نهر تومين: الفيتو الاستراتيجي لكوريا الشمالية

تقرير
بوتين وشي يتصافحان خلال حفل استقبال في بكين (أ ف ب)
بوتين وشي يتصافحان خلال حفل استقبال في بكين (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أمضت الصين وروسيا عقوداً في محاولة فتح نهر تومين أمام الملاحة، لكن كوريا الشمالية لا تزال تقف عائقاً أمام هذا المسعى. ففي مايو، تعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بدفع جهود تمكين السفن الصينية من الملاحة عبر النهر الحدودي، مانحين بكين أقوى دعم لها حتى الآن. ويعكس هذا الإعلان طموح الصين المستمر للحصول على منفذ مباشر إلى بحر اليابان، وهو المنفذ الذي فقدته بموجب معاهدة بكين غير المتكافئة عام 1860.

ويأتي سعي بكين إلى الوصول المباشر إلى بحر اليابان في إطار جهود أوسع لتعزيز بدائل النقل الإقليمي والربط الاقتصادي، مع ما يحمله ذلك من تداعيات بحرية محدودة. لكن عندما أجرى شي زيارة نادرة إلى بيونغ يانغ في يونيو، غابت هذه القضية تماماً عن جدول الأعمال. وقد عكس هذا الصمت حقيقة جيوسياسية لافتة؛ فحتى مع توافق موسكو وبكين، لا تزال كوريا الشمالية تحتفظ بحق النقض الاستراتيجي الحاسم، ولا تبدو مستعدة للتخلي عنه في المستقبل المنظور.

ولا يمثل تجاهل هذه القضية مجرد انتكاسة دبلوماسية للصين، بل يعد دليلاً واضحاً على أن كوريا الشمالية تضع الحفاظ على سيادتها، حتى في مناطقها الحدودية النائية، فوق أي مكاسب اقتصادية أو استراتيجية قد تجنيها من الاستجابة لرغبات جارتيها العملاقتين. كما يشكل ذلك أحدث مؤشر على أن الاعتماد الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى الامتثال الاستراتيجي.

الجمود الدبلوماسي رغم الزخم الثنائي

استند البيان المشترك بين شي وبوتين إلى اتفاق حدودي ثلاثي يعود إلى عام 1991 بوصفه الأساس القانوني لإجراء مشاورات بشأن نهر تومين. وسعى التعهد المشترك إلى تنسيق الموقف مع بيونغ يانغ لتسهيل وصول الصين التجاري عبر آخر 15 كيلومتراً من مجرى النهر. غير أن البيان لم يتضمن خريطة طريق للتنفيذ، ولم يخصص تمويلاً للبنية التحتية اللازمة، كما لم ينشئ لجنة تقنية مشتركة ذات صلاحيات ملزمة. وبدلاً من ذلك، اكتفى بالالتزام بمواصلة المشاورات، وهو صياغة تعكس الإقرار بوجود مشكلة دبلوماسية قائمة.

ويشير الصمت بشأن ملف نهر تومين عقب زيارة شي إلى بيونغ يانغ إلى أن التعهد الصيني-الروسي لم يترجم إلى تقدم عملي. وخلال القمة الثنائية، جدّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون دعم بلاده لمواقف بكين الجوهرية المتعلقة بالسيادة في تايوان وبالنزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي. في المقابل، شدد شي على أهمية استعادة العلاقات الثنائية بعد سنوات من العزلة التي فرضتها جائحة كوفيد-19.

جسر السكة الحديدية بين روسيا وكوريا الشمالية ومصب نهر تومين (أ ف ب)
جسر السكة الحديدية بين روسيا وكوريا الشمالية ومصب نهر تومين (أ ف ب)

ورغم عدم وضوح تفاصيل ما دار بين الزعيمين، فإن هذا النمط يعكس وجود قيد جوهري على النفوذ الصيني. فعلى الرغم من التفاوت الاقتصادي الكبير بين بكين وبيونغ يانغ، حيث تمثل الصين نحو 90% من التجارة الخارجية لكوريا الشمالية، تمكنت الدولة الأصغر من مقاومة مبادرة متعددة الأطراف حظيت بدعم صريح من أهم حليفين لها. ويُظهر السجل الدبلوماسي أنه حتى في حال تنسيق موسكو وبكين مواقفهما، فإنهما لا تستطيعان بصورة منفردة إلزام كوريا الشمالية بالتخلي عن سيادتها الإقليمية في المناطق الحدودية ذات الحساسية الاستراتيجية.

يُظهر السجل الدبلوماسي أنه حتى في حال تنسيق موسكو وبكين مواقفهما فإنهما لا تستطيعان بصورة منفردة إلزام كوريا الشمالية بالتخلي عن سيادتها في المناطق الحدودية ذات الحساسية الاستراتيجية

يعكس استعداد روسيا لدعم طموحات الصين بشأن نهر تومين تزايد اعتماد موسكو على الدعم الاقتصادي الصيني، بعد سنوات من العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. وأصبحت روسيا أكثر استعداداً لتقديم تنازلات في قضايا إقليمية كانت تتحفظ عليها سابقاً، بما في ذلك احتمال توسيع النشاط التجاري الصيني بالقرب من حدودها البحرية في أقصى الشرق.

غير أن موافقة موسكو على ملف نهر تومين تبقى عديمة الأثر عملياً من دون موافقة كوريا الشمالية. فوفقاً للترسيمات القانونية الدولية الحالية، تشترك روسيا وكوريا الشمالية وحدهما في آخر 15 كيلومتراً من مجرى النهر، بينما تنتهي الحدود الصينية عند قرية فانغتشوان، ما يجعل المقاطعات الشمالية الشرقية للصين محرومة من منفذ بري مباشر إلى المنطقة البحرية المجاورة. وبالتالي، فإن أي اتفاق بين بكين وموسكو يستثني بيونغ يانغ ما هو إلا استعراض دبلوماسي لا حل عملي.

أي اتفاق بين بكين وموسكو يستثني بيونغ يانغ ما هو إلا استعراض دبلوماسي لا حل عملي

ويعزز السجل التاريخي الشكوك بشأن إمكانية تحقيق اختراق في المدى القريب. فقد جرى الاستناد مراراً إلى اتفاق الحدود الثلاثي المبرم عام 1991، والمشار إليه في بيان مايو 2026، على مدى العقود الثلاثة الماضية، من دون أن يفضي إلى أي تغيير جوهري في موقف كوريا الشمالية. كما انهارت جولات متعددة من المشاورات الفنية خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة إلى الفشل، بسبب رفض بيونغ يانغ السماح بأعمال تجريف النهر وإجراء التعديلات اللازمة على البنية التحتية لاستيعاب حتى السفن التجارية الصغيرة.

ويشير هذا النمط إلى أن البيانات المشتركة الصادرة عن بكين وموسكو بشأن تعزيز الربط الإقليمي تؤدي في المقام الأول دوراً رمزياً، يتمثل في إظهار التنسيق الاستراتيجي بين البلدين في مواجهة الأطر الأمنية التي يقودها الغرب، من دون أن تمتلك آليات ملزمة لتجاوز رفض كوريا الشمالية.

الجغرافيا الاستراتيجية وحسابات السيادة

يرتكز جوهر الخلاف على المنطقة الحدودية بين روسيا وكوريا الشمالية قبل مصب نهر تومين في بحر اليابان. ويضم هذا الجزء بنية تحتية ومواقع جغرافية بالغة الأهمية تتوافق مع أولويات الأمن القومي لكوريا الشمالية. ومن أبرز هذه المنشآت جسر الصداقة بين كوريا وروسيا، وهو جسر للسكك الحديدية شُيّد خلال حقبة الحرب الباردة، إلى جانب جسر خاسان–تومانغانغ الذي أُنشئ حديثاً، ويُعد أول جسر بري يربط البلدين. ويبلغ ارتفاع هذين الجسرين أقل من عشرة أمتار، ما يجعلهما عائقاً مادياً أمام الطموحات البحرية الصينية، إذ يمنعان مرور أي سفن أكبر من المراكب ذات الغاطس الضحل.

ويتطلب تحويل النهر إلى ممر صالح للملاحة التجارية واسعة النطاق إما هدم الجسرين وإعادة بنائهما بارتفاع أكبر بكثير، أو تنفيذ عمليات تجريف ضخمة ومتواصلة لخفض قاع النهر بما يسمح بمرور السفن الأكبر حجماً.

غير أن كلا الخيارين ينطوي، من وجهة نظر بيونغ يانغ، على تهديد مباشر لاستقلالها الاستراتيجي. فهدم جسر الصداقة وإعادة بنائه يستلزم تعليقاً مطولاً لحركة السكك الحديدية، التي تمثل حالياً شريان النقل البري الرئيس لكوريا الشمالية مع روسيا، سواء لواردات الوقود أو للتجارة الثنائية. والأهم من ذلك، أن أي مشروع إنشاءات واسع النطاق سيستدعي دخول مهندسين صينيين وآليات ثقيلة وعناصر أمنية لفترات طويلة إلى منطقة حدودية تضم منشآت رادار ساحلية كورية شمالية سرية، ومواقع مدفعية، وثكنات لقوات حرس الحدود.

وتنظر بيونغ يانغ إلى حدودها الشمالية الشرقية باعتبارها منطقة عسكرية مغلقة، تُفرض فيها قيود صارمة على الوجود الأجنبي، للحيلولة دون جمع معلومات استخباراتية عن قدراتها الدفاعية.

يعكس استمرار كوريا الشمالية في عرقلة مشروع فتح نهر تومين أولوية الاستقلال الاستراتيجي لديها على أي حوافز اقتصادية محتملة. ويستند هذا الموقف إلى قناعة بأن الحفاظ على السيادة المطلقة على المناطق الحدودية يمثل ركناً أساسياً لبقاء النظام. وترى القيادة الكورية الشمالية أن أي تنازل بشأن نهر تومين سيشكل سابقة تفتح الباب أمام إدارة دولية لجزء من أراضيها. كما تعتبر أن منح السفن الصينية حق المرور سيؤدي تدريجياً إلى تحويل المجرى المائي من ممر يخضع لسيادتها الكاملة إلى ممر يُدار بصورة مشتركة، بما يقلص قدرة بيونغ يانغ على التحكم في الحركة عبر حدودها.

ومن ثم، فإن كسر حالة الجمود الحالية سيتطلب تعويضات وضمانات أمنية ملزمة قانونياً، لم تُبدِ الصين حتى الآن استعداداً أو قدرة على تقديمها. ومن المرجح أن تطالب بيونغ يانغ بنصوص معاهدات رسمية تقصر الوجود الصيني على السفن التجارية المدنية، وتحظر صراحة أي وجود عسكري أو لخفر السواحل، مع منح كوريا الشمالية حق النقض بشأن إجراءات تفتيش السفن والموافقة على عبورها.

في المقابل، ينطلق سعي الصين إلى الوصول إلى نهر تومين من اعتبارات تتعلق بتحسين كفاءة النقل الإقليمي وتعزيز المرونة الاستراتيجية، أكثر من ارتباطه بأهداف توسعية عسكرية مباشرة. فالمراكز الصناعية غير الساحلية في مقاطعتي جيلين وهيلونغجيانغ تضطر حالياً إلى نقل بضائعها آلاف الكيلومترات جنوباً عبر السكك الحديدية إلى موانئ مزدحمة مثل داليان وتيانجين، قبل شحنها إلى اليابان أو كوريا الجنوبية أو جنوب الصين.

ويؤدي هذا المسار الطويل إلى زيادة كبيرة في زمن النقل وتكاليفه، ما يضعف القدرة التنافسية للمصانع في مدن مثل هونتشون ويانجي مقارنة بالمراكز الصناعية الساحلية التي تتمتع بوصول مباشر إلى البحر.

ومن شأن حصول الصين على منفذ مباشر عبر نهر تومين أن يقلص بشكل كبير زمن الشحن، ويسهم في إنعاش منطقة شمال شرق الصين التي تعاني ركوداً صناعياً، فضلاً عن إنشاء ممر اقتصادي متكامل يربط مراكز الإنتاج الصينية بأسواق شمال شرق آسيا. ولا تقتصر المكاسب المحتملة على تحسين كفاءة النقل، بل تمتد إلى تحويل المنطقة الشمالية الشرقية الأقل نمواً إلى قاعدة تصديرية قادرة على منافسة المناطق الصناعية الساحلية الراسخة.

أما البعد الاستراتيجي، فيتمثل في تعزيز مرونة سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الخاضعة لسيطرة أو مراقبة خصوم محتملين. ويضطر كثير من السفن الصينية حالياً إلى عبور مضيق كوريا للوصول إلى بحر اليابان انطلاقاً من الموانئ الشمالية، وهو ما يمثل نقطة ضعف رئيسية في منظومة النقل البحري الصينية. وفي فترات تصاعد التوترات الإقليمية أو احتمال اندلاع مواجهة عسكرية، قد يتحول هذا الممر، الذي يخضع لمراقبة مكثفة، إلى نقطة اعتراض أو حصار، بما يهدد تدفقات الصادرات والواردات، ولا سيما المواد الخام الحيوية.

ورغم أن فتح ممر عبر نهر تومين لن يزيل هذا الضعف بالكامل، فإنه سيوفر طريقاً تجارياً مدنياً بديلاً يتجاوز أكثر المناطق البحرية خضوعاً للمراقبة في شمال شرق آسيا. ويسهم هذا التنوع الجغرافي أن يقلل الاعتماد على ممر واحد شديد المراقبة، بما يعزز قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود في أوقات الأزمات.

ومن جهة أخرى، يفسر إدراك كوريا الشمالية لحجم التحول الاقتصادي المحتمل موقفها الدفاعي من المشروع. إذ يُقدر النظام أن التدفق الواسع للنشاط الاقتصادي الصيني على طول حدودها قد يؤدي إلى تآكل سيطرتها السياسية على المنطقة. فحركة التجارة عبر الحدود لا تنقل السلع ورؤوس الأموال فحسب، بل تحمل أيضاً تدفقات المعلومات والتأثيرات الثقافية، فضلاً عن أنها قد تشكل منفذاً محتملاً لجمع المعلومات الاستخباراتية. ومن ثم، تعتبر بيونغ يانغ أن منح الصين حقوق المرور ينطوي على تهديد وجودي لسيادتها الحدودية وإجراءاتها الأمنية الداخلية.

قد يُشكّل المرور منفذاً محتملاً لجمع المعلومات الاستخباراتية ومن ثم تعتبر بيونغ يانغ أن منح الصين حقوق المرور ينطوي على تهديد وجودي لسيادتها الحدودية وأمنها الداخلي

ولا يبدو مرجحاً أن تتمكن الصين من تجاوز المقاومة الكورية الشمالية لنفوذها في هذه المنطقة، لا سيما أن نظام كيم لا يواجه أزمة اقتصادية وشيكة تدفعه إلى إعادة النظر في أولوياته الاستراتيجية. ويعود ذلك، جزئياً، إلى المكاسب الاقتصادية التي حققتها بيونغ يانغ من دعمها لموسكو في حربها بأوكرانيا.

ويكشف رفض كوريا الشمالية الاستجابة لمشروع بنية تحتية حظي بدعم علني من كل من بكين وموسكو أن نظام كيم يتحرك وفق سلم أولويات استراتيجية تتقدم فيه سيادة الدولة وأمن النظام باستمرار على أي حوافز مادية. ويتحدى هذا النمط الافتراضات التقليدية بشأن كيفية إدارة الدول الصغيرة لعلاقاتها مع جيران يفوقونها قوة بدرجات كبيرة. فقد نجحت كوريا الشمالية في توظيف موقعها الجغرافي عند مصب نهر تومين كورقة نفوذ، من خلال احتفاظها بحق النقض الكامل على أي ترتيبات تتعلق بحركة العبور.

نجحت كوريا الشمالية في توظيف موقعها الجغرافي عند مصب نهر تومين كورقة نفوذ من خلال احتفاظها بحق النقض الكامل على أي ترتيبات تتعلق بحركة العبور

وأثبت نظام بيونغ يانغ، على امتداد حكومات صينية متعاقبة وفي ظل متغيرات إقليمية مختلفة، أنه يفضل الحفاظ على آليات السيطرة على حدوده على الاستفادة من الاستثمارات الصينية أو إمدادات الطاقة الروسية أو مشاريع التكامل الاقتصادي متعددة الأطراف التي تستلزم التنازل عن جزء من استقلالية القرار التنفيذي لصالح أطراف خارجية.

وتعكس هذه الحسابات دروساً أعمق استخلصتها بيونغ يانغ من مراقبة تجارب دول اشتراكية أخرى سمحت تدريجياً بالاندماج الاقتصادي مع جيران أكثر قوة. فقد درس قادة كوريا الشمالية انهيار الاتحاد السوفييتي والتحولات التي شهدتها دول أوروبا الشرقية السابقة، وخلصوا إلى أن الاعتماد الاقتصادي قد يخلق نقاط ضعف سياسية يمكن استغلالها في أوقات الأزمات.

ومن خلال الإبقاء على الجمود في ملف نهر تومين، تبعث كوريا الشمالية برسالة إلى كل من الصين وروسيا مفادها أن انخراطها في اصطفافهما الجيوسياسي الأوسع المناهض للغرب لا يعني استعدادها للتنازل عن قضايا السيادة الأساسية التي قد تفضي إلى تبعيات طويلة الأمد. وتتيح هذه الاستراتيجية، القائمة على المقاومة الانتقائية، لبيونغ يانغ تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية من الصين وروسيا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الاستقلال الاستراتيجي الذي يحول دون امتلاك أي منهما نفوذاً حاسماً على قرارات النظام.

الجغرافيا البحرية والقيود العملياتية

 تفرض الجغرافيا البحرية الحالية في شمال شرق آسيا قيوداً عملياتية كبيرة على قيادة المسرح الشمالي التابعة للبحرية الصينية. فالسفن الحربية الصينية المتمركزة في القواعد الرئيسة بشمال شرق البلاد، وهي تشينغداو وداليان ولوشون، تكاد تكون معزولة عن بحر اليابان بفعل شبه الجزيرة الكورية والأرخبيل الياباني. ويضطر الأسطول الصيني، بما في ذلك القطع السطحية والغواصات، إلى الإبحار جنوباً عبر البحر الأصفر ثم عبور مضيق كوريا، الذي يخضع لمراقبة مكثفة بواسطة مجسات صوتية تحت الماء، وطائرات دورية بحرية، ومنظومات رادار تديرها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان.

ومن شأن حصول الصين على منفذ بحري سيادي عبر نهر تومين أن يغير هذه المعادلة الجغرافية. فمن خلال استخدام ممر مائي مباشر من مقاطعة جيلين إلى بحر اليابان، بعد تهيئته للملاحة، ستتمكن بكين من إنشاء ممر بحري شمالي بديل يوفر للبحرية الصينية مرونة استراتيجية أكبر ويعزز خياراتها العملياتية.

أما بالنسبة إلى اليابان وكوريا الجنوبية، فإن نجاح الصين في فتح منفذ بحري عند مصب نهر تومين من شأنه أن يضيف عنصراً جديداً من عدم اليقين إلى بيئتهما الأمنية المباشرة. فعلى مدى عقود، اعتبرت طوكيو وسيول الجزء الشمالي من بحر اليابان منطقة بحرية آمنة نسبياً، لا تتقاسمها سوى أسطول المحيط الهادئ الروسي ذي الطابع الدفاعي، والبحرية الكورية الشمالية ذات القدرات التقنية المحدودة.

غير أن حصول البحرية الصينية على منفذ مباشر إلى هذه المنطقة سيجبر اليابان وكوريا الجنوبية على إعادة توزيع أصولهما البحرية المتقدمة، مثل المدمرات المجهزة بمنظومة إيجيس وطائرات مكافحة الغواصات، إلى الجبهة الشمالية. كما ستواجه طوكيو وسيول تحدياً بحرياً على جبهتين، الأمر الذي قد يرهق جاهزيتهما العملياتية ويحد من قدرة الحلفاء على تركيز قوتهم البحرية في منطقة غرب المحيط الهادئ.

على الرغم من هذه المكاسب الجيوسياسية الكبيرة، فإن الجدوى العسكرية العملية لنهر تومين تظل مقيدة بالمخاوف الأمنية العميقة لدى كوريا الشمالية بشأن سيادتها الحدودية ومنشآتها العسكرية الساحلية. فبيونغ يانغ تتمسك باستقلالها الاستراتيجي بشدة، وتنظر إلى أي وجود أجنبي في ممراتها المائية السيادية، حتى لو كان لدولة حليفة رسمياً مثل الصين، باعتباره منفذاً محتملاً للتجسس، أو وسيلة لممارسة الضغوط السياسية، أو خطوة نحو تقويض منظومتها الأمنية الداخلية تدريجياً.

ورغم أن الوصول إلى نهر تومين يمثل هدفاً استراتيجياً بالغ الأهمية للصين، فإن قيمته العسكرية البحرية تحددها اعتبارات مادية محددة، وليس السعي إلى فرض هيمنة بحرية بعيدة المدى. فمتوسط عمق النهر، الذي يتراوح بين ثلاثة وخمسة أمتار، لا يسمح بمرور السفن الحربية الكبيرة، مثل الطرادات من طراز “055”  أو المدمرات الحديثة، كما يستبعد تشغيل الغواصات الهجومية التقليدية. وتكمن أهميته، بدلاً من ذلك، في توفير ملاذ آمن للسفن القتالية ذات الغاطس الضحل، مثل الفرقاطات الخفيفة من طراز “056A” وزوارق الدوريات النهرية، بما يتيح للبحرية الصينية الحفاظ على وجود عملياتي دائم في بحر اليابان من دون الحاجة إلى عبور الممرات البحرية التي تخضع لمراقبة الحلفاء.

كيم يتحدث مع شي خلال مأدبة استقبال في بيونغ يانغ (أ ف ب)
كيم يتحدث مع شي خلال مأدبة استقبال في بيونغ يانغ (أ ف ب)

كما يمكن لهذه القطع البحرية دعم المناورات المشتركة مع القوات الروسية المتمركزة في فلاديفوستوك، وتعقيد جهود اليابان وكوريا الجنوبية في مراقبة المجال البحري. وبذلك، يمنح الوصول إلى نهر تومين الصين موطئ قدم جغرافياً في بحر اليابان، قد يغير موازين المراقبة البحرية والمرونة العملياتية في شمال شرق آسيا.

ومنذ عام 2021، أجرت بكين وموسكو مناورات بحرية مشتركة تزداد تعقيداً في بحر اليابان، بما يعكس تنامياً في مستوى التنسيق العملياتي بين البحرية الصينية وأسطول المحيط الهادئ الروسي.

وسيوفر منفذ صيني عبر نهر تومين إمكانات أكبر لهذا التعاون، من خلال إتاحة قواعد أمامية للتمركز، وأرصفة مخصصة، ومنشآت لتخزين الوقود وإجراء أعمال الصيانة، فضلاً عن ربط هذه المرافق مباشرة بالقاعدة الصناعية في شمال شرق الصين.

وفي ضوء هذه التطورات، قد ينتقل التعاون البحري الصيني–الروسي من مناورات متقطعة إلى عمليات مشتركة أكثر استدامة وتكاملاً. وبالنظر إلى تعقيد العوامل المؤثرة في قضية الوصول إلى نهر تومين، فإن السيناريوهات التالية تبدو الأكثر ترجيحاً.

السيناريو الأول: اتفاق محدود تحت ضغط الأزمات

 تواجه كوريا الشمالية نقصاً حاداً في الغذاء نتيجة إخفاقات زراعية متتالية، ما يدفع بيونغ يانغ إلى طلب مساعدات مالية عاجلة من بكين تتجاوز الترتيبات التجارية المعتادة. وفي هذا السياق، توافق كوريا الشمالية رسمياً على المشاركة في فرق عمل فنية ثلاثية تقتصر مهمتها على إجراء المسوحات الهيدروغرافية ودراسات جدوى البنية التحتية، مقابل حصولها على منح صينية متعددة السنوات تشمل الوقود المدعوم والمعدات الزراعية. ويتيح ذلك للصين موطئ قدم في المنطقة عبر أنشطة تقع ضمن ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية”، مثل أعمال المسح والدراسات الفنية.

كما يُنشأ برنامج تجريبي محدود يسمح بمرور مراكب تجارية صغيرة ذات قاع مسطح، تحمل شحنات مدنية غير استراتيجية، عبر النهر، تحت إشراف تنظيمي مشترك. وفي المقابل، تحتفظ كوريا الشمالية بحق النقض الكامل بشأن إجراءات تفتيش السفن، مع استمرار سيادتها الكاملة على جميع المنشآت الحدودية.

غير أن هذا السيناريو يواجه عدداً من العقبات، أبرزها الاحتجاجات الدبلوماسية الحادة من اليابان وكوريا الجنوبية، ومطالبتهما بإجراء تقييمات للأثر البيئي، إلى جانب المتطلبات الفنية الخاصة بتعديل جسر الصداقة بين كوريا وروسيا، والخلافات المحتملة حول تمويل أعمال الإنشاء وآليات الإدارة التشغيلية. وبناءً على هذه المعطيات، يُقدَّر احتمال تحقق هذا السيناريو بأنه منخفض إلى متوسط.

السيناريو الثاني: ترسيخ المقاومة السيادية

 تجري بيونغ يانغ مراجعات أمنية داخلية وتخلص إلى أن أي تعديل في مجرى نهر تومين قد يعرّض منشآتها الدفاعية الساحلية للخطر. وبناءً على ذلك، تصدر عبر وسائل الإعلام الرسمية بيانات سياسية صريحة تعلن فيها أن مصب النهر منطقة عسكرية مغلقة، ما يؤدي إلى إخراج القضية من دائرة النقاش الدبلوماسي إلى أجل غير مسمى.

وفي هذا السياق، تنشر كوريا الشمالية كتائب إضافية من قوات أمن الحدود، وتعزز مواقع المدفعية الساحلية، وتثبت حواجز مادية في المجرى النهري. وفي الوقت نفسه، يصعّد النظام حملاته الدعائية القومية التي تؤكد قدسية الأراضي والسيادة الوطنية. وتحتفظ الصين، في المقابل، بقدرتها على استخدام أدوات ضغط اقتصادية، مثل إبطاء إجراءات التخليص الجمركي عمداً في المعابر الحدودية، وعلى رأسها معبر داندونغ، الأمر الذي قد يفضي إلى نقص موضعي في بعض السلع داخل كوريا الشمالية.

ومن المؤشرات التي قد تدل على اقتراب هذا السيناريو: تصاعد المقالات القومية في وسائل الإعلام الرسمية، وإلغاء المنتديات الاقتصادية الثلاثية، وتوسيع المناورات العسكرية على طول الساحل الشمالي الشرقي، وظهور منشآت دفاعية جديدة في صور الأقمار الصناعية. وبناءً على هذه المعطيات، يُعد هذا السيناريو متوسطاً إلى مرتفع الاحتمال.

وفي الختام، تبرز قضية نهر تومين درساً واضحاً مفاده أن الاعتماد الاقتصادي قد يمنح نفوذاً، لكنه لا يضمن الامتثال. ففي عصر تتنافس فيه الممرات الاقتصادية وسلاسل الإمداد، قد يصبح التحكم في الجغرافيا الاستراتيجية، حتى من قبل الدول الصغيرة، عاملاً لا يقل تأثيراً عن استراتيجيات القوى الكبرى نفسها.

تبرز قضية نهر تومين درساً واضحاً مفاده أن الاعتماد الاقتصادي قد يمنح نفوذاً لكنه لا يضمن الامتثال

Seong-Hyeon-Choi
سونغ هيون تشوي

باحث في المعهد المركزي الأوروبي للدراسات الآسيوية (CEIAS)، ومتخصص في الشؤون العسكرية الصينية، والسياسة الخارجية والنووية لكوريا الشمالية، والتعاون الدفاعي بين كوريا الجنوبية وأوروبا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.