على مدى أكثر من خمسين عاماً، تمسّكت كوريا الشمالية بموقف مفاده بأن جارتها الجنوبية ليست دولة أجنبية، وإنما الشطر الآخر من أمة واحدة مزّقتها الحرب وتنتظر استعادة وحدتها، إلا أن دستورها الحالي يعكس تحولاً مغايراً؛ فقد أزيلت منه جميع الإشارات إلى إعادة التوحيد الوطني، والسلمي، والوحدة الوطنية الشاملة.
وحلَّ محلَّ ذلك بند إقليمي في الدستور ينصّ على الاعتراف بـجمهورية كوريا الجنوبية، دولة مستقلة ذات سيادة تقع إلى الجنوب، وبذلك تخلّت بيونغ يانغ عن الفرضية التي وجّهت العلاقات بين الكوريتين منذ صدور البيان المشترك لعام 1972، والتي كانت تقوم على اعتبار الكوريتين أمة واحدة انقسمت مؤقتاً بفعل الظروف التاريخية.
ورغم سهولة تصنيف هذه الخطوة باعتبارها محطة أخرى ضمن نمط متكرر طالما اتبعته بيونغ يانغ، من التصعيد العسكري، واختبار الأسلحة، ورفع منسوب التوتر، ثم توظيف ذلك للحصول على تخفيف للعقوبات أو مساعدات خارجية، إلا أن التفسير الأكثر ترجيحاً هو أن تحولاً أوسع نطاقاً يجري بالفعل، ويبدو أن التعديل الدستوري يمثل إضفاء للصفة القانونية على انعطافة استراتيجية أعمق، قوامها برنامج نووي أكثر تطوراً واستقلالية، واصطفاف متنام وأكثر تشدداً مع روسيا.
اليوم، ينقل هذا التحول كوريا الجنوبية من موقع “الشقيق الوطني” إلى موقع “الجار” الذي ينبغي التعامل معه بحذر ومن مسافة محسوبة، ووفقاً لذلك، تتجه بيونغ يانغ إلى إدارة علاقاتها مع سيؤول وواشنطن وفق قواعد الدبلوماسية التقليدية، بدلاً من إطار إعادة التوحيد الذي طبع العلاقات بين الكوريتين لعقود، ويبدو أن الغاية من ذلك هي حماية أمن النظام ووضعه النووي من تقلبات العلاقات بين الكوريتين، وهو ما يؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف الأساس الوحدوي الذي استندت إليه جهود ومفاوضات نزع السلاح النووي.
تتجه بيونغ يانغ إلى إدارة علاقاتها مع سيؤول وواشنطن وفق قواعد الدبلوماسية التقليدية بدلاً من إطار إعادة التوحيد الذي طبع العلاقات بين الكوريتين لعقود
هانوي وانهيار النمط المعتاد
يعود هذا التحول في التوجهات إلى فشل قمة هانوي التي عُقدت في فبراير 2019 بين الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقبل ذلك الإخفاق، كانت السياسة الخارجية لكوريا الشمالية تسير وفق نمط يمكن تمييزه بسهولة؛ إذ كان النظام يمضي قدماً في إجراء اختبارات الأسلحة وتعزيز النفوذ الذي يمنحه له برنامجه النووي، حيث كان هذا الضغط يدفع واشنطن وسيؤول إلى طاولة المفاوضات بحثاً عن تخفيف العقوبات وتقديم ضمانات أمنية.
لم يكن هدف إعادة التوحيد غاية في حد ذاته، بل كان إطاراً لهذا النمط، حيث مكّنت القمم المبنية على القومية العرقية المشتركة بيونغ يانغ من الحصول على تنازلات اقتصادية مع الحفاظ على نفوذ الجنوب محدوداً للغاية، كما استغل النظام هذه الاجتماعات داخلياً، مقدماً نفسه كراعٍ لمستقبل وطني مشترك لتعزيز شرعيته.
بلغ هذا التصعيد ذروته خلال عامي 2016 و2017، ففي هذين العامين وحدهما أجرت كوريا الشمالية ثلاث تجارب نووية، من بينها التفجير النووي عالي القدرة في سبتمبر 2017، إضافة إلى أكثر من أربعين عملية إطلاق لصواريخ باليستية، وبعد ذلك انتقلت بيونغ يانغ إلى مرحلة الانخراط الدبلوماسي؛ فبعد وقفٍ مؤقتٍ لاختبارات الأسلحة فرضته على نفسها، شاركت في ثلاث قمم مع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-إن، كما عقدت قمة سنغافورة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وقد قُدِّمت جميع هذه اللقاءات في إطار المصالحة الشاملة على مستوى شبه الجزيرة الكورية.
لقد كسرت هانوي هذا النمط، فلم تتمكن بيونغ يانغ من مقايضة مجمع يونغبيون النووي بالحصول على تخفيف واسع للعقوبات، وكشف ذلك الحدث حدود النهج الذي اعتادت اتباعه، وبدلاً من خفض التوترات والعودة إلى طاولة المفاوضات، بدأ النظام بالتخلي تدريجياً عن نموذج “نزع السلاح النووي مقابل المساعدات” الذي شكّل أساس دبلوماسيته لسنوات، وأُعيد تعريف البرنامج النووي ليُنظر إليه بدرجة أقل بوصفه ورقةً للمساومة، وبدرجة أكبر بوصفه عنصراً جوهرياً في منظومة الدفاع الوطني.

مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟
يبقى السؤال المحوري هو ما إذا كان هذا التطور يُعدّ مجرد خطوة تكتيكية أم تحولاً استراتيجياً حقيقياً، إذ يبدو أن نص مارس 2026 أكثر تعقيداً ما قد يوحي به ظاهره، فالبند المتعلق بالأراضي لا يذهب إلى حد تثبيت الحدود البحرية المتنازع عليها، مثل الخط الشمالي للحدود، كما أنه يحذف الصياغات السابقة المتعلقة بالضم القسري، حيث يُبقي هذا القدر من التحفظ هامشاً من المرونة العسكرية، ويمنع النظام من الانجرار إلى تصعيد تلقائي بسبب حادث حدودي بسيط.
في عام 2018، كان خطاب رأس السنة لكيم لا يزال يطرح العلاقات في إطار فكرة إعادة التوحيد، كما أن الاتفاق العسكري الصادر في سبتمبر 2018 أدى إلى تفكيك نقاط الحراسة الأمامية كخطوة لبناء الثقة، لكن الإجراءات التي أعقبت عام 2019 سارت في الاتجاه المعاكس، وكانت مكلفة بالفعل، حيث قامت بيونغ يانغ بتدمير مكتب الاتصال المشترك بين الكوريتين في كايسونغ في يونيو 2020، كما هدمت نصب الميثاق الثلاثي النقاط لإعادة التوحيد الوطني في يناير 2024، وفي أكتوبر 2024، قطعت الطرق وخطوط السكك الحديدية التي تربط بين البلدين، وكانت هذه أصولاً ذات قيمة، ومن الصعب التوفيق بين تدميرها وأي تصور يبقي إعادة التوحيد خياراً واقعياً على المدى القريب.
اليوم، تشير التغييرات المؤسسية إلى الاتجاه نفسه فقد ألغت الجمعية الشعبية العليا لجنة إعادة التوحيد السلمي للوطن في 15 يناير 2024، وذلك عبر تشريع قانوني بدلاً من انتظار انعقاد مؤتمر للحزب، وفي أواخر عامي 2024 و2025، أُعيدت تسمية معهد إعادة التوحيد الوطني القائم إلى معهد دراسات الدولة المعادية، كما دمج ضمن جهاز مخابرات مُعاد تنظيمه.
وفي المقابل، حلّ دبلوماسيون خارجيون، مثل وزيرة الخارجية تشوي سون هوي، محل المفاوضين المخضرمين في شؤون العلاقات بين الكوريتين داخل المكتب السياسي، حيث تؤدي هذه التحولات إلى تفكيك الخبرة والبنية البيروقراطية الخاصة بالانخراط والحوار، ما يجعل العودة السريعة إلى التفاوض أكثر صعوبة، وإن لم تكن مستحيلة.
كما يعزز البرنامج العسكري هذا التفسير، فمنذ قمة هانوي، لم يقتصر التصعيد على زيادة وتيرة الاختبارات، إذ شهد عام 2022 وحده 37 عملية إطلاق منفصلة وأكثر من 90 صاروخاً، بل تغيّر أيضاً في طبيعته، حيث كانت الموجات السابقة تبدو أشبه برسائل سياسية متقطعة ومحدودة النطاق.
منذ انعقاد المؤتمر الثامن للحزب عام 2021، سارت الجهود وفق قائمة منشورة لأنظمة استراتيجية يجري العمل على تطويرها على مدى عدة سنوات، وأحد هذه الأنظمة، غواصة تعمل بالطاقة النووية، ظهرت في مرحلة الإنشاء في ديسمبر 2025؛ إلا أن مداها العملياتي لا يزال غير مؤكد، كما يبرز التوجه نحو الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب، إذ تُقلل هذه الأنظمة من وقت التحضير للإطلاق وتُحسّن من فرص النجاة من ضربة استباقية، وهذا النوع من الجهود المتواصلة والمكلفة يتناسب مع برنامج مصمم للردع أكثر من كونه برنامجاً مُصمماً وفقاً لوتيرة المفاوضات.
ويؤدي التقارب مع روسيا إلى مزيد من تفكيك القيود القديمة، فمنذ بداية الحرب في أوكرانيا، قدّمت بيونغ يانغ قوات وذخائر إلى موسكو مقابل الحصول على تكنولوجيا ومساعدات وحماية دبلوماسية، حيث يتضمن اتفاق الشراكة المبرم في يونيو 2024 بنوداً تتعلق بالدفاع المتبادل، ما قد يتيح من حيث المبدأ امتداد قدر من الردع الروسي إلى النظام، حيث يمثل ذلك تحولاً حقيقياً في البنية الأمنية، التي كانت تقوم سابقاً على عزل بيونغ يانغ بما يجعلها عرضة لضغط أمريكي-كوري جنوبي مشترك.
ومع ذلك، لا يزال مدى استعداد موسكو للالتزام بهذا التعهد غير مُختبر، وقد تكون العلاقة أقرب إلى الطابع التبادلي منها إلى الشراكة الاستراتيجية، ورغم ذلك، فإنه يقلل من اعتماد النظام على تخفيف العقوبات، ما يضعف أحد أهم الأدوات التي كانت تمنح محادثات نزع السلاح النووي جاذبيتها في السابق.
وعند النظر إلى هذه الخطوات مجتمعة، تبدو أقرب إلى إعادة توجيه استراتيجية منها إلى مجرد تموضع تكتيكي، فالمناورة التكتيكية كانت ستقوم على الجمع بين خطاب حاد مع الإبقاء على قنوات اتصال خلفية وإجراءات قابلة للتراجع، كما كانت ستعتمد تعليق المؤسسات بدلاً من إلغائها، كما في الأعمال العسكرية المرتبطة بحالة التفاوض، مع الاستناد إلى الصين التي تميل إلى تفضيل الاستقرار، غير أن بيونغ يانغ اختارت بدلاً من ذلك إغلاق القنوات، وتفكيك المؤسسات، وتنويع شراكاتها بطرق يصعب التراجع عنها وتكلف الكثير لعكسها، حيث يشير هذا النمط إلى أن التعديل الدستوري قد يرسخ تحولاً جارياً بالفعل بدلاً من إحداث تحول مفاجئ في كيفية تصور كوريا الشمالية لعلاقتها مع كوريا الجنوبية.
التعديل الدستوري قد يرسخ تحولاً جارياً بالفعل بدلاً من إحداث تحول مفاجئ في كيفية تصور كوريا الشمالية لعلاقتها مع كوريا الجنوبية
ضغوط على الحوار
يُربك هذا التحول أيضاً افتراضاً ظلّ قائماً طوال ثلاثة عقود في دبلوماسية نزع السلاح النووي، وهو أن الكوريتين تسعيان في نهاية المطاف إلى تسوية سياسية سلمية، حيث جمّد الإطار المتفق عليه لعام 1994 إنتاج البلوتونيوم، واستند إلى الاتفاق الأساسي بين الكوريتين لعام 1992، الذي التزم فيه الطرفان بالسعي إلى إعادة توحيد سلمية.
ثم جاء البيان المشترك لمحادثات الأطراف الستة عام 2005 ليذهب أبعد من ذلك، إذ ربط تعهد كوريا الشمالية بالتخلي عن الأسلحة النووية بالتزام بأن الأطراف المعنية مباشرة ستتفاوض على نظام سلام دائم في شبه الجزيرة الكورية، وحتى “إعلان بانمونجوم” لعام 2018 ربط نزع السلاح النووي برؤية مشتركة لمستقبل كوريا، وفي كل هذه الحالات، كانت القيود النووية تُعدّ خطوات ضمن مسار سياسي أوسع، لا أهدافاً مستقلة بحد ذاتها.
وعند إزالة ذلك الهدف النهائي، تضعف منطقية قبول القيود النووية، فحيث كانت الأسلحة تُستخدم في السابق كورقة تفاوض على طريق التسوية، يعيد الإطار الجديد تقديمها بوصفها أداة أكثر استقراراً ضمن منظومة الأمن، وبذلك تتراجع جاذبية الحوافز التي دعمت الاتفاقات السابقة، مثل تخفيف العقوبات والاعتراف الدولي والمساعدات التنموية.
كما يشير تصاعد خطاب الاعتماد على الذات في الاتجاه نفسه، فقد شكّلت عقيدة “غوتشي” الاكتفاء الذاتي، التي تُعدّ مركزية في الدولة منذ سبعينيات القرن الماضي، أحد المحركات الأساسية لعزلتها خلال مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ومع إلغاء هدف الوحدة، تعيد هذه العقيدة صياغة الحوافز الخارجية؛ إذ لم تعد تخفيفات العقوبات والمساعدات التنموية تُرى كفرص، بل كأشكال من الاعتماد ينبغي تجنّبها، كما يعزز الدعم الروسي هذا التأثير، إذ يمكّن بيونغ يانغ من تحمّل العزلة التي تفرضها سيؤول وواشنطن بتكلفة أقل، ولا يعني ذلك استحالة الانخراط الدبلوماسي، لكنه يرفع الثمن الذي قد تطالب به بيونغ يانغ للعودة إلى مسار التفاوض.
يُقوّض هذا التحوّل أيضاً الحد الأدنى من الثقة التي يتطلبها نزع السلاح النووي التدريجي، فمع تصوير الجنوب كخصم، يُنظر حتى إلى نزع السلاح المؤقت على أنه خطر استراتيجي، لا يمكن لسنوات من إعادة الإعمار أن تُزيله بسرعة، وهذا لا يجعل الأطر القائمة بالية بقدر ما يرفع عتبة استخدامها، إذ لم تعد الافتراضات التي جعلتها فعّالة قائمة تلقائياً، لكن بإمكان حكومة مستقبلية إعادتها.

النتيجة الأكثر ترجيحاً على المدى القريب هي حالة جمود مُدارة، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها، فيما يعزز التحالف بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية منظومة الردع، بينما يتجنب الطرفان الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الاستعداد لاحتمال حدوثها، غير أن الإدارة هنا لا تعني الاستقرار، إذ يمكن تصور مسارين يوضحان كيف قد يتطور هذا الوضع؛ يختلفان أقل في الاتجاه وأكثر في الدرجة: أحدهما يرسّخ العلاقة الجديدة عبر الدبلوماسية، والآخر يكرّسها عبر نهج أكثر صلابة وتشدداً.
النتيجة الأكثر ترجيحاً على المدى القريب هي حالة جمود مُدارة حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها فيما يعزز التحالف بين أمريكا وسيؤول الردع
وفي هذا الإطار يطرح سيناريوهان يرسمان ملامح المرحلة المقبلة:
السيناريو الأول: علاقات رسمية بين الدول
في هذا السيناريو، تُضفي بيونغ يانغ الطابع الرسمي على الموقف الجديد، إذ تُوجّه الاتصالات بين الكوريتين عبر وزارة الخارجية، وتضغط على واشنطن لإقامة علاقات ثنائية مباشرة، وتستبعد سيؤول من أي مفاوضات نووية، حيث يكون الدافع وراء ذلك هو الرفض الرسمي لمبادرة أمريكية-كورية جنوبية مشتركة لأسباب دستورية، مُشيرةً إلى انتهاك سيادة كوريا الشمالية.
بعد ذلك، ستسعى بيونغ يانغ إلى الانخراط عبر قنوات العلاقات بين الدول والأمم المتحدة، مُرسّخةً مكانتها كدولة نووية نموذجية، كما ستسعى إلى إقامة ترتيبات حدودية وبحرية رسمية مع الدول المجاورة، باستخدام الإحداثيات المُدوّنة حديثاً في الدستور.
يواجه هذا المسار قيداً هيكلياً، تنص المادة الثالثة من دستور كوريا الجنوبية على السيادة على شبه الجزيرة بأكملها، لذا لا تستطيع سيؤول تطبيق هذا النموذج دون تعديل دستورها، والنتيجة هي عدم تكافؤ، حيث يتطلب التفاعل الرسمي من أحد الطرفين التصرف بما يخالف قانونه الأساسي، وقد تفضل الصين، المتخوفة من ترسيخ دولة موالية للولايات المتحدة على حدودها، الغموض، مما يحد من مدى الاعتراف بهذا الإطار.
السيناريو الثاني: الردع دون حوار
في هذا السيناريو، ينتقل التركيز إلى ردع أكثر تشدداً، حيث تنشر بيونغ يانغ غواصتها النووية، وتعلن اكتمال عملية التحديث العسكري، وتُقدّم ترسانتها بوصفها عنصراً غير قابل للتفاوض في السيادة في مواجهة عدوها الرئيسي، كما تنسحب من ما تبقى من الاتفاقات العسكرية بين الكوريتين، وتعيد نشر قواتها في مناطق كانت منزوعة السلاح سابقاً، رافضة أي مفاوضات تُبنى على أساس نزع السلاح النووي.
ويقترب هذا النهج من نموذج الردع في الحرب الباردة، مدعوماً بالتكنولوجيا الروسية والاستمرار في الدعم الاقتصادي الصيني، وبمعزل عن أي مسار لتخفيف العقوبات.
كما يحمل هذا المسار مخاطر واضحة، فقد يدفع كوريا الجنوبية أو اليابان إلى إعادة النظر في خياراتهما النووية، أو يدفع الولايات المتحدة إلى توسيع نطاق انتشارها العسكري، ما يغذي سباق تسلح إقليمي، وقد يستنزف صبر الصين، ويقلل من الدعم الذي قد لا تعوضه العلاقات الروسية بالكامل، ومع ذلك، قد لا يملك أي من الطرفين القدرة على تغيير حسابات الآخر، ما يجعل العداء هو الوضع السائد.
وأياً كان المسار الذي ستتخذه بيونغ يانغ، فإن الصورة على المدى القريب تبدو واضحة إلى حدّ ما، فشبه الجزيرة الكورية تُدار الآن بوصفها علاقة بين دولتين، لا باعتبارها شطرين من أمة واحدة تنتظر إعادة التوحيد، حيث أصبح هذا الواقع مُكرّساً على المستوى العقائدي وليس فقط على أرض الواقع، وباتت الدبلوماسية التي كانت تستند إلى وعد “كوريا واحدة” تفتقر إلى الأساس الذي تقوم عليه، وأي انفتاح مستقبلي سيتعين أن ينطلق من هذا الوضع القائم الجديد.
شبه الجزيرة الكورية تُدار الآن بوصفها علاقة بين دولتين لا باعتبارها شطرين من أمة واحدة تنتظر إعادة التوحيد
في المحصلة، لقد سبق أن عزَلت كوريا الشمالية نفسها عن الجنوب، ثم ما لبثت أن أعادت فتح الباب عندما تغيّرت الظروف، ويضع الدستور إطار هذه القطيعة، لكنه لا يضمن استمراريتها، وما إذا كانت ستتصلّب لتصبح نظاماً دائماً مستقراً، أم ستبقى حلقة أخرى ضمن نمط من القطيعة والمصالحة، يبقى أمراً مفتوحاً؟، وسيتوقف الجواب على هذا السؤال أقل على نصوص القانون في بيونغ يانغ، وأكثر على الثمن الذي يكون كل طرف مستعداً لدفعه.



