حرب إيران تثير مخاوف كوريا الشمالية

تقرير
المدمرة تشوي هيون تُجري تجربة إطلاق صاروخ في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ ف ب)
المدمرة تشوي هيون تُجري تجربة إطلاق صاروخ في موقع لم يُكشف عنه في كوريا الشمالية (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أثارت الحرب المشتركة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران موجة من التداعيات التي تجاوزت حدود الشرق الأوسط بكثير، فرغم أن ساحة العمليات الرئيسية تتمركز في منطقة الخليج العربي، إلا أن أصداء هذا التصعيد الاستراتيجي امتدت سريعاً إلى شبه الجزيرة الكورية.

يتمثل الهدف المعلن للحرب في إعادة ترسيخ الخط الأحمر المتعلق بمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية، إلا أنها أسهمت في تعزيز قناعة كوريا الشمالية بأن امتلاك القدرات النووية يشكّل الوسيلة الأكثر فاعلية للردع في مواجهة أي تهديد أو عدوان خارجي.

اليوم، يؤدي هذا التحول إلى انتقال استراتيجية بيونغ يانغ من نهجٍ يقوم على احتمال التفاوض بشأن برنامجها النووي إلى تبنّي موقف “الدولة النووية الدائمة”، بدعم من محور أمني يضم روسيا والصين، إذ يأتي هذا التطور في أعقاب فترة من تصاعد التوترات، اعتبرت خلالها واشنطن وتل أبيب أن الزيادة المعلنة في مخزونات إيران من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% تمثل خطراً غير مقبول على صعيد الانتشار النووي، وذلك رغم غياب أدلة تثبت وجود برنامج نشط لتسليح هذا النشاط النووي.

كوريا الشمالية، الحليف العسكري والسياسي لإيران منذ فترة طويلة، تابعت هذه التطورات بقلق بالغ وحسابات استراتيجية دقيقة، وسارعت وكالة الأنباء المركزية الكورية، التابعة للدولة، إلى إصدار بيان إدانة، إذ وصف متحدث باسم وزارة الخارجية الهجوم بأنه “انتهاك صارخ للسيادة” و”تهديد خطير للسلم العالمي”، كما حذّر من أن مثل هذه الأفعال من جانب “الإمبرياليين الأمريكيين وحلفائهم” لن تؤدي إلا إلى تعزيز إصرار الدول على تطوير قدراتها النووية الردعية للدفاع عن نفسها.

وهذا يشير إلى أن هذه الخطابات تعكس قلقاً أعمق ذا طابع براغماتي داخل بيونغ يانغ إزاء دلالات استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية الاستباقية ضد خصومها في حال سعيهم إلى امتلاك أسلحة نووية، وعلى هذا النحو، أسهمت الضربة على إيران في زيادة تعقيد شبكة العلاقات المتشابكة أصلاً في شبه الجزيرة الكورية، وأعادت تشكيل تصوّر بيونغ يانغ تجاه السياسة الاستراتيجية الأمريكية، وكذلك مستوى اعتمادها على كلٍّ من الصين وروسيا، فضلاً عن إعادة تقييمها لجدوى ترسانتها النووية على المدى الطويل بوصفها الضامن الأساسي لبقاء النظام.

الضربة على إيران زادت من تعقيد العلاقات في شبه الجزيرة الكورية وأعادت تشكيل تصوّر بيونغ يانغ تجاه السياسة الاستراتيجية الأمريكية

تسارع التوسع النووي

أدت الحملة الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى تفاقم شعور بيونغ يانغ بوجود تهديد مباشر، إذ يُظهر هذا الهجوم، الذي نُفّذ ضد دولة واجهت، مثل كوريا الشمالية، مزيجاً من العقوبات المُرهِقة والضغوط الدولية الشديدة، مستوى جديداً من التهديد، وبالنسبة لبيونغ يانغ، يُستبعد عملياً أي علاقة جديدة مع الولايات المتحدة، كما طُرح خلال قمتي 2018 و2019 بين الزعيمين.

ومن المرجّح أن تستخلص كوريا الشمالية من هذه الحرب أن الاتفاقيات قد يتم التخلي عنها، وأن العقوبات قد لا تكون سوى تمهيد لعمل عسكري مباشر، حتى وإن ظل احتمال توجيه ضربة أمريكية إليها ضعيفاً.

كيم جونغ أون وابنته خلال تجربة إطلاق صواريخ متعددة (أ ب)

ورغم أن نمط التدخلات الأمريكي لتغيير الأنظمة ركّز تاريخياً على دول لا تمتلك قدرات نووية فاعلة، إلا أن العملية الأمريكية-الإسرائيلية قد تغذّي أيضاً مخاوف من أن تكون كوريا الشمالية الهدف التالي، حيث يزداد هذا القلق في ظل التقدم الذي أحرزته في تطوير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات القادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية، إلى جانب تطورها الأخير في مجال الأسلحة النووية التكتيكية.

يستند هذا التصور للتهديد إلى التاريخ الموثّق للتعاون العسكري والتقني بين طهران وبيونغ يانغ، فعلى مدى عقود، انخرط البلدان في تبادلٍ معقّد يمكن وصفه بـ”الصواريخ مقابل النفط”، إذ يمكن استنتاج مدى تبادل التكنولوجيا من أوجه التشابه البنيوية بين صواريخ كوريا الشمالية من طراز “موسودان (BM-25)” و”نودونغ”، وبين سلسلتي “شهاب وخرمشهر” الإيرانية.

في ثمانينيات القرن الماضي، زوّدت كوريا الشمالية إيران بصواريخ “سكود-بي” خلال الحرب الإيرانية-العراقية، إذ أشارت تقارير صادرة عن لجان تابعة للأمم المتحدة مؤخراً إلى وجود تعاون في مكوّنات الصواريخ بعيدة المدى، بما في ذلك المحركات عالية الدفع ومعزّزات الرفع الثقيل.

رؤية أحد الشركاء وهو يتعرض للاستهداف تعزّز لدى كيم جونغ أون قناعته بأن البيئة النووية المكثفة هي السبيل الوحيد لضمان بقاء النظام؛ أي الحالة التي تمتلك فيها كوريا الشمالية عدداً كبيراً من منصّات إطلاق السلاح النووي القابلة للاستمرار والبقاء في الخدمة رغم أي ضربة استباقية، بحيث يصبح نجاح مثل هذه الضربة أمراً مستحيلاً من الناحية الحسابية.

من المرجح أن يؤدي هذا القلق إلى تسريع سعي بيونغ يانغ نحو تطوير قدراتها في مجال الردع النووي، كما أن أي هجوم أمريكي من شأنه أن يعزّز لدى القيادة الكورية الشمالية ما تعتبره الاستجابة المنطقية الوحيدة، وهي إعطاء الأولوية للبقاء وضمان أن تكون قدرتها على الردع الانتقامي مؤكدة وحاسمة في آنٍ واحد.

تتسق الخطابات الأخيرة لكوريا الشمالية وأنشطتها العسكرية، بما في ذلك اختبار الصواريخ الباليستية العابرة للقارات العاملة بالوقود الصلب، مع هذه الاستراتيجية، كما يُجبر الهجوم على إيران كوريا الشمالية على تعميق تحالفها مع بكين وموسكو، وإدراكاً منها بأنها لا تستطيع الصمود بمفردها أمام هجوم شامل تقوده الولايات المتحدة، تعتمد بيونغ يانغ على حلفائها التاريخيين لتوفير مظلة استراتيجية لها.

تعتمد بيونغ يانغ على حلفائها بكين وموسكو لتوفير مظلة استراتيجية إذ تدرك أنها لا تستطيع الصمود بمفردها أمام هجوم أمريكي شامل

ورغم أن بكين قد لا تتفق مع الاستفزازات النووية الكورية الشمالية، إلا أن أولويتها الاستراتيجية النهائية تتمثل في الحفاظ على الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية ومنع نشوء كوريا موحدة تميل إلى الولايات المتحدة على حدودها، كما تنظر الصين إلى الهجوم على إيران بوصفه عملاً مخلّاً بالاستقرار يعكس هيمنة الولايات المتحدة.

في هذا السياق، يُتوقع أن تقدّم الصين دعماً سياسياً أوضح ومساعدات اقتصادية أكبر لبيونغ يانغ، بما يعزّز من موقع كوريا الشمالية كدولة تشكّل حاجزاً ضرورياً ضد النفوذ الأمريكي في شرق آسيا، إذ لا ينبع هذا التعاون المتزايد من مشاعر ودّ متبادلة، بل من حسابات تقوم على تقاطع المصالح الإقليمية المشتركة.

وبالمثل، من المرجّح أن تعمل روسيا، التي تعاني بالفعل من عزلة دولية نتيجة حربها في أوكرانيا، على تعزيز علاقاتها مع كوريا الشمالية، فبعد الحرب ضد إيران، تجد موسكو نفسها مدفوعة إلى توسيع التعاون العسكري مع بيونغ يانغ، بما قد يشمل نقل تقنيات من شأنها تطوير القدرات النووية والصاروخية لكوريا الشمالية.

هذا التقارب الاستراتيجي المتزايد بين كوريا الشمالية والصين وروسيا يُعدّ استجابة مباشرة لسياسة أمنية أمريكية أكثر حدة واستباقية، كما تُرسّخ هذه الديناميكية بنية أمنية إقليمية جديدة، وتُضيّق من هامش الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة للانخراط الدبلوماسي مع كل طرف على حدة ضمن هذا التحالف غير الرسمي.

ومع ذلك، فإن انتقاد الموافقة الضمنية لكلٍّ من الصين وروسيا على انتشار الأسلحة النووية في كوريا الشمالية يجب أن يُوازن بالسياق التاريخي لانتشار الأسلحة النووية على المستوى العالمي، فرغم أن هذا السلوك يُقدَّم غالباً بوصفه سابقة خطيرة، إلا أنه يعكس في الواقع نمطاً طويل الأمد في الموقف الاستراتيجي للولايات المتحدة.

أظهرت واشنطن تاريخياً قدراً من التساهل مع الانتشار النووي عندما كان يخدم أهدافها الأوسع في إسقاط القوة وتعزيز النفوذ، ومن بين الأمثلة على ذلك الموقف الأمريكي من الغموض النووي الإسرائيلي بوصفه عاملاً داعماً للاستقرار في الشرق الأوسط، والتسامح مع تطوير باكستان لبرنامجها النووي في ثمانينيات القرن الماضي في سياق دعم الحملة المناهضة للاتحاد السوفيتي في أفغانستان، إضافة إلى الاتفاق النووي المدني مع الهند عام 2008 بهدف بناء توازن استراتيجي في مواجهة الصين.

تراجع آفاق الحوار ونزع النووي

من المرجّح أن تستنتج القيادة الكورية الشمالية، التي تعمل بالفعل في ظل عقلية الحصار، أن أي مستوى من نزع السلاح النووي يشكّل وصفة لانكشافٍ استراتيجي كارثي، كما أن الحرب الأمريكية على إيران تُضعف بدرجة كبيرة مستويات الثقة والتفاهم المشترك الضرورية لإجراء محادثات نزع السلاح النووي.

كما يعزّز ذلك لدى بيونغ يانغ قناعتها بأن واشنطن لا يمكن الوثوق بها بشكل جوهري، فيما يُستخدم فشل خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) مع إيران كدليل إضافي يبرّر الشكوك الكورية الشمالية القديمة تجاه النوايا الأمريكية.

علاوة على ذلك، تزيد الحرب مع إيران من التكلفة السياسية والاستراتيجية لأي تنازلات بالنسبة لكوريا الشمالية، ففي المفاوضات السابقة، سعت بيونغ يانغ إلى تخفيف العقوبات مقابل خطوات جزئية نحو نزع السلاح النووي، أما الآن، فإن أي خطوة باتجاه تفكيك برنامجها النووي، ولو جزئياً، ستُعدّ داخلياً دليلاً على الضعف، وقد تُعرّض النظام لنوع من العمل العسكري المشابه لما حدث في إيران.

وبدلاً من تقديم حلول وسط، من المرجّح أن ترد كوريا الشمالية بمزيد من الاستفزازات لإظهار قدرتها على الصمود واستعدادها للتصعيد، بما يعزّز موقفها التفاوضي كدولة نووية بحكم الأمر الواقع، وهذا الموقف يجعل المفاوضات الجادة بشأن نزع السلاح النووي، والتي تتطلب في نهاية المطاف من بيونغ يانغ التخلي عن برنامجها النووي، أمراً شبه مستحيل في المستقبل المنظور.

علاوة على ذلك، أدى الهجوم على إيران إلى تحوّل التوازن السياسي الداخلي في كوريا الشمالية نحو ترجيح كفة المؤسسة العسكرية وجهاز الأمن المتشدد، حيث بات بإمكان الجيش الآن الاستشهاد بإيران بوصفها مثالاً لما قد يحدث للدول التي تحاول التفاوض مع الولايات المتحدة.

كما يؤدي ذلك إلى تعزيز وترسيخ العقيدة الأمنية الوطنية القائمة على “التضخيم النووي”، حيث لا يُنظر إلى الطريق نحو الأمن من خلال الدبلوماسية، بل من خلال ترسيخ مكانة الدولة كقوة نووية، إذ يخلق هذا الديناميك السياسي الداخلي موقفاً تفاوضياً شديد الصلابة، لا تقبل فيه بيونغ يانغ إلا بالاعتراف الكامل بوضعها النووي، وهو مطلب سبق أن طرحه كيم جونغ أون كشرط مسبق لأي استئناف للمحادثات مع واشنطن.

وهذا يشير إلى أن حالة الجمود ستصبح أكثر تعقيداً بسبب تشتّت تركيز واشنطن على جبهات عدة؛ إذ يتعين عليها الآن التعامل مع تداعيات الحرب على إيران، وإدارة تعقيدات السياسة في الشرق الأوسط، وهو ما سيستهلك قدراً كبيراً من رأس المال السياسي والموارد الدبلوماسية.

يمنح ذلك كوريا الشمالية مزيداً من الوقت والهامش للمناورة، بما يسمح لها بمواصلة تطوير برنامجها النووي مع قدر أقل من الضغط الأمريكي المباشر، فرغم احتفاظ الولايات المتحدة بوجود أمني قوي في شرق آسيا، إلا أن قدرتها على ممارسة ضغط دبلوماسي واقتصادي مستدام على بيونغ يانغ، لا سيما في ظل ما يُتوقع من جهود مضادة من جانب الصين، تبدو أكثر محدودية.

وهكذا، فإن الحرب على إيران، التي كان يُفترض أن تهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية في منطقة واحدة، قد تؤدي عملياً إلى تسريع وتيرته في منطقة أخرى، ما يجعل احتمال استئناف محادثات نزع السلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية مجمّداً إلى حد كبير في المستقبل المنظور.

الحرب على إيران كان يُفترض أن تهدف إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية في منطقة واحدة لكنها قد تؤدي عملياً إلى تسريع وتيرته بمنطقة أخرى

النظام والردع والانتشار النووي

لطالما استفادت بيونغ يانغ من علاقتها مع إيران كعاملٍ مُضاعِفٍ للقوة الاستراتيجية، من خلال التعاون في مجالات تكنولوجيا الصواريخ والأسلحة التقليدية، إلى جانب التنسيق في الخطاب السياسي، وقد لا يُنظر إلى الضربة على إيران بمعزل عن سياقها، بل تُفهم بوصفها تحدياً مباشراً لمدى صمود شركاء كوريا الشمالية.

إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على إضعاف القدرات العسكرية لحليف مثل إيران، فإن ذلك يثير بطبيعة الحال تساؤلات لدى بيونغ يانغ حول موثوقية منظومتها الدفاعية ومدى جدية الالتزام الأمريكي، وهذا يفضي إلى حالة من التأهب المرتفع، حيث تُخضع كلُّ المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، أو عمليات الانتشار الإقليمي، لتدقيق شديد، بحثاً عن مؤشرات على احتمال ضربة استباقية تُقدَّم في صورة تحرّك دفاعي.

اليوم، ينعكس هذا القلق مباشرة على عقيدة كوريا الشمالية في “الاستخدام النووي الأول”، إذ يُنظر إلى التهديد بالتصعيد المبكر كوسيلة لردع أي عمل عسكري أمريكي تقليدي قد يستهدف القيادة أو البنية التحتية الحيوية للنظام، ومع ذلك، تُبرز الحرب حدود نظام منع الانتشار النووي القائم؛ فعلى الرغم من الضغوط الدولية المكثفة، والعقوبات، والجهود الدبلوماسية التي أفضت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة  (JCPOA)، فإن الولايات المتحدة انتهت إلى اللجوء إلى القوة العسكرية.

كما يعزّز ذلك لدى كوريا الشمالية قناعتها بأن بنية منع الانتشار العالمية منحازة في جوهرها، إذ تُصمَّم، من وجهة نظرها، لتجميد المزايا الاستراتيجية للدول النووية القائمة، مع حرمان الدول النامية من الوسائل ذاتها للدفاع عن النفس.

بالنسبة لبيونغ يانغ، فإن الحل لا يكمن في إعادة الانخراط ضمن هذا النظام الدولي، بل في ترسيخ مكانتها كدولة نووية فعلية تُجبر القوى الأخرى، بما فيها الولايات المتحدة، على التعامل معها كندٍّ استراتيجي، ومن هذا المنطلق، فإن الهجوم على إيران يُضعف من القوة المعيارية لمعاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، ويشجّع دولاً أخرى عند “العتبة النووية” على السعي للحصول على ضماناتها الأمنية الخاصة، بعيداً عن القيود التي تفرضها الاتفاقات الدولية، والتي يُنظر إليها، بحسب هذا التصور، على أنها غير قادرة على توفير حماية حقيقية.

في نهاية المطاف، تؤدي ديناميكية تحالف كوريا الشمالية مع الصين وروسيا في أعقاب الحرب على إيران إلى تعقيد أكبر في معادلات انتشار الأسلحة النووية، فكلٌّ من الصين وروسيا يُعدّان دولتين نوويتين معترفاً بهما بموجب معاهدة عدم الانتشار النووي .

تؤدي ديناميكية تحالف كوريا الشمالية مع الصين وروسيا في أعقاب الحرب على إيران إلى تعقيد أكبر في معادلات انتشار الأسلحة النووية

لكن أولوية كلٍّ منهما الاستراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة تُسهم في خلق بيئة أكثر تساهلاً تجاه سلوك كوريا الشمالية النووي، حتى على حساب بعض معايير عدم الانتشار، وهذا قد يفضي إلى نظام نووي عالمي أكثر تفتتاً واضطراباً، تصبح فيه ظاهرة الانتشار أقل استثناء وأكثر تحوّلاً إلى استجابة طبيعية لغياب الضمانات الأمنية في نظام دولي متعدد الأقطاب، وفي هذا السياق، يبرز سيناريوهان:

تعميق التحالفات واستقرار المواجهة:

في هذا السيناريو، يفشل الهجوم على إيران في تحقيق أهدافه، ويؤدي بدلاً من ذلك إلى تعزيز إصرار طهران على تطوير قدراتها النووية، حيث تراقب كوريا الشمالية هذا التطور، فتتجه إلى مضاعفة جهودها في توسيع ترسانتها النووية.

في الوقت نفسه، تُعزّز الصين وروسيا تحالفهما الثلاثي، إذ ترى بكين أن الحرب تعبير خطير عن نزعة أمريكية لتوسيع النفوذ بالقوة، فتقوم بتكثيف ضماناتها الاقتصادية والأمنية لكلٍّ من طهران وبيونغ يانغ، بما يحوّلهما إلى شريكين إقليميين ذوي أهمية استراتيجية متزايدة، وبالتالي، تظلّ شبه الجزيرة الكورية في حالة مواجهة متوترة، لكنها مستقرة نسبياً،إذ تُقابل التدريبات العسكرية الواسعة النطاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بعروض مماثلة ومنسقة للقوة النووية والصاروخية من جانب كوريا الشمالية، وغالباً ما يكون ذلك مع دعم سياسي صيني ضمني.

ولا يُحرَز أيُّ تقدم في مسار نزع السلاح النووي، فيما تبقى المفاوضات مجمّدة بشكل دائم، وتنجح بيونغ يانغ في ترسيخ مكانتها كقوة نووية معترف بها على نطاق واسع، بما يؤدي عملياً إلى تطبيع وضعها داخل نظام إقليمي جديد ثنائي القطبية.

كيم جونغ أون يتفقد اختبار احتراق لمحرك صاروخي يعمل بالوقود الصلب (أ ف ب)
التصعيد وكسر حالة الجمود:

في هذا السيناريو، تتصاعد الهجمات الانتقامية الإيرانية ضد المصالح الأمريكية والإقليمية بشكل حاد، ما يؤدي إلى اتساع نطاق الصراع في المنطقة وجرّ قوى كبرى إليه، وتشعر كوريا الشمالية بالقلق من أن يكون هذا الصراع الأوسع تمهيداً لهجوم أمريكي شامل يستهدف جميع الأنظمة المناهضة للغرب، وترى نفسها أمام تهديد وجودي مباشر.

ونتيجةً لهذا التصوّر الخاطئ أو المبالغ فيه، تقدم بيونغ يانغ على خطوة استفزازية كبيرة، مثل إجراء اختبار لصاروخ باليستي عابر للقارات بمسار مرتفع فوق اليابان، أو تنفيذ تجربة نووية تكتيكية، حيث يؤدي هذا الاستفزاز، بالتزامن مع حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، إلى إعادة تقييم جوهرية في واشنطن، ما يفضي إلى ردّ أمريكي قد يشمل هجمات سيبرانية مكثفة تستهدف بنية القيادة والسيطرة في كوريا الشمالية، أو ضربات استباقية محدودة، ونتيجة لذلك، ينهار الجمود الذي استمر لعقد من الزمن.

في المحصلة، تبقى النتائج محتملة على نطاق واسع من السيناريوهات، بدءاً من اندلاع حرب كبرى وصولاً إلى نشوء إطار دبلوماسي جديد يولد من شعور متبادل بالتهديد الوجودي، غير أن الوضع القائم، الذي اتسم بحالة من الجمود الطويل الأمد، يكون قد انهار، بما يفضي إلى تحوّل جذري في ديناميكيات الأمن في شرق آسيا.

سونغ هيون تشوي
سونغ هيون تشوي

باحث في المعهد المركزي الأوروبي للدراسات الآسيوية (CEIAS)، ومتخصص في الشؤون العسكرية الصينية، والسياسة الخارجية والنووية لكوريا الشمالية، والتعاون الدفاعي بين كوريا الجنوبية وأوروبا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.