عندما تستخدم الدول التجارة العالمية كسلاح

تقرير
زورق تابع للحرس الثوري الإيراني يشارك في عملية لمصادرة سفن تحاول عبور مضيق هرمز (أ ف ب)
زورق تابع للحرس الثوري الإيراني يشارك في عملية لمصادرة سفن تحاول عبور مضيق هرمز (أ ف ب)
ﺷﺎرك

لا يعد إغلاق مضيق هرمز، أكبر خطر يواجه شركات الشحن والمستوردين والمصدّرين، بل تحوّل هذا الإغلاق إلى أمر روتيني في ظلّ ضعف الردع وتفاوت الاعتماد المتبادل، فأزمة هرمز ليست سوى حلقة واحدة، رغم أهميتها البالغة، ضمن نمط أوسع من الإكراه البحري، واستهداف البنية التحتية الحيوية، والضغوط الاقتصادية والتجارية، إذ أن كلُّ واحدٍ من هذه التهديدات، إذا نُظر إليه منفرداً، كفيل بزعزعة نظام التجارة العالمي؛ أما إذا اجتمعت، فقد تؤدي إلى شلّه بالكامل.

أدّت حربا إيران وأوكرانيا اليوم إلى تعطيل الاقتصاد العالمي، إلا أن أهميتهما الحقيقية تكمن في دلالاتهما طويلة الأمد، فالمشكلة لا تكمن في أن النظام القديم قد انهار بالفعل، بل في أن هذه التوترات باتت تُستخدم على نحوٍ متزايد كأدواتٍ في سياسات الدول لإعادة تشكيل نظامٍ جديد.

أدّت الحربان في إيران وأوكرانيا إلى تعطيل الاقتصاد الدولي وأصبحتا تُستغلّان بصورة متزايدة كأداتين في سياسات الدول لإعادة تشكيل نظام عالمي جديد

كما تشير هذه التطورات، مجتمعة، إلى احتمال التوجّه مستقبلاً نحو مزيد من الحمائية الاقتصادية، واعتبار استهداف البنية التحتية المدنية البرية والبحرية أمراً مألوفاً، فضلاً عن تصاعد الضغوط على القواعد والأعراف التي تقوم عليها حرية الملاحة.

الإكراه البحري عبر الساحات المختلفة

لا تقتصر هذه الأنماط على منطقة بعينها؛ ففي العديد من الساحات حول العالم، يتزايد لجوء الدول إلى تهديد البنية التحتية المدنية، وحرية التجارة، والملاحة البحرية، حيث تتداخل هذه الديناميكيات في الوقت الفعلي، بحيث يعزّز كل منها التأثير الدوليَّ للآخر، ويضاعف من حدّة تداعياته في لحظات ذات أهمية استراتيجية بالغة.

تمارس إيران في مضيق هرمز نسخة أكثر تصعيداً مما شهدناه من الحوثيين في البحر الأحمر؛ إذ تستخدم التهديد والاضطراب البحريّ المتقطّع وسيلة للتأثير في حركة التجارة والعبور من دون فرض سيطرة كاملة، وقد تُسهم مثل هذه الأفعال في ترسيخ سابقة تشجّع على سلوك بحريّ أكثر عدوانية، وإن ظلَّ تطبيقُها متفاوتاً من حالة إلى أخرى.

وعلى سبيل المثال، قد ترى بكين في هذه التطورات توسيعاً لهامش الخيارات المتاحة أمامها، وقد تعتبر أن طموحاتها تجاه تايوان وسعيها لفرض نفوذ أوسع في بحر الصين الجنوبي قد حظيت ضمنياً بنوع من الشرعنة نتيجة هذه الممارسات، وفي الواقع، دأبت الصين منذ فترة على قطع الكابلات البحرية تحت الماء حول تايوان، ومع ذلك، فإن أي محاولة لتكرار مثل هذه السلوكيات في شرق آسيا ستظل مقيدة باعتماد الصين الكبير على التجارة البحرية.

في المجال البحري، تُقدّم روسيا أحد أوضح الأمثلة على التحوّل نحو تقييد حرية الملاحة، ولا يقتصر ذلك على محاولتها عزل أوكرانيا عن البحر الأسود، فمنذ عام 2014، نشرت موسكو سفناً قادرة على حمل أسلحة نووية في البحر الأسود بهدف ترهيب الدول الأخرى المطلة عليه، كما استولت على المنشآت البحرية ومنشآت الطاقة الأوكرانية قبالة سواحل القرم عقب ضمّ شبه الجزيرة في العام نفسه، ونفّذت طلعات جوية استفزازية فوق البنية التحتية الرومانية للطاقة في عرض البحر.

ومع ذلك، فإن التعديات الروسية على حرية الملاحة لا تتوقف عند هذا الحد، فبينما تعتبر دول وهيئات عديدة أن الممر البحري الشمالي عبر القطب الشمالي ممراً مائياً دولياً، تُصر موسكو على أنه جزء من مياهها الداخلية وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وانطلاقاً من هذا الموقف، تسعى روسيا إلى فرض رسوم على شركات الشحن مقابل استخدام هذا الممر.

من جانب آخر، أدّت المقاطعة اللاحقة للممر البحري الشمالي، نتيجة العدوان الروسي على أوكرانيا، إلى تكبيد شركات الشحن خسائر تُقدَّر بما بين 3 و5 مليارات دولار سنوياً، معظمها ناجم عن البحث عن طرق وأسواق بديلة.

وكان الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 يستهدف السيطرة على سواحلها، بما في ذلك مدينة أوديسا، بهدف قطع طرق التجارة البحرية، غير أن ارتدادات الحرب التي تشنها موسكو تجاوزت ساحة المعركة نفسها، فعندما فرض الغرب عقوبات على روسيا، ردت موسكو بمهاجمة البنية التحتية تحت البحر في بحر البلطيق، وبإنشاء ما يُعرف بـ”أسطول الظل”، الذي يُقدَّر عدد سفنه بما بين 400 و600 سفينة، لبيع النفط والغاز الروسيين والحصول على السلع النادرة، في محاولة للالتفاف على العقوبات وتحديها.

قد تمثل هذه “السفن الشبحية” نمطاً جديداً في التجارة البحرية؛ إذ إن قدرتها على التهرب من العقوبات الموجهة وغيرها من الضغوط التي يفرضها الغرب قد تفضي إلى تكاليف تجارية كبيرة، فضلاً عن الأضرار البيئية المحتملة في حال وقوع تسرب نفطي، إذ تنتقل هذه التكاليف في نهاية المطاف إلى المستهلكين في أوروبا وآسيا، لأن هذه السفن قديمة وسيئة الصيانة، وغالباً ما تفتقر إلى التأمين.

سفن “أسطول الظل” تمثل نمطاً جديداً في التجارة البحرية بتكاليف تجارية كبيرة تنتقل في نهاية المطاف إلى المستهلكين في أوروبا وآسيا

وعلاوة على ذلك، باتت روسيا توفّر لهذه السفن مرافقة مسلّحة، جوية أو بحرية، ولا سيما في بحر البلطيق، بما يعكس احتمال عسكرة أعالي البحار، وهو ما قد يتحول إلى نقطة اشتعال خطيرة إذا أوقفتها السلطات الأوروبية، كما أن إحجام الدول الأوروبية عن اعتراض سفن “أسطول الظل” الروسي، كما حدث مع إستونيا، يعزز مصداقية تهديدات التصعيد الروسية ويمنحها قدراً من التبرير.

الاضطراب البحري دون سيطرة مستدامة

بعيداً عن الساحة الأوروبية، تُظهر الأحداث في البحر الأحمر ومنطقة الخليج كيف يمكن لفاعلين من غير الدول، وكذلك لقوى إقليمية، استخدام هذا النوع من التوتر البحري لفرض ضغوط على حركة التجارة، مهددين حرية الملاحة دون تحمل تكاليف السيطرة المستمرة.

وتُعد التهديدات الأخيرة التي أطلقها الحوثيون بالاستيلاء على السفن الغربية أو الإسرائيلية أو استهدافها في البحر الأحمر مثالاً على ذلك، واعتباراً من مارس 2025، كانت هذه الهجمات تُكبّد مصر خسائر تُقدّر بنحو 800 مليون دولار شهرياً، وبالمثل، كلّفت العمليات العسكرية الأمريكية اللاحقة ضدهم ما بين 2.8 و4.9 مليارات دولار، بما في ذلك فجوات تكلفة صارخة، مثل استخدام صواريخ تُقدّر قيمتها بنحو مليوني دولار للتصدي لمسيّرات لا تتجاوز قيمتها 2000 دولار.

وعلى النقيض من ذلك، ادّعى مسؤولون أمريكيون أن الصين تنقل صوراً فضائية ومكوّنات خاصة بالطائرات المسيّرة إلى الحوثيين، بينما قامت روسيا، غالباً عبر إيران إن لم يكن بشكل مباشر، بتقديم أسلحة ودعم لوجستي، إضافة إلى بيانات وقدرات استهداف عبر الأقمار الصناعية.

وبما أن الحوثيين متحالفون مع إيران، فإن محاولاتهم لتعطيل الملاحة في البحر الأحمر، واستهداف السفن، وفرض حصار جزئي ومتقطع على السفن الغربية والإسرائيلية، تُشير إلى تورّطٍ إيراني في هذه العمليات حتى قبل اندلاع الحرب الحالية.

وفي الواقع، من المرجّح أن ترى إيران أو الحوثيين بوصفهم وكيلاً لها، فائدة استراتيجية في تعطيل أو إغلاق كلٍ من مضيق باب المندب ومضيق هرمز أمام التجارة الدولية.

عملياً، أدّت إيران والولايات المتحدة إلى عسكرة مضيق هرمز، في امتداد لهذا النمط، إذ تدّعي إيران سيطرة أحادية عليه وتعلن نيتها فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على كل سفينة شحن تمر عبره، بينما فرضت الولايات المتحدة من جانبها، رداً على ذلك، حصاراً على جميع حركة الملاحة من وإلى الموانئ الإيرانية، وقد خلّف هذا الحصار المزدوج بالفعل تأثيراً كبيراً على الاقتصاد العالمي، إذ اضطرت شركات الشحن والتجارة إلى البحث عن بدائل للبضائع العالقة.

ووفقاً لتقرير صادر عن المجلس الأطلسي الأمريكي، فإن منطقة الخليج كانت قبل حرب إيران تُزوّد العالم بنحو 20% من وقود الطائرات المنقول بحراً، و10% من الديزل البحري، و23% من الأمونيا، و33% من الهيليوم، كما كان نصف الكبريت المنقول بحراً عالمياً يأتي من الخليج، إضافة إلى 9% من إنتاج الألومنيوم العالمي.

الضغط الاقتصادي ورسوم ترامب

تعمل التوترات البحرية بالتوازي مع سياق أوسع من الإكراه التجاري والاقتصادي بوصفه أداة من أدوات سياسات الدول، وتتفاعل معه، ومن الواضح أن تأثير هذه الاضطرابات يتجاوز تجارة النفط والغاز ليشمل جميع السلع التي تعتمد على مدخلات الطاقة، بما في ذلك المواد الغذائية والأسمدة، وما يُعرف بالسلع ذات الاستخدام المزدوج.

كما تمتد آثارها إلى عمليات العبور والوصول إلى العناصر والمعادن النادرة، التي أصبحت ذات أهمية متزايدة للاستثمارات عالية التقنية، مثل مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي، والبدائل البيئية للوقود الأحفوري، والأسلحة المتقدمة.

وبشكلٍ عام، تؤدي هذه الديناميكيات إلى تجزئة تدفقات التجارة، وزيادة تقلبات الأسعار، وتقليص مرونة سلاسل الإمداد العالمية، وباختصار، فهي تهدد بتآكل تدريجي للنظام التجاري الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي دعم الاقتصاد العالمي لعقود طويلة.

صاغ الرئيس ترامب سياسته التجارية العدوانية الأخيرة، بما في ذلك التوسع الكبير في استخدام الرسوم الجمركية وأدوات الضبط الصناعي، على أنها إجراءات تهدف إلى ضمان الأمن الاقتصادي للولايات المتحدة.

ومع ذلك، قد تؤدي هذه الاستراتيجية إلى تقويض استقرار النظام التجاري الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، بما يشير إلى تراجع واشنطن عن موقعها في الهيمنة الدولية، وبدلاً من ذلك، يبدو أن المرحلة الناشئة تتجه نحو واقع تُرجَّح فيه قوة النفوذ على القواعد، وتُفضَّل فيه الحمائية على حرية التجارة.

وفي هذا السياق، يصبح كلّ من الصراع الاقتصادي والحرب الفعلية أكثر شيوعاً وانتشاراً، بما يفرض ضغوطاً تصاعدية كبيرة ومستمرة على الأسعار على المدى الطويل، حيث أظهرت الانتهاكات السابقة لحرية الملاحة والتجارة الحرة للإدارة الأمريكية في عهد ترامب أنها أيضاً قادرة على الانخراط في مثل هذا السلوك دون تبعات تُذكر، ما دفعها إلى فرض حصار كامل على كوبا بدلاً من سياسة الحظر الاقتصادي الطويلة الأمد.

وبعيداً عن هذه الحادثة وحصارها الحالي للموانئ الإيرانية في الخليج، فإن أبرز إسهامات ترامب المستمرة في تقويض نظام التجارة الحرة تتمثل في لجوئه المتكرر إلى فرض الرسوم الجمركية على مختلف السلع، حتى مع شركاء أمريكيين تقليديين مثل كندا والمكسيك والاتحاد الأوروبي.

المنافسة بين أمريكا والصين  

تمثل تحركات الصين الأخيرة تقارباً بين الإكراه الاقتصادي والبحري، مدفوعة بتصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتمتد آثارها إلى سلاسل الإمداد الحيوية التي اعتمدت حتى الآن على التجارة الحرة.

تمثل تحركات الصين الأخيرة تقارباً بين الإكراه الاقتصادي والبحري، مدفوعة بتصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة وتمتد آثارها إلى سلاسل الإمداد الحيوية

فعندما فرض ترامب رسوماً جمركية على الصين عام 2025، ردّت بكين بفرض ضوابط صارمة على صادرات المعادن النادرة، ما أبرز اعتماد الولايات المتحدة ودولٍ أخرى على هذه الموارد الاستراتيجية، حيث اضطر ترامب لاحقاً إلى التراجع والبدء في صياغة سياسةٍ صناعية أمريكية تُشبه إلى حدٍّ ما النموذج الصيني القائم على دور الدولة في الهيمنة على معالجة المعادن النادرة وغيرها من المجالات الحيوية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من تخفيف بعض القيود على الصادرات، شددت الصين من نهجها القائم على استخدام المعادن النادرة والمواد الحيوية كأداة نفوذ، فهي تواصل فرض قيود صارمة على مواد أساسية مثل الغاليوم والمعادن النادرة الثقيلة، ما يضع الدول المستوردة التي تعتمد على الإنتاج والتكرير والمعالجة الصينية تحت ضغط متزايد لإعادة النظر في استراتيجياتها المتعلقة بالطاقة النظيفة والدفاع والتكنولوجيا.

هذا النهج يطمس الحدود الفاصلة بين السياسة الاقتصادية للصين وسياستها الأمنية، كما يترافق مع موقف أكثر حدة في المجال البحري، فعلى الرغم من استيلاء الصين لسنوات على جزر متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي وضمّها وتعزيز وجودها العسكري فيها، فإنها لم تواجه عواقب طويلة الأمد تُذكر، ونتيجةً لذلك، تمضي الصين في تعزيز نفوذها بينما تنشغل الأطراف المنافسة أو المطالِبة بهذه الجزر أو تعجز عن مقاومتها.

وبعد أن أعلنت سيطرتها على أجزاء واسعة من بحر الصين الجنوبي، تعمل بكين على إنشاء قاعدة جديدة في شعاب أنتيليوب المرجانية، كما أعلنت مؤخراً برنامجاً لتطوير 11 ألف جزيرة تزعم ملكيتها.

في ظل التحول في السياق الاقتصادي والأمني العالمي، فإن أي توتر على غرار مضيق هرمز في شرق آسيا قد يدفع الصين إلى سلوك مسار مشابه لما اتبعته روسيا، عبر الاعتماد على “أسطول ظل” للالتفاف على العقوبات وغيرها من الإجراءات، وبالنظر إلى قدرتها على توظيف المعادن النادرة الحيوية، فإن الصين، في أي صراع بين القوى الكبرى، قد تكون قادرة على ممارسة ضغوط اقتصادية في الأوقات والأماكن التي تختارها، دون الحاجة بالضرورة إلى الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.

عمال يتفقدون محطة توليد طاقة حرارية دُمرت خلال هجوم صاروخي روسي (أ ف ب)
آليات انتقال الأسعار

مجتمعة، تُولّد أزمة مضيق هرمز وسياسات الحمائية وغيرها من التهديدات لحرية الملاحة ضغوطاً تصاعدية على الأسعار، وبالفعل، فقد ارتفع سعر خام برنت في (4 مايو 2026) بنسبة 3.8% ليصل إلى 113 دولاراً للبرميل.

قد يتطلّب الحصار نشر قوة دولية مشتركة تضم قوات بحرية وجوية، وربما قوات برية أو برمائية، في المنطقة لعدة أشهر أو حتى سنوات، وحتى اكتمال هذه المهمة، ستظل أسعار الطاقة، وربما غيرها من السلع أيضاً، مرتفعة.

هذا العامل، إلى جانب الحصار والتهديدات الصاروخية والهجومية بالطائرات المسيّرة من جانب إيران، يجبر شركات الشحن على البحث عن مسارات وأسواق بديلة، خصوصاً في ظل استمرار قدرة الحوثيين على استهداف السفن في البحر الأحمر دعماً للأهداف الاستراتيجية الإيرانية.

وفي الوقت نفسه، فإن العملية الإسرائيلية الجارية ضد حزب الله في جنوب لبنان تجعل من فعالية موانئ مثل: حيفا أو بيروت أو اللاذقية نقاطَ تفريغ أو شحن غير مستقرة أو غير قابلة للاعتماد في هذه المرحلة، وبما أنَّ الشحن سيستغرق وقتاً أطول وسيصبح أكثر خطورة، فمن المرجّح أن ترتفع أسعار الطاقة والسلع المرتبطة بها، والتي هي مرتفعة بالفعل، بشكل إضافي، كما ستشهد أقساط التأمين زيادة كبيرة، إذ من المتوقع أن يرتفع عامل المخاطر فيها بشكل حاد.

وقد ارتفعت أسعار التأمين بالفعل إلى درجة دفعت بعض الحكومات إلى التدخل لتعويض شركات التأمين الخاصة أو استبدالها، كما اضطرت واشنطن أيضاً إلى تقديم دعم مالي لتأمين السفن التي تعبر مضيق هرمز، حيث تتفاقم التكاليف، وبالتالي الأسعار، عند إضافة حروب الرسوم الجمركية الأخيرة إلى المعادلة، فقد أدّت هذه السياسات بالفعل إلى توليد ضغوط تضخمية وانكماشية على الاقتصاد العالمي حتى قبل العملية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.

وعند جمع هذه الاتجاهات معاً، بما في ذلك الآثار غير المباشرة والتطورات الثانوية الناتجة عنها، فإنها لا تؤدي فقط إلى رفع أسعار الطاقة، بل تمتد لتشمل ارتفاعاً واسع النطاق في أسعار الغذاء والمواد الكيميائية والنقل والتأمين على مستوى العالم.

التقارب النظامي وتطبيع التوتر

عبر مناطق متعددة، باتت الأنشطة البحرية أكثر تداخلاً مع المنافسة والصراع الجيوسياسي الأوسع، ما يزيد من مخاطر التصعيد واستمرار التوتر، حيث أدى الإكراه الاقتصادي إلى توظيف أساطيل الظل والمرافقة العسكرية، بالتوازي مع تزايد هشاشة البنية التحتية الأوروبية، سواء البحرية تحت سطح البحر أو البرية على اليابسة.

باتت الأنشطة البحرية أكثر تداخلاً مع المنافسة والصراع الجيوسياسي الأوسع ما يزيد من مخاطر التصعيد واستمرار التوتر

ويشير ذلك إلى بيئة تشغيلية أكثر تعقيداً وأقل استقراراً، وفي هذا السياق، من المرجح أن تتضاعف آثار النهج غير القابل للتنبؤ والمتقلب أحياناً في إدارة الأزمات، الذي اتسمت به سياسات الرئيس ترامب.

كما تعد سيطرة إيران على مضيق هرمز بمثابةِ ما يعادل سلاحاً نووياً، لكن بإمكانات غير محدودة تقريباً، غير أن هذا السلاح أكثر قابلية للاستخدام بكثير من السلاح النووي، وأكثر احتمالاً للّجوء إليه فعلياً، حيث أُرسي بذلك سابقة في نظام التجارة العالمي، إذ قد تتبعه دول أخرى بمحاولة استخدام الأسلوب نفسه، أي احتجاز الاقتصاد العالمي كرهينة.

في المحصلة، من غير المرجح أن تقدّم القمة الصينية-الأمريكية الشهر المقبل انفراجاً ملموساً، بل على العكس، يتضح أن اتجاه الدول نحو استخدام الأدوات البحرية والاقتصادية للإكراه، بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الحرة، مرشح للاستمرار وربما للتصاعد، وبدلاً من أن تمثل أزمة هرمز قطيعة استثنائية، قد تكون مجرد حلقة إضافية في مسار أوسع من تطبيع الاضطراب وعدم الاستقرار، بحيث تصبح هذه الظواهر جزءاً من النظام التجاري العالمي نفسه، بدلاً من كونها خللاً فيه.

ستيفن بلانك-تقارير نسر الاستخبارات-السياسة الخارجية الروسية-الشؤون الأوراسية-الأمن الأوروبي والآسيوي
ستيفن بلانك

ستيفن بلانك خبير معترف به دولياً في السياسة الخارجية والدفاعية الروسية، وشؤون أوراسيا، والأمن الأوروبي والآسيوي، وهو زميل أول في معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI)، وشغل سابقاً مناصب رفيعة في معهد السلام الأمريكي، ومجلس السياسة الخارجية الأمريكي، وكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، وألّف وحرّر 15 كتاباً، ويحمل درجة الدكتوراه في التاريخ الروسي من جامعة شيكاغو.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.