على مدى بضعة أيام من شهر مايو، غدت بكين محور الدبلوماسية الدولية، التي استثمرته لإبراز حنكتها الاستراتيجية ومهارتها في إدارة علاقاتها الخارجية، ففي غضون أسبوع واحد فقط، استقبلت العاصمة الصينية زعيمي الدولتين اللتين تحتلان موقعاً هاماً في سياستها الخارجية، حيث وصل فلاديمير بوتين في 19 مايو، بعد أربعة أيام من مغادرة دونالد ترامب، وحظي كلاهما باستقبال رسمي مهيب.
غير أن ما يختبئ خلف المراسم ودقة البروتوكول الدبلوماسي يكشف واقعاً أكثر تعقيداً، فالقمتان تجسدان مسعى بكين إلى استمالة واشنطن من دون إغضاب موسكو، وتكريم روسيا وطمأنتها بلا ارتباط بها إلى حدٍّ يقيّد حركتها، حيث أفضى ذلك إلى سياسة توازن دقيقة، تعتريها توترات وتناقضات، لكنها باتت السمة الأبرز التي تحكم العلاقات الثلاثية بين الصين وروسيا والولايات المتحدة.
قمتا ترامب وبوتين تجسدان مسعى بكين إلى استمالة واشنطن من دون إغضاب موسكو وإلى تكريم روسيا وطمأنتها من دون الارتباط بها إلى حدٍّ يقيّد حركتها
مثلث واشنطن-بكين-موسكو
لا شك في أن الولايات المتحدة تمثل بالنسبة إلى الصين أخطر تهديد خارجي لأمنها القومي، وأبرز منافس لها على الصعيد الاقتصادي، وأشد خصومها في المجال الأيديولوجي، كما يتمثل أحد أكبر هواجس بكين في احتمال الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مبكرة مع واشنطن.
لذلك، يسعى القادة الصينيون إلى إضفاء قدر أكبر من الاستقرار على العلاقات الصينية-الأمريكية من خلال الحد من النزاعات الإقليمية والخلافات الاقتصادية وغيرها من مصادر التوتر، كما يعملون على تجنب اندلاع حرب لا يرغبون فيها في مرحلة لا تزال فيها القدرات الصينية دون مستوى القدرات الأمريكية.
وعلى النقيض من ذلك، تُعدّ روسيا الشريك الأهم للصين في المجالات الدبلوماسية والعسكرية والطاقة، وخلال زيارة بوتين، وقّع الجانبان عشرات الاتفاقيات والبيانات المشتركة التي أكدت التزامهما بتعزيز التعاون في هذه المجالات.
ومع ذلك، كشفت الزيارة حدود قدرة موسكو على انتزاع دعم صيني كامل لبعض أولوياتها الاستراتيجية، إذ يتجلى ذلك بوضوح في استمرار بكين في التريث بشأن منح الموافقة النهائية لمشروع خط أنابيب الغاز قوة سيبيريا-2، رغم الضغوط والمساعي الروسية المتواصلة.
في الوقت نفسه، تسعى بكين إلى تجنب معضلتين استراتيجيتين في علاقتها مع موسكو: الوقوع ضحية التخلي من جانب شريك مهم، أو الانجرار إلى صراعات وسياسات لا تتوافق بالكامل مع مصالحها، ولهذا، تواصل الصين تقديم الدعم لروسيا باعتبارها شريكاً يساهم في موازنة النفوذ الأمريكي، ويمنحها أوراق قوة إضافية في تعاملها مع الغرب، ويحافظ على بيئة استراتيجية أكثر ملاءمة لمصالحها.

لكن هذا الدعم يظل محكوماً بسقوف واضحة؛ إذ لا ترغب الصين في التورط في الحرب الروسية-الأوكرانية، كما تتحفظ على التوجه الروسي الرامي إلى هدم النظام الدولي القائم قبل توافر بديل مستقر وقادر على إدارة التوازنات العالمية، ومن منظور بكين، فإن أي تحول جذري في بنية النظام الدولي يجب أن يكون تدريجياً ومدروساً، لا نتيجة مواجهة مفتوحة وغير محسوبة مع الغرب.
ومن ثمّ، فإن موقف الصين من روسيا يعكس نهجها الأوسع في التعامل مع قضايا التقارب الجيوسياسي والتحالفات الدولية، فبكين، في العادة، لا تمنح دعمها الكامل للمشروعات أو المبادرات المشتركة إلا عندما تتيقن من أنها تحقق مصالح مباشرة وواضحة للصين، ومن أنها لن تُلحق ضرراً كبيراً بعلاقاتها مع الولايات المتحدة أو مع سائر القوى الدولية المؤثرة.
ولهذا السبب، تواصل الصين انتهاج سياسة الحذر الاستراتيجي، مفضلة الحفاظ على هامش واسع للمناورة بدل الانخراط في التزامات قد تقيد خياراتها، وفي عالم يتسم بتقلبات متزايدة تمتد من واشنطن إلى موسكو، تبدو بكين أكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات الدقيقة من الانحياز الكامل إلى أي محور أو معسكر.
في عالم يتسم بتقلبات متزايدة تمتد من واشنطن إلى موسكو تبدو بكين أكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات الدقيقة من الانحياز الكامل إلى أي محور أو معسكر
قمتا ترامب وبوتين
لم يكن تعاقب زيارة ترامب ومجيء بوتين إلى بكين خلال فترة وجيزة نتيجة ترتيب سياسي مقصود، بل جاء إلى حدّ كبير بفعل تداخل المواعيد، فقد كانت زيارة بوتين مقررة منذ فبراير للاحتفاء بمرور خمسة وعشرين عاماً على معاهدة حسن الجوار والتعاون الودي بين الصين وروسيا، بينما تأجلت زيارة ترامب من أواخر مارس إلى منتصف مايو بسبب انشغال واشنطن بالحرب ضد إيران.
ورغم محدودية النتائج العملية المباشرة لكلتا الزيارتين، إلا أن اقترابهما الزمني ألقى الضوء على التوازن الدقيق الذي تحاول بكين الحفاظ عليه بين شراكتها الاستراتيجية مع موسكو وعلاقتها المعقدة والمتشابكة مع واشنطن، وهو ما يجعل من هاتين القمتين نافذة مهمة لفهم موقع الصين في معادلة القوى الكبرى الراهنة.
خلال زيارة دونالد ترامب في 14و15 مايو الماضي، طرح المسؤولون الصينيون إطاراً مفاهيمياً جديداً يقضي بأن تعترف بكين وواشنطن صراحة بتعارض مصالحهما، مع العمل في الوقت نفسه على إدارة سياساتهما بما يمنع الانزلاق غير المقصود إلى التصعيد، حيث عبّر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن قلق خاص إزاء احتمال الوقوع فيما يُعرف بـ”فخ ثيوسيديدس” بين الصين والولايات المتحدة، حيث يُستخدم هذا المفهوم لوصف حالة تنشأ عندما تؤدي صعود قوة جديدة ومخاوف القوة المهيمنة القائمة إلى اندلاع حرب كبرى على الزعامة العالمية.
وفي السياق نفسه، أفادت تقارير بأن شي جين بينغ شدّد في محادثة خاصة مع ترامب على تحذيراته المتعلقة بالدعم الأمريكي لتايوان، غير أنه، في المقابل، لم يقدّم أي التزامات ملموسة لدعم السياسات الأمريكية في ملفات مثل إيران أو أوكرانيا أو كوريا الشمالية أو غيرها من القضايا الأمنية الإقليمية.
وفي مقابل طرح فخ ثيوسيديدس، قدّم شي مفهوم الاستقرار الاستراتيجي البنّاء كإطار بديل لإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة، إذ يشير هذا المفهوم ضمنياً إلى اعتراف متزايد داخل الخطاب الصيني بطبيعة التنافس الهيكلي بين القوتين، وبالحاجة إلى ضبط هذا التنافس ضمن حدود تمنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.
كما يفترض هذا الإطار معاملة الطرفين كقوتين متقاربتين في المكانة، يتعين عليهما الامتناع عن خطوات قد تُخل بالتوازن الاستراتيجي، مثل تصعيد الدعم العسكري لتايوان أو السعي إلى تقويض أنظمة حليفة لبكين أو تهديد أمنها الطاقوي، وفي السياق ذاته، نُقل عن ترامب تعليق صفقة تسليح كبيرة لتايوان، في خطوة رُبطت بانشغالات واشنطن بملف إيران، ما يعكس تداخل الأولويات الاستراتيجية الأمريكية في تلك المرحلة.
خلال زيارة بوتين في الفترة من 19 إلى 20 مايو، أظهرت الحكومة الصينية ببراعة تضامناً دبلوماسياً واحتراماً متبادلاً بين الصين وروسيا، ومع ذلك، لم تُخصص موارد إضافية لسياسات اقتصادية تُفضلها روسيا، ولم تُثير استياء مفرطاً لدى الرأي العام الغربي القلق من تحالف بكين مع موسكو، حيث منحه مُضيفوه الصينيون مكانة مُماثلة لمكانة ترامب، إذ استُقبل الزعيمان بتحية 21 طلقة مدفعية، ومواكب سيارات وسط هتافات الأطفال، ولقاءات مطولة مع شي جين بينغ.
اليوم، تتمثل الأولويتان الرئيسيتان في السياسة الخارجية لفلاديمير بوتين في إخضاع أوكرانيا لموسكو والحفاظ على الصين بوصفها الشريك الدولي الرئيسي لروسيا، حيث تعتمد روسيا على الصين في الدعم الدبلوماسي العام، والاقتصادي الشامل، والعسكري الموجّه إلى مجمعها الصناعي العسكري.
الأولويتان الرئيسيتان في السياسة الخارجية لبوتين تتمثلان في إخضاع أوكرانيا لموسكو والحفاظ على الصين بوصفها الشريك الدولي
في حين كان بإمكان شخصيات روسية بارزة، حتى قبل عقد من الزمن، الاعتراض على هذه الأولويات، إلا أن التزام بوتين الراسخ بتحقيق أهدافه الحربية في أوكرانيا قد قضى فعلياً على أي خيار غربي، وعلى أي حال، فإن تقلص مساحة المعلومات في روسيا في عهد بوتين لم يعد يسمح بنقاش مفتوح حول مثل هذه القضايا.
ركائز التقارب الصيني-الروسي
يتجلى الدعم الدبلوماسي المتبادل بين الصين وروسيا بأوضح صوره في سياساتهما المنسقة في مجال ضبط التسلح، وتصويتهما المتقارب داخل الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف الأخرى، إضافة إلى البيانات المشتركة التي تنتقد بشكل متكرر القيادة العالمية للولايات المتحدة.
في المجال المعلوماتي، يقدم القادة الروس والصينيون تفسيرات متشابهة للأحداث الدولية، كما يتقاسم فلاديمير بوتين وشي جين بينغ رؤية عالمية مشتركة تؤكد أهمية السيادة الوطنية، وتعتبر المبادئ الليبرالية الديمقراطية الغربية تهديداً أيديولوجياً.
علاوة على ذلك، يشهد الفضاء السيبراني الداخلي في روسيا تقارباً متزايداً مع النموذج الصيني القائم على الرقابة الشاملة على المعلومات.
وفي المجال العسكري، لا تزال القوات المسلحة الروسية والصينية تمثلان أهم شريك أجنبي لكل منهما، إذ تشمل تدريباتهما المشتركة مختلف ميادين القتال، بما في ذلك الحرب البرية والبحرية والجوية وحرب الطائرات المسيّرة، كما تعتمد العديد من الأنظمة التسليحية الروسية بشكل كبير على واردات تكنولوجية مزدوجة الاستخدام من الصين.
ورغم أن قضية تايوان لم تكن بارزة خلال زيارة فلاديمير بوتين، إلا أن بكين قد تُقدّر أي دعم روسي في ردع تدخل عسكري محتمل من جانب اليابان، كما يُحتمل، في حال اندلاع صراع طويل الأمد، أن تتوقع الصين من موسكو تزويدها بالمواد الغذائية والهيدروكربونات.
تساعد المشتريات الصينية الكبيرة من السلع الروسية بكين على دعم اقتصاد موسكو، وفي الوقت نفسه تعزز أمنها في مجال الطاقة، حيث أدّت الحرب في أوكرانيا إلى ترسيخ مكانة الصين بوصفها الشريك الاقتصادي المهيمن لروسيا، إذ شهد التبادل التجاري بين الصين وروسيا نمواً مطرداً خلال السنوات الأخيرة، فيما قامت شركات صينية بسدّ الفراغ الذي خلّفه انسحاب الشركات الغربية من عدة قطاعات سوقية، مثل السيارات والهواتف الذكية وغيرها من قطاعات السلع الاستهلاكية المتقدمة.
ورغم العزوف الروسي عن زيادة واردات السلع الصناعية الصينية، إلا أن هذا التردد لا يزال أقل بكثير من مستويات المقاومة التي يواجهها المصدّرون الصينيون في أسواق أخرى.
موازنة بكين
يظهر نهج الصين في موازنة علاقتها مع روسيا والولايات المتحدة في مواقفها من عدة نزاعات إقليمية تتداخل فيها مصالح موسكو وواشنطن أو كلاهما، حيث تستفيد بكين من هذه النزاعات في تشتيت موارد الولايات المتحدة، التي كان يمكن أن تُوجَّه في غيابها إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بينما تُبقي في الوقت نفسه موسكو معتمدة على دعمها في مواجهة الغرب.
وعادةً ما يكتفي ممثلو الصين بالدعوة إلى التسويات والمبادئ العامة دون تحمل تكاليف كبيرة أو الدخول في مخاطر مباشرة، ونتيجة لذلك، لم تتدخل بكين لتنظيم مفاوضات سلام مطوّلة أو لفرض تنازلات على الأطراف، رغم امتلاكها الموقع والموارد التي تمكّنها من القيام بذلك.
وبدلاً من السعي إلى استقطاب دعم الصين بشكل قد يدفعها إلى الانحياز للطرف الآخر، تتسامح كل من موسكو وواشنطن مع قدر من ابتعاد بكين وعدم تدخلها المباشر، فعلى سبيل المثال، ورغم امتناع الصين عن ممارسة ضغوط اقتصادية أو غيرها على إيران لفتح مضيق هرمز أو للحد من برنامجها النووي، إلا أنها في المقابل لا تحاول أيضاً إجبار واشنطن على إنهاء حملتها العسكرية أو رفع الحصار المضاد عن الموانئ الإيرانية، حيث تفضّل بكين أن تتولى موسكو دوراً قيادياً في لدفاع عن إيران لمواجهة الولايات المتحدة، كما ترغب في أن تتحمل واشنطن العبء الرئيسي في منع طهران من امتلاك أسلحة نووية أو من تعطيل حركة الملاحة التجارية البحرية.
بكين تفضّل تولي موسكو دوراً في الدفاع عن إيران لمواجهة أمريكا كما ترغب بأن تتحمل واشنطن عبء منع طهران من امتلاك أسلحة نووية أو تعطيل الملاحة
أما فيما يتعلق بكوريا الشمالية، من المرجّح أن تثير السياسات الروسية تجاه بيونغ يانغ قدراً كبيراً من القلق داخل دوائر صنع القرار في كل من بكين وواشنطن، حيث أتاح فشل الجهود الدبلوماسية الصينية والأمريكية في التواصل مع بيونغ يانغ لموسكو فرصة لإقامة تحالف غير مسبوق مع كوريا الشمالية، كما أن قبول روسيا العلني بالوضع النووي الفعلي لكوريا الشمالية قد دفع كلاً من بكين وواشنطن إلى التعامل مع هذا الواقع.
ومع ذلك، امتنعت الصين عن تحدي التحالف الروسي-الكوري الشمالي، خشية أن يؤدي ذلك إلى إغضاب أحد الطرفين أو كليهما، وبدلاً من ذلك، سعت القيادة الصينية إلى تحسين علاقاتها الخاصة مع كوريا الشمالية، وهو ما يتجلى في زيارة شي جين بينغ إلى بيونغ يانغ في أوائل يونيو.
أما فيما يتعلق بأوكرانيا، يؤكد البيان المشترك الصيني-الروسي على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للحرب، والتي تصفها موسكو وبدون اعتراض صيني بأنها تتمثل في السياسات الغربية في أوروبا الشرقية التي تُشكّل تهديداً لروسيا، وقد قدمت الصين دعماً اقتصادياً ودبلوماسياً، وشبه عسكري، حاسماً لروسيا طوال فترة الحرب، حيث عزز هذا الموقف قدرة روسيا على الصمود أمام الضغوط الغربية، كما ساعد على استمرار التهديد العسكري الروسي لأوروبا، وحقق للصين مكاسب اقتصادية وأمنية.
في الوقت نفسه، حرصت بكين على عدم تجاوز الخط الأحمر الغربي المتمثل في تقديم دعم دفاعي مباشر للقوات المسلحة الروسية، غير أن النجاحات العسكرية الأخيرة لأوكرانيا بدأت تُعمّق التناقضات في السياسة الصينية تجاه الحرب، في ظل تزايد الضغوط على الصين لدعم موسكو، مقابل تراجع القيمة الاقتصادية والعسكرية لروسيا بالنسبة لبكين.
النجاحات العسكرية لأوكرانيا تُعمّق تناقضات الصين تجاه الحرب مع تزايد الضغوط عليها لدعم موسكو مقابل تراجع القيمة الاقتصادية والعسكرية لروسيا بالنسبة للصين
تداعيات ما بعد القمم
إن طبيعة الشراكة الصينية-الروسية تجعلها شديدة الصلابة في مواجهة القضايا التي قد تُحدث انقساماً، أو محاولات الولايات المتحدة أو غيرها تفكيك هذه العلاقة، فبما أن الشراكة بين موسكو وبكين ليست ملزمة أو مُقيّدة أو حصرية، فهي ذات كلفة منخفضة، ومتعددة الأبعاد، وعالية القدرة على التكيف والصمود.
وعلى النقيض من ذلك، تفتقر الولايات المتحدة إلى حوافز واقعية يمكن أن تدفع بشكل حاسم بكين أو موسكو للابتعاد عن علاقتهما المتبادلة، إذ تنظر الحكومتان إلى علاقتهما الثنائية، التي تُعد غير اعتيادية من منظور تاريخي، باعتبارها أصلاً استراتيجياً مهماً للطرفين، في حين تقلل من تقدير قدرة واشنطن أو استعدادها لتقديم منافع مماثلة.
اليوم، تُعدّ العلاقة الصينية-الروسية أقوى من علاقات أيٍّ من الدولتين مع الولايات المتحدة، ومع ذلك، تتمتع الدول الثلاث بدرجة كبيرة من الاستقلال الاستراتيجي، فكلٌّ من بكين وموسكو يمتلك قدرة محدودة على التأثير في سياسات الطرف الآخر تجاه واشنطن وحلفائها، حيث ينظر شي جين بينغ وفلاديمير بوتين إلى الولايات المتحدة باعتبارها الخصم العسكري الرئيسي لبلديهما، وفي المقابل يعدّان بعضهما بعضاً الشريك الأمني الأساسي.
ومع ذلك، قد يعيد القادة الصينيون والروس في المستقبل تقييم التكاليف والمنافع الأمنية والاقتصادية لهذه الشراكة بشكل مختلف، لا سيما إذا توقفت الولايات المتحدة عن ممارسة الضغوط المتزامنة على البلدين، كما أن الطبيعة السلطوية لكلا النظامين تقلل من القيود الداخلية التي قد تحدّ من إمكانية إعادة التموضع أو إعادة الاصطفاف نحو واشنطن على حساب الطرف الآخر.

محركات متباينة ومسار الخلافة
كما يتضح من إشارة شي جين بينغ إلى “فخ ثيوسيديدس”، ترى القيادة الصينية أن ميزان القوة النسبي بين الصين والولايات المتحدة يتجه تدريجياً لصالحها، وبالفعل، قد تتمكن بكين من تحقيق التفوق العالمي خلال العقود المقبلة، غير أن عدداً من التطورات قد يقوّض هذه التوقعات المتفائلة.
كان التعاون الصيني-الروسي وثيقاً بشكل خاص في منطقة آسيا الوسطى، ورغم أن الحضور الاقتصادي والأمني للصين في هذه المنطقة قد ازداد، إلا أن بكين تجنّبت اتباع سياسات من شأنها تحدي روسيا في هذا المجال، غير أن توسّع المصالح الصينية قد يدفع بكين إلى إعادة النظر في سياسة التريّث أو الامتناع عن منافسة النفوذ الروسي في الإقليم، ولا سيما إذا بدا أن موسكو غير قادرة أو غير راغبة في الحفاظ على بيئة مواتية للمصالح الاقتصادية الصينية، عندئذٍ قد تتبنى بكين دوراً أمنياً إقليمياً أكثر بروزاً، وهو ما قد يؤدي إلى توتر علاقاتها مع موسكو.
إذا انتهت الحرب الروسية-الأوكرانية وتحسّنت العلاقات بين روسيا والغرب، فإن الصين ستقلّ مخاوفها من تراجع القوة الروسية، وفي المقابل، ستصبح موسكو أقل اعتماداً على بكين، وتحقق نمواً اقتصادياً أسرع، وتتمكن من الموازنة بصورة أكبر بين الصين والولايات المتحدة والقوى الأخرى، وبناءً على ذلك، ستقترب العلاقة الصينية-الروسية من نمط العلاقات السائد بين القوى الكبرى الأخرى، بما يسهم في تعزيز نظام دولي أكثر تعددية حقيقية في توزيع مراكز القوة.
اليوم، بما أن كلا الحكومتين سلطويتان، فإن مسار العلاقات الصينية-الروسية يعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة العلاقات بين القيادات، فـشي جين بينغ وفلاديمير بوتين يوليان أهمية كبيرة للحفاظ على علاقات جيدة بين البلدين، إلا أن خلفاءهما قد لا يتبنون النهج نفسه، حيث يعيد أيّ خليفة لروسيا يتسم بالنزعة الوطنية النظر في جدوى الاعتماد المفرط على الصين على حساب استقلالية روسيا على المدى الطويل، وفي المقابل، قد تدفع الاعتبارات الاقتصادية والأمنية أيّ قائد صيني مستقبلي إلى السعي نحو علاقات أقوى مع الولايات المتحدة.
في هذا الإطار، مهما تكن نتيجة الحرب في أوكرانيا، فمن المرجّح أن تبقى روسيا شريكاً تجارياً واستثمارياً محدوداً بالنسبة للصين، ولذلك، سيرى المسؤولون الاقتصاديون في بكين دائماً فرصاً لتوسيع العلاقات الاقتصادية مع الأسواق الغربية على حساب روسيا.
مهما تكن نتيجة الحرب في أوكرانيا فمن المرجّح أن تبقى روسيا شريكاً تجارياً واستثمارياً محدوداً بالنسبة للصين
في المحصلة، طالما ظلت الولايات المتحدة الخصم الاستراتيجي الرئيسي للصين، واستمرت روسيا في خلافها مع الغرب، فمن المرجّح أن تستمر معادلة التوازن التي تنتهجها بكين، ولا يتمثل السؤال الحقيقي فيما إذا كانت الصين ستغيّر مسارها أو كيف ستفعل ذلك، بل فيما إذا كانت التقلبات الجيوسياسية قد تُجبرها على اتخاذ خيارات كانت حتى الآن قادرة على تجنبها؟.



