في 2 مارس، وبعد أيام قليلة فقط من بدء الحرب ضد إيران، قدّم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العملية لا بوصفها حملة ضغط محدودة أو جولة من الضربات العسكرية لتحسين شروط التفاوض، بل صاغها بدلاً من ذلك باعتبارها مهمة لتجريد طهران من أدوات قوتها الأساسية، إذ كانت العملية ستدمّر قدرات إيران الصاروخية، وتُضعف بحريتها، وتمنع نظامها من الاقتراب من امتلاك سلاح نووي، وتنهي قدرته على تمويل وتسليح وتنسيق وكلائه خارج حدوده.
وضمن هذه الأهداف العسكرية كان هناك هدفاً سياسياً أعمق: إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الذي يفقد معه أدوات الردع والمساومة، بل وحتى البقاء.
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر، وقّعت أمريكا وإيران مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، لكن اللافت أنها لا تعكس إلا القليل من أهداف الحرب الأصلية التي وضعتها واشنطن، رغم أن التبرير الذي طرحته الإدارة الأمريكية بأن جولة المفاوضات اللاحقة ستناقش كل ذلك، إلا أنه من الواضح أن المذكرة ليست قائمة شروط فُرضت من موقع قوة، إذ لا يوجد تعهّد إيراني بتفكيك البرنامج الصاروخي، ولا التزام واضح بوقف إنتاج الطائرات المسيّرة، ولا إطار مُلزم لإنهاء دعم الوكلاء، ولا تسوية نهائية للملف النووي.
مذكرة التفاهم لا تعكس إلا القليل من أهداف الحرب الأصلية التي وضعتها واشنطن كما أنها ليست قائمة شروط فُرضت من موقع قوة
في الواقع، لا توجد أدلة كثيرة على أن طهران خرجت من الحرب أضعف سياسياً مما كانت عليه عند دخولها.
عندما يصبح الخروج هو الهدف
ما تم توقيعه ليس سوى مذكرة تفاهم تنص على وقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار، وإعفاءات لتصدير النفط، والمنتجات النفطية ومشتقاتها، وجميع الخدمات المرتبطة بذلك، مع إتاحة الأموال والأصول المجمدة أو المقيدة التابعة لإيران للاستخدام الكامل عند تنفيذ مذكرة التفاهم، والالتزام بصندوق لإعادة إعمار إيران، والأخطر من ذلك إعطاء إيران الحق للبدء بحوار مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بالتشاور مع الدول الساحلية الأخرى المطلة على الخليج العربي.
وكل ذلك يعني أن واشنطن انتقلت من إعلان الحرب على مصادر القوة الإيرانية إلى إدارة النتائج التي أنتجتها الحرب نفسها.

هذه هي المفارقة التي ستطارد إدارة ترامب، إذ لم يكن مضيق هرمز مغلقاً قبل الحرب، ولم تكن إيران قد حوّلت العبور من خلاله إلى مسألة خاضعة للتفاوض سواء عبر السيطرة المباشرة أو أدارته بشكل أو أخر، لكن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية وضعت المضيق في قلب التسوية، وحوّلت أزمة وُلدت من التصعيد إلى جائزة دبلوماسية هزيلة للرئيس الأمريكي.
والأكثر تعقيداً من ذلك أن واشنطن لا تفاوض خصماً تقليدياً، بل نظاماً تصفه بشكل روتيني بأنه الراعي الأول للإرهاب في العالم، وهذا ما يجعل المذكرة التي تنص على إتاحة الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى صندوق لإعادة الإعمار، أمراً يصعب التوفيق بينه وبين الأهداف المعلنة للحرب، ففي الاقتصاد السياسي الإيراني، حيث تتشابك مؤسسات الدولة والأمن والحرس الثوري والاقتصاد بعمق عبر شبكات النفوذ، لا تُعد تلك الأموال بنداً مالياً محايداً، فكل دولار يخفف الضغط عن النظام ويوسّع هامش المناورة لديه.
ولهذا السبب، فإن المذكرة، لا تبدو نهاية للحرب بقدر ما تبدو اعترافاً بأن تعريف النصر قد فشل.
لقد بدأت الحرب بأهداف أمريكية واسعة، وهي تنتهي -مؤقتاً- بمجرد إدارة نتائجها، أما إيران، فقد حصلت في المقابل على ما تحتاج إليه أكثر من غيره: وقت لإعادة البناء، ومال لتخفيف الضغط، وسردية صمود يمكن تسويقها بسهولة في الداخل وعبر المنطقة.
هذه ليست مسألة هامشية، فعندما تبدأ حرب بأهداف مرتبطة بتفكيك قدرة دولة ما على الردع، ثم تنتهي بتفاهم حول إدارة المضيق وتوفير الأموال، فهذا يعني أن الحرب انتقلت من محاولة لتغيير ميزان القوة إلى محاولة لاحتواء نتائجها هي نفسها.
عندما تبدأ حرب بأهداف مرتبطة بتفكيك قدرة دولة ما على الردع ثم تنتهي بتفاهم حول إدارة المضيق وتوفير الأموال فهذا يعني أنها انتقلت من محاولة لتغيير ميزان القوة إلى احتواء نتائجها
مذكرة التفاهم وسابقة هرمز
تشير المذكرة إلى أن إيران احتفظت بأدوات نفوذها الرئيسية، كما تُظهر أن واشنطن تحتاج إلى ترتيب يمنع هذه الأدوات من دفع المنطقة نحو انفجار أوسع، وهذا هو الفارق الجوهري بين نصر يفرض الشروط ونصر يحاول إخفاء الفشل عبر تغيير أهداف الحرب الأصلية، والنتيجة هي أن ترامب يعلن نصراً سياسياً -باهظ الثمن في أحسن الأحوال- عبر إعادة تصوير وقف إطلاق النار وجولة جديدة من المفاوضات كهدف بحد ذاته.
لقد أصبح ضمان حرية الملاحة عبر مضيق هرمز أحد الأهداف المركزية للمذكرة، ويجري تقديم تحقيق هذا الهدف باعتباره انتصاراً، رغم أن واشنطن عالجت فعلياً مشكلة لم تكن موجودة قبل اندلاع الحرب، وبدلاً من الإشارة إلى تفكيك قدرات إيران الصاروخية والمسيّرة والنووية وقدرات وكلائها، ستدير واشنطن عناوين الأخبار حول مضيق أُعيد فتحه، وتدفقات طاقة لم تنقطع، ونهاية للتصعيد.
ولا تُظهر التسوية فقط كيف يمكن للحروب أن تولّد أهدافاً جديدة بدلاً من تحقيق أهدافها الأصلية، بل تكشف أيضاً تناقضاً أعمق، فإذا كان بإمكان طهران تهديد مضيق هرمز، ثم انتزاع اتفاق لإعادة فتحه، فإن الجغرافيا نفسها تصبح أصلاً تفاوضياً دائماً يمكن توظيفه، وبدلاً من تقليص قدرة إيران على الإكراه، تخاطر المذكرة بإظهار أن الابتزاز البحري قادر فعلاً على إنتاج مكاسب سياسية، ليصبح هرمز سابقة مشؤومة ونموذجاً للإكراه الجيو-اقتصادي، جرى اختباره في مواجهة المهيمن العسكري العالمي.
واشنطن تمنح الإرهاب شريان حياة
ما نصت عليه المذكرة في البنود 4 و10 و11 سيكون له أثراً استراتيجياً بالغاً، فالمال قابل للاستبدال، وكل دولار يخفف الضغط عن النظام يحرر دولاراً آخر يمكن توجيهه إلى الحرس الثوري، أو إعادة الإعمار العسكري، أو شبكات الوكلاء، أو تثبيت الوضع الداخلي، وفي لحظة تسعى فيها طهران إلى إصلاح أضرار الحرب، فإن كل ما ستحصل عليه يمثل مكسباً مالياً كبيراً يوفر للنظام متنفساً حقيقياً.
هذا أكثر من مجرد تنازل دبلوماسي؛ إنه تناقض في قلب منطق الحرب، فإذا كانت العملية قد أُطلقت لتفكيك ماكينة التهديد الإيراني، فإن ضخ السيولة في النظام لا يفعل سوى تزييت الماكينة التي تشغّل ذلك التهديد، وإذا كانت إيران، كما يقول الأمريكيون، الممول الأول للإرهاب، فإن الإفراج عن مليارات الدولارات يجعل واشنطن تبدو وكأنها تعاقب النظام بيد وتعيد تغذيته باليد الأخرى.
وقف إطلاق النار مساحة للإصلاح
المسألة الأكثر إلحاحاً هي: لماذا قد تقدم إيران خلال الأيام الستين المقبلة ما لم تقدمه وهي تحت القصف والحصار؟، هذه هي نقطة الضعف الحاسمة في منطق المذكرة، إذ لم تقدم طهران تنازلات بينما كانت تواجه ضغطاً عسكرياً مباشراً؛ ولديها الآن سبب أقل لفعل ذلك بعد حصولها على وقف لإطلاق النار، وانفتاح اقتصادي جزئي، وتخفيف مالي، واعتراف بها كفاعل لا غنى عنه في أمن مضيق هرمز، فالحوافز الجديدة لا تدفعها إلى التراجع؛ بل تمنحها سبباً إضافياً للصمود.
في هذا السياق، لا يكون وقف إطلاق النار مجرد نافذة تفاوضية، بل مساحة للإصلاح، فإذا كانت التقارير دقيقة بأن إيران استخدمت فترات توقف سابقة لترميم عناصر من بنيتها العسكرية، واستئناف إنتاج الطائرات المسيّرة، وإعادة بناء مخزونات الصواريخ، فإن ستين يوماً أخرى تحت ضغط أقل وبموارد أكبر قد تكون أثمن من أي تنازل تفاوضي قد تحصل عليه، فما تحتاجه طهران الآن ليس نصراً عسكرياً كاملاً، بل الوقت، والوقت هو بالضبط ما تمنحه المذكرة.
ستون يوماً أخرى تحت ضغط أقل وبموارد أكبر قد تكون أثمن من أي تنازل تفاوضي فما تحتاجه طهران الآن ليس نصراً عسكرياً كاملاً بل الوقت وهو بالضبط ما تمنحه المذكرة
تبدو واشنطن وكأنها تريد من إيران أن تتصرف كدولة مهزومة، لكن المذكرة تمنحها شروط دولة نجت من الحرب، وبدلاً من خلق حوافز للتسوية، فإنها تخاطر بتعزيز قدرة إيران على مقاومتها.
إيران لا تحتاج إلى الانتصار كي تستفيد
في الأنظمة ذات الأيديولوجيا المتشددة، لا يُقاس النصر دائماً بالمكاسب العسكرية، بل بالقدرة على تحويل البقاء إلى سردية سياسية، فالنظام الإيراني لا يحتاج إلى الخروج من الحرب بلا خسائر كي يدّعي النجاح، إذ يكفيه أن يقول إنه صمد أمام القوة الأمريكية والإسرائيلية، وحافظ على قدراته الأساسية، وأنهى النزاع لا عبر الاستسلام بل عبر مفاوضات يمكن القول إنها تحسّن موقعه الاستراتيجي.
قد تكون هذه السردية أهم مكسب للنظام، فقبل الحرب، واجهت طهران ضعفاً اقتصادياً، وضغطاً اجتماعياً، واحتجاجات جماهيرية، وتآكلاً عاماً في الشرعية، أما اليوم، فتتيح لها المذكرة إعادة صياغة المشهد بأكمله، لا كنظام محاصر يبحث عن مخرج، بل كدولة صمدت في مواجهة قوى عسكرية متفوقة ولا تزال قائمة، وهذه السردية لن تحل مشاكل إيران، لكنها تعزز تماسكها السياسي، وتجعل المعارضة أقل شرعية على المدى القريب.
وفي ذات السياق تعلن إيران وبشكل واضح أن حزب الله جزءاً منها، وتضع لبنان محوراً أساسياً في المذكرة، لتؤكد أن ما قامت به لحماية الحزب في لبنان، دليل واضح على أن طهران لا تتخلى عن أذرعها، وهذه السردية أقوى سلاح قد تستغله لاستعادة نفوذها وقوتها في المنطقة.
وقد تمتد الآثار إلى ما هو أبعد من إيران نفسها، فإذا نجحت طهران في تقديم النتيجة كدليل على أن صمودها أجبر واشنطن على التنازل والتفاوض، فإن ذلك يعزز الرسالة الموجهة إلى الحلفاء والوكلاء عبر المنطقة: البقاء هو النصر، وكلما أصبحت هذه السردية أقوى، أصبح من الأسهل السيطرة على الساحة السياسية الداخلية أيضاً، وإعادة تأطير النقد السياسي باعتباره تهديداً للوحدة بعد الحرب.
الساسانيون عادوا بقوة
لم يكن استحضار المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي للتاريخ الساساني خلال جولات التفاوض على مذكرة التفاهم مجرد إشارة ثقافية عابرة أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، فعبر تذكّر الصراع بين الإمبراطور الروماني فيليب العربي وفارس الساسانية، ذكّر القراء بأن روما لم تحقق النصر بل عادت للتفاوض على السلام، وهذا يتعلق بالسياسة المعاصرة بقدر ما يتعلق بالتاريخ القديم، والرسالة واضحة: قد تضرب القوى الكبرى إيران، لكنها في النهاية تعود إلى الطاولة، وهكذا تتحول المذكرة من وثيقة تهدئة مؤقتة إلى دليل على أن القوة الغربية لم تستطع فرض الاستسلام.
قد تبدو المقارنة التاريخية مبالغاً فيها من منظور استراتيجي بارد، لكنها فعالة سياسياً داخل نظام أيديولوجي يعيش على الذاكرة والرمزية، فهذا أكثر من مجرد افتتان بالتاريخ، فالنظام الإيراني لا يسعى فقط إلى إدارة النتائج العسكرية أو الاقتصادية للحرب، بل إلى تثبيتها في الوعي السياسي باعتبارها فصلاً جديداً في صراع طويل مع القوى الخارجية، وفي هذا السياق، لا يكون منشور بقائي هامشاً في سردية الحرب، بل نافذة على تفكير النظام، حيث تستعد طهران للمعركة التالية بعد أن تصمت المدافع: معركة من يملك حق تعريف معنى الحرب.
النظام الإيراني لا يسعى فقط إلى إدارة النتائج العسكرية أو الاقتصادية للحرب بل إلى تثبيتها في الوعي السياسي باعتبارها فصلاً جديداً في صراع طويل مع القوى الخارجية
إذا باعت واشنطن المذكرة باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً، فستبيعها إيران باعتبارها نسخة معاصرة من سلام ساساني جديد، فالحرب التي بدأها خصم أقوى انتهت بمذكرة للتفاوض من دون أن يحقق المُهيمن لا الاستسلام ولا أهداف الحرب الأصلية.

لن يبقى أثر المذكرة داخل إيران، فمن المرجح أن يفسر حلفاء طهران ووكلاؤها في لبنان والعراق واليمن وأماكن أخرى النتيجة كدليل على أن الصمود يؤتي ثماره، فإذا خرجت إيران ونظامها باقٍ، وقدراتها الأساسية محفوظة، والمفاوضات جارية، فلن ترى هذه الجماعات هزيمة بل تزكية، وستكون واشنطن قد مكّنت القوى نفسها التي سعت إلى إضعافها وتدميرها، مع إنفاق عشرات المليارات من الدولارات، وبدلاً من كسر موقع إيران في مركز هذه الشبكة، من المرجح أن تقوي نتيجة الحرب معنوياتها وتماسكها.
ستكون الرسالة أن واشنطن وإسرائيل لم تستطيعا كسر طهران، فالبقاء نفسه شكل من أشكال الردع الاستراتيجي، وهذا ليس مجرد دعاية؛ بل سيكون مركزياً في تجنيد الأتباع وتبرير توسع جماعات المقاومة شبه العسكرية المتحالفة مع طهران عبر المنطقة.
وقد يدفع الانتصار الرمزي قوى إضافية في المنطقة -حتى تلك غير المرتبطة عضوياً بطهران- إلى فهم إيران باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه الولايات المتحدة وإسرائيل والخروج ونظامها باقٍ، ففي السياسة الإقليمية، يكون الإدراك أحياناً أهم من التفاصيل الكاملة، وإذا استطاعت إيران بيع المذكرة كنصر، فإن قوتها الرمزية ومكانتها ستتوسعان أكثر، حتى لو تضررت قدراتها المادية.
حلفاء الخليج يتحوطون في بيئة متقلبة
يريد ترامب أن تظهر المذكرة كجهد تعاوني للدبلوماسية الإقليمية مع شركاء أمريكا لا كشيء فرضته الظروف، لكن الوضع أكثر تعقيداً مما يبدو، فدول الخليج التي ستكون قد شاركت في المشاورات لا تتحرك فقط لدعم اتفاق، بل أيضاً لإدارة المخاطر التي أنتجها التحول في الوضع الأمني الأمريكي الأوسع نفسه، ما يؤكد ذلك أن عدداً من هذه الدول فتحت بالفعل قنوات ثنائية لخفض التصعيد مع إيران قبل التوصل إلى المذكرة الأمريكية.
بالنسبة إلى دول الخليج، ليست المشكلة في الدبلوماسية نفسها، بل في المسار الذي وصل عبره ترامب إليها بعد أشهر من حرب مدمرة، فالانتقال من أهداف قصوى ضد إيران إلى مذكرة تفاهم غير مكتملة يثير سؤالاً جدياً حول موثوقية أمريكا، وما تقدمه واشنطن كدعم إقليمي للتسوية قد يعكس بدلاً من ذلك تحوطاً استراتيجياً ضد عدم اليقين الأمريكي، مدفوعاً برئيس لا يمكن التنبؤ به.
ولهذا السبب، لا ينبغي التعامل مع دعم دول الخليج للدبلوماسية باعتباره تفويضاً لنتائج الاتفاق، فهي تدرك أن رفض خفض التصعيد قد يتركها في مواجهة مباشرة مع إيران إذا غيّرت واشنطن مسارها وانسحبت، كما تعلم أن دعم استمرار الحرب لا يضمن استمرار الالتزام الأمريكي بها، وبهذا المعنى، فإن الموقف الأكثر عقلانية هو تجنب الظهور بمظهر من يدفع واشنطن نحو التصعيد، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بمخاوف عميقة تجاه تسوية لا تعالج قضايا رئيسية مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والوكلاء.
في ضوء ذلك، لا تدفع العواصم الإقليمية بالضرورة ترامب نحو الاتفاق بقدر ما تتحوط ضد كلفة تقلبه، فهي لا تريد أن تتحمل مسؤولية استمرار الحرب إذا انسحب ترامب فجأة، ولا تريد أن تظهر كمن يعرقل الدبلوماسية إذا اختار البيت الأبيض تسويق المذكرة كإنجاز.
لكن هذا لا يعني أنها ترى في الاتفاق ضمانة أمنية كافية، أو أنها تثق بأن فتح مضيق هرمز، ورفع الحصار، والإفراج عن الأموال، سيعالج جوهر التهديد الإيراني.
لذلك، فإن الدعم الإقليمي للمذكرة، في جوهره، من الأفضل توصيفه باعتباره محاولة أمريكية لتوسيع الغطاء السياسي لقرارها الخاص، لا بناء اتفاق قائم على توافق استراتيجي حقيقي.
إعادة تسعير الخطر في الخليج
يبقى الخليج الساحة الأكثر تعرضاً لأي تسوية تُبقي أدوات القوة الإيرانية سليمة، فالصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، وشبكات الوكلاء ليست قضايا نظرية بالنسبة إلى دول الخليج، بل أدوات ضغط مباشرة على البنية التحتية للطاقة، والموانئ، والمدن، وتدفقات الاستثمار، وأسواق التأمين، وطرق التجارة، وإذا بقيت هذه القضايا خارج إطار مُلزم، فإن التهديد لا يختفي؛ بل يُعاد تسعيره فحسب.
الخطر ليس عسكرياً فقط، فتسوية تُبقي قدرة طهران الإكراهية سليمة قد تعزز التصور بأن الملاحة، والبنية التحتية للطاقة، والتجارة الإقليمية تبقى عرضة لجولات تصعيد مستقبلية، وإذا خرجت إيران من الحرب مشجعة سياسياً ومعززة مالياً، فستواجه دول الخليج خصماً أقل تقييداً، لا أكثر، وفي هذا السياق، تصبح الجغرافيا نفسها مصدراً لنفوذ دائم في التفاوض طويل الأمد أو الابتزاز الاقتصادي.
إذا خرجت إيران من الحرب مشجعة سياسياً ومعززة مالياً فستواجه دول الخليج خصماً أقل تقييداً وتصبح الجغرافيا مصدراً لنفوذ دائم في التفاوض طويل الأمد أو الابتزاز الاقتصادي
هنا، لا يعود الأمن مسألة عسكرية فحسب، بل يصبح مسألة مالية، وإذا اعتقد المستثمرون وشركات التأمين وأسواق الطاقة أن الخليج يمكن أن يهتز مع كل جولة تصعيد بين واشنطن وطهران، فإن كلفة رأس المال سترتفع وستتغير حسابات المخاطر، وهذا لا يعني انهيار النموذج الاقتصادي الخليجي، لكنه يعني أن صورة الاستقرار الدائم التي تعتمد عليها جاذبية العواصم الخليجية ستواجه اختباراً أصعب بكثير.
التسوية لا تحل شيئاً
تجمّد المذكرة والمفاوضات التي تليها الصراع مؤقتاً، لكنها لا تحله، فهي لا تفكك الشروط الكامنة التي جعلت الحرب ممكنة: الصواريخ، والطائرات المسيّرة، والوكلاء، والملف النووي، وموقع إيران في الخليج، بعبارة أخرى، إنها تؤجل الحل بكلفة أعلى بكثير، فالحرب التي تعيد رسم موازين القوى لا تنتهي بمجرد فتح مضيق أو الإفراج عن أموال.
ربما يستطيع ترامب بيع المذكرة باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً، وربما تستطيع إيران بيعها باعتبارها نصراً سياسياً، وربما تستطيع العواصم الإقليمية قبولها كضرورة مؤقتة لتجنب حرب أوسع، لكن أياً من هذه التفسيرات لا يغيّر الحقيقة الأساسية.
يبقى السؤال المركزي كما كان في 28 فبراير 2026: من يضع قواعد القوة في الخليج، ومن يمتلك حق الردع، ومن يدفع ثمن التردد الأمريكي؟.
إذا لم تُحسم هذه الأسئلة في الأيام الستين المقبلة، فستعود لاحقاً إيران -في ظروف أقل ملاءمة-أكثر استعداداً، والوكلاء أكثر ثقة، ودول الخليج أكثر قلقاً، وإسرائيل أكثر استعداداً لاستغلال الفراغ، وواشنطن أقل قدرة على إقناع حلفائها بأنها تعرف كيف تنهي ما تبدأه.
الخطر ليس أن تنتهي الحرب بلا منتصر، بل أن تنتهي من دون حل المشكلة الاستراتيجية التي أنتجتها في المقام الأول، أو ما هو أسوأ: أن تقوّى اليد الإيرانية عبر منحها ما كانت تفتقر إليه قبل الحرب: المال، والوقت، وسردية مقنعة.
يبقى السؤال المركزي كما كان في 28 فبراير 2026: من يضع قواعد القوة في الخليج، ومن يمتلك حق الردع، ومن يدفع ثمن التردد الأمريكي؟.



