي الصربي في تأمين الأغلبية، وتتشكل حكومة ائتلافية تتمحور حول “قائمة الطلاب”، وفي هذه الحالة، تكون استقالة فوتشيتش المبكرة قد أنهت ولايته الرئاسية من دون أن تضمن له الوصول إلى رئاسة الوزراء، وستتمثل المعضلة المباشرة أمام الأغلبية الجديدة في تحقيق قدر من الانسجام الحكومي بين قوى يجمعها أساساً رفض النظام القائم.
الرابع، انتقال متنازع عليه:
تؤدي نتيجة متقاربة أو موضع نزاع إلى اتهامات موثوقة بوقوع مخالفات، فيما يرفض الطرفان اعتبار المنافسة محسومة، وعندها سيتوقف الكثير على إدارة الانتخابات والمحاكم، بينما سيتوقف قدر أكبر على مدى ضبط الشرطة لسلوكها وانضباط المعارضة في الشوارع، كما سيكون لموقف بروكسل دور في تحديد المدة التي ستستمر خلالها الأزمة.
تؤكد استقالة فوتشيتش تمسكه بزمام المبادرة، لكنها تقر في الوقت نفسه بأن الترتيب السياسي الذي حكم البلاد خلال السنوات التسع الماضية بلغ حدوده الدستورية، إذ تناوب بوتين على المناصب داخل نظام كان قد ترسخ أصلاً حوله، بينما يحاول فوتشيتش تنفيذ المناورة نفسها في مواجهة مقاومة داخلية مستمرة واحتكاك متزايد مع الشريك الاقتصادي الرئيسي لصربيا.
تكمن المفارقة في أن العودة إلى رئاسة الوزراء قد تمنح فوتشيتش صلاحيات رسمية أكبر، لكنها قد تجعل حكمه أكثر عرضة للمساءلة في الوقت نفسه، فإخفاقات الحكومة ستصبح مرتبطة به مباشرة، وقد تهدده التحديات البرلمانية بصورة مباشرة، كما يمكن لرئيس منتخب بصورة مستقلة أن يمتلك تفويضاً وطنياً منافساً.
في المحصلة، لا يقتصر الاختبار الأوسع على قدرة فوتشيتش على البقاء في السلطة، بل يتمثل في قدرة النظام السياسي على نقله بين مؤسساته من دون أن تنكشف نقاط الضعف التي كان الحكم الشخصي قادراً في السابق على إخفائها، إذ كان بوسع بوتين إضعاف منصبه لأن نفوذه كان يتجاوز حدود المنصب، بينما ينتقل فوتشيتش إلى منصب أقوى جزئياً لأن قدرة نفوذه على الاستمرار خارج هذا المنصب تخضع الآن للاختبار.
كان بوسع بوتين إضعاف منصبه لأن نفوذه كان يتجاوز حدوده بينما ينتقل فوتشيتش إلى منصب أقوى جزئياً لأن قدرة نفوذه على الاستمرار خارج هذا المنصب تخضع للاختبار


