تتصدر أسعار الوقود والمواد الغذائية قائمة اهتمامات الناخبين الأمريكيين مع توجههم إلى صناديق الاقتراع اليوم، فيما تتابع الحكومات الأجنبية تطوراً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في مدى قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة تنفيذ أجندته للسياسة الخارجية خلال العامين المقبلين، ومدى إمكانية استمرار نهجه السياسي بعد مغادرته البيت الأبيض.
اليوم، تتقاطع الحرب مع إيران والسياسات الجمركية الأمريكية عند نقطة أساسية، إذ أسهم كلاهما في زيادة الضغوط المعيشية داخل الولايات المتحدة، بالتوازي مع إحداث تحولات في علاقات واشنطن الدولية، ما يجعل نتائج الانتخابات محط اهتمام داخلي وخارجي.
سيظل الرئيس دونالد ترامب ممسكاً بزمام السياسة الخارجية الأمريكية حتى يناير 2029، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات، غير أن هذه النتائج ستحدد مدى اتساع هامش تحركه وقدرته على تنفيذ توجهاته دون عوائق.
يتمتع الجمهوريون حالياً بأغلبية ضئيلة في مجلسي الكونغرس، في حين تشير استطلاعات الرأي إلى تقدم الديمقراطيين في المنافسة على مجلس النواب، بينما لا تزال المنافسة على مقاعد مجلس الشيوخ متقاربة، حيث أعلن الديمقراطيون أنهم سيستغلون أي أغلبية يحققونها في مجلس النواب لفتح تحقيقات بشأن إدارة ترامب، الأمر الذي قد يضع مسؤولي الإدارة أمام مسائلات علنية، ويجبرهم على تقديم تفسيرات وافية لقراراتهم وسياساتهم.
السلطة التنفيذية وحدودها
منذ يناير 2025، اعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على القرارات والإجراءات التنفيذية في إدارة السياسة الخارجية، بدءاً من فرض رسوم جمركية واسعة النطاق، وصولاً إلى الحرب مع إيران، التي لم يحصل بشأنها على تفويض من الكونغرس.
وبحسب تقارير، يستعد البيت الأبيض لاتخاذ مزيد من الإجراءات التنفيذية تحسباً لفوز الديمقراطيين في الانتخابات، من بينها فرض رسوم جمركية جديدة على المعادن الحيوية وتوربينات الرياح، وهما قطاعان تهيمن عليهما الصين.
في المقابل، قد يسعى الكونغرس، في حال سيطرة الديمقراطيين عليه، إلى الحد من صلاحيات ترامب عبر تمرير تشريعات من شأنها تقييد تحركاته، غير أن الرئيس يمتلك صلاحية استخدام حق النقض (الفيتو) ضد هذه التشريعات، في وقت تبدو فيه فرص الديمقراطيين في حصد أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسي محدودة.
الديمقراطيون حال سيطرتهم على الكونغرس قد يسعون إلى تقييد تحركات ترامب تشريعياً لكن الفيتو الرئاسي ربما يحول دون ذلك
لهذا، تكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة إلى الحكومات التي تعتمد على الولايات المتحدة في مجالي الأمن والتجارة، فالأوامر التنفيذية يمكن للرئيس الذي يخلف ترامب إلغاءها أو التراجع عنها، في حين يصعب تغيير القوانين التي يقرها الكونغرس.
وكلما توسع اعتماد واشنطن على الإجراءات التنفيذية في إدارة شؤونها، زادت احتمالات تعامل شركائها مع الالتزامات الأمريكية باعتبارها ترتيبات مؤقتة قابلة للتغيير، ما يدفعهم إلى تبني سياسات احترازية تحسباً لأي تحولات أو تراجعات مستقبلية.
التجارة والدفاع وأوكرانيا
من المرجح أن تؤكد نتائج الانتخابات استمرار النهج الأمريكي الحالي في ملف التجارة، حيث فرضت واشنطن رسوماً جمركية على خصومها وشركائها المقربين على حد سواء، بدءاً من الصين والاتحاد الأوروبي وصولاً إلى كندا.
وتتيح الصلاحيات المتعلقة بالتجارة، التي فوّضها الكونغرس للسلطة التنفيذية قبل عقود، للبيت الأبيض الإبقاء على هذه الرسوم دون الحاجة إلى تشريعات جديدة، ما يحدّ عملياً من قدرة المعارضة على عرقلة هذه السياسة.
وتضع كندا حساباتها على هذا الأساس؛ إذ صرّح رئيس الوزراء مارك كارني بأن أوتاوا تستطيع الانتظار إلى حين وصول إدارة أمريكية جديدة، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مقبول، فمن المتوقع أن تحذو دول أخرى حذوها، عبر تأجيل التفاهمات التجارية مع واشنطن ترقباً لأي تغيير محتمل في الإدارة الأمريكية.
يُعد الإنفاق الدفاعي الملف الأكثر قابلية للتأثر بنتائج الانتخابات، نظراً إلى أن الكونغرس هو الجهة المسؤولة عن إقرار الموازنة، حيث طلبت وزارة الدفاع الأمريكية بالفعل اعتماد مبلغ إضافي قدره 67.1 مليار دولار، مبررة ذلك بالتكاليف المترتبة على الحرب مع إيران.
وفي حال تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية، فقد يسعون إلى خفض الإنفاق العسكري الذي تطلبه إدارة ترامب، أو فرض شروط وقيود عليه.
يمثل الملف الأوكراني اختباراً آخر لمدى قدرة الكونغرس ذي الأغلبية الديمقراطية على ممارسة نفوذه في السياسة الخارجية الأمريكية، حيث خففت واشنطن العقوبات المفروضة على الديزل الروسي، فيما دعا ترامب الأوكرانيين إلى استبدال الرئيس فولوديمير زيلينسكي.
وقد يسعى الكونغرس، في حال سيطرة الديمقراطيين عليه، إلى إقرار حزمة مساعدات جديدة لكييف، إلا أن هذه الخطوة ستظل خاضعة لاحتمال استخدام الرئيس حق النقض (الفيتو).
ونظراً إلى أن الناخبين الديمقراطيين يُبدون دعماً أكبر لأوكرانيا مقارنة بنظرائهم الجمهوريين، فإن مستوى الدعم الأمريكي لكييف قد يتأثر بصورة مباشرة بأي تحول في موازين القوى السياسية داخل واشنطن.
مستوى الدعم الأمريكي لكييف قد يتأثر بصورة مباشرة بأي تحول في موازين القوى السياسية داخل واشنطن لأن الديمقراطيين يُبدون دعماً أكبر لأوكرانيا
الصراعات في الشرق الأوسط
تمثل الحرب مع إيران الساحة التي قد يظهر فيها ضغط الكونغرس على الإدارة الأمريكية بصورة أكثر وضوحاً، إذ قد يسعى الكونغرس، في حال سيطرة الديمقراطيين عليه، إلى خفض التمويل المخصص للحرب، فضلاً عن الدفع نحو مساءلة وزير الحرب بيت هيغسيث، وربما عزله، على خلفية اتهامات بتجاوز الصلاحيات الدستورية المتعلقة بشن الحروب.
ولن تقتصر الانتقادات على الديمقراطيين وحدهم، إذ دعا عدد من المرشحين الجمهوريين لمقاعد مجلس الشيوخ إلى إنهاء الحرب في وقت مبكر.
في المقابل، ألمح ترامب إلى إمكانية استئناف الضربات العسكرية ضد إيران بعد الانتخابات، مع إبقائه الباب مفتوحاً أمام التوصل إلى تسوية تفاوضية.
وتقدم تجربة عام 2006 مؤشراً على حدود قدرة المعارضة في الكونغرس على تغيير التوجهات العسكرية للرئيس، ففي ذلك العام، فاز الديمقراطيون بأغلبية الكونغرس وسط تصاعد الغضب الشعبي من حرب العراق، إلا أن الرئيس الأمريكي آنذاك جورج دبليو بوش أقر، بعد أشهر قليلة، خطة لزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق.
ستتابع دول الخليج هذه التطورات عن كثب، تحسباً لأي مؤشرات على تصعيد عسكري، ولا سيما الهجمات التي قد تؤدي إلى مزيد من الاضطراب في صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز، أو توسّع نطاق المواجهة لتشمل أطرافاً أخرى في المنطقة.
كما ستراقب السعودية والإمارات وقطر وغيرها من دول الخليج مدى تأثير الانقسامات السياسية داخل واشنطن على احتمالات اتساع التصعيد أو احتوائه، وما قد يترتب على حالة عدم اليقين بشأن التوجهات الأمريكية من تداعيات على أمنها واستقرار المنطقة.
فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل وقطاع غزة والضفة الغربية، تُظهر استطلاعات الرأي أن الديمقراطيين الأصغر سناً أكثر ميلاً، مقارنة بالأكبر سناً، إلى الاعتقاد بأن واشنطن بالغت في دعمها لإسرائيل.
كما تتزايد الضغوط من جانب الناخبين المنتمين إلى التيار التقدمي لفرض شروط على المساعدات العسكرية الأمريكية المقدمة لإسرائيل، وتبنّي موقف أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية في كل من قطاع غزة والضفة الغربية.
ورغم أن هذا التحول لا يُرجح أن ينعكس على السياسة الأمريكية قبل عام 2029، إلا أنه قد يسهم في رسم ملامح توجهات أي إدارة أمريكية مقبلة، ولا سيما فيما يتعلق بتعريف المصالح الأمريكية وأولوياتها في منطقة الشرق الأوسط.

كيف سيقرأ الحلفاء والخصوم نتائج الانتخابات؟
من المرجح أن تخلص الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى أن الالتزامات الأمريكية باتت أكثر ارتباطاً بطبيعة القوى السياسية التي تمسك بزمام السلطة في واشنطن، إذ اختبرت الدنمارك وكندا هذا الواقع بالفعل، في ظل الضغوط التي مارستها إدارة ترامب عليهما بشأن جزيرة غرينلاند والملفات التجارية.
أما الحكومات الأوروبية، التي تطالبها واشنطن بتحمل قدر أكبر من مسؤولية الدفاع عن أمنها، فستولي اهتماماً خاصاً للقيود القانونية المفروضة على تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، إذ ينص القانون على حد أدنى يبلغ 76 ألف جندي أمريكي في أوروبا، مع إتاحة المجال للرئيس لخفض هذا العدد إلى ما دون ذلك، شريطة التشاور مع الحلفاء وإبلاغ الكونغرس.
أما خصوم واشنطن، فتختلف حساباتهم، إذ إن تقييد صلاحيات الرئيس على الصعيد الداخلي لا يعني بالضرورة الحد من هامش تحركه الواسع على الساحة الخارجية، إذ قد ترى موسكو في هذه الظروف فرصة للتوصل إلى تسوية سريعة للحرب في أوكرانيا، انطلاقاً من تقديرها أن ترامب يمثل الخيار الأكثر ملاءمة لتحقيق ذلك.
تختلف حسابات خصوم واشنطن إذ إن تقييد صلاحيات الرئيس على الصعيد الداخلي لا يعني بالضرورة الحد من هامش تحركه على الساحة الخارجية
وفي المقابل، يتعين على طهران تقييم ما إذا كانت الضغوط التي قد يمارسها الكونغرس ستجعل شن ضربات أمريكية جديدة أقل احتمالاً، أم ستدفع واشنطن إلى التحرك العسكري بصورة أكثر إلحاحاً.
أما بكين، فمن المرجح أن تواصل الرهان على تفاهم غير رسمي مع واشنطن، يستند بالدرجة الأولى إلى العلاقة المباشرة مع الرئيس الأمريكي، ولا يتطلب موافقة الكونغرس.
ستقرأ كل حكومة نتائج الانتخابات من منظور مصالحها الخاصة وتصوراتها لطبيعة الولايات المتحدة ودورها الدولي، حيث ستنعكس هذه التقديرات على سلوكها وتحركاتها، بصرف النظر عما ستسفر عنه التغييرات في الكونغرس.
وإذا خلص حلفاء واشنطن إلى أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة من الترقب فقد يدفعهم ذلك إلى تبني سياسات أكثر تحفظاً، وتأجيل الالتزامات والاتفاقات مع الجانب الأمريكي، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تراجع النفوذ الأمريكي على الساحة الدولية.
كما سيُظهر التصويت أيَّ السياسات يمكن أن تستمر، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن غالبية الأمريكيين يرون أن الحرب مع إيران لا تستحق خوضها، فيما يحملون الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة، ومن المؤكد أن هذه المواقف ستؤثر في حجم المعارضة التي قد يواجهها ترامب داخل الكونغرس، كما ستنعكس على طبيعة السياسات التي قد تتبناها الإدارة الأمريكية التي ستخلفه.
وفي الواقع، يتجاوز هذا التساؤل العامين المتبقيين من ولاية ترامب، إذ إن السياسات التي تستند أساساً إلى القرارات الرئاسية، بدءاً من التدخل في فنزويلا وممارسة الضغوط على كوبا، وصولاً إلى الانفتاح على موسكو، قد تكون عرضة للتراجع أو الإلغاء بعد يناير 2029، مع وصول إدارة أمريكية جديدة.
وبالنسبة إلى الحكومات الأجنبية، يتمثل التحدي في مسارين متلازمين: أولهما تحديد هامش الحرية الذي سيحتفظ به ترامب للتحرك واتخاذ القرارات خلال الفترة المتبقية من ولايته، وثانيهما تقدير مدى استعداد الولايات المتحدة للحفاظ على أجندته للسياسة الخارجية ومواصلة العمل بها بعد مغادرته البيت الأبيض.





