استعادت آيسلندا أهميتها الاستراتيجية مع تصاعد التوترات في منطقة القطب الشمالي، لكنها، في ظل افتقارها إلى جيش، لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة في مجال الأمن، رغم عدم القدرة على التنبؤ بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ورفض الآيسلنديون في استفتاء أُجري الأسبوع الماضي استئناف مفاوضات انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي، ما يعني استمرار الوضع الراهن بدلاً من السعي نحو مزيد من الاندماج مع التكتل، وبذلك ستحافظ آيسلندا على وصولها إلى السوق الموحدة عبر المنطقة الاقتصادية الأوروبية، وعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب اتفاقية الدفاع الموقعة مع الولايات المتحدة عام 1951.
وقال رئيس الدفاع الآيسلندي، يوناس ألاسون، بشأن العلاقات الحالية مع الولايات المتحدة، وفقاً لوسائل إعلام فرنسية: “بالطبع، الخطاب السياسي يثير القلق، لكن من المهم أيضًا محاولة تعزيز العلاقة”.
وأضاف: إن البيئة الأمنية الحالية لآيسلندا تشبه إلى حد كبير أجواء الحرب الباردة، مع عودة أهمية البلاد في مراقبة تحركات روسيا ووصولها إلى شمال المحيط الأطلسي، لكنه يرى أن هناك مزيداً من عدم اليقين اليوم بسبب سياسات الكرملين.
وتكتسب آيسلندا مجدداً أهمية استراتيجية للسبب نفسه تقريباً الذي جعلها مهمة خلال الحرب الباردة: إذ يحتاج الناتو إليها لمراقبة وصول روسيا إلى شمال المحيط الأطلسي، غير أن المواجهة الحالية قد تكون أقل قابلية للتنبؤ من التنافس الأمريكي السوفيتي المنظم نسبيًا خلال الحرب الباردة.
ويزداد المشهد الاستراتيجي تعقيداً مع تنامي اهتمام الصين بمنطقة القطب الشمالي، التي أصبحت مواردها وممراتها البحرية أكثر سهولة للوصول إليها بسبب التغير المناخي، كما تروج بكين لما تسميه طريق الحرير القطبي، سعياً إلى تعزيز وصولها إلى طرق الشحن الناشئة في القطب الشمالي والفرص الاقتصادية المتزايدة هناك.
وخلال تمرين “الفايكنغ الشمالي” الذي أجراه الناتو في آيسلندا أواخر أغسطس، سلط القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا، ألكسوس جرينكويتش، الضوء على المخاوف بشأن النشاط الروسي والصيني في القطب الشمالي، وفي المقابل، تستثمر آيسلندا في الأمن السيبراني والبنية التحتية المصممة لتسهيل وجود قوات الحلفاء وعبورها.
ويؤكد قرار آيسلندا الإبقاء على ترتيباتها الأمنية الحالية الصعوبة المستمرة التي تواجهها الدول الأوروبية في تحويل مخاوفها بشأن موثوقية واشنطن إلى بدائل حقيقية وموثوقة للحماية العسكرية الأمريكية.
كما تزداد أهمية موقع آيسلندا الجيوستراتيجي في منطقة GIUK ، وهي الممر البحري الذي يربط شمال الأطلسي بالمناطق المحيطة بجرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة، بالتزامن مع مراقبة الناتو للنشاط الروسي في شمال الأطلسي وسعي الصين إلى تعزيز وصولها الاقتصادي والاستراتيجي إلى المحيط الأطلسي عبر القطب الشمالي.
وقد زادت تهديدات ترامب بشأن جرينلاند من تعقيد هذه العلاقة، لكنها لم تتغلب، حتى الآن، على اعتماد آيسلندا على المنظومة الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة.
وتتمثل أبرز التطورات التي تستحق المتابعة فيما إذا كان تصاعد التنافس مع روسيا والصين سيؤدي إلى توسيع الوجود العسكري الأمريكي ووجود الناتو في آيسلندا، وما إذا كانت التوترات المستقبلية مع واشنطن ستعيد إحياء الدعم الشعبي الداخلي لمزيد من التقارب مع الاتحاد الأوروبي.


