اضطرابات فرنسا تكشف معضلة أوروبا الاستراتيجية

تقرير
جانب من أعمال الشغب خلال الاحتجاجات في ساحة الجمهورية بباريس (أ ف ب)
جانب من أعمال الشغب خلال الاحتجاجات في ساحة الجمهورية بباريس (أ ف ب)
ﺷﺎرك

في 17  أكتوبر 2026، أفادت وزارة الداخلية الفرنسية بأن أكثر من نصف مليون شخص خرجوا في مظاهرات شملت مدناً عدة في أنحاء البلاد، وعلى هامش الاحتجاجات، اقتحمت مجموعات ملثمة مباني بلديات وأضرمت النار فيها، فيما نهبت نحو 1,500 متجر.

وكشفت هذه الاضطرابات عن تحدٍّ أوسع تواجهه أوروبا، يتمثل في تنامي الرفض الشعبي للضغوط الاقتصادية، بالتزامن مع مساعي الحكومات إلى تعزيز استقلالها الاستراتيجي وتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.

ولم تقتصر الضغوط التي تقف وراء الاحتجاجات الفرنسية على الداخل، بل امتدت إلى أنحاء القارة، ففي 17 أكتوبر، خرج طلاب بلجيكيون في مسيرات بالعاصمة بروكسل احتجاجاً على الرسوم الدراسية، متأثرين جزئياً بالتحركات في فرنسا، حيث شهدت لشبونة وميلانو وبولونيا أيضاً مسيرات حاشدة احتجاجاً على ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة.

وفي ألبانيا وصربيا، وهما دولتان مرشحتان لعضوية الاتحاد الأوروبي، شكّلت الحركات الطلابية تحدياً لحكومتي البلدين، فرغم اختلاف الأسباب المباشرة لهذه التحركات، إلا أنها تعكس توتراً مشتركاً بين تصاعد تطلعات المواطنين وتزايد صعوبة الخيارات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه الحكومات.

تكشف المطالب التي تحرّك الاحتجاجات في أوروبا عن نقطة ضعف مشتركة؛ فالحكومات تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة، في وقت يُطلب منها فيه الاضطلاع بمسؤولية أكبر عن أمنها وتحمل أعباء المواجهة الجيوسياسية.

وعلى مدى عقود، أسهمت الضمانات الأمنية الأمريكية وإمدادات الطاقة الروسية منخفضة التكلفة في الحد من هذه الأعباء، حيث قدّمت بذلك دعماً غير مباشر لنموذج دولة الرفاه الأوروبية، ومع تراجع هذه المزايا، يتزايد التعارض بين الطموحات الاستراتيجية الأوروبية والقيود التي تفرضها الأوضاع السياسية الداخلية.

اليوم، تواجه أوروبا ثلاثة أعباء جديدة في وقت واحد: إعادة التسلح لمواجهة روسيا، وتعويض إمدادات الغاز الروسي، والتعامل مع صدمة في أسواق الطاقة ناجمة عن الحرب مع إيران، إذ يتعين على الحكومات الأوروبية تدبير هذه التكاليف من خلال موازنات تحظى بقبول الناخبين والمقرضين، في حين تكشف الاحتجاجات في فرنسا حدود الأعباء التي يمكن للناخبين تحمّلها.

لا تواجه أي قوة كبرى أخرى هذه التحديات مجتمعة؛ فالولايات المتحدة تصدّر الطاقة وتقترض بعملتها التي تُعدّ عملة الاحتياط العالمية، بينما توجّه روسيا اقتصادها لخدمة المجهود الحربي، وتزيد الصين إنفاقها العسكري سنوياً منذ ثلاثة عقود.

تقع فرنسا في قلب هذه المعضلة الاستراتيجية؛ فهي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك أسلحة نووية، كما أنها من أبرز الداعمين لمفهوم الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، الذي يعني قدرة أوروبا على التحرك دون الاعتماد على الولايات المتحدة، إذ ستؤثر طريقة تعامل فرنسا مع اضطراباتها الداخلية في قدرة أوروبا على ترسيخ مكانتها قوةً مستقلة في نظام دولي تتصاعد فيه حدة المنافسة.

طريقة تعامل فرنسا مع اضطراباتها الداخلية ستؤثر في قدرة أوروبا على ترسيخ مكانتها كقوة مستقلة في نظام دولي تتصاعد فيه حدة المنافسة

التكلفة المتصاعدة للأمن

ترتبط مطالب المحتجين بتحوّل مكلف تشهده أوروبا، التي تعمل حالياً على التخلي عن الركيزتين الأساسيتين اللتين قام عليهما النظام الأوروبي بعد الحرب الباردة، وهما المظلة الأمنية الأمريكية وإمدادات الطاقة الروسية.

في عام 2013، لم يكن سوى أربعة أعضاء في حلف شمال الأطلسي “الناتو” يخصصون 2% من ناتجهم المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، وفقاً للهدف الذي حدده الحلف.

وفي 2025، تعهّد الحلفاء برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% بحلول عام 2035، فيما أقرّ الاتحاد الأوروبي تشريعاً يقضي بإنهاء واردات الغاز الروسي بحلول أواخر عام 2027.

الشرطة في مواجهة الاضطرابات في ميلانو (أ ف ب)
الشرطة في مواجهة الاضطرابات في ميلانو (أ ف ب)

يؤدي تحمّل تكاليف الدفاع وتأمين مصادر بديلة للطاقة بالتزامن إلى زيادة الضغط على الموازنات العامة المثقلة أصلاً بالديون وتكاليف شيخوخة السكان، حيث أصبح الإنفاق الدفاعي ينافس بصورة مباشرة الإنفاق على المعاشات التقاعدية والتعليم والرعاية الصحية، وهي ركائز دولة الرفاه التي استندت إليها الحكومات الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية في ترسيخ شرعيتها.

يواجه الشباب الأوروبيون العبء الأكبر على المدى الطويل، إذ سيظلون يتحملون تبعات الدين العام لفترة أطول من الأجيال الأكبر سناً، حيث يضاف إلى ذلك ارتفاع أسعار المنازل بنحو 65% في أنحاء الاتحاد الأوروبي بين عام 2015 وأواخر عام 2025، وفقاً للبيانات الرسمية للاتحاد، إذ يشكّل الشباب الفئة الرئيسية في الحركات الاحتجاجية بفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية.

فرنسا في اختبار أوروبي

بدأت الاحتجاجات في فرنسا أواخر سبتمبر، احتجاجاً على اكتظاظ المدارس وتردّي أوضاعها، قبل أن تتسع لتشمل قضايا أسعار الوقود والأجور، وتتحول إلى حركة احتجاجية على مستوى البلاد.

وتواجه الحكومة، التي لا تمتلك أغلبية برلمانية، ضرورة توفير نحو 61  مليار دولار في عام 2027، في ظل بلوغ الدين العام 119% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن المتوقع أن تسدد فرنسا العام المقبل نحو 84 مليار دولار فوائد على ديونها، متجاوزةً بذلك الإنفاق المقرر للقوات المسلحة، والبالغ نحو 73 مليار دولار.

تجسّد هذه الأرقام جوهر المأزق الفرنسي، ففي مارس 2026، عرض الرئيس إيمانويل ماكرون على سبع دول حليفة المشاركة في التدريبات النووية الفرنسية، إلى جانب نشر مؤقت لقوات فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية على أراضيها.

غير أن الاضطلاع بهذا الدور القيادي يتطلب موارد مالية كافية، وثقة المستثمرين، وقبولاً شعبياً، وفي ظل هذه المعادلة، تؤدي التنازلات المقدمة للمحتجين إلى زيادة تكاليف الاقتراض، بينما يفاقم كل خفض جديد للإنفاق حدة الاحتجاجات.

في المقابل، تتمتع ألمانيا بهامش أوسع للإنفاق، ففي عام 2025، استُثني معظم الإنفاق الدفاعي الألماني من القيود الدستورية المفروضة على الاقتراض، إذ بلغ الإنفاق العسكري الألماني نحو 114 مليار دولار في العام نفسه، لتصبح ألمانيا أكبر المنفقين عسكرياً بين الدول الأوروبية الأعضاء في “الناتو”. وإذا واصلت الضغوط الاجتماعية تقييد قدرة فرنسا على الإنفاق، في حين تمضي ألمانيا في إعادة التسلح بالاعتماد على الاقتراض، فقد ينتقل مركز الثقل العسكري الأوروبي تدريجياً نحو برلين.

إذا واصلت الضغوط الاجتماعية تقييد قدرة فرنسا على الإنفاق بينما تمضي ألمانيا في إعادة التسلح فقد ينتقل مركز الثقل العسكري الأوروبي تدريجياً نحو برلين

ومن شأن هذا التحول أن يعيد تشكيل التوازن داخل الشراكة الفرنسية-الألمانية التي لطالما أسهمت في رسم توجهات الاتحاد الأوروبي، كما أن وجود القوة النووية الوحيدة في الاتحاد ضمن مجموعة الدول الأكثر مديونية سيجعل الحفاظ على الالتزامات الدفاعية الأوروبية طويلة الأجل أكثر صعوبة.

كما لا تقتصر التداعيات على التغير المحتمل في توزيع الإنفاق العسكري؛ إذ يستند نفوذ فرنسا في أوروبا إلى قدراتها النووية الرادعة وطموحاتها الدبلوماسية، فضلاً عن قدرتها على تحويل التزاماتها السياسية إلى خطوات عملية مستدامة.

وقد تحدّ الاضطرابات الداخلية المستمرة وحالة عدم اليقين المالي من قدرة باريس على تمويل المبادرات الدفاعية والتأثير في التوجه الاستراتيجي للاتحاد الأوروبي، في وقت تظل فيه برلين معتمدة على القدرات الدبلوماسية والنووية الفرنسية.

من شوارع فرنسا إلى الخليج

تشكّل الطاقة الرابط الأوضح بين الاحتجاجات في فرنسا وسياستها الخارجية.، حيث أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، إلى تعطيل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي.

بعد يومين من أعمال الشغب، بدأ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جولة شملت الكويت والإمارات العربية المتحدة بالإضافة إلى البحرين وقطر، إذ قال قبل مغادرته باريس: “إن الجولة ستسهم في تأمين إمداداتنا”، مع إقراره بمخاوف المحتجين بشأن أسعار الوقود، التي ربط ارتفاعها بحرب لم تشارك فيها فرنسا.

ملك البحرين لدى استقباله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ ف ب)
ملك البحرين لدى استقباله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ ف ب)

بذلك، باتت الاضطرابات الداخلية والدبلوماسية الخارجية المتعلقة بالطاقة جزءاً من أزمة واحدة، حيث تكشف المعضلة الفرنسية حدود الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي؛ فبإمكان ماكرون التوصل إلى تفاهمات دبلوماسية مع منتجي الطاقة في الخليج والمساهمة في أمن المنطقة، لكن أياً من هذين المسارين لا يتيح حلاً مباشراً لاضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.

وفي نهاية المطاف، يظل احتواء الأزمة رهناً بالتوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران، وهذا يعني أن أمن الطاقة في أوروبا بات مرتبطاً بمواجهة لم تبدأها القارة ولا تملك حسم نهايتها.

تتضح أبعاد هذا الاعتماد في أن الولايات المتحدة، وهي المورد البديل الرئيسي لأوروبا، قد استحوذت على 57% من واردات القارة من الغاز الطبيعي المسال في عام 2025، في حين أنها طرف في المواجهة نفسها.

كما يفرض الانتشار البحري والجوي الفرنسي في المنطقة منذ الربيع أعباء مالية إضافية، ستزداد صعوبة تحمّلها على دولة تواجه ضغوطاً على ماليتها العامة واحتجاجات في شوارعها.

التوتر عبر الأطلسي والانتخابات الأوروبية

يمتد تأثير ارتفاع أسعار الوقود، الذي أسهم في اندلاع الاحتجاجات في فرنسا، إلى السياسة تجاه روسيا على جانبي الأطلسي، ففي 9 أكتوبر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى اتفاق مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين لشراء الديزل الروسي، فيما علّقت وزارة الخزانة الأمريكية العقوبات المفروضة على الديزل الروسي حتى أبريل 2027.

ارتفاع أسعار الوقود الذي أسهم في اندلاع الاحتجاجات في فرنسا يمتد تأثيره إلى السياسة تجاه روسيا على جانبي الأطلسي

وبعد ثلاثة أيام، وافقت حكومات الاتحاد الأوروبي على أكبر حزمة من الإدراجات على قوائم العقوبات منذ اندلاع الحرب، وبذلك، تتعامل واشنطن وبروكسل مع صدمة الأسعار نفسها عبر مسارين متعاكسين، فبالنسبة إلى باريس، يعزز الاتفاق موقفها القائل إن أوروبا لا تستطيع التعويل على تطابق أولوياتها مع أولويات واشنطن.

وقد يؤدي استمرار السخط الاجتماعي إلى دفع السياسات الأوروبية نحو مواقف أقرب إلى التوجه الأمريكي، عبر تعزيز الأحزاب المناهضة للتيار السياسي السائد، ومن بينها أحزاب تشكك في استمرار المساعدات لأوكرانيا.

من المقرر إجراء انتخابات مبكرة في إسبانيا خلال نوفمبر، فيما تستعد فرنسا وإيطاليا وبولندا لانتخابات في عام 2027، وبما أن فرض عقوبات الاتحاد الأوروبي يتطلب موافقة الدول الأعضاء الـ27 جميعها، فإن تغيّر الحكومات في عدد محدود من الدول قد يحدّ من قدرة الاتحاد على مواصلة الضغط على روسيا.

تبرز الانتخابات الفرنسية بوصفها المحطة الأهم في هذا السياق، ففي يوليو، أتاح حكم قضائي لمارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، الترشح للانتخابات، فيما أظهر استطلاع للرأي في سبتمبر تقدمها بنحو 35% من التأييد.

استند الحزب في تعزيز شعبيته إلى قضيتي تكاليف المعيشة والنظام العام، وهما من أبرز القضايا التي تصدرت المشهد السياسي الفرنسي مع احتجاجات أكتوبر، حيث سيحدد الرئيس المقبل ما إذا كانت فرنسا ستواصل إشراك شركائها الأوروبيين في منظومتها للردع النووي، ومواصلة مساعيها الرامية إلى تحقيق الاستقلال الاستراتيجي.

في المحصلة، تسعى أوروبا إلى ترسيخ مكانتها قوةً مستقلة، لكن تحقيق هذا الطموح يقتضي من حكوماتها تمويل الدفاع وضمان أمن الطاقة، مع الحفاظ على تأييد الناخبين الذين يتحملون تكاليف هذه السياسات، إذ تكشف الاحتجاجات في فرنسا أن استمرار هذا التأييد لم يعد أمراً مسلّماً به.

EIR

منصة عالمية موثوقة، متخصصة في تقديم تحليلات سياسية، واستراتيجية معمقة، إضافة إلى معلومات استخباراتية حصرية، لصنّاع القرار والباحثين والجمهور المهتم بشؤون العلاقات الدولية الراهنة.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
عرض عسكري في تيراسبول بمناسبة الذكرى الـ 35 لتأسيس جمهورية ترانسنيستريا المولدافية (أ ف ب)
تقرير
رئيس الوزراء الإسباني خلال جلسة "أسئلة للحكومة" في البرلمان (أ ف ب)
تقرير
نتنياهو ورئيس جهاز الموساد رومان غوفمان (إكس)
تقرير
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
تقرير
تقرير
بوتين وفوتشيتش خلال لقاء سابق (أ ف ب)
تقرير
حريق في مركز دوبروبوت الطبي عقب غارة جوية روسية على كييف في 28 سبتمبر (أ ف ب)
تقرير
بقايا دبابة متفحمة قرب "غيريب أغيو" في جنوب تيغراي (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.