سقوط المخا يقوّض معادلة الحزام العازل على الساحل الغربي

تقرير
قوات من خفر السواحل اليمني الموالي للحكومة المعترف بها قبالة المخا (أ ف ب)
قوات من خفر السواحل اليمني الموالي للحكومة المعترف بها قبالة المخا (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أعادت سيطرة الحوثيين على مدينة المخا الاستراتيجية الجماعة إلى جزء من الساحل الغربي اليمني على البحر الأحمر، بعدما أُجبرت على الانسحاب منه قبل نحو عقد، في تحول يعكس خسارة أحد أهم المكاسب الميدانية التي حققتها القوات اليمنية المدعومة من الإمارات خلال حملتها على الساحل الغربي.

وفي السياق، أفاد شهود عيان لوسائل إعلام فرنسية بأن قوات حوثية دخلت، الخميس، مدينة المخا، وهي تردد هتافات “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”. وقال مصدر عسكري يمني إن الجماعة المدعومة من إيران بسطت سيطرتها على المخا، وواصلت تقدمها جنوباً باتجاه مضيق باب المندب.

ويأتي هذا التقدم في إطار هجوم حوثي أوسع بدأ الأسبوع الماضي ضد القوات المتحالفة مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية. ووفق حصيلة أُعدت استناداً إلى عدة مصادر، قُتل ما لا يقل عن 500 شخص، معظمهم من المقاتلين، منذ استئناف المعارك، فيما نزح نحو 20 ألف شخص عن منازلهم، بحسب المنظمة الدولية للهجرة.

وامتد القتال أيضاً إلى البحر الأحمر، إذ قال مصدر عسكري لم يُكشف عن هويته إن الحوثيين سيطروا على جزيرة زُقر، موسعين بذلك نطاق سيطرتهم إلى ما يتجاوز البر الرئيسي.

وكثفت السعودية غاراتها الجوية على مواقع الحوثيين، عقب شن الجماعة هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على المملكة. وقال الحوثيون، الخميس، إن القوات السعودية نفذت نحو 40 غارة في تعز والحديدة والجوف ومأرب. وفي المقابل، قال التحالف الذي تقوده السعودية، الأربعاء، إن الحوثيين أطلقوا صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه عدة مدن في جنوب السعودية.

وأثارت الهجمات أيضاً تساؤلات بشأن احتمال لجوء السعودية إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها مؤخراً مع باكستان وتركيا في مكة. وقال وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف إن استمرار الهجمات على الأراضي السعودية قد يؤدي إلى تفعيل الاتفاقية، فيما دعت باكستان إيران إلى كبح جماح الحوثيين. إلا أن إسلام آباد أوضحت، الخميس، أن أي رد عسكري بموجب الاتفاقية ليس مطروحاً في الوقت الراهن.

وفي غضون ذلك، أدانت بريطانيا تجدد هجمات الحوثيين على السعودية، بما في ذلك استهداف البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة. وقال مكتب الخارجية والكومنولث والتنمية البريطاني إن الحوثيين يتحملون “المسؤولية الكاملة عن هذه الأزمة”، محذراً من أن تحركاتهم تهدد الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة وطرق التجارة الحيوية عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

عكس مسار حملة الساحل الغربي

كانت المخا جزءاً من حزام جغرافي عازل أبقى القوات البرية للحوثيين بعيدة عن المداخل المؤدية إلى مضيق باب المندب منذ عام 2017.

وجاءت المعركة السابقة للسيطرة على المدينة جزءاً من “عملية الرمح الذهبي” التي أطلقها التحالف بقيادة السعودية والقوات اليمنية المتحالفة معه في يناير 2017. وقد نجحت القوات المدعومة من الإمارات في استعادة المخا، ثم سيطرت لاحقاً على قاعدة “خالد بن الوليد” العسكرية الواقعة إلى الداخل بعيداً عن الساحل، مما أرسى وجوداً مناهضاً للحوثيين على طول الساحل الجنوبي للبحر الأحمر ووفر قاعدة انطلاق للتقدم شمالاً.

مقاتلون موالون للحوثيين في صنعاء (أ ف ب)
مقاتلون موالون للحوثيين في صنعاء (أ ف ب)

وتوسعت الحملة في عام 2018، مع تقدم تشكيلات يمنية مدعومة من الإمارات، من بينها ألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية، باتجاه الحديدة، الميناء الرئيسي الخاضع لسيطرة الحوثيين على البحر الأحمر. وأطلقت القوات المدعومة من السعودية والإمارات عملية عسكرية واسعة للسيطرة على المدينة، لكنها توقفت في نهاية المطاف قبل الاستيلاء عليها، وسط مخاوف دولية من سقوط ضحايا مدنيين وتعطل وصول الإمدادات الإنسانية.

وأدى اتفاق ستوكهولم المبرم في ديسمبر 2018 إلى تجميد جبهة الحديدة. ورغم عدم السيطرة على المدينة، غيّرت حملة الساحل الغربي الخريطة العسكرية في المناطق الواقعة جنوباً، إذ أبقت القوات البرية للحوثيين بعيدة عن المداخل المباشرة المؤدية إلى باب المندب.

وأصبحت المخا لاحقاً قاعدة مهمة لـقوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني. وبدعم من الإمارات، تطورت القوات إلى واحدة من أبرز التشكيلات المناهضة للحوثيين على الساحل الغربي. وبالتالي، فإن خسارة المخا تُفقد المنظومة العسكرية المناهضة للحوثيين، التي أُقيمت على امتداد البحر الأحمر، موقعاً مهماً، وتعيد رسم جزء من الخريطة الاستراتيجية التي أرستها حملة 2017-2018.

تؤدي خسارة المخا إلى فقدان موقع مهم ضمن المنظومة العسكرية المناهضة للحوثيين على امتداد البحر الأحمر وتعيد رسم جزء من الخريطة الاستراتيجية التي أرستها حملة 2017-2018

ومنذ ذلك الحين، أضعف التباين السياسي والعسكري بين السعودية والإمارات وحلفاء كل منهما في اليمن تلك المنظومة، ما جعل الساحل الغربي أقل تماسكاً مما كان عليه في ذروة حملة 2017-2018.

بيئة استراتيجية مختلفة

اليوم، تتجاوز أهمية هذا التحول مجرد استعادة الحوثيين موطئ قدم على الساحل، إذ تطورت قدراتهم البحرية بشكل كبير منذ طردهم من المخا، فمنذ منذ عام 2023، أثبتت الجماعة مراراً قدرتام على تهديد السفن التجارية والعسكرية في مختلف أنحاء البحر الأحمر بالصواريخ والمسيّرات.

وبالتالي، لم تعد الجماعة بحاجة إلى فرض سيطرة عسكرية مباشرة على باب المندب لإحداث تأثير استراتيجي، إذ يمكن لتعزيز وجودها على الساحل أن يرفد قدراتها القائمة على منع الخصوم من استخدام البحر.

وتعزز التقارير عن سيطرة الحوثيين على جزيرة زُقر هذه المخاوف، فيما سيؤدي أي تقدم إضافي باتجاه منطقة ذُباب وجزيرة ميون “بريم” إلى رفع الأهمية الاستراتيجية للتقدم الحوثي في المخا بشكل كبير، حيث تقع ذُباب على المداخل المؤدية إلى باب المندب، بينما تحتل ميون، موقعاً استراتيجياً داخل المضيق. ويمر نحو 10–12 % من التجارة العالمية عبر ممر باب المندب، ما يبرز أهمية هذا الممر للملاحة الدولية وسلاسل الإمداد.

وفي ظل اتساع نطاق الصراع مع إيران، تكتسب هذه التطورات أهمية أكبر. فقد أدت القيود الإيرانية على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى تعزيز أهمية منفذ السعودية على البحر الأحمر باعتباره مساراً بديلاً لصادرات النفط. وعاودت عمليات تحميل النفط الخام والمكثفات السعودية في ينبع، وهو ميناء رئيسي لتجاوز مضيق هرمز، الارتفاع في سبتمبر، بعدما بلغت أدنى مستوى لها في ستة أشهر خلال أغسطس.

وتقدر شركة “فورتيكسا” المتخصصة في تحليل البيانات النفطية وتتبع حركة الشحن أن عمليات التحميل ارتفعت من 3.2 مليون برميل يومياً في أغسطس إلى 3.7 مليون برميل يومياً في سبتمبر، فيما سجلت شركة “كلبر” أيضاً زيادة كبيرة.

وبذلك، باتت الساحتان مترابطتين عملياً من الناحية الاستراتيجية، من دون وجود أدلة على أن طهران توجه الهجوم البري الذي يشنه الحوثيون. ومع تصاعد الضغوط حول مضيق هرمز، تتعاظم أهمية المسار البديل عبر البحر الأحمر، في وقت يؤدي فيه تقدم الحوثيين إلى تقويض الحاجز البري الذي يحمي المداخل اليمنية المؤدية إلى باب المندب.

مع تصاعد الضغوط حول هرمز تتعاظم أهمية المسار البديل عبر البحر الأحمر في وقت يؤدي فيه تقدم الحوثيين إلى تقويض الحاجز البري الذي يحمي المداخل اليمنية المؤدية إلى باب المندب

ولا تمنح السيطرة على المخا وحدها الحوثيين السيطرة على المضيق. لكن إذا أعقب سقوطها تقدمٌ باتجاه منطقة ذُباب وجزيرة ميون، فقد يبدأ الحاجز الاستراتيجي الذي أُقيم قبل نحو عقد في التلاشي. وفي المحصلة، يتآكل هذا الحاجز في وقت تزداد فيه أهمية الممر الذي أُقيم لحمايته بفعل الصراع الإقليمي.

EIR

منصة عالمية موثوقة، متخصصة في تقديم تحليلات سياسية، واستراتيجية معمقة، إضافة إلى معلومات استخباراتية حصرية، لصنّاع القرار والباحثين والجمهور المهتم بشؤون العلاقات الدولية الراهنة.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.