الحر والجفاف يرهقان طاقة أوروبا

تقرير
ظهور حطام سفينة غرقت خلال الحرب العالمية الثانية بعد انخفاض منسوب الدانوب (أ ف ب)
ظهور حطام سفينة غرقت خلال الحرب العالمية الثانية بعد انخفاض منسوب الدانوب (أ ف ب)
ﺷﺎرك

تنخفض مناسيب الأنهار في أوروبا، فيما تمتد تداعيات ذلك إلى ما هو أبعد من ضفافها، حيث باتت موجات الحر الشديد والجفاف تعرقل حركة التجارة، وإنتاج الطاقة، والزراعة، وتلحق أضراراً بالبنية التحتية الحيوية في أنحاء القارة.

اليوم، يواجه نهر الراين خطر أن يصبح قريباً غير صالح للملاحة أمام سفن الشحن، في ظل استمرار انخفاض منسوب مياهه إلى مستويات قياسية منذ نهاية يوليو، حيث بدأ هذا الانخفاض بالفعل في تقليص حمولات سفن الشحن ورفع تكاليف النقل، ما يزيد من هشاشة شبكات النقل والتجارة الأوروبية أمام تداعيات شح المياه.

الوضع نفسه في بولندا، إذ تراجع منسوب نهر فيستولا في العاصمة وارسو إلى أدنى مستوى تاريخي له، ما اضطر السلطات إلى إيقاف تشغيل عدة وحدات لتوليد الكهرباء في محطتين تعملان بالفحم.

تفاقم الضغوط السياسية

واجهت اليونان هذا الصيف ثاني حريق كبير بالقرب من أثينا، بعدما التهمت حرائق الغابات نحو 11  ألف هكتار من الغابات الصنوبرية والأراضي الزراعية، حيث ترتبط حرائق الغابات المتزايدة من حيث التكرار والشدة في منطقة البحر المتوسط بارتفاع درجات الحرارة وتفاقم الجفاف.

كما تشهد منطقة شرق البحر المتوسط ارتفاعاً في درجات الحرارة بمعدل يقارب ضعف المتوسط العالمي، فيما يُتوقع أن ترتفع درجات الحرارة فيها بما يصل إلى خمس درجات مئوية بحلول نهاية القرن، في حال استمرار انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وفق المسار الحالي، بحسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب البيئي، بل امتدت أيضاً إلى الساحة السياسية، حيث حمّلت أحزاب يسارية يونانية، من بينها سيريزا وباسوك، السلطات مسؤولية ضعف التنسيق في حالات الطوارئ، والإخفاقات في عمليات الإجلاء، وقصور إجراءات الوقاية، لكن في المقابل، دعت جماعات بيئية إلى تعزيز إجراءات التكيف مع تغير المناخ وتحسين إدارة الغابات.

أما الأحزاب اليمينية، مثل حزب الحل اليوناني، فقد طالبت بتشديد الإجراءات بحق المشتبه في تورطهم في إشعال الحرائق عمداً واستهداف الممتلكات، إلى جانب تعزيز المساءلة عن إجراءات الوقاية من حرائق الغابات.

كما تهدد التداعيات المناخية الأوسع الأمن الغذائي والمائي في أوروبا، حيث بدأ الحر الشديد والجفاف بالفعل في التسبب بخسائر في القطاع الزراعي، إذ أفادت تقارير بأن موجة الحر التي شهدتها القارة في يونيو أدت إلى تلف نحو 9 ملايين طن من الحبوب الأوروبية، وتكبّد المزارعين خسائر تُقدّر بنحو 2.3  مليار دولار،

كما يؤدي استمرار ارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة إلى زيادة أسعار المواد الغذائية وتفاقم تقلباتها، ما يضاعف الضغوط على سلاسل إمدادات الغذاء في مختلف أنحاء أوروبا.

استمرار ارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية وتفاقم تقلباتها ما يضاعف الضغوط على سلاسل الغذاء في أوروبا

أزمة المياه وإمدادات الكهرباء

تسببت المستويات القياسية المتدنية لمنسوب نهر الدانوب في تداعيات خطيرة على البنية التحتية للطاقة وحركة الشحن التجاري في أنحاء أوروبا، حيث يُعد نهر الدانوب ثاني أطول أنهار القارة الأوروبية، إذ يمتد لنحو 1,770  ميلاً (نحو 2,850 كيلومتراً) من ألمانيا إلى البحر الأسود، وقد تعرض منذ مايو لموجات متتالية من الحر الشديد.

أما في رومانيا، فقد اضطرت السلطات إلى إيقاف مفاعلي محطة تشيرنافودا للطاقة النووية بسبب انخفاض منسوب مياه النهر إلى مستويات لم تعد تكفي لتوفير مياه التبريد اللازمة لتشغيلهما، حيث كانت هذه المرة الأولى التي يُوقف فيها المفاعلان معاً بسبب أزمة مرتبطة بنقص المياه.

بينما أوقفت المجر المحطة النووية الوحيدة في البلاد، بينما اضطرت صربيا إلى خفض إنتاج الكهرباء في أكبر محطتين لتوليد الطاقة الكهرومائية لديها، في ظل تداعيات انخفاض منسوب المياه على قطاع الطاقة.

كما تأثرت حركة الملاحة النهرية في سلوفاكيا والمجر ورومانيا وبلغاريا، حيث شهدت فترات انتظار طويلة، إذ لا تستطيع سفن الشحن الإبحار بكامل حمولتها عندما تنخفض مناسيب المياه إلى مستويات متدنية.

ويُبرز التأثير المتزامن على تبريد المفاعلات النووية، وتوليد الطاقة الكهرومائية، وحركة الملاحة التجارية الطبيعة المتسلسلة لشح المياه وتداعياته المتشعبة؛ إذ يمكن لضغط بيئي واحد أن يمتد تأثيره إلى أمن الطاقة والتجارة والبنية التحتية الحيوية في عدد من الدول في آن واحد.

يُبرز التأثير المتزامن على تبريد المفاعلات النووية وتوليد الطاقة الكهرومائية وحركة الملاحة التجارية الطبيعة المتسلسلة لشح المياه وتداعياته المتشعبة

 ولا تقتصر تداعيات أزمة المياه في أوروبا على انخفاض مستويات الأنهار، إذ تؤثر درجات حرارة المياه المرتفعة أيضاً في البنية التحتية للطاقة المعتمدة على الأنهار، حيث أدى ارتفاع درجة حرارة مياه الأنهار إلى إيقاف أحد مفاعلات محطة “غولفيش” للطاقة النووية في فرنسا مؤقتاً، بعدما اقتربت درجة حرارة مياه نهر غارون من الحد البيئي المسموح به لتصريف المياه.

كما هددت درجات الحرارة المتوقعة بفرض قيود على إنتاج محطة “نوجان” للطاقة النووية الشهر الماضي.

بدورها، تكافح فرنسا حرائق الغابات منذ أبريل، مع وصول الأوضاع إلى مستويات حرجة في يوليو، حيث أدت حرائق الغابات في إسبانيا وفرنسا معاً إلى واحدة من أكبر عمليات الإجلاء في أوروبا، إذ أجبر أكثر من 300 ألف شخص على النزوح، ونشر الاتحاد الأوروبي طائرات ومروحيات ورجال إطفاء ومركبات عبر آلية الحماية المدنية التابعة له.

وتسلط هذه الاستجابة الضوء على أن الظروف الجوية القاسية تدفع الدول الأوروبية بشكل متزايد إلى الاعتماد على موارد الطوارئ المشتركة والتنسيق عبر الحدود.

مروحية إطفاء تعمل في منطقة حريق غابات شمال غرب أثينا (أ ف ب)
مروحية إطفاء تعمل في منطقة حريق غابات شمال غرب أثينا (أ ف ب)

أزمة المناخ والنمو الاقتصادي

أصبح من الصعب بشكل متزايد الفصل بين التداعيات البيئية والتداعيات الاقتصادية، حيث كشف تقدير صادر هذا الأسبوع عن بنك تريودوس أن موجات الحر الشديد والجفاف قد تقتطع ما يصل إلى نقطة مئوية كاملة من النمو الاقتصادي المتوقع في أوروبا خلال عام 2026، في مؤشر على اتساع التكلفة الاقتصادية الناجمة عن الاضطرابات التي تطال قطاعات الزراعة والطاقة والسياحة وإنتاجية العمالة.

لكن من منظور استراتيجي، تكشف أزمة المياه في أوروبا عن مواطن ضعف متزايدة عند تقاطع تغير المناخ وأمن الطاقة والقدرة على الصمود أمام التحديات الجيوسياسية، فمع تزايد تأثير الجفاف والحر الشديد على الأنهار التي تؤدي في الوقت نفسه دور ممرات للنقل، ومصادر للطاقة، وأنظمة لتبريد المنشآت، يمكن أن تنتقل الاضطرابات في قطاع واحد بسرعة إلى قطاعات أخرى، متجاوزة الحدود الوطنية وممتدة إلى سلاسل الإمداد.

وقد يؤدي ذلك إلى تصاعد المنافسة على الموارد المائية الشحيحة، بالتزامن مع زيادة الضغوط على الحكومات للاستثمار في بنية تحتية أكثر قدرة على الصمود، وتنويع مسارات الطاقة والنقل، وتعزيز التنسيق المشترك بين الدول لمواجهة الأزمات العابرة للحدود.

كما أن اعتماد أوروبا على الأنهار المشتركة بين دول عدة يعني أن الضغوط المناخية قد تتحول إلى مصدر إضافي للتوتر بين الدول المتجاورة، وأن تزيد من الأهمية الاستراتيجية لـممرات التجارة البديلة، وشبكات الربط في مجال الطاقة، والبنية التحتية الواقعة خارج المناطق التي تعاني من شح المياه.

في المحصلة، يُظهر هذا الصيف كيف يمكن لارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة وشح المياه، بفعل التغير المناخي، أن يحوّلا الضغوط البيئية إلى اضطرابات اقتصادية وسياسية وعابرة للحدود ذات تداعيات فورية.

ارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة وشح المياه يمكن أن يحوّلا الضغوط البيئية إلى اضطرابات اقتصادية وسياسية وعابرة للحدود ذات تداعيات فورية

EIR

منصة عالمية موثوقة، متخصصة في تقديم تحليلات سياسية، واستراتيجية معمقة، إضافة إلى معلومات استخباراتية حصرية، لصنّاع القرار والباحثين والجمهور المهتم بشؤون العلاقات الدولية الراهنة.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.