بعد عقود من التحفّظ والقيود، تدخل اليابان سوق السلاح عبر مسار محدود؛ إذ شرعت في تخفيف قواعد تصدير المعدات الدفاعية، من دون أن تستهدف التحوّل إلى قوة تصدير كبرى على غرار كوريا الجنوبية أو الصين أو الولايات المتحدة.
اليوم، يعكس هذا التحوّل إعادة تموضعٍ استراتيجي تُمليه خبرتها الصناعية والقيود الهيكلية الراسخة في بنيتها الدفاعية، أكثر ما يمثل سعياً لزيادة حصتها في السوق العالمية، وبدلاً من دفع طوكيو إلى مصافّ المنافسين العالميين في تجارة السلاح، يرسّخ هذا التوجّه موقع صناعتها الدفاعية كمورّد عالي المستوى، يركّز على الجودة ويخدم شبكة التحالفات الدولية.
وفي هذا السياق، يبرز تعديلُ اليابان على “المبادئ الثلاثة لنقل المعدات والتكنولوجيا الدفاعية”، الذي يجيز نقل أسلحة فتاكة إلى دول حليفة غير منخرطة في نزاعاتٍ نشطة، بوصفه تحوّلاً مهماً في سياستها الصناعية الدفاعية، التي طالما تأثّرت بالدستور السلمي المُقرّ بعد الحرب العالمية الثانية، إذ قدّمت رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي هذه الخطوة على أنها ضرورة لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية، وتعميق قابلية التشغيل البيني مع الحلفاء، والاستجابة للتهديدات الإقليمية المتزايدة، ولا سيما من جانب الصين وكوريا الشمالية.
لكن تخفيف قيود التصدير، في حدّ ذاته، لا يجعل اليابان مُصدّراً تنافسياً، فدخولها إلى الأسواق العالمية يظلّ مقيداً بعوامل هيكلية، أبرزها محدودية الطاقة الإنتاجية، وارتفاع تكلفة الوحدة، وغياب أنظمة مُجرَّبة في ساحات القتال، حيث تضع هذه العوائق اليابان في موقع مختلف عن نموذج الإنتاج الكثيف المدعوم من الدولة في الصين، وكذلك عن الاستراتيجية الصناعية الدفاعية ذات التوجه التصديري التي تنتهجها كوريا الجنوبية.
تخفيف قيود التصدير لا يجعل اليابان مُصدِّراً تنافسياً فدخولها إلى الأسواق العالمية مقيد هيكلياً بمحدودية الطاقة الإنتاجية وارتفاع التكاليف وغياب الأنظمة القتالية الفعالة
بدلاً من المنافسة على نطاق واسع، يكمن المسار الواقعي لليابان في التمركز الاستراتيجي ضمن مجالات متخصصة عالية التقنية، تستفيد من قدراتها الهندسية المتقدم، حيث ينطبق ذلك بشكل خاص على أنظمة الفضاء الجوي، وتكنولوجيا الغواصات، وشبكات الاستشعار والإنذار المتكاملة.
ويقوم هذا النهج على إعطاء الأولوية لشراكات انتقائية مع حلفاء متقدمين تكنولوجياً، بدلاً من السعي إلى تحقيق حجم مبيعات كبير، بما يجعل الصادرات الدفاعية اليابانية تُطرح بوصفها منتجات نوعية عالية القيمة، تُكمل عروض مصدّري السلاح الراسخين في السوق بدلاً من أن تنافسهم مباشرة.
القدرات التكنولوجية وتحديات دخول السوق
تمتلك القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية قدراتٍ تكنولوجية متقدمة في مجالات محددة؛ فقد دمج برنامج المقاتلة F-2، الذي تطوّره شركة “ميتسوبيشي” للصناعات الثقيلة، موادَّ مركّبة متطورة أسهمت في تقليل البصمة الرادارية للطائرة، إلى جانب تزويدها برادارٍ ذي مصفوفة مسح إلكتروني نشط، كان عند دخوله الخدمة عام 2000 من أوائل الأنظمة التشغيلية المُثبّتة على مقاتلات من هذا النوع.
كما يُظهر نظام الصواريخ الياباني المحلي “تايب 12” المضاد للسفن، والذي جرى تحديثه مؤخراً إلى نسخٍ بعيدة المدى يصل مداها إلى ألف كيلومتر، امتلاكَ اليابان قدراتِ توجيه دقيق تضاهي تلك التي توفرها الأنظمة التي ينتجها كبار مصدّري السلاح.
وفي المجال البحري، يجسّد برنامج الغواصات من فئة “سوريو” التقدم الياباني في تقنيات الدفع المستقل عن الهواء باستخدام محركات “ستيرلينغ”، بما يتيح للغواصة البقاء تحت الماء لأكثر من أسبوعين، وهو إنجاز يعكس مستوى عالياً من التطور التقني.
ويرتبط هذا التركيز على الإنتاج عالي التقنية ارتباطاً وثيقاً باستراتيجية اليابان التنموية في مرحلة ما بعد الحرب، والتي جمعت بين الاستثمار المكثف في البحث والتطوير وفرض قيود صارمة على الصادرات، حيث أعطت هذه المقاربة الأولوية للابتكار التكنولوجي والهندسة الدقيقة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للتعافي الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية عالميًا.
كما حفّزت هذه الاستراتيجية التكتلات الصناعية الكبرى، مثل ميتسوبيشي، على تطوير قدرات إنتاجية متقدمة، فيما دفعت القيود الدستورية المفروضة على صادرات الدفاع الشركات اليابانية إلى التركيز المكثف على الجودة التقنية والأداء بدلاً من التوسع الكمي في الإنتاج، ما أفضى إلى قاعدة صناعية دفاعية متخصصة ولكنها مقيدة هيكلياً.
وتجسد مشاركة اليابان في برنامج القتال الجوي العالمي (GCAP) وهو مشروع ثلاثي لتطوير مقاتلة من الجيل السادس بالشراكة مع بريطانيا وإيطاليا، إمكانات النموذج الدفاعي الياباني وحدوده في آن واحد، حيث يهدف البرنامج إلى إدخال مقاتلة جديدة للخدمة بحلول عام 2035، مستفيداً من نقاط القوة اليابانية في إلكترونيات الطيران، وتقنيات الإدارة الحرارية، وأنظمة الاستشعار، مع دمج مجسات واسعة النطاق، وتقنيات الذكاء الاصطناعي المساندة لاتخاذ القرار لدى الطيار، وأسلحة الطاقة الموجّهة، والطائرات المسيّرة المرافقة ضمن المنظومة القتالية.

غير أن هذا البرنامج يبقى مقيّداً باللوائح الجديدة، التي تسمح بالتصدير فقط إلى الدول التي ترتبط مع اليابان باتفاقيات تعاون دفاعي رسمية، وتحظر نقل السلاح إلى الدول تشهد نزاعات نشطة، فاليابان تحتفظ حالياً بأطر تعاون دفاعي مع 17 دولة، من بينها شركاء استراتيجيون رئيسيون مثل: الولايات المتحدة وأستراليا والهند، ومن شأن ذلك أن يوسّع الطلب على الأسلحة المصنّعة في اليابان، لكنه لا يفتح الباب بالكامل أمام كبار مستوردي السلاح الآخرين.
وعلى سبيل المثال، لا تشمل هذه الأطر دول الشرق الأوسط، التي تستحوذ على أكثر من ربع واردات السلاح العالمية، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع استمرار الحرب مع إيران، إذ تبقى الإمارات الدولة الوحيدة في المنطقة التي وقعت اتفاقية لنقل السلاح مع طوكيو.
من جهة أخرى، فإن غالبية الدول التي تشتري السلاح الياباني هي من حلفاء الولايات المتحدة أو شركائها، وتركّز على تطوير قدرات عسكرية عالية التقنية، إلى جانب الحفاظ على علاقات دبلوماسية واقتصادية وثيقة مع اليابان، لا سيما في جنوب شرق آسيا، ما يُتيح لطوكيو إمكانية تلبية الطلب على الأنظمة القابلة للتشغيل البيني، وتعزيز التعاون العسكري مع شركائها الإقليميين، بدلاً من السعي وراء المنافسة السوقية القائمة على الحجم فقط.
لكن، تمثل التكلفة المرتفعة للوحدة الواحدة القيد الرئيسي الثاني أمام الصناعة الدفاعية اليابانية، إذ تعتمد هذه الصناعة على دفعات إنتاج محدودة لتلبية احتياجات المشتريات المحلية، ما يقيّد قدرتها على توزيع تكاليف البحث والتطوير، وخفض كلفة الوحدة، وتحقيق وفورات الحجم اللازمة للمنافسة في أسواق التصدير.
وعلى سبيل المثال، تبلغ تكلفة برنامج “ميتسوبيشي إف-2″، الذي تم إنتاج أقل من 100 وحدة منه، حوالي 120 مليون دولار أمريكي للطائرة الواحدة، وهو مبلغ يفوق بكثير تكلفة المنصات المماثلة المنتجة بكميات كبيرة، مثل طائرة إف-16 التي تبلغ تكلفتها 80 مليون دولار أمريكي.
وتنسحب القيود ذاتها على الأنظمة البرية؛ فدبابة “تايب 10” اليابانية، التي تم إنتاجها بأعداد محدودة، لا تزال أغلى بنصف مليون دولار أمريكي من نظيرتها الكورية الجنوبية “كي 2 بلاك بانثر”، التي تستفيد أيضاً من دفعات إنتاج أكبر بكثير.
يؤدي هذا النمط المرتفع التكلفة إلى إعادة إنتاج نفسه؛ إذ إن محدودية الإنتاج تُبقي الأسعار مرتفعة، ما يحدّ من الطلب ويثبط بدوره الاستثمار في توسيع القدرات الإنتاجية، ورغم أن توسيع فرص التصدير قد يخفف من هذا القيد ويدعم النمو تدريجياً، إلا أنه لا يعالج القيود البنيوية الأساسية المرتبطة بحجم الإنتاج.
يؤدي النمط المرتفع التكلفة إلى إعادة إنتاج نفسه إذ إن محدودية الإنتاج تبقي الأسعار مرتفعة ما يحدّ من الطلب ويثبط بدوره الاستثمار في توسيع القدرات
أما القيد الثالث، فيتمثل في الافتقار إلى الاختبار القتالي الميداني، فالمشتريات الدفاعية المعاصرة تميل بصورة متزايدة إلى تفضيل الأنظمة التي أثبتت كفاءتها في ساحات القتال، على سبيل المثال، حققت مدفعية ” K9″ الكورية الجنوبية نجاحاً تصديرياً لافتاً بعد نشرها واستخدامها في القتال خلال المواجهات الحدودية بين الكوريتين.
وبالمثل، استفادت المسيّرة التركية “بيرقدار TB2” من نجاحها القتالي البارز في ناغورنو كاراباخ وليبيا وأوكرانيا، حيث تمكنت من تحييد أنظمة دفاع جوي متقدمة من صنع روسي لتعزيز عقود تصديرها، وقد جعلت هذه السمعة القتالية المثبتة تركيا أكبر مُصدّر للطائرات المسيّرة المسلحة في العالم، كما مهّدت الطريق أمام أعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، مثل بولندا ورومانيا وكرواتيا، لدمج هذا النظام في هياكلهم الدفاعية الوطنية بوصفه بديلاً منخفض الكلفة نسبياً للقوة الجوية التقليدية المأهولة.
وعلى النقيض من ذلك، لم تُستخدم الأنظمة اليابانية في القتال منذ عام 1945، ما يخلق حالة من عدم اليقين لدى المشترين المحتملين، ويحدّ من جاذبيتها في بيئات التصدير التنافسية.
القيود الهيكلية والتميّز التنافسي
تضع هذه القيود اليابان في موقع مختلف جذرياً عن الصين وكوريا الجنوبية وهما أبرز منافسيها إذ تعمل كل منهما وفق نماذج صناعية ومالية مغايرة، فصناعة التصدير الدفاعي في الصين وهي خامس أكبر مُصدّر للسلاح عالمياً بحصة تبلغ 5.6 % تعتمد على الإنتاج واسع النطاق، مستفيدة من الطلب العسكري المحلي الضخم، إذ يشغّل جيش التحرير الشعبي أكثر من 5 آلاف دبابة قتال رئيسية حديثة ونحو 1500 مقاتلة حديثة، ما يسمح لها بتوزيع تكاليف التطوير على أعداد كبيرة من الإنتاج وتقديم أسعار تنافسية في الأسواق الخارجية.
وعلى سبيل المثال، تُصدَّر بكين دبابة “VT-4 ” بسعر يتراوح بين4.5 و5.5 ملايين دولار للوحدة، مقارنة بنظيراتها الغربية التي يتجاوز سعر الواحدة منها 12 مليون دولار، كما تُصدَّر المقاتلة” JF-17 ” بسعر يصل إلى 35 مليون دولار، مقابل نحو 65 مليون دولار للأنظمة الغربية المماثلة.
والأهم أن القدرة التنافسية الصينية لا تقوم على السعر فقط، بل تمتد إلى شروط التمويل، وهي ميزة تفتقر إليها اليابان، التي يقوم قطاعها الدفاعي على هيكلية خاصة لا تحظى بذات أدوات الدعم الحكومي المباشر، حيث تجلى ذلك في صفقات كبرى مثل صفقة الغواصات مع باكستان والتي تبين كيف تعمل القدرة الإنتاجية، والدعم الحكومي، وآليات التمويل معاً للحفاظ على نمو صادرات السلاح الصينية.
القدرة التنافسية الصينية لا تقوم على السعر فقط بل تمتد إلى شروط التمويل وهي ما تفتقر إليه اليابان التي يقوم قطاعها الدفاعي على هيكلية لا تحظى بنفس الدعم
غير أن طموحات بكين التصديرية تصطدم أيضاً بقيود جيوسياسية، فالدول المتحالفة مع الغرب تمتنع عن شراء السلاح الصيني بسبب ضعف قابلية دمجه وتشغيله الهيكلي مع الأنظمة الغربية المستخدمة لديها، وفي سياق التنافس الأمريكي-الصيني، يدرك المشترون كذلك أن التحول نحو المنظومات الصينية يحمل دلالات سياسية واستراتيجية، قد تفضي إلى قيود على الإمداد أو الدعم العسكري من جانب شركائهم الغربيين.
ولهذا، تركزت صادرات السلاح الصينية حتى الآن على دول الجنوب العالمي، وفي مقدمتها باكستان، التي تستحوذ وحدها على نحو 60 % من صادرات السلاح الصينية، إلى جانب دول أخرى في جنوب وجنوب شرق آسيا، وأفريقيا، والشرق الأوسط، ولا سيما تلك التي لا تصطف بشكل واضح مع الغرب.
برزت كوريا الجنوبية بدورها كمُصدّر رئيسي للأسلحة، حيث احتلت مرتبة ضمن أكبر عشرة مُصدّرين عالمياً بين عامي 2021 و2025، حيث تطرح سيؤول أنظمة تسليح متوافقة مع المعايير الغربية في أسواق أوروبا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، مستندة إلى سياسة صناعية موجّهة للتصدير بصورة متعمّدة.
كما تدير شركات مثل “هانوا ديفنس” مرافق إنتاج مصممة لتلبية احتياجات التصدير، إذ يتجاوز إنتاج مدفعية “K9 ” أكثر من 100 وحدة سنوياً، وهو مستوى يفوق بكثير نظيره في برامج المشتريات اليابانية المماثلة.
وفضلاً عن ذلك، يحظى النموذج الكوري الجنوبي بدعم إطار تنظيمي تشرف عليه إدارة برنامج الاستحواذ الدفاعي، يدمج بين التمويل المدعوم حكومياً، والإنتاج بموجب ترخيص، ونقل التكنولوجيا ضمن العقود الكبرى.
وعلى النقيض من ذلك، ورغم تخفيف القيود على الصادرات، لا يزال الإطار الياباني أكثر تقييداً؛ إذ تفتقر طوكيو إلى هياكل متخصصة موجّهة للتصدير، كما أنها تحظر صراحة نقل التقنيات التي قد تُعرّض التكنولوجيا المحلية أو ذات المنشأ الأمريكي لخطر التسرب أو الإضرار بالمصالح الاستراتيجية المرتبطة بها.
ومع ذلك، ورغم ريادة كوريا الجنوبية في حجم الإنتاج وانتشارها في السوق، إلا أنها لا تزال متأخرة عن اليابان في مجالات تأسيسية مثل علوم المواد، وتقنيات التخفي تحت الماء، والسيادة على تكنولوجيا محركات الطيران، ويعكس هذا التباين اختلاف الضرورات الاستراتيجية لدى البلدين، فـالجغرافيا الجزرية لليابان فرضت عليها السعي إلى تفوق تكنولوجي أكبر في المنصات الجوية والبحرية بوصفه أساساً لنموذج الردع لديها.
رغم ريادة سيؤول في حجم الإنتاج وانتشارها في السوق إلا أنها لا تزال متأخرة عن طوكيو في علوم المواد وتقنيات التخفي والسيادة على محركات الطيران
أما كوريا الجنوبية، فقد احتاجت، في المقابل، إلى ترسانة قادرة على خوض حرب شاملة، تركّز على سرعة التزوّد بالسلاح وامتلاك أنظمة برية أكثر قابلية للاستنزاف والتعويض.
ونتيجة لذلك، استفادت اليابان من قوتها في علوم المواد التجارية والبحث والتطوير في قطاع الطيران لتطوير تقنيات سيادية عالية المستوى، مثل المواد المركبة المتخصصة في التخفي، وأول أنظمة تشغيل فعلية للغواصات تعتمد على بطاريات الليثيوم-أيون في العالم، حيث تُعد هذه التقنية عاملاً مضاعفاً نوعياً للقوة، والوقت نفسه، تطورت الصناعة الدفاعية الكورية الجنوبية وفق نموذج اللحاق السريع، مع تركيز واضح على الإنتاج واسع النطاق وتكامل الأنظمة.
الأسواق النوعية وتكامل التحالفات
في ضوء هذه القيود الهيكلية، من المرجح أن تتمحور استراتيجية اليابان في تصدير السلاح حول الأسواق النوعية عالية التقنية التي تنسجم مع قدراتها الهندسية الأساسية وشبكات تحالفاتها الاستراتيجية، فبدلاً من المنافسة على حجم المبيعات، يمنح هذا النموذج الأولوية لـدخول انتقائي إلى الأسواق، مع استهداف بيئات تسليح تُعلي من قيمة التطور التكنولوجي وقابلية التشغيل البيني أكثر من تركيزها على عامل الكلفة.
ولعل برنامج القتال الجوي العالمي” GCAP” أبرز تجسيد لهذه الاستراتيجية، فبدلاً من أن يكون منتجاً موجهاً إلى السوق الواسعة، تؤدي مقاتلة الجيل السادس دور منظومة عالية المستوى يمكن لليابان من خلالها توظيف نقاط قوتها التقنية، كما أن تركيز البرنامج على قابلية التشغيل البيني بين الشركاء الثلاثة يخلق عملياً سوقاً محدودة لكنها موثوقة من الدول الأكثر ميلاً إلى اقتناء هذه المنظومة.
وفي الوقت نفسه، فإن أهداف الإنتاج المقدّرة بنحو 400 طائرة عبر الدول الشريكة توفّر حجماً إنتاجياً كافياً لتوزيع تكاليف التطوير بصورة مجدية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الطابع الحصري للتكنولوجيا.
كما تُجسّد فرقاطة “موغامي” ديناميكية مشابهة في المجال البحري، فبعد أن ألغت البحرية الأمريكية برنامج الفرقاطة “كونستيليشن” في أواخر 2024 بسبب تصاعد التكاليف ومخاوف تتعلق بالأداء، بدأ مخططون في البنتاغون مناقشات غير معلنة مع اليابان بشأن اقتناء نسخة معدّلة من “موغامي”.
وجاء ذلك عقب توقيع عقد بقيمة 10 مليارات دولار بين أستراليا وشركة “ميتسوبيشي” في أبريل، لشراء نسخة مطوّرة من فرقاطة “موغامي” لصالح برنامج ” SEA 3000 ” الأسترالي، والذي يهدف إلى شراء 11 فرقاطة متعددة المهام لتحل محل أسطول “أنزاك” المُتقادم، على أن يتم تسليم أول سفينة مبنية في اليابان بحلول عام 2029.
ويُبرز تصميم “موغامي” مكامن القوة اليابانية في الهندسة البحرية المتقدمة؛ إذ يعكس هيكلها المعياري، ونظام الدفع الكهربائي المتكامل، وقدراتها المتطورة في مكافحة الغواصات تركيزاً واضحاً على التفوق التكنولوجي بدلاً من التوسع الإنتاجي القائم على خفض الكلفة، حيث تبلغ كلفة الوحدة الواحدة نحو 500 مليون دولار، أي أقل بكثير من كلفة فرقاطة “كونستيليشن” الملغاة، التي كانت تصل إلى 1.5 مليار دولار للقطعة الواحدة، ما يجعل “موغامي” بديلاً أقل كلفة.
ورغم أنه لم يبدأ أي مسار شراء رسمي حتى الآن، إلا أن هذه المناقشات تمثل مؤشراً مهماً على الاعتراف بطموحات اليابان في الهندسة البحرية عالية المستوى، وقد تشكل فرصة تصديرية بارزة لها.
ويتشكل التموضع الاستراتيجي لليابان في سوق السلاح العالمي إلى حد كبير من خلال ديناميكيات التحالفات، أكثر من المنافسة المفتوحة، ومن المرجح أن تتمحور استراتيجيتها التصديرية حول التكنولوجيا عالية المستوى وقابلية التشغيل البيني مع الأنظمة الأمريكية وأنظمة حلف “الناتو”، بما يخلق قيمة مضافة للمشترين المحتملين الساعين إلى اندماج سلس مع البنية الدفاعية القائمة ضمن منظومات التحالف.
يتشكل التموضع الياباني في سوق السلاح من خلال التحالفات ومن المرجح أن تتمحور استراتيجيتها التصديرية حول التكنولوجيا عالية المستوى مع أنظمة أمريكا والناتو
وبالنظر إلى أن التحرير الجديد لقيود تصدير السلاح يركّز على التصدير إلى الدول التي ترتبط مع اليابان باتفاقيات دفاعية قائمة، فإن طوكيو تتجه نحو استراتيجية دخول سوقية انتقائية، تستهدف توجيه المشتريات نحو الحلفاء المتقدمين تكنولوجياً، بدلاً من السعي إلى منافسة واسعة النطاق على مستوى السوق العالمية.
كما تسهم هذه الاستراتيجية المرتكزة على التحالفات في التخفيف من قيود الإنتاج اليابانية؛ إذ تتيح لليابان، بدلاً من المنافسة في الأسواق الحساسة للسعر التي تتطلب إنتاجاً واسع النطاق، أن تحافظ على دفعات إنتاج محدودة مع تعويض فارق الكلفة عبر التفوق التكنولوجي وسهولة التكامل التشغيلي مع أنظمة الحلفاء، وفي الوقت ذاته، فإن حصر الصادرات بالشركاء القائمين يقلّل من المخاطر التنظيمية والسياسية المرتبطة ببيع السلاح في أسواق أكثر تنافساً وحساسية خارج الأطر التقليدية للتحالفات.

وفي ضوء هذا التموضع الاستراتيجي الجديد، الذي يجمع بين التفوّق التكنولوجي والارتكاز إلى شبكات التحالف، تبرز أمام اليابان مسارات مستقبلية محتملة لاختبار قدرتها على ترجمة انفتاحها الدفاعي إلى نفوذ فعلي في سوق السلاح العالمي، وذلك عبر سيناريوهين رئيسيين يعكسان الفرص المتاحة والتحديات الكامنة في هذا التحول:
الأول: قيادة تكنولوجية عبر GCAP
كشف أول تحليق للنموذج التقني التجريبي لبرنامج GCAP عن قدرات متقدمة في القيادة الجوية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقنيات استشعار موزعة تتفوق على المنصات القتالية الجوية الحالية، ما يستقطب اهتماماً واسعاً من قطاع الصناعات الدفاعية العالمية، وفي ضوء ذلك، تقدم الدول الشريكة التزامات شراء كبيرة تتجاوز احتياجاتها المحلية الأولية، في إشارة إلى الإمكانات التسويقية العالمية التي قد يتمتع بها البرنامج.
وفي هذا السياق، تعرض اليابان بشكل استراتيجي تراخيص تقنية متدرجة لأنظمة الاستشعار المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يتيح إنشاء منظومة تطوير متعددة الأطراف، تسمح للشركاء بتطوير تقنيات مكمّلة، مع احتفاظ طوكيو بالسيطرة على الأنظمة الجوهرية المملوكة لها.
غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، من بينها محدودية القدرة الإنتاجية لدى “ميتسوبيشي”، وتعقيد إجراءات الموافقة الأمريكية على نقل التكنولوجيا، والهواجس الأمنية المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي ودمج بيانات الاستشعار، فضلاً عن القيود المالية التي قد تواجهها الدول الشريكة.
الثاني: اختراق بحري محدود
يؤدي تصاعد التوترات البحرية مع الصين في بحر الصين الجنوبي إلى خلق طلب ملحّ على تقنيات الغواصات التقليدية المتقدمة لدى دول جنوب شرق آسيا، ومع حرمان بعض هذه الدول من الوصول إلى أنظمة تسليح أمريكية متقدمة بسبب مخاوف تتعلق بأمن التكنولوجيا، تبدأ في إجراء مباحثات شراء رسمية للحصول على قدرات متقدمة في مجال الغواصات، باعتبارها عنصراً حاسماً في استراتيجياتها للدفاع البحري.
وفي هذا الإطار، تطرح اليابان حزمة متكاملة تشمل منصات بحرية متقدمة وبرنامجاً لـنقل التكنولوجيا، إلى جانب تدريب موسّع للكوادر الفنية والتشغيلية، مع إمكانية إنشاء بنية تحتية مشتركة للصيانة والدعم الفني، غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات كبيرة، أبرزها تعقيد المفاوضات الدولية، ومحدودية القدرة الإنتاجية اليابانية في مجال الغواصات، واحتمال فرض قيود أمريكية على نقل التكنولوجيا المتعلقة ببعض الأنظمة الفرعية الأساسية، فضلاً عن ارتفاع كلفة الوحدة مقارنة بالموردين المنافسين، وغياب الاعتماد القتالي الميداني.
في المحصلة، من غير المرجّح أن يحوّل الانفتاح الياباني في تصدير الأسلحة البلاد إلى منافس عالمي قائم على حجم المبيعات في سوق السلاح، فالأهمية الاستراتيجية لهذا التحول تكمن، بدلاً من ذلك، في بروز نموذج انتقائي يتمحور حول التحالفات، يقوم على التكنولوجيا المتقدمة، وقابلية التشغيل البيني، والشراكات الموثوقة، وفي الوقت نفسه، لا تزال القيود الهيكلية المتعلقة بحجم الإنتاج، والتكلفة، والتنظيم، وغياب الخبرة القتالية الفعلية، تحدد سقف إمكانات اليابان في مجال تصدير الأسلحة.



