غرانت شابس: أنشطة إيران تتجاوز منطقة الشرق الأوسط

تقرير ,
غرانت شابس: أنشطة إيران تتجاوز منطقة الشرق الأوسط
ﺷﺎرك

حذّر وزير الدفاع البريطاني الأسبق، غرانت شابس، من أن إيران تعمل على توسيع نطاق أنشطتها المزعزعة للاستقرار إلى ما وراء منطقة الشرق الأوسط، بما يهدد الملاحة البحرية الدولية وأمن الطاقة العالمي والدول الأوروبية، مؤكداً أن العمليات العسكرية الغربية ضد الحوثيين فشلت في تحقيق ردع فعّال.

وقال شابس في مقابلة حصرية مع “إيغل إنتيلجنس ريبورتس”: “إن الضربات العسكرية التقليدية أثبتت عدم كفايتها في مواجهة عمليات المسيّرات التي ينفذها الحوثيون، الأمر الذي يثير تساؤلات أوسع بشأن فاعلية الاستجابات العسكرية الغربية في التصدي للتهديدات المتنامية وغير المتكافئة في مختلف أنحاء المنطقة”.

واتهم طهران بتمويل الحوثيين وتدريبهم وتزويدهم بالأسلحة والمعدات، مبيناً أن إيران وحلفاءها الإقليميين يستغلون مواطن الضعف في حركة التجارة البحرية العالمية.

ورأى أن هجمات الحوثيين على حركة الملاحة في البحر الأحمر، إلى جانب التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز، تندرج ضمن استراتيجية منسّقة تهدف إلى ممارسة ضغوط على المجتمع الدولي.

كما حذّر من أن تعطل الملاحة في الممرات المائية الاستراتيجية واضطراب إمدادات الطاقة يشكّلان مخاطر جسيمة على الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن التطورات في الشرق الأوسط باتت تمثّل مصدر قلق مباشراً لبريطانيا وحلفائها الغربيين.

تعطل الملاحة في الممرات المائية واضطراب الطاقة يشكّلان مخاطر جسيمة على الاقتصاد العالمي وتطورات الشرق الأوسط تمثّل مصدر قلق لبريطانيا وحلفائها

ورغم تأييده شنّ مزيد من الضربات العسكرية على أهداف حوثية، إلا أنه أكد محدودية الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، مشدداً على أن تحقيق استقرار مستدام في المنطقة يتطلب تسوية سياسية ودبلوماسية شاملة، تحظى بدعم دولي وتستند إلى تعاون الأطراف المعنية.

وتطرق إلى ما وصفه بإخفاق الغرب سابقاً في إدراك حجم التهديد الذي يشكّله الحوثيون على نحو كامل، ولا سيما خلال مواجهتهم مع السعودية، داعياً إلى تعزيز الدعم البريطاني للشركاء الخليجيين على المستويات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية.

كما أيّد شابس توسيع نطاق العمليات الجوية البريطانية لتشمل تقديم الدعم للمملكة، بما في ذلك استخدام المقاتلات والطائرات المسيّرة من طراز “ريبر”، مع استبعاد نشر قوات برية.

  شابس يدعم توسيع العمليات الجوية البريطانية لتشمل السعودية بما في ذلك استخدام المقاتلات والمسيّرات من طراز “ريبر” مع استبعاد نشر قوات برية

وفي معرض حديثه عن العلاقة بين الحرب في غزة وحالة عدم الاستقرار في البحر الأحمر، رأى شابس أن دعم إيران لكلٍّ من حماس وحزب الله والحوثيين يشكّل عاملاً مشتركاً في الصراعات الدائرة في المنطقة.

ومع ذلك، شدّد على أن العمليات الغربية الرامية إلى حماية الملاحة التجارية تهدف إلى الحيلولة دون اتساع نطاق الحرب في غزة وتحولها إلى مواجهة إقليمية أوسع.

وفيما يتعلق بالتهديدات التي تتجاوز منطقة الشرق الأوسط، حذّر شابس من تزايد مساعي إيران لتنفيذ أعمال عنف على الأراضي الأوروبية، عبر تجنيد أفراد بدوافع مالية، لا أيديولوجية، واصفاً هذا النهج بأنه تطور خطير في الأساليب التي تنتهجها طهران.

 شابس يحذر من تزايد مساعي إيران لتنفيذ أعمال عنف على الأراضي الأوروبية من خلال تجنيد أفراد بدوافع مالية لا أيديولوجية

وأشاد الوزير الأسبق بجهود الأجهزة الأمنية البريطانية في إحباط التهديدات المشتبه بها والتصدي لها.

وفي مقارنة بين هذه الأنشطة والتحركات الروسية في أوروبا منذ غزو أوكرانيا، قال شابس: “إن إيران تتبنى أساليب تهدف إلى زعزعة الحياة اليومية في الدول الغربية وتعطيلها”، مستشهداً بمخطط يُشتبه في استهدافه قاعدة “راف فيرفورد” الجوية، بوصفه مثالاً على تصاعد المخاوف الأمنية التي تواجهها بريطانيا.

وفي سياق المقابلة، استعرض شابس رؤيته للتحولات التي تشهدها طبيعة الصراعات العسكرية في المنطقة، والأهمية الاستراتيجية لأمن الملاحة البحرية، والتحديات التي تواجه بريطانيا وحلفاءها في مساعيهم لاحتواء النفوذ الإيراني، دون التسبب في اندلاع مواجهة إقليمية أوسع.

 القوات الموالية للحكومة اليمنية خلال اشتباكات مع الحوثيين في محافظة تعز (أ ف ب)
القوات الموالية للحكومة اليمنية خلال اشتباكات مع الحوثيين في محافظة تعز (أ ف ب)

فيما يلي نص المقابلة التي أجراها الزميلان جوناثان شيري وأندرا متشوكا مع وزير الدفاع البريطاني الأسبق، غرانت شابس.

 جوناثان شيري:

أهلاً بكم في “إيغل إنتيلجنس ريبورتس”، ويسعدنا اليوم أن نستضيف وزير الدفاع البريطاني الأسبق، السير غرانت شابس.

سيد شابس، شكراً لانضمامك إلينا.

أندرا متشوكا:

يسعدنا وجودك معنا اليوم.

جوناثان شيري:

لنبدأ بآخر التطورات في السعودية، والتهديد المتجدد الذي يشكله الحوثيون.

خلال توليكم منصب وزير الدفاع، أشرفتم على تنفيذ ضربات عسكرية ضد الحوثيين، ومع ذلك، واصل الحوثيون شنّ هجمات دامية استهدفت مواقع مدنية في السعودية، بما في ذلك هجوم استهدف مطار الرياض مؤخراً، فهل أخفقت العمليات العسكرية الغربية في تحقيق ردع فعّال؟، وما الذي ينبغي لبريطانيا وحلفائها القيام به الآن للمساعدة في حماية المدنيين والمنشآت الحيوية السعودية؟.

غرانت شابس:

أعتقد أن الفرضية التي ينطلق منها سؤالكم صحيحة، هل نجحنا في إرساء ضمانات رادعة كافية، أو فرض تكلفة باهظة بما يكفي على الحوثيين؟ الإجابة واضحة: لا، لم ننجح في ذلك، لكن لماذا؟.

لأن نمط الحرب الدائر يعتمد، في الغالب، على استخدام أسلحة مثل الطائرات المسيّرة من طراز “شاهد“، التي يمكن إطلاقها من أي مكان تقريباً، ولذلك، ورغم أننا كنا نردّ على الهجمات، ولا سيما عندما استخدم الحوثيون هذه المسيّرات لاستهداف السفن التجارية في البحر الأحمر، إلا أن تحركاتنا لم تقتصر على محاولة حماية السفن نفسها، بل شملت أيضاً استهداف مواقع إطلاق المسيّرات.

لكن الواقع هو أننا قد نتمكن من تدمير موقع الإطلاق المحدد، الذي قد لا يعدو كونه كوخاً زراعياً بسيطاً، غير أنه ما لم نتمكن من تفتيش كل شبر من كل قطعة أرض، وكل جزء من تلك المساحات، فسيكون من السهل جداً نقل موقع الإطلاق إلى منطقة صحراوية أخرى أو إلى حقل مختلف.

وبالتالي، يكاد يكون من المستحيل استهداف جميع مواقع الإطلاق، وهذا يختلف، على سبيل المثال، عن حالة إطلاق صاروخ أكثر تطوراً، إذ يتطلب ذلك معدات دعم كثيرة، ويمكن أن يؤدي تدمير هذه المعدات إلى الحيلولة دون تنفيذ الهجوم.

لذلك، أعتقد أن الإجابة ببساطة هي أنه رغم أنني كنت مسؤولاً شخصياً عن تنفيذ ضربات جوية متكررة استهدفت مواقع للحوثيين أُطلقت منها مسّيرات “شاهد”، إلا أن الواقع هو أن هذه المواقع كان من الممكن نقلها إلى أماكن أخرى.

ونشهد اليوم تكرار هذا النمط، كما نراه يتكرر أيضاً في مضيق هرمز في الوقت الراهن.

جوناثان شيري:

إذاً، برأيكم، من استفاد أكثر من دروس عام 2024، الغرب أم الحوثيون؟.

غرانت شابس:

هذا طرحٌ مثير للاهتمام، وسؤال وجيه، أعتقد أنه يمكن، إلى حدٍّ ما، إضعاف قدرات الحوثيين، أو أي تنظيم يخوض حرباً يمكن أن نصفها، في أزمنة وظروف مختلفة، بأنها حرب عصابات، فهم يشنّون هجوماً، ثم ينقلون المعدات والأفراد إلى مكان آخر، ويعاودون الهجوم من موقع مختلف.

وأعتقد أن الدرس الذي ينبغي للغرب، وأنا من بين أفراده، أن يستخلصه من ذلك هو أن أساليب الحرب التقليدية، القائمة على الردّ باستهداف مواقع الخصم ومحاولة إضعاف قدراته، لا تجدي نفعاً في مواجهة هذا النوع من الهجمات.

ما نحتاج إليه هو مخزون أكبر بكثير من وسائل الدفاع والذخائر والتدابير المضادة، بما يتيح لنا التصدي لهذا الأسلوب الذي يعتمده الحوثيون، وهو أسلوب بسيط نسبياً، إذ يمكنهم شنّ عدد كبير من الهجمات بسهولة نسبية.

ولا ينطبق ذلك على جميع هجماتهم، فالتي تُنفَّذ من مسافات بعيدة باتت أكثر تطوراً من الناحية التقنية، وأعتقد أن هذا هو مصدر القلق، ولا سيما بالنسبة إلى السعودية في الوقت الراهن.

أندرا متشوكا:

لقد درّبت إيران الحوثيين ودعمتهم لسنوات طويلة، فهل يمكن القول إن طهران تتحمّل مسؤولية الهجمات التي استهدفت السعودية؟، وهل ارتكب الغرب خطأً استراتيجياً عندما استهدف الحوثيين بدلاً من داعميهم الإيرانيين؟.

غرانت شابس:

أتفق تماماً مع الفرضية التي ينطلق منها السؤال، أعتقد أن إيران تتحمّل المسؤولية الأساسية عن حالة عدم الاستقرار في اليمن، فالـحوثيون يُعدّون بوضوح حلفاءها وأتباعها، إذ لم يكن الأمر كذلك منذ البداية، لكنه أصبح واقعاً قائماً منذ فترة طويلة، فإيران تموّل الحوثيين وتدعمهم وتدرّبهم.

وقد شهدنا حرباً طويلة جداً، ويؤسفني أن الغرب لم يكن خلالها متيقظاً بما يكفي، إلى جانب السعودية، لإدراك المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الحوثيون.

لذلك، أرى أن إيران تتحمّل المسؤولية بالفعل، دون أدنى شك، وربما أكون مخالفاً للرأي السائد في هذا الشأن، لكنني أعتقد أن منع إيران من زعزعة استقرار المنطقة أمر صائب.

الآن، يمكن الخوض في الجوانب الصحيحة والخاطئة للطريقة التي تُدار بها الحرب الحالية تحديداً، لكن المسألة الجوهرية، وهي زعزعة إيران للاستقرار من خلال وكلائها المتعددين، وفي مقدمتهم الحوثيون في الوقت الراهن، لا يرقى إليها أي شك على الإطلاق، ومن المهم جداً أن يتحرك العالم للتصدي لهذا التهديد.

أندرا متشوكا:

أين ينبغي لبريطانيا، برأيك، أن تضع حداً فاصلاً بين تحميل إيران المسؤولية سياسياً وبين التفكير في اتخاذ إجراءات عسكرية ضد أصول إيرانية؟.

غرانت شابس:

أعتقد أنه علينا، أولاً وقبل كل شيء، الإقرار بمسؤولية إيران عن الحوثيين، إذ تولّت تدريبهم وتزويدهم بالأسلحة، فهم يستخدمون في كثير من الأحيان مسيّرات “شاهد” ، التي تأتي حرفياً من إيران، ما يعني وجود صلة مباشرة وواضحة بين الطرفين.

لكن، هل ينبغي للغرب وبريطانيا أن يكونا أكثر يقظة إزاء هذا الأمر؟ نعم، بالتأكيد، وأعتقد أن ذلك هو التصرف الصحيح.

أما هل يمثّل هذا الحل الوحيد؟، أو بعبارة أخرى، هل يمكن تسوية الأمر بالعمل العسكري وحده؟، بالطبع لا، هذا غير ممكن، فالمسألة تتطلب حلاً دبلوماسياً أوسع نطاقاً بكثير، لأننا رأينا كيف أن إيران، رغم تعرضها لضغط هائل وهجمات عسكرية مكثفة، وتراجع موقفها تحت وطأة هذه الضغوط، لا تزال قادرة على استخدام وكلائها لإثارة الفوضى في المنطقة، والحوثيون يقدّمون مثالاً واضحاً على الكيفية التي يحدث بها ذلك.

أندرا متشوكا:

دعني أتوقف عند هذه النقطة للحظة، ماذا تقصد بـ”نهج دبلوماسي أوسع نطاقاً”؟، وما الذي ينبغي أن يشمله هذا النهج؟.

غرانت شابس:

لا تُحسم الحروب عادةً بالعمل العسكري وحده، بل تتطلب في الغالب مساراً دبلوماسياً موازياً، إلى جانب ضمان توافق الدول على نهج عام وموحّد للتعامل مع الصراع، من خلال تحالف ينسّق الجهود فيما بينها، أو ما شابه ذلك.

ومن الواضح أن هذا لم يكن الإطار الذي أحاط بهذا الصراع تحديداً، الأمر الذي أفضى إلى تداعيات معقّدة ومتشابكة، من بينها الهجمات التي يشنّها الحوثيون حالياً على الرياض.

قبل ثلاث سنوات، كانت العلاقات بين الرياض وطهران تشهد بوادر تحسّن، وبدأت الجهود الرامية إلى إصلاحها تؤتي ثمارها، وفي تلك الفترة، لم يكن الحوثيون يهاجمون السعودية، رغم استمرارهم في استهداف السفن، بما فيها السفن التجارية الدولية، في البحر الأحمر، لكن هذه التطورات الإيجابية باتت الآن موضع شك من جديد، وعادت الأمور إلى حالة من عدم اليقين.

وأعتقد أن أحد أسباب ذلك هو أن التوصل إلى تسوية ناجحة يتطلب معالجة دبلوماسية وسياسية أوسع نطاقًا بكثير، إلى جانب مواصلة الضغط العسكري.

جوناثان شيري:

في أعقاب الهجمات الدامية الأخيرة على السعودية، ما الدعم العسكري والأمني الإضافي الذي ينبغي لبريطانيا تقديمه؟، وهل لا يزال الإطار الأمني الغربي القائم في الخليج كافياً للتصدي لهذه التهديدات؟.

غرانت شابس:

أعتقد أنه من المهم للغاية أن تقدّم المملكة المتحدة، إلى جانب حلفائها، الدعم للرياض على جميع الأصعدة، فالسعودية صديق مقرّب لنا في المنطقة وحليف وثيق يتعرّض للهجمات.

وقد أشرتُ إلى هذا الأمر بإيجاز قبل قليل، ولا أعتقد أن الغرب أحسن التعامل مع الوضع عندما اندلعت الحرب في الأصل، أو على الأقل عندما بدأت العمليات العسكرية بين السعودية والحوثيين، وأرى أن الغرب تعامل مع الأمر وكأن السعودية تخوض مغامرة من نوع ما، من دون أن يدرك مدى خطورة الحوثيين على استقرار المنطقة.

أعتقد أننا جميعاً أصبحنا الآن ندرك هذه الحقيقة بوضوح، حيث زرتُ البحر الأحمر، وصعدتُ على متن المدمّرة البريطانية “تش إم إس دايموند” عندما كانت، بأوامر مني، تتولى حماية السفن التجارية في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين، وبعبارة أخرى، لقد اختبرنا هذا التهديد بأنفسنا.

أؤمن بضرورة تقديم كل أشكال الدعم لأصدقائنا في المنطقة، أي دول الخليج، وهذا يعني توفير الدعم بمختلف أنواعه ووسائله؛ فقد يكون دعماً دبلوماسياً، وقد يشمل أيضاً تزويد هذه الدول بالمعدات العسكرية اللازمة لحماية نفسها، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وغير ذلك.

لذلك، من المهم جداً أن تضطلع المملكة المتحدة بهذا الدور، وهو أمر لطالما أكدتُ ضرورة القيام به.

جوناثان شيري:

إذاً، هل تؤيدون بالفعل التزاماً بمساعدة السعودية على التصدي للهجمات الصاروخية وهجمات المسيّرات، على سبيل المثال، من خلال تدخل القوات البريطانية بشكل مباشر لاعتراضها؟.

غرانت شابس:

نعم، بالتأكيد، وهناك بالفعل قدر كبير من التعاون القائم في هذا المجال، ولا أريد الخوض في تفاصيل محددة، لكن المملكة المتحدة تستطيع تقديم المساعدة بطرق متعددة، منها توفير المعدات التي تساعد السعودية على الدفاع عن نفسها، والتعاون المستمر في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية، فضلاً عن الإسهام في الجهود الدبلوماسية الأوسع، كما أن لدى المملكة المتحدة قدرات وإمكانات في المنطقة يمكنها توظيفها لتقديم المساعدة.

لمستُ ذلك بنفسي عندما كانت المملكة المتحدة واحدة من دولتين فقط، في ذلك الوقت، تتوليان حماية الملاحة التجارية في البحر الأحمر من هجمات الحوثيين، فالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحدهما كانتا موجودتين هناك، وتستخدمان أسلحتهما للتصدي للهجمات وحماية السفن.

وأعتقد أن من المهم أن تقف المملكة المتحدة إلى جانب أصدقائنا في المنطقة، وكما ذكرتُ سابقاً، أرى أن الغرب لم يقف بالقدر الكافي إلى جانب السعودية خلال مرحلة سابقة من هذا الصراع، حين كانت السعودية والحوثيون في حالة حرب فعلية، حيث اتسم الموقف آنذاك بقدر كبير من الالتباس.

أندرا متشوكا:

تتحدث عن الالتزام، لكن هل ستلتزمون فعلياً بإشراك القوات البريطانية في التصدي للهجمات داخل المجال الجوي السعودي؟، نعم أم لا؟.

غرانت شابس:

لا أعتقد أننا سنرسل قوات برية، لذا يمكننا استبعاد هذا الخيار في المنطقة في الوقت الراهن، لكنني شخصياً أرى أنه ينبغي لنا إتاحة قدراتنا العسكرية للسعودية، فنحن نقوم بذلك بالفعل في العراق وفي الأجواء السورية، ضمن عملية عسكرية مستمرة منذ فترة طويلة.

ولا أرى أي سبب يمنعنا من تقديم هذه المساعدة للسعودية أو توسيع نطاقها لتشمل المجال الجوي أيضاً، وتُقدَّم هذه المساعدة حالياً، أو يمكن تقديمها، من خلال الطائرات المقاتلة أو طائرات “ريبر” المسيّرة وغيرها من المسيّرات، لذا، نعم، لا أرى أي سبب يحول دون توسيع نطاق هذه المساعدة لتشمل السعودية.

جوناثان شيري:

بالطبع، ثمة ارتباط هنا بالاقتصاد العالمي، حيث أكدتَ أن حرية الملاحة عنصر أساسي لضمان الأمن الاقتصادي العالمي، وفي ظل تجدد التهديدات التي تستهدف البنية التحتية البحرية وقطاع الطاقة اليوم، هل ينبغي لبريطانيا أن تكون مستعدة لشنّ ضربات مباشرة على الحوثيين مجدداً؟.

غرانت شابس:

انظر، هذه هي النقطة التي أحاول التأكيد عليها تحديداً، يمكنني أن أجلس هنا في لندن وأتظاهر بأن ما يحدث بعيد عنا تماماً، لكن الحقيقة هي أن ما يجري يؤثر في المملكة المتحدة وغيرها من الدول الغربية تأثيراً مباشراً، وبدرجة بالغة الأهمية.

الأمر يمسّ اقتصاداتنا، كما يمسّ استقرار العالم، على حد تعبيرك، ولا سيما فيما يتعلق بقطاع الطاقة.

لذلك، إجابتي هي: نعم، بالطبع، ينبغي أن نكون مستعدين للتقييم…

جوناثان شيري:

لكن ألا تنطوي هذه الضربات على خطر جرّ بريطانيا إلى صراع إقليمي أوسع نطاقاً؟.

غرانت شابس:

لا أعتقد ذلك، بالطبع، يبقى هذا الخطر قائماً دائماً، وكثيراً ما يسلّط الناس الضوء عليه، وقد واجهتُ التحذيرات نفسها عندما اتخذتُ قراراً بشنّ ضربات على الحوثيين في عامي 2023  و2024، إذ كان الناس يطرحون عليّ الاعتراض ذاته.

لكنني وجدتُ أننا لم نتمكن من تنفيذ تلك الضربات فحسب، في محاولة لتخفيف معاناة قطاع الشحن البحري في تلك الحالة، رغم أنني تحدثتُ عن محدودية أثر تلك العمليات، بل حظي القرار أيضاً بدعم واسع داخل البرلمان في لندن، إذ كنتُ أمثل أمام مجلس العموم، وأعلن القرارات وأوضحها من على المنصة المخصصة للوزراء، ووجدتُ دعماً واسعاً من مختلف الأحزاب السياسية.

لذلك، أعتقد أن الناس يدركون أن تحقيق الاستقرار يصبّ في مصلحتنا، ولا سيما في الممرات البحرية الرئيسية، وكذلك ضمان استمرار إمدادات الوقود، ومن ثم، ينبغي لنا أن نتحرك بمبادرة وفاعلية، وأن نبذل كل ما في وسعنا لدعم أصدقائنا في السعودية وغيرها من دول المنطقة.

أندرا متشوكا:

عندما شنّت بريطانيا ضربات على الحوثيين عام 2024، قالت حكومتكم إن ذلك صراع منفصل عن الحرب في غزة، لكن هل كان من الواقعي توقّع تحقيق استقرار دائم في البحر الأحمر من دون معالجة الحرب في غزة والأسباب الأوسع للصراع في المنطقة؟.

 غرانت شابس:

نعم، كما ذكرتُ، فإن الحرب في غزة، شأنها شأن كثير من التطورات في المنطقة، ترتبط بإيران، فطهران لا تكتفي برعاية الحوثيين ودعمهم، بل تدعم حركة حماس أيضاً، ونحن جميعاً نعرف ما حدث في السابع من أكتوبر، لذا، من المؤكد أن هذه الأحداث مترابطة.

أعتقد أن ما كنت أحاول توضيحه آنذاك هو أنني لم أكن أريد أن تتسع رقعة الحرب، حيث كان من الممكن أن يحدث ذلك لو أُوكلت مهمة حماية الملاحة في البحر الأحمر إلى إسرائيل أو إلى طرف إقليمي آخر، بدلاً من أن تتولاها دول حليفة مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ففي هذه الحالة، كان من شأن ذلك أن يوسّع نطاق الحرب بصورة مباشرة وواضحة.

رأيتُ أنه بإمكاننا المساهمة في منع اتساع رقعة الحرب من خلال تولّي دول أخرى، هي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مهمة حماية الملاحة في البحر الأحمر، بدلاً من ربط هذه المهمة بصورة أوثق بالصراع الدائر بالقرب من غزة.

لكننا نعود مرة أخرى إلى النمط نفسه: إيران تدعم الحوثيين، وحماس، وهي في رأيي، تقف دائماً وراء المشكلات التي تشهدها المنطقة.

أندرا متشوكا:

هذا صحيح، ولكن هل يمكن القول إن النهج الغربي تجاه الحرب في غزة قد عقّد الجهود الرامية إلى احتواء الحوثيين ومنع نشوب صراع إقليمي أوسع؟.

غرانت شابس:

إن ما فعلته حماس في السابع من أكتوبر، ثم الحرب الأوسع نطاقاً التي اندلعت في غزة، لا علاقة لهما بالحوثيين على الإطلاق، فالـحوثيون يستغلون هذه التطورات بوصفها فرصة لشنّ هجمات على الملاحة البحرية في البحر الأحمر.

لذلك، أرى أن الأمرين منفصلان تماماً، باستثناء الصلة المتمثلة في دعم إيران لحماس وحزب الله والحوثيين، وكما تعلمون، عندما نحاول تحديد الجهة التي تقف وراء المشكلات في المنطقة، نجد أن جميع الطرق تؤدي، للأسف، إلى طهران.

لهذا أعتقد أنه من المهم، في نهاية المطاف، التعامل مع النظام الإيراني والتصدي له، وأقول “النظام” لا “الشعب”، لأنني أشعر بتعاطف عميق مع الشعب الإيراني الذي عانى طويلاً، ويواجه ضغوطاً اقتصادية هائلة بسبب قيادته السيئة.

جوناثان شيري:

في ظل تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، وتهديد الحوثيين، بطبيعة الحال، لمضيق باب المندب، ألا يُعدّ ذلك جزءاً من استراتيجية منسّقة؟، وما تعليقك على ذلك؟.

غرانت شابس:

أعتقد أن هذا صحيح بالفعل، وأرى أن إيران قد أوعزت، بصورة أساسية، إلى الحوثيين الذين تموّلهم وترعاهم وتدرّبهم، بما معناه: “أنتم استهدفوا حركة الملاحة في البحر الأحمر، ونحن سنتولى استهداف مضيق هرمز، ولنرَ كيف سيكون رد فعل العالم على ذلك”.

لكنني لا أعتقد أن هذه الاستراتيجية ستنجح في نهاية المطاف، فرغم الارتفاع الكبير الذي نشهده في أسعار النفط، وما يترتب عليه من تداعيات على اقتصادات العالم، لا أعتقد أن تأثير هذه التطورات بلغ المستوى الذي كانت إيران وحلفاؤها يتوقعونه.

في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، رفع صندوق النقد الدولي مؤخراً توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للعام الجاري، وهو أمر لم يكن متوقعاً في ظل ارتفاع أسعار النفط.

كما أرى أن دولاً مثل السعودية والإمارات وغيرها تعمل على إيجاد مسارات بديلة لنقل النفط والغاز، بدلاً من الاعتماد على هذه الممرات البحرية الحيوية التي تشكّل نقاط اختناق استراتيجية.

وبطبيعة الحال، لن يتحقق ذلك بالضرورة في وقت قصير، إذ يستغرق إنشاء خطوط أنابيب جديدة وقتاً طويلاً، ومن الواضح أن الوضع الراهن يتسبب في اضطرابات هائلة، لكن هذه التغييرات ستحدث تدريجياً، لأن ارتفاع أسعار النفط يجعل تنويع مصادر الإمدادات وفتح المجال أمام الإنتاج من مناطق أخرى، حتى لو كانت تكلفة الوصول إليها أعلى، خياراً مجدياً من الناحية الاقتصادية.

وهكذا، تميل هذه الأمور إلى تصحيح مسارها بمرور الوقت، لذلك، لا أعتقد أن هذه الاستراتيجية ستنجح في نهاية المطاف، إذا كانت هذه فعلاً هي خطة طهران، وهو ما أعتقده؛ أي أن يتولى الحوثيون استهداف الملاحة في البحر الأحمر، بينما تتولى إيران استهداف مضيق هرمز، لا أعتقد أن هذا النهج سيحقق لهم ما يصبون إليه في نهاية المطاف.

أندرا متشوكا:

في 13 أكتوبر، حذّر جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)  من أن إيران تستعين بجهات أخرى لتنفيذ أعمال عنف داخل بريطانيا، وأن اهتمامها باستهداف المواقع العسكرية يتزايد، حيث تم تنفيذ أكثر من خمسين عملية اعتقال منذ بداية العام على خلفية تهديدات مرتبطة بإيران، فهل يمكن القول إن بريطانيا أصبحت الآن إحدى جبهات الحرب مع إيران؟.

غرانت شابس:

لقد شهدنا مثل هذا السلوك من جانب إيران منذ فترة طويلة، لكن لا شك في أنها كثّفت توسيع نطاق صراعها ليشمل الساحة الدولية، فهي تجند أشخاصاً، كثيرون منهم لا تربطهم أي صلة أيديولوجية بإيران على الإطلاق، لتنفيذ أعمال بالغة الخطورة داخل بريطانيا وأوروبا، وحتى في الولايات المتحدة.

وهذا نموذج جديد، أو بالأحرى نموذج جديد نسبياً، ويمثّل جبهة جديدة في هذه الحرب؛ إذ تعتقد إيران أنها تستطيع إثارة الاضطرابات وإلحاق الضرر بخصومها من خلال اللجوء إلى هذا الأسلوب، إذ لا شك في أنها قادرة على ذلك، وأنها تقوم بذلك بالفعل.

لقد تعرّضنا في السنوات الأخيرة لأسلوب مشابه للغاية من جانب روسيا، ولا سيما منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ حاولت موسكو تعطيل مجرى الحياة اليومية في بريطانيا، ولحسن الحظ، كانت الأجهزة الأمنية تؤدي عملها على نحو جيد للغاية، وتمكنت من كشف المتورطين وإحباط مخططاتهم.

أعتقد أنك تشير، على وجه الخصوص، إلى الهجوم الأخير الذي استهدف قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في فيرفورد، حيث بات شبه مؤكد أن هناك صلة إيرانية بما أعلن أنه هجوم كان يجري الإعداد لتنفيذه.

لذا، نعم، هذا هو النهج الذي تتبعه إيران؛ إذ باتت تلجأ إلى استدراج أشخاص مقابل المال فحسب، من دون أن تكون لديهم بالضرورة قناعات سياسية أو دوافع أيديولوجية تدفعهم إلى خدمة القضية الإيرانية، وهذا، بالطبع، أمر بالغ الخطورة.

JonathanSherry-professor-
جوناثان شيري

الدكتور جوناثان شيري، متخصص في التاريخ السياسي الأوروبي الحديث، وقد شغل مناصب أكاديمية وبحثية في جامعات ومعاهد في إسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، وصدر له حديثاً كتاب حول الحرب الأهلية الإسبانية والحرب الباردة.

أندرا متشوكا

أندرا متشوكا، صحفية حائزة على جوائز عدة، غطّت الشؤون السياسية البريطانية والأوروبية لصالح وسائل إعلام في المملكة المتحدة ورومانيا، من بينها صحيفة "ذا لندن إيكونوميك"، وحاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة من جامعة شيفيلد، والماجستير في إدارة الأعمال الدولية والإدارة من جامعة مانشستر.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
نتنياهو ورئيس جهاز الموساد رومان غوفمان (إكس)
تقرير
جندي عراقي وسط عناصر أخرين يرفع علامة النصر خلال الاحتفال بمناسبة انسحاب القوات الأمريكية (أ ف ب)
تقرير
تقرير
طائرة تابعة لفلاي دبي تقل ركاب الرحلة التي اضطرت للهبوط في السعودية (أ ف ب)
تقرير
حريق في مركز دوبروبوت الطبي عقب غارة جوية روسية على كييف في 28 سبتمبر (أ ف ب)
تقرير
بقايا دبابة متفحمة قرب "غيريب أغيو" في جنوب تيغراي (أ ف ب)
تقرير
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير
النيجر ومالي وبوركينا فاسو يوقعون وثيقة تحالف دول الساحل (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.