تحالف بريطانيا بلا نفوذ

تقرير
تحالف بريطانيا بلا نفوذ
بيرنهام يدخل داونينغ ستريت رئيساً جديداً لبريطانيا (أ ف ب)
ﺷﺎرك

دخل آندي بيرنهام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت في وقت تدعم فيه القواعد العسكرية البريطانية حرباً أمريكية مستمرة. إذ تنطلق الطائرات الأمريكية من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد بمقاطعة غلوسترشير، ومن قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي، بموجب تفويض منحه رئيس الوزراء السابق كير ستارمر في مارس الماضي. ولم يكن بيرنهام صاحب هذا القرار، لكنه بات اليوم مسؤولاً عن تبعاته.

ومع انهيار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران خلال هذا الشهر، أصبحت كلتا القاعدتين ضمن نطاق صراع مفتوح. ولا يملك بيرنهام خيارات كثيرة؛ فقبل أن يرسم ملامح سياسته الخارجية الخاصة، يتعين عليه إدارة السياسة التي ورثها عن سلفه.

وقد كشفت أزمة مارس عن طبيعة أسس التحالف الأمريكي-البريطاني، وهي الأسس التي تشكل اليوم الإرث الذي يتسلمه رئيس وزراء لا يمتلك سجلاً يُذكر في الشؤون الدولية. ويطرح ذلك سؤالاً استراتيجياً محورياً لا يزال مفتوحاً: هل يقود بيرنهام شراكة استراتيجية تقوم على تبادل النفوذ والمصالح، أم أنه يتحرك بصورة تلقائية داخل علاقة تتسم باعتماد هيكلي على الولايات المتحدة؟ وسيكون الاختبار الحقيقي لفترة رئاسته للحكومة هو مدى قدرته على امتلاك هامش أكبر من التأثير داخل تحالف لا تستطيع بريطانيا تحمل التخلي عنه.

ما الذي كشفته أزمة مارس؟

رفض ستارمر في البداية طلب واشنطن استخدام الأراضي البريطانية لشن ضربات على إيران. لكنه تراجع عن موقفه في الأول من مارس 2026، وسمح للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد وقاعدة دييغو غارسيا لتنفيذ ما وصفه بـ”عمليات دفاعي”. وبعد ثلاثة أسابيع، وسّع نطاق التفويض ليشمل استهداف مواقع الصواريخ الإيرانية التي اعتُبرت مصدر تهديد لحركة الملاحة في مضيق هرمز، ما أتاح عمليًا تنفيذ عمليات هجومية.

وردّت إيران في اليوم التالي بإطلاق صاروخين باليستيين على قاعدة دييغو غارسيا البريطانية، الواقعة على بعد أكثر من ألفي ميل جنوب مضيق هرمز. إلا أن الصاروخين أخفقا في إصابة الهدف؛ إذ تعطل الأول أثناء الطيران، بينما اعترضت سفينة حربية أمريكية الثاني. ومع ذلك، شكّلت هذه الضربة أول استخدام عملياتي من جانب إيران لصواريخ متوسطة المدى، وهي صواريخ يصل مداها إلى عواصم أوروبية. وخلال الأزمة، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات متكررة إلى ستارمر، قبل أن يشبّهه لاحقاً برئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه رمزاً لسياسة الاسترضاء والسذاجة في التعامل مع أدولف هتلر.

كما تكشف شروط اتفاق استئجار قاعدة دييغو غارسيا عن اختلال واضح في موازين العلاقة بين البلدين. فبموجب معاهدة عام 2025، تخلت بريطانيا عن أرخبيل تشاغوس لموريشيوس، ثم استأجرت قاعدة دييغو غارسيا مجدداً لمدة 99 عاماً.

وكان ترامب قد انتقد في البداية عملية نقل السيادة، قبل أن يوافق عليها بعد مراجعة عدّلت بنود الاتفاق بما يخدم المصالح الأمريكية بصورة أكبر. وبموجب الترتيب الجديد، تدفع لندن في المتوسط 101 مليون جنيه إسترليني سنوياً، بتكلفة صافية تبلغ 3.4 مليارات جنيه إسترليني، مقابل الاحتفاظ بالسيادة القانونية على قاعدة تديرها القوات الأمريكية بشكل شبه حصري.

وباختصار، تبدو المعادلة واضحة: تدفع بريطانيا ثمن السيادة الاسمية، بينما تحتفظ واشنطن بالاستخدام الفعلي للقاعدة.

لحظة إقلاع مقاتلة أمريكية من قاعدة فيرفورد البريطانية لقصف إيران(أ ف ب)
لحظة إقلاع مقاتلة أمريكية من قاعدة فيرفورد البريطانية لقصف إيران(أ ف ب)

الأرض والموافقة واختلال التوازن

تكشف هذه الوقائع عن معادلة واضحة: توفر بريطانيا الأراضي والموافقة السياسية، بينما تنفذ الولايات المتحدة العمليات العسكرية وتحتفظ بقيادة القرار. ويمنح هذا الترتيب واشنطن قدرة استراتيجية على الانطلاق من قاعدة دييغو غارسيا نحو الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. أما لندن، فلا تحصل في المقابل إلا على صفة الدولة المضيفة، مع تحملها كامل المخاطر المترتبة على ذلك.

وقد أوضح سلوك ترامب خلال الأزمة طبيعة هذا الاختلال. فقد استخدم القاعدتين البريطانيتين، في الوقت الذي واصل فيه انتقاد رئيس الوزراء الذي أتاح له ذلك. وفي المقابل، لم تقدم واشنطن تنازلات تُذكر، بل مضت في فرض رسوم جمركية على واردات المعادن من الدول الحليفة، كما مارست ضغوطاً على لندن بشأن سياساتها تجاه الصين ومستوى إنفاقها الدفاعي.

ولو كانت العلاقة قائمة على شراكة متوازنة، لكان من المفترض أن يقابل منح حق استخدام القواعد التزام سياسي متبادل. إلا أن ما جرى خلال أزمة مارس أظهر أن بريطانيا لم تحصل على أي مقابل من هذا النوع.

ويعزز التعاون الاستخباراتي بدوره هذا النمط من الاعتماد. فقاعدة دييغو غارسيا، إلى جانب دور بريطانيا في تحالف العيون الخمس الاستخباراتي، يشكلان معاً أصلاً استراتيجياً واحداً، تقوم فيه لندن بتوفير موقعها الجغرافي مقابل الاحتفاظ بمقعد على طاولة الشراكة الأمريكية.

ويمنح هذا المقعد بريطانيا نفوذاً لا يضاهيه أي شريك أوروبي، لكنه في الوقت ذاته يجعل الانسحاب من هذه العلاقة خياراً شديد الكلفة بالنسبة إلى لندن. وهكذا، تصبح الموافقة البريطانية على استخدام أراضيها ورقة الضغط الحقيقية الوحيدة التي تمتلكها، لكنها تفقد جزءاً كبيرًا من قيمتها بمجرد أن تحاول بريطانيا استخدامها.

كما تبدو البنية القانونية التي تحكم هذه العلاقة أقل صلابة مما يوحي به توصيفها الرسمي. فالتمييز بين العمليات الدفاعية والهجومية يصعب الحفاظ عليه في ساحة حرب مفتوحة، إذ نادراً ما تظل الحملات الجوية الحديثة محصورة في إطار دفاعي بحت. ومن ثم، فإن هذا التمييز يكشف في حد ذاته حدود قدرة لندن على توظيف موافقتها كأداة ضغط استراتيجية.

التمييز بين العمليات الدفاعية والهجومية يصعب الحفاظ عليه في ساحة حرب مفتوحة إذ نادراً ما تظل الحملات الجوية الحديثة دفاعية بحتة وهذا ما يكشف حدود قدرة لندن على توظيف موافقتها كأداة ضغط استراتيجية

هامش المناورة المحدود

لا يملك آندي بيرنهام سوى هامش ضيق لإعادة صياغة هذا الترتيب. فقاعدة دييغو غارسيا تمثل ركيزة أساسية للنفوذ البريطاني عبر المحيط الهندي وما بعده، ولا يوجد بديل أوروبي يوفر المنصة الاستراتيجية ذاتها. لذلك، فإن الانسحاب سيكلّف بريطانيا أكثر مما قد يوفره لها. كما أن هذا الترتيب يسبق وصول بيرنهام إلى السلطة بعقود، إذ تعود جذوره إلى التعاون خلال الحرب العالمية الثانية، ثم إلى اتفاق التعاون الاستخباراتي في حقبة الحرب الباردة، الذي تطور لاحقًا إلى شبكة “العيون الخمس”. ونادراً ما تتمكن القوى المتوسطة من إعادة التفاوض على شروط الوصول العسكري مع قوة عظمى تعتمد عليها في الوقت نفسه.

ويؤكد التاريخ هذا النمط. فقد نجح رئيس الوزراء البريطاني الأسبق هارولد ويلسون في ستينيات القرن الماضي في إبقاء بريطانيا خارج حرب فيتنام، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التحالف مع الولايات المتحدة. إلا أنه كان يقود بريطانيا في موقع أقوى نسبياً، كما أنه لم يكن مقيداً بوجود قواعد عسكرية بريطانية تُستخدم مباشرة في الحملة الأمريكية.

أما أزمة السويس عام 1956، فتبقى المثال الأكثر دلالة، عندما أجهضت واشنطن العملية العسكرية البريطانية عبر سحب دعمها المالي. وكانت النتيجة إظهاراً واضحاً لحدود القوة البريطانية. ومنذ ذلك الحين، ظل النمط نفسه قائمًا: عندما تتباين مواقف لندن وواشنطن تحت الضغط، تميل بريطانيا في نهاية المطاف إلى الانصياع للتفضيلات الأمريكية.

ولا يقتصر هذا الاعتماد على قاعدة واحدة. فالولايات المتحدة تؤجر بريطانيا صواريخ ترايدنت النووية، وتتولى صيانتها في قاعدة كينغز باي بولاية جورجيا، كما توفر أنظمة التوجيه التي تعتمد عليها. وبذلك، فإن قوة الردع التي تصفها بريطانيا بأنها مستقلة تستند عمليًا إلى حسن نية الولايات المتحدة.

وخلال المؤتمر الربيعي لحزبه، الذي عُقد بالتزامن مع القتال، دعا إد ديفي إلى تطوير بديل بريطاني حقيقي، مستشهداً بعدم موثوقية ترامب. وإذا كان رئيس الوزراء لا يستطيع التهديد بصورة مقنعة بإنهاء استخدام القاعدة، فمن الصعب عليه أيضاً تحدي الترتيب الذي يضمن استمرار غواصاته النووية في أداء مهامها.

إذا كان رئيس الوزراء لا يستطيع التهديد بصورة مقنعة بإنهاء استخدام القاعدة فمن الصعب عليه أيضاً تحدي الترتيب الذي يضمن استمرار غواصاته في أداء مهامها

ويزيد وضع بيرنهام الشخصي من هذه القيود. فهو يصل إلى داونينغ ستريت من دون حضور دولي يُذكر خارج مدينة مانشستر، ومن دون سجل دبلوماسي أو شبكة علاقات راسخة في واشنطن. كما أن القيود المالية تحد من الموارد المتاحة للدفاع والدبلوماسية، في وقت تقلصت فيه بالفعل موازنة المساعدات الخارجية. وبهذه المعطيات، يبدو أن أولويته ستكون قيادة الملف الاقتصادي، فيما يكتفي بإدارة بقية الملفات.

وفي المقابل، يرى آخرون أن بيرنهام يمتلك هامشاً أوسع للمناورة. فمن الناحية القانونية، تمنحه الصلاحيات التنفيذية حرية تقليص استخدام القواعد العسكرية من دون الحاجة إلى تصويت برلماني. كما أن امتلاكه أغلبية كبيرة في مجلس العموم، إلى جانب انشغال الإدارة الأمريكية وانتهاجها أسلوبًا براغماتيًا في إدارة العلاقات، قد يتيحان له انتزاع شروط أفضل. إلا أن هذا التقدير، لا يراعي عامل التوقيت. فبيرنهام تولى السلطة في خضم حرب، وأي محاولة لتقييد استخدام القواعد البريطانية قد تُفسَّر في واشنطن على أنها تخلي عن الحليف، في وقت تبلغ فيه أهمية هذه القواعد بالنسبة للولايات المتحدة ذروتها.

وفي السابق، بدت مواقف بيرنهام تميل إلى الابتعاد عن ترامب، إذ وصف السياسة الأمريكية بأنها شديدة الاستقطاب و”سامة”، كما حذر أحد مستشاريه من أن بريطانيا لا تستطيع الاعتماد على واشنطن. غير أن مواقفه الأخيرة تجاه ترامب توحي باتباع نهج أكثر براغماتية. ولا يبدو هذا التحول مفاجئاً؛ فإطلاق المواقف السياسية لا يكلّفه الكثير، أما إعادة التفاوض على أسس العلاقة مع الولايات المتحدة فتترتب عليها كلفة أكبر بكثير، خصوصاً بعدما أظهرت واشنطن استعدادها لمعاقبة أي محاولة للابتعاد عنها.

حرب لم يخترها

حوّل تجدد الحرب في الخليج هذه القيود إلى اختبار مباشر. فقد انهار وقف إطلاق النار خلال هذا الشهر، واستأنفت الولايات المتحدة ضرباتها في أنحاء إيران. وفي المقابل، أغلقت طهران مضيق هرمز، واستهدفت ناقلات نفط فيه، كما شنت هجمات على قواعد أمريكية في أنحاء المنطقة. وباتت إيران الآن بقيادة مجتبى خامنئي، الذي اعتبر وزير خارجيته أن سماح بريطانيا باستخدام قواعدها العسكرية من قبل القوات الأمريكية يمثل مشاركة في “العدوان”.

وامتدت تداعيات الحرب إلى الأراضي البريطانية نفسها. فمن قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد، تنطلق القاذفات الأمريكية لتنفيذ عمليات فوق منطقة الخليج، ما يجعل مقاطعة غلوسترشير جزءاً فعلياً من مسرح الحرب. وكانت قاعدة دييغو غارسيا قد تعرضت بالفعل لهجوم إيراني، فيما قد يؤدي أي تصعيد أوسع إلى تعريض القاعدتين لمزيد من المخاطر. وكان ستارمر قد قرر أيضاً إرسال سفينة حربية ومقاتلات إضافية من طراز “تايفون” إلى المنطقة، ما عزز الحضور العسكري الذي بات بيرنهام يتولى مسؤوليته اليوم.

ولا يتيح هذا الواقع خيارات سهلة. فرفض استخدام القواعد البريطانية أو تقييده قد يؤدي إلى إلحاق ضرر بالعلاقة مع واشنطن، ويعزز اتهامات ترامب لبريطانيا بعدم الموثوقية. أما الإبقاء على الترتيب القائم، فيعني تعميق انخراط بريطانيا في حرب لم تختر خوضها. ولذلك، تبدو الاستمرارية الخيار الأسهل، لكنها تربط لندن بجدول العمليات الذي تحدده واشنطن.

الإبقاء على الترتيب القائم يعني تعميق انخراط بريطانيا في حرب لم تخترها ولذلك تبدو الاستمرارية الخيار الأسهل لكنها تربط لندن بجدول العمليات الذي تحدده واشنطن

الجبهة اليسارية

قد يأتي التحدي الأكبر من الداخل البريطاني. فالسماح باستخدام القواعد العسكرية من قبل قوات أجنبية يندرج ضمن الصلاحيات التنفيذية لرئيس الوزراء، ولا يتطلب تصويتاً في مجلس العموم. وبالتالي، سيتحمل بيرنهام المسؤولية السياسية المباشرة عن كل قرار من هذا النوع. وكان منح الولايات المتحدة حق استخدام القواعد قد أدى بالفعل إلى توحيد ائتلاف مناهض للحرب ضد ستارمر في مارس، ولم يزد هذا الائتلاف منذ ذلك الحين إلا اتساعاً. فقد تقدم جيريمي كوربن، الذي يتولى الآن قيادة حزب “حزبكم” في البرلمان، بمشروع قانون مدعوم من عدة أحزاب لنقل صلاحية اتخاذ القرار من الحكومة إلى البرلمان.

وشكل كل من حزب الخضر وحزبكم وتحالف المستقلين، إلى جانب عدد من نواب حزب العمال، جبهة داعمة لهذا المقترح. حيث كان حزب الخضر أكبر المستفيدين سياسياً. فبقيادة زاك بولانسكي، صعد الحزب إلى المركز الثاني في استطلاعات الرأي الوطنية، مقدماً الحرب على أنها صراع لم تكن بريطانيا بحاجة إلى خوضه، وربطها بارتفاع تكاليف المعيشة داخل البلاد.  كما طالب نواب الحزب الحكومة بتوضيح ما إذا كان بإمكانها رفض استخدام القواعد البريطانية لاستهداف أهداف أمريكية بعينها، وما إذا كانت ذخائر عنقودية قد خُزنت في تلك القواعد. وفي المقابل، يدعو برنامج حزبكم إلى إنهاء التدخلات العسكرية الخارجية.

وهذه هي الساحة التي يخسر فيها حزب العمال جزءاً متزايداً من مؤيديه. فالتمرد الداخلي الذي أطاح بستارمر استمد زخمه من التيار اليساري ذاته، وبيرنهام يرث اليوم المنصب والضغوط السياسية المرتبطة به.

ومن شأن استمرار استخدام القواعد البريطانية أن يمنح حزب الخضر وحزبكم قضية تعبئة سياسية في وقت لا يحتمل فيه حزب العمال مزيداً من الضغوط. ففي حين يواجه الحزب منافسة من حزب ريفورم على يمينه، يواجه أيضاً ضغوطاً من الكتلة المناهضة للحرب على يساره.

وتظهر استطلاعات الرأي بالفعل أن الرأي العام البريطاني يبدي قلقاً إزاء استخدام القواعد البريطانية في العمليات ضد إيران. كما أن رئيس وزراء وصل إلى السلطة بتفويض يركز على معالجة أزمة تكاليف المعيشة، لن يكون من السهل عليه تحمل تبعات حرب خارجية يُرجح أن تزيد تلك التكاليف.

حليف بارز أم مجرد إرث؟

لا يقتصر اختلال التوازن المرتبط بالقواعد العسكرية على العلاقة الثنائية بين بريطانيا والولايات المتحدة، بل يأتي في سياق إعادة تشكيل أوسع لمنظومة الأمن الأوروبي. فقد استضاف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال هذا الشهر، قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في أنقرة، حيث ناقش الحلفاء سبل تمويل هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5%  من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035.

ومرة أخرى، كانت واشنطن هي من رسمت شروط النقاش، إذ ربطت استمرار التزامها تجاه الحلف بزيادة مساهمات الحلفاء، وتعاملت مع الحلف بالطريقة نفسها التي تتعامل بها مع القواعد العسكرية، أي من منظور تقاسم الأعباء. ورغم أن الأمين العام للحلف مارك روته ركز على تنفيذ الالتزامات، فإن أوراق الضغط بقيت إلى حد كبير في يد الولايات المتحدة.

واستندت مكانة بريطانيا داخل أوروبا إلى ركيزتين أساسيتين. الأولى، قيادتها إلى جانب فرنسا لما يُعرف بـ”تحالف الراغبين” لدعم أوكرانيا، مع التعهد بإرسال قوات ضمن قوة طمأنة بعد انتهاء القتال. أما الثانية، فهي الدور الذي رسمته لنفسها بوصفها الوسيط الذي لا غنى عنه بين واشنطن وحلف شمال الأطلسي. لكن الركيزتين تواجهان اليوم ضغوطاً متزايدة. فقوة الطمأنة لم تتمكن من إحراز تقدم من دون الضمانات الأمريكية التي كانت تعتمد عليها منذ البداية، كما أن دور بريطانيا كحلقة وصل مع واشنطن قد يتراجع إذا واصل بيرنهام الابتعاد عن ترامب.

وفي الوقت نفسه، أدى تسارع وتيرة إعادة التسلح في أوروبا إلى تقليص قدرة بريطانيا على الادعاء بأنها تتمتع بوضع دفاعي متميز. ففرنسا تمتلك القوة النووية السيادية الوحيدة في أوروبا، بينما تنفق بولندا نحو 4.8%  من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع، كما نشرت ألمانيا لواءً عسكرياً دائماً في ليتوانيا. وبذلك، فإن ما تبقى من خصوصية بريطانيا الاستراتيجية يتمثل في القواعد العسكرية وشبكة الاستخبارات المرتبطة بها، وهي عناصر تعيد ربط مكانتها الأوروبية بعلاقة مع الولايات المتحدة لا تملك لندن السيطرة على مسارها.

ويدعو بعض المراقبين بريطانيا إلى تقليص اعتمادها على “العلاقة الخاصة” مع واشنطن والتوجه بصورة أكبر نحو أوروبا. إلا أن هذا الخيار، يظل محدوداً، إذ لا يوجد حتى الآن إطار أوروبي قادر على توفير المظلة النووية، والقدرات العسكرية المساندة، والدعم الاستخباراتي الذي تحصل عليه بريطانيا من الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، قد يكون وصف بريطانيا بأنها “الحليف الأبرز” للولايات المتحدة أقرب إلى تعبير اعتادت الأوساط السياسية ترديده، منه إلى دور ما زالت لندن تؤديه فعلياً.

الرهان المتبادل

تمثل الصين المحور الآخر الذي قد يسعى بيرنهام إلى التحرك من خلاله للحصول على هامش مناورة، إلا أن الاعتماد ذاته يفرض قيوده عليه هناك أيضاً. فقد كان التحول الذي أجراه ستارمر في يناير تجاه بكين محاولة للتحوط من الاعتماد على الولايات المتحدة، عبر تنويع رهانات بريطانيا خارج واشنطن. حيث أسفرت زيارة ستارمر عن إقامة شراكة استراتيجية شاملة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وإبرام صفقات تصدير بقيمة تقارب2.2  مليار دولار، إلى جانب فتح فرص وصول إلى السوق الصينية بقيمة 2.3  مليار دولار، فضلاً عن استثمار شركة أسترازينيكا بقيمة 15  مليار دولار في الصين. كما أنشأت شركة شيري مقرها الأوروبي في ليفربول، وأصبحت الصين ثالث أكبر شريك تجاري لبريطانيا.

وفي المقابل، تتعامل واشنطن مع سياسة بريطانيا تجاه الصين باعتبارها اختباراً للانحياز الجيوسياسي، ما يحد من مدى استمرار هذا التقارب. فقد حذّر ترامب من أن ممارسة الأعمال التجارية مع الصين قد تكون خطرة بالنسبة لبريطانيا. وأي إعادة ضبط للعلاقة مع بكين ستظهر أولاً في ملفات مراجعة الاستثمارات الصينية، والتعرض لقطاع أشباه الموصلات، والاعتماد على المعادن الحيوية. كما أن اعتماد بريطانيا على القواعد العسكرية الأمريكية لا يترك لها هامشًا كبيراً للموازنة بين القوتين عبر سياسة “اللعب على الطرفين”.

قاذفات بي-2 في قاعدة أمريكية في جزيرة دييغو غارسيا بموريشيوس (أ ف ب)
قاذفات بي-2 في قاعدة أمريكية في جزيرة دييغو غارسيا بموريشيوس (أ ف ب)

المسار الأقرب

يتمثل المسار الأكثر احتمالاً في استمرار الإدارة الحالية للعلاقة بدلاً من إعادة التفاوض على أسسها. ومن المرجح أن يحافظ بيرنهام على تفويض استخدام القواعد العسكرية، مع اتخاذ مسافة خطابية محدودة من ترامب أمام الجمهور المحلي، والسعي بحذر إلى تعزيز الانفتاح على أوروبا وبكين. ويحافظ هذا النهج على العلاقة القائمة من دون إعادة تقييم شروطها، وهو ما يتناسب مع القيود التي ورثها. كما أنه يشبه نهج سلفه الذي دفع ثمن حذره بانتقادات ترامب، من دون أن يحقق استقلالية أكبر.

لكن الاستمرارية لها كلفتها الداخلية أيضاً. فكل شهر تخدم فيه القواعد حرب واشنطن، يكتسب التيار المناهض للحرب قضية جديدة، ويزداد انقسام الجناح اليساري لحزب العمال. وقد يجد بيرنهام أن الثمن المحلي للموافقة يرتفع بوتيرة أسرع من الثمن الدبلوماسي للرفض. وإذا حدث هذا التحول، فإنه سيعيد تشكيل الحسابات التي وضعها ستارمر.

كل شهر تخدم فيه القواعد حرب واشنطن يكتسب التيار المناهض للحرب قضية جديدة ويزداد انقسام الجناح اليساري لحزب العمال وقد يجد بيرنهام أن الثمن المحلي للموافقة يرتفع بوتيرة أسرع من الثمن الدبلوماسي للرفض

وقد تدفع ثلاثة تطورات محتملة نحو اتخاذ قرار أكثر حسماً من جانب بيرنهام. فتصاعد المواجهة في الخليج واتساع نطاق الحرب قد يفرض على الحكومة البريطانية اتخاذ موقف علني بشأن استمرار استخدام الولايات المتحدة للقواعد العسكرية البريطانية. كما أن أي مطالب مباشرة من ترامب، سواء بشأن السياسة تجاه الصين أو زيادة الإنفاق الدفاعي، قد تجعل رفضها أكثر صعوبة من الناحية السياسية. إضافة إلى ذلك، فإن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وتقليص الهامش المالي الذي يعتمد عليه برنامج بيرنهام الداخلي. ويبقى الخيط الناظم لهذه الملفات جميعاً واحداً. ففي القواعد العسكرية، وحلف الناتو، والعلاقة مع الصين، تواجه بريطانيا القيد ذاته: فهي تعتمد على القوة الأمريكية أكثر مما تعتمد الولايات المتحدة عليها.

ويمكن لبيرنهام تعديل الخطاب، أو اتباع سياسة موازنة محدودة، لكنه لا يستطيع إعادة صياغة هذه المعادلة خلال عامه الأول، وربما ليس خلال ولايته الأولى كاملة. وتظل الخلاصة الأعمق ذات طابع هيكلي، وستتجاوز الأزمة الحالية. فولاية بيرنهام تستند إلى أجندة داخلية، لكن الالتزامات الموروثة باتت تحدد بالفعل خياراته الأولى في السياسة الخارجية. فهو يتولى قيادة قواعد تخدم حرب دولة أخرى، وفق شروط وُضعت قبل وقت طويل من وصوله إلى السلطة. وقد يكون السؤال الأهم الذي سيحدد إرثه السياسي هو: هل سيتمكن من تغيير كلفة منح حق الوصول، أم سيكتفي بدفع ثمنها؟

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.