تكررت الحجج الرافضة للمؤسسات الدولية القائمة مراراً، لكن البدائل المطروحة لها لم تخضع للاختبار الفعلي، حيث قررت ثلاث دول من منطقة الساحل الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية ومن التكتل الإقليمي الرئيسي في غرب أفريقيا، غير أن الأهمية الاستراتيجية لهذه الانسحابات لا تكمن في قرار الخروج بحد ذاته، بقدر ما تكمن فيما سيأتي بعده.
يأتي انسحاب بوركينا فاسو والنيجر ومالي في إطار مسعى أوسع لـتحالف دول الساحل لاستبدال المؤسسات الخارجية بهياكل إقليمية تخضع لسيطرته المباشرة، حيث تمثل هذه التجربة اختباراً لما إذا كان مفهوم السيادة قادراً على إنتاج قدرة مؤسسية حقيقية، بدلاً من أن يقتصر على التحرر من القيود الخارجية.
اليوم، قد تؤثر نتائج هذه التجربة في كيفية تقييم دول أخرى للفرص والمخاطر التي يفرضها نظام دولي يتسم بتزايد الانقسام.
أعلنت حكومات الدول الثلاث انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية في سبتمبر 2025، متهمةً المحكمة باتباع نهج انتقائي في إحقاق العدالة، ومتعهدةً بإنشاء آليات داخلية للمساءلة.
وفي يونيو 2026، أودعت الدول الثلاث رسمياً إخطارات الانسحاب، لتبدأ بذلك عملية الانسحاب التي تستغرق عاماً، وفقاً لما ينص عليه نظام روما الأساسي، إذ يأتي الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية بعد خروج الدول الثلاث رسمياً من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” في يناير 2025.
تشير هذه القرارات إلى ما يتجاوز مجرد فتور في العلاقات الدبلوماسية؛ إذ تسعى الدول الثلاث، بوصفها أعضاء في تحالف دول الساحل، إلى نقل صلاحيات الأمن والتعاون الاقتصادي والعدالة من المؤسسات القائمة إلى هياكلها الإقليمية الخاصة.
وتكتسب هذه المسألة أهميتها من حقيقة أن الانسحاب في حد ذاته ليس سابقة فريدة؛ فقد انسحبت بوروندي من المحكمة الجنائية الدولية عام 2017، والفلبين عام 2019، فيما قدمت جنوب أفريقيا وغامبيا إخطارات بالانسحاب في عام 2016 قبل أن تتراجعا عن قراريهما.
ثمة تحدٍ أوسع نطاقاً يلوح في الأفق الآن، إذ اتجهت فنزويلا وتشاد أيضاً نحو الانسحاب من نظام روما في عام 2026، غير أن ما يميز تحالف دول الساحل هو محاولته الجمع بين الخروج من المؤسسات القائمة وإنشاء بدائل مؤسسية تحل محلها، وعليه، يتمثل السؤال الاستراتيجي الرئيسي فيما إذا كانت الحكومات الثلاث قادرة على أداء الوظائف التي تتخلى عنها، من دون إضعاف القيود التي كانت تلك المؤسسات تفرضها عليها.
السؤال الاستراتيجي يتمثل فيما إذا كانت الحكومات الثلاث قادرة على أداء الوظائف التي تتخلى عنها من دون إضعاف القيود التي كانت تلك المؤسسات تفرضها عليها
البناء لما بعد “إيكواس”
تجاوز تحالف دول الساحل (AES) كونه في الأساس اتفاقاً دفاعياً، إذ طور مشروعاً عسكرياً مشتركاً، وأنشأ هياكل مالية، ووضع خططاً للتكامل القضائي، ففي ديسمبر 2025، دشّن قادة التحالف المصرف الكونفدرالي للاستثمار والتنمية برأس مال أولي قدره 500 مليار فرنك أفريقي، لتمويل مشاريع البنية التحتية والزراعة والطاقة ومشروعات القطاع الخاص.
وفي يناير 2025، قال وزير الدفاع النيجري: إن “التحالف يستعد لتشكيل قوة مشتركة قوامها 5 آلاف عنصر، مزودة بقدرات جوية ومعدات وموارد استخباراتية”.
تكشف هذه الهياكل عن المنطق الاستراتيجي الكامن وراء نظام الحكم الذاتي لدول غرب أفريقيا، فالاستقلال السياسي لا يصبح مستداماً إلا عندما تتمكن المؤسسات من توفير الوظائف التي كانت تُؤدّى في السابق عبر مؤسسات أخرى.
لم يقتصر دور “إيكواس” على توفير عضوية دبلوماسية، بل وضعت قواعد تنظم حرية التنقل والتجارة والإقامة والتكامل الاقتصادي الإقليمي، حيث ظهرت صعوبة فك الارتباط بوضوح عقب الانسحاب؛ إذ واصلت “إيكواس” الاعتراف بجوازات سفر وبطاقات الهوية الصادرة عن دول التحالف، وأبقت على حرية التنقل من دون تأشيرات، كما واصلت تطبيق اتفاقيات تحرير التجارة على السلع القادمة من الدول الثلاث.

تفرض الجغرافيا قيداً إضافياً؛ فالدول الثلاث الأعضاء في تحالف دول الساحل مقيدة، ولا تزال تعتمد على الممرات التجارية عبر الدول الساحلية المجاورة، حيث تكشف الاضطرابات الأخيرة عن حجم هذه الهشاشة الهيكلية؛ إذ خفّضت شركة بوست للطاقة المملوكة للدولة في غانا صادرات الوقود إلى بوركينا فاسو ومالي في عام 2026، مع إعطاء الأولوية لتلبية الطلب المحلي.
ولا يمكن للانفصال المؤسسي عن “إيكواس” أن يلغي الترابط الاقتصادي مع الدول الأعضاء فيها، حيث يتعين على تحالف دول الساحل تعزيز استقلاليته في التفاوض، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الوصول إلى ممرات النقل والأسواق والبنية التحتية التي تقع أجزاء منها خارج حدوده وتخضع لسيطرة أطراف أخرى.
الاختبار الاستراتيجي هنا وظيفي وليس أيديولوجياً، حيث تصبح المنظمة الإقليمية ذات تأثير فعلي عندما تتمكن مؤسساتها من خفض تكاليف المعاملات، وتسوية النزاعات، وتوفير المنافع الجماعية التي لا تستطيع الدول منفردةً توفيرها بكفاءة، إذ يمثل مصرف تحالف دول الساحل والقوة المشتركة خطوتين نحو بناء هذه القدرة، لكن وجودهما وحده لا يثبت فاعلية المؤسسات، حيث ستعتمد قدرتهما على الاستمرار على التمويل، وقواعد قابلة للإنفاذ، ومدى استعداد الحكومات الأعضاء للالتزام بالقرارات الجماعية عندما تتعارض المصالح الوطنية.
الاختبار الاستراتيجي هنا وظيفي وليس أيديولوجياً حيث تصبح المنظمة الإقليمية ذات تأثير فعلي عندما تتمكن مؤسساتها من خفض تكاليف المعاملات وتسوية النزاعات وتوفير المنافع الجماعية
الاختبار الأصعب للمساءلة
تمثل العدالة اختباراً أكثر صعوبة، لأن المؤسسة القضائية الفعالة يجب أن تكون قادرة، في بعض الأحيان، على اتخاذ إجراءات بحق الحكومات التي أنشأتها، وفي عام 2025، اتفق وزراء العدل في دول تحالف الساحل على المضي قدماً في إنشاء محكمة الساحل الجنائية وحقوق الإنسان.
من المقرر أن يشمل اختصاص المحكمة جرائم الإرهاب وتمويله وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، حيث يكتسب انسحاب الدول الثلاث من المحكمة الجنائية الدولية أهمية أكبر من هذه الزاوية، لأن التحالف يقرن رفضه للعدالة الجنائية الدولية بإنشاء بديل إقليمي لها.
ستكون المسألة الحاسمة هي مدى استقلال المؤسسة القضائية، فالمحكمة الإقليمية القادرة على ملاحقة الجماعات المتمردة، لكنها عاجزة عن التحقيق مع القوات المسلحة الوطنية، من شأنها أن تعزز قدرة الدولة على استخدام القوة، من دون أن توفر مستوى مماثلاً من المساءلة.
هذا الخطر واقعي وليس نظرياً، إذ وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتهاكات خطيرة نُسبت إلى كل من الجماعات المسلحة والقوات الحكومية في منطقة الساحل الوسطى، حيث أفاد مركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا بأن قوات دول الساحل والقوات الأمنية الروسية المتحالفة معها في مالي وبوركينا فاسو ارتبطت بسقوط عدد من الضحايا المدنيين يفوق ما ارتبط بالجماعات المتشددة.
كما تزيد الظروف السياسية الداخلية من تعقيد إنشاء قضاء مستقل يتجاوز حدود الدول، حيث أفادت “هيومن رايتس ووتش” بأن السلطات في مالي حظرت الأحزاب السياسية ومددت ولاية أسيمي غويتا من دون إجراء انتخابات، فيما أضعفت الحكومة العسكرية في النيجر المؤسسات القادرة على مراقبة السلطة التنفيذية.
من ثم، فإن إنشاء محكمة إقليمية تتجاوز هذه الأنظمة الوطنية سيتطلب ضمانات أقوى من تلك التي تشهد تراجعاً متزايداً على المستوى الداخلي، حيث ستعتمد مصداقية المحكمة على إجراءات تعيين القضاة، واستقلال النيابة، وإتاحة الوصول إلى العدالة أمام الضحايا، ومدى التزام الحكومات بتنفيذ الأحكام الصادرة بحق أجهزتها الأمنية.
لا يؤدي الانسحاب إلى إنهاء الالتزامات القائمة تجاه المحكمة الجنائية الدولية بصورة فورية، فمنذ عام 2013، تخضع الحالة في مالي لتحقيق من جانب المحكمة، فيما ينص المادة 127 من نظام روما الأساسي على استمرار بعض الالتزامات والمسائل الناشئة قبل دخول الانسحاب حيز التنفيذ، وبالتالي، فإن المرحلة الانتقالية ستؤدي إلى تداخل منظومتين للمساءلة، بدلاً من أن تحل محكمة الساحل فوراً محل المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
في المقابل، أدى الانسحاب من “إيكواس” بالفعل إلى حرمان الضحايا من إمكانية اللجوء إلى محكمة عدل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، وفقاً لما أشارت إليه منظمة هيومن رايتس ووتش.
وسيكون مدى نجاح المحكمة المقترحة لدول الساحل في اكتساب سلطة كافية خلال هذه المرحلة مؤشراً مبكراً على ما إذا كان التحول المؤسسي يجري بالفعل، أم أن نطاق المساءلة يتقلص فحسب.
رعاة جدد وتبعيات قديمة
سيكون ملف الأمن الاختبار الأكثر إلحاحاً، لأن جزءاً كبيراً من المبررات السياسية لتحالف دول الساحل يستند إلى فشل الترتيبات الأمنية السابقة، ومع ذلك، استمر التهديد في التصاعد رغم انسحاب القوات الفرنسية، وإنهاء عدد من علاقات التعاون الأمني مع الدول الغربية، وتعزيز التعاون بين جيوش دول التحالف.
سجّل مركز الدراسات الاستراتيجية لأفريقيا 9,928 حالة وفاة مرتبطة بالجماعات المسلحة في منطقة الساحل خلال الأشهر الـ12 المنتهية في منتصف عام 2026، وهو أعلى عدد بين جميع مناطق أفريقيا، حيث استحوذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة على 76% من هذه الوفيات، ما يعكس حجم التهديد الذي تواجهه البنية الأمنية الجديدة وقدرتها التنظيمية على الاستمرار.
تمثلت استجابة تحالف دول الساحل في إضفاء طابع إقليمي على التنسيق العسكري، بالتوازي مع تنويع شراكاته الخارجية، حيث أصبحت روسيا ذات أهمية خاصة في هذا السياق، فبعد إعلان مجموعة فاغنر مغادرتها مالي في عام 2025، استمر فيلق أفريقيا المرتبط بالكرملين في العمل هناك، فيما أعلنت موسكو عزمها على تعميق التعاون الدفاعي والأمني مع دول أفريقيا.
أصبحت روسيا ذات أهمية خاصة فبعد إعلان فاغنر مغادرتها مالي استمر فيلق أفريقيا المرتبط بالكرملين في العمل فيما أعلنت موسكو عزمها على تعميق التعاون الدفاعي والأمني مع أفريقيا
يمثل وجود أفراد روس يعملون إلى جانب حكومات دول الساحل تدخلاً خارجياً مباشراً في المنظومة الأمنية الإقليمية، وهو ما يستبعد وصف هذه الشراكة بأنها قائمة على عدم التدخل.
لكن السؤال الأهم يتعلق بقضية التبعية، فاستبدال المساعدات الأمنية الفرنسية أو الأمريكية بدعم عسكري روسي قد يؤدي إلى تنويع الشراكات، غير أن هذا التنويع لا يضمن تحقيق الاستقلالية تلقائياً، حيث تزداد الاستقلالية الاستراتيجية عندما تتمكن الحكومات من تغيير شركائها من دون تعريض وظائف الدولة الأساسية للخطر، فإذا ظلت الاستخبارات أو المعدات أو التدريب أو القدرات القتالية تعتمد على طرف خارجي آخر، فإن خريطة الاعتماد تتغير بوتيرة أسرع من بنيته الأساسية.
تُظهر التطورات الأخيرة في النيجر أن العلاقات تتسم بمرونة أكبر مما يوحي به مجرد إعادة تموضع بين الشرق والغرب، فرغم من طرد نيامي القوات الأمريكية وتعزيز علاقاتها مع روسيا، وافقت الولايات المتحدة في سبتمبر 2026 على تمويل يصل إلى 414 مليون دولار لمشروع كبير لليورانيوم في النيجر.
من ثم، فإن مسار تحالف دول الساحل يُفهم بصورة أفضل باعتباره تعدداً براغماتياً في التحالفات والشراكات، وليس انتقالاً إلى مجال نفوذ روسي ثابت، حيث تسعى حكومات دول التحالف إلى توسيع هامشها التفاوضي بين القوى الخارجية المتنافسة، بالتوازي مع تركيز السلطة السياسية على المستوى الداخلي.
أزمة شرعية أوسع
يتزامن التحدي الذي يفرضه تحالف دول الساحل مع مواجهة المؤسسات التي يرفضها هذا التحالف لضغوط تمس مصداقيتها؛ فقد أثبتت مذكرات الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، أن عدم عضوية الدولة في المحكمة لا يعني بالضرورة استبعاد مواطنيها من اختصاصها القضائي.
وخلص قضاة المحكمة إلى أن موافقة إسرائيل لم تكن ضرورية، لأن الأفعال المزعومة وقعت ضمن الاختصاص الإقليمي للمحكمة عبر فلسطين، غير أن هذا التأكيد القانوني على مبدأ العالمية اصطدم بموازين القوى الجيوسياسية.
لاحقاً، فرضت واشنطن عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية بسبب تحقيقات تتعلق بإسرائيل والولايات المتحدة، بما في ذلك عقوبات إضافية طالت قضاة ومدعين عامين في أغسطس 2025، كما أفادت فرنسا بفرض الولايات المتحدة عقوبات إضافية على رئيس المحكمة وأحد أعضاء مكتب المدعي العام في أغسطس 2026، ووصفت هذه الإجراءات بأنها تتعارض مع استقلال القضاء.

ورغم ذلك، فإن هذا النوع من الضغوط لا يثبت صحة ادعاء تحالف دول الساحل بأن المحكمة الجنائية الدولية تطبق عدالة انتقائية، إلا أنها تعزز، في المقابل، انتقاداً أوسع مفاده بأن المؤسسات القانونية الدولية تستطيع تأكيد اختصاصها القضائي بسهولة أكبر مما تستطيع إلزام الدول القوية بقبول إنفاذ قراراتها.
يخلق هذا التباين مساحة سياسية أمام تحالف دول الساحل؛ إذ تستطيع حكوماته الإشارة إلى أوجه عدم التكافؤ في النظام الدولي عند الدفاع عن قرار الانسحاب من المؤسسات القائمة، حتى في الوقت الذي تواجه فيه تساؤلات منفصلة بشأن المساءلة داخلياً.
والنتيجة هي منافسة على الشرعية، وليست مجرد مواجهة بين السيادة والقانون الدولي، فعلى المؤسسات القائمة أن تثبت قدرة قواعدها على الصمود أمام الضغوط الجيوسياسية، بينما يتعين على الجهات التي تسعى إلى استبدالها أن تثبت قدرة بدائلها على فرض قواعد ذات مغزى على نفسها أيضاً.
النتيجة منافسة على الشرعية وليست مواجهة بين السيادة والقانون الدولي فعلى المؤسسات القائمة أن تثبت قدرة قواعدها على الصمود بينما يتعين على الجهات التي تسعى إلى استبدالها أن تثبت قدرة بدائلها
اختبار ضبط النفس
لم تعد تجربة تحالف دول الساحل محصورة في أطرافها الثلاثة، بل أضحت تعكس تحولاً أوسع في النظام الدولي الذي يعيش تنافساً مؤسسياً محموماً، مع بحث الدول عن بدائل جديدة للتعاون الأمني والمالي والإقليمي.
وقد تؤدي التعددية القطبية إلى توسيع خيارات الدول، لكن اتساع الخيارات لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز الحوكمة، حيث يتمثل السؤال الاستراتيجي فيما إذا كانت مراكز القوة الجديدة ستنشئ مؤسسات قادرة على فرض قيود على أعضائها، أم ستكتفي بتوسيع هامش المناورة المتاح للحكومات.
بالنسبة إلى تحالف دول الساحل، بدأت مؤشرات قابلة للقياس في الظهور، فعلى القوة المشتركة أن تحسن الوضع الأمني، لا أن تكتفي بإعادة توزيع الشراكات العسكرية، كما يتعين على المصرف الإنمائي أن يحشد رأس مال مستداماً ويمول البنية التحتية العابرة للحدود.
كما يجب أن تكون المحكمة الجنائية المقترحة قادرة على التحقيق مع القوات الحكومية، إلى جانب الجماعات المتمردة، حيث ينبغي أن تحافظ الترتيبات الإقليمية على حرية التنقل والتجارة، رغم الانفصال عن “إيكواس”.
ومن شأن الفشل في هذه المجالات أن يفضي إلى نتيجة استراتيجية مختلفة عن مشروع السيادة الذي يطرحه تحالف دول الساحل، إذ يكتسب التحالف هامشاً أكبر للتحرك بعيداً عن “إيكواس” والحكومات الغربية والمحكمة الجنائية الدولية، مع بقائه معتمداً على طرق التجارة عبر الدول الساحلية، وشركاء الأمن الخارجيين، ومؤسسات وطنية تفتقر إلى آليات فعالة للمساءلة، ما يعني اتساع هامش الاستقلال التنفيذي من دون امتلاك قدرة مؤسسية مماثلة.
سيكون للنجاح تداعيات أوسع نطاقاً؛ فإذا تمكنت “تحالف دول الساحل” (AES) من بناء مؤسسات إقليمية فعالة مع الحفاظ على فرص الوصول الاقتصادي، وتعزيز الأمن، وإرساء آليات موثوقة للمساءلة القضائية، فإن ذلك سيُثبت أن الانقسام المؤسسي لا يعني بالضرورة تراجعاً مؤسسياً، كما قد يُقدم دليلاً على قدرة التكتلات الإقليمية على إعادة التفاوض بشأن علاقتها بالهياكل الدولية القائمة، دون التخلي عن الوظائف التي تؤديها تلك الهياكل.
لا ينبغي قياس أهمية انسحاب تحالف دول الساحل من المحكمة الجنائية الدولية بالانسحاب ذاته، حيث يتمثل الاختبار الأكثر أهمية فيما إذا كان التحالف قادراً على تحويل مفهوم السيادة من مبدأ لرفض المؤسسات إلى منظومة من القيود المؤسسية.
ستحدد قدرة المؤسسات الناشئة في التحالف على فرض قيود على الجهات التي أنشأتها ما إذا كانت منطقة الساحل بصدد بناء نظام إقليمي بديل، أم تكتفي بتقليص القيود المفروضة على سلطة الدولة.
تتعلق التداعيات الأعمق بالنظام الدولي، حيث يؤدي تنافس القوى الكبرى إلى خفض كلفة الانسحاب من المؤسسات، فروسيا توفر قوات أمنية لدول الساحل، بينما تمول واشنطن مشروعاً لليورانيوم في النيجر رغم طرد القوات الأمريكية منها.
عندما تتنافس القوى الخارجية على الوصول والنفوذ، تصبح القواعد أسهل تجاوزاً وأصعب إنفاذاً، ومن ثم، يمثل تحالف دول الساحل اختباراً مبكراً لقدرة المؤسسات المقيِّدة لسلطة الحكومات على الصمود في ظل تنافس القوى الخارجية، فإذا أخفقت هذه المؤسسات، فقد ينشأ نظام تتحدى فيه الدول القوية المحاكم، بينما تكتفي الدول الأضعف بالانسحاب منها.
يمثل تحالف دول الساحل اختباراً مبكراً لقدرة المؤسسات المقيِّدة لسلطة الحكومات على الصمود في ظل تنافس القوى الخارجية


