واشنطن تتخلى عن أفريقيا بهدوء

تقرير
انسحاب أمريكي.. وتمدد روسي صيني داخل أفريقيا
ﺷﺎرك

لن يكون هناك مشهد شبيه بأزمة السويس، ولا لحظة سقوط كسايغون، ولا صورة مذلة يتوقف عندها المؤرخون. فانسحاب الولايات المتحدة يجري بهدوء تام من قارة أفريقيا التي يعيش فيها 1.5 مليار نسمة، وتحتضن المعادن التي تقوم عليها الصناعات والطاقة والتكنولوجيا التي تقول واشنطن إنها تسعى إلى تأمينها. حيث يتم سحب القوات، وتخفيض المساعدات، ويُستدعى الدبلوماسيون دون ضجيج، فيما يقتصر التبرير الرسمي على التحول نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لكن الدافع الفعلي يبدو أقرب إلى انكفاء تلقائي. وعندما تظهر الكلفة، فقد تكون أكبر بكثير مما تتصوره واشنطن.

ولعل أبرز مؤشرات هذا التراجع تلك التي وردت في مخطط تنظيمي داخل وزارة الدفاع الأمريكية، كشفت عنه وسائل إعلام أمريكية في ديسمبر، حيث يقضي المخطط بدمج القيادة المركزية الأمريكية والقيادة الأوروبية والقيادة الأفريقية ضمن هيكل موحد يحمل اسم “القيادة الدولية”. ووفقاً للتقارير، طلب وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث من المخططين تقليص عدد القيادات العسكرية العالمية التابعة للبنتاغون من 11 إلى 8.

كما تتضمن الخطة دمج القيادة الشمالية الأمريكية المسؤولة عن الدفاع عن الأراضي الأمريكية، مع القيادة الجنوبية، التي تشرف على 31 دولة و14 إقليماً في أمريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة الكاريبي، ضمن قيادة جديدة باسم “قيادة الأمريكيتين”، ما يعكس سعي الإدارة الأمريكية إلى تعزيز نفوذها في نصف الكرة الغربي.

وبموجب إعادة الهيكلة المقترحة، ستتراجع مكانة القيادة الأفريقية الأمريكية “أفريكوم”، التي أنشأها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش عام 2007 لتركيز البنتاغون على منطقة اعتُبرت آنذاك بيئة خصبة لنشاط الجماعات المتطرفة. وبدلاً من أن تحظى أفريقيا بقيادة مستقلة، ستُدرج ضمن هيكل أوسع تضطر فيه إلى منافسة ملفات أكبر على الموارد والاهتمام السياسي والعسكري.

بموجب المخطط الأمريكي المقترح، ستتراجع مكانة “أفريكوم” وبدلاً من أن تحظى أفريقيا بقيادة مستقلة ستُدرج ضمن هيكل أوسع تضطر فيه القارة إلى منافسة ملفات أكبر

رسالة البنتاغون أهم من الأرقام

ورغم أن مسؤولاً رفيعاً في “أفريكوم” أكد في يناير أنه لم يُتخذ قرار رسمي بعد، فإن عملية الدمج المقترحة يُتوقع أن توفر نحو 330 مليون دولار على مدى خمس سنوات. غير أن هذا المبلغ لا يكاد يُذكر مقارنة بميزانية الدفاع الأمريكية المقدرة بنحو 1.5 تريليون دولار للسنة المالية 2027. وفي الواقع، فإن الرسالة الموجهة إلى العواصم الأفريقية تبدو أكثر أهمية بكثير من الأرقام نفسها. فإعادة توزيع الموارد توحي بوضوح بأن الولايات المتحدة تنقل أصولها الاستراتيجية بعيداً عن أفريقيا، وربما دون نية للعودة.

تداعيات إعادة الهيكلة بدأت بالظهور حتى قبل تسريب الخطط الأخيرة. ففي يونيو 2024، حذّر قائد “أفريكوم” الجنرال مايكل لانغلي من أن مناطق مثل الساحل الأفريقي، وهي مناطق شاسعة قليلة السكان تُعرف بأنها ملاذ للجماعات المتطرفة، أصبحت “أقل أماناً” منذ انسحاب الولايات المتحدة من النيجر في ذلك العام. وأدى الانسحاب إلى إغلاق قاعدة الطائرات المسيّرة في أغاديز، ما أنهى فعلياً أهم مركز أمريكي للاستخبارات والمراقبة والاستطلاع في غرب أفريقيا، دون أن يتمكن البنتاغون من إيجاد بديل لهذه القدرات حتى الآن.

وقال مسؤول رفيع آخر في “أفريكوم” إن القيادة “عملت دائماً بإمكانات محدودة”، ويبدو أن هذه الإمكانات تتآكل تدريجياً، حيث اقترحت ميزانية الإدارة الأمريكية للسنة المالية 2026 إلغاء كامل مخصصات عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والبالغة 1.6 مليار دولار، ما يعني وقف التمويل الذي يدعم بعثات نشطة في جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

ومع تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “USAID”، ومحاولة إدارة ترامب إلغاء مؤسسة التنمية الأفريقية الأمريكية، وهي خطوة عُلّقت لاحقاً أمام القضاء، إلى جانب التخفيضات غير المسبوقة في المساعدات الخارجية الأمريكية، تتشكل ملامح أكبر تراجع سنوي في تاريخ المساعدات التنموية الأمريكية، ما ينذر بتفكك هيكل النفوذ الأمريكي قطعةً تلو الأخرى، وعلى مرأى الجميع.

تتشكل ملامح أكبر تراجع سنوي في تاريخ المساعدات الأمريكية لأفريقيا ما ينذر بتفكك هيكل نفوذ واشنطن في القارة قطعةً تلو الأخرى

العنف والرهائن في قلب ممر الجهاديين

يتساءل مساعدون في الكونغرس الأمريكي وخبراء في مراكز الأبحاث عمّا إذا كانت “أفريكوم” ستتمكن من البقاء بصيغة قريبة من شكلها الحالي، لكن الأسئلة الأكثر إلحاحاً تتمثل في: هل ستؤدي القرارات الأمريكية إلى خلق فراغ في أفريقيا، عبر تقليص الوجود الأمريكي في لحظة تتحول فيها القارة إلى ساحة مركزية للتنافس الدولي؟ وهل ستترك القوى التي تتحرك لملء الفراغ الذي تخلفه الولايات المتحدة مجالاً لعودة واشنطن مستقبلاً؟

وتُظهر منطقة الساحل الإفريقي التأثير الأكثر مباشرة لهذا التراجع، فالحزام القاحل الممتد عبر شمال وسط أفريقيا، لأكثر من 3600 ميل من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي، شهد مستويات مرتفعة من العنف. وقد وثّق “المركز العالمي لمسؤولية الحماية”، المعني بحقوق الإنسان، مقتل 9362 شخصاً نتيجة 3737 حادثاً أمنياً في كل من بوركينا فاسو ومالي والنيجر خلال عام 2025 وحده، وكان من أبرزها مقتل وزير الدفاع المالي خلال هجوم وقع في أبريل 2026.

كما فرض تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبط بتنظيم القاعدة، حصاراً على الوقود في العاصمة المالية باماكو، وفقاً لتقارير صحفية متعددة، قبل أن يُعدم لاحقاً سائقي شاحنات لفرض الحصار، بحسب تقرير لــ”هيومن رايتس ووتش”.

كما أجبر المسلحون الحكومة المالية على الدخول في مفاوضات بشأن رهائن من جنسيات أجنبية عدة. وفي عملية احتجاز سابقة، اختطف التنظيم أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الإمارات العربية المتحدة واحتجزه رهينة.

وفي المقابل، شن تنظيم “ولاية الساحل” التابع لـ”داعش”، والناشط في بوركينا فاسو، هجوماً على المطار الدولي في عاصمة النيجر خلال يناير 2026. كما وسّعت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” عملياتها إلى بنين وتوغو وشمال غانا، ما أسهم في تشكيل ما يصفه محللون بـ”ممر جهادي” يمتد باتجاه خليج غينيا.

أما بوركينا فاسو، التي صنفها “مؤشر الإرهاب العالمي” كأكثر دول العالم تضرراً من الإرهاب خلال عامي 2023 و2024، فقد أقدمت على حلّ الأحزاب السياسية في يناير 2026.

جانب من منتدى التعاون الصيني الأفريقي "فوكاك" في بكين(أ ف ب)
جانب من منتدى التعاون الصيني الأفريقي “فوكاك” في بكين(أ ف ب)

روسيا والصين تستغلان تراجع الغرب

الرد الغربي على هذه الكارثة جاء في صورة انسحاب متسارع، بحسب تقارير إعلامية متعددة، فقد طردت المجالس العسكرية والحكومات الانتقالية فرنسا من مالي، ثم بوركينا فاسو، ثم النيجر، ثم تشاد. كما أُجبرت بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في مالي “مينوسما” على المغادرة، فيما سحبت الولايات المتحدة قواتها من النيجر. وما تبقى هو حضور ضعيف لمكافحة الإرهاب، يقتصر عملياً على تنفيذ ضربات بطائرات مسيّرة من مناطق بات الوجود الأمريكي فيها غير مرحّب به.

حتى الشراكات الأمريكية مع الدول الساحلية بدأت بالتراجع، إذ تشير تقارير منظمات غير حكومية إلى أن بنين، رغم نشرها 3 آلاف جندي على حدودها مع بوركينا فاسو والنيجر، سجلت ارتفاعاً بنسبة 70% في عدد القتلى جراء هجمات تنظيم “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” خلال عام 2025 مقارنة بالعام السابق. كما شهدت مدينة كوتونو محاولة انقلاب أواخر عام 2025، ما يشير إلى أن المرحلة المقبلة من هذا الصراع قد لا تبقى محصورة في المناطق الصحراوية.

ووفقاً لتقرير صادر عن جامعة جورجتاون، قرأت روسيا هذا المشهد من زاوية انتهازية، فقد أعادت موسكو تشكيل مجموعة “فاغنر”، وهي قوة عسكرية خاصة، تحت اسم “فيلق أفريقيا”، وذلك بعد مقتل قائدها السابق يفغيني بريغوجين في حادث تحطم طائرة، بعد شهرين من قيادته تمرداً فاشلاً. وباتت كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وجمهورية أفريقيا الوسطى تعتمد على هذه القوة شبه العسكرية كبديل عن القوات الغربية المنسحبة.

ويؤكد التقرير أن المرتزقة الروس لم ينجحوا في تحقيق الاستقرار، بل إن لاجئين من مالي أبلغوا عاملين في المجال الإنساني في موريتانيا بأن عناصر “فيلق أفريقيا” تورطوا في عمليات قتل عشوائي، وعمليات خطف، وعنف جنسي، وتعذيب. كما أدت هجمات أبريل 2026، التي اجتاحت القاعدة المالية في تيساليت، إلى تراجع القوات الروسية إلى جانب القوات المالية، حيث تقدّم موسكو للمجالس العسكرية الأفريقية ما تعتبره بديلاً عن الغرب، عبر توفير الأسلحة، والدعاية السياسية، والغطاء الدبلوماسي، والاستعداد للتعامل مع أنظمة لم تعد الولايات المتحدة وأوروبا تثقان بها. وفي ظل هذا المشهد المضطرب، قد تتمكن روسيا من تحويل حالة عدم الاستقرار في أفريقيا إلى أدوات نفوذ، وفرص وصول، وتموضع طويل الأمد داخل القارة.

في ظل هذا المشهد المضطرب، قد تتمكن روسيا من تحويل حالة عدم الاستقرار في أفريقيا إلى أدوات نفوذ، وفرص وصول، وتموضع طويل الأمد داخل القارة.

ويبرز ميناء بورتسودان بوصفه المثال الأوضح على ذلك، فقد عرض الجيش السوداني على موسكو اتفاقاً يمتد 25 عاماً يسمح لروسيا بنشر ما يصل إلى 300 جندي وأربع سفن حربية، بينها سفن تعمل بالطاقة النووية، في قاعدتها على البحر الأحمر، التي لا تزال غير تشغيلية حتى الآن. وفي المقابل، سيحصل السودانيون على أنظمة دفاع جوي وأسلحة أخرى يحتاجها الجيش السوداني المحاصر، ويصعب عليه الحصول عليها من مصادر أخرى. كما سيمنح الاتفاق روسيا امتيازات تفضيلية في قطاع تعدين الذهب بالسودان، ثالث أكبر منتج للذهب في أفريقيا.

ومع تراجع مستقبل الوجود الروسي في قاعدة طرطوس السورية عقب سقوط نظام بشار الأسد، فإن الاتفاق مع السودان قد يمنح موسكو قاعدتها البحرية الرئيسية الوحيدة خارج الفضاء السوفييتي السابق.

ورغم أن الاتفاق لم يُحسم بعد، إذ جمّدت الحكومة السودانية مؤقتاً إنشاء القاعدة الروسية، فإن موسكو تدفع بوضوح نحو ترسيخ وجود قرب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، وهو مضيق باب المندب، الذي يبلغ عرضه في أضيق نقاطه نحو 18 ميلاً، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. وفي الظروف الطبيعية، يمر عبره ما بين 12 و14% من التجارة البحرية العالمية. كما أنه يتصل شمالاً بمدخل قناة السويس باتجاه البحر المتوسط، ما يجعله أحد أكثر نقاط عبور النفط ازدحاماً في العالم بعد مضيقي ملقا وهرمز.

ومن شأن منشأة روسية على البحر الأحمر، مزودة بأنظمة حرب إلكترونية وصواريخ مضادة للسفن، أن تمنح موسكو قدرة محتملة على تعطيل حركة الملاحة عبر المضيق. كما أن إنشاء قاعدة هناك سيمنح “فيلق أفريقيا” خط إمداد لعملياته الممتدة عبر الساحل الإفريقي ووسط أفريقيا، وهو هدف سعت إليه موسكو منذ سنوات. وقد يمنح أي انسحاب أمريكي محتمل روسيا الفرصة التي تنتظرها منذ عام 2017.

أما بالنسبة إلى الصين، وكعادتها، فتنتهج بكين مقاربة أطول مدى وأكثر هدوءاً، لكن المنطق الاستراتيجي يبقى نفسه. فمنذ عام 2017، يحتفظ جيش التحرير الشعبي الصيني بقاعدة عسكرية في جيبوتي، على بُعد أميال قليلة من معسكر ليمونييه، القاعدة الدائمة الرئيسية الوحيدة للولايات المتحدة في أفريقيا. وقد أشارت تقييمات البنتاغون، منذ عام 2021، إلى أن غينيا الاستوائية، وتحديداً ميناء باتا العميق الذي شيدته الصين، يُعد من أبرز المواقع المرشحة لاستضافة ثاني منشأة عسكرية صينية خارجية. وإذا أُنشئت هذه القاعدة، فستكون الأولى للصين على المحيط الأطلسي.

ورغم تشكيك بعض المحللين في نيات بكين، فإن قاعدة في باتا ستمنحها أفضلية استراتيجية كبيرة، إذ يستطيع الميناء استقبال حاملات الطائرات الصينية. كما عملت الصين على توطيد علاقتها مع رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ على مدى خمسة عقود. وقد أجرى دبلوماسيون أمريكيون، خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، زيارات متكررة إلى مالابو لمحاولة منع اتفاق إنشاء القاعدة. إلا أن الإدارة الحالية، بحسب النص، لا تبدو مستعدة لخوض دبلوماسية طويلة النفس لمواجهة هذا التوسع. كما أجرى جيش التحرير الشعبي الصيني اتصالات مع الغابون وموريتانيا وناميبيا وأنغولا.

الاستراتيجية الصينية لا تقوم على السيطرة المباشرة على الأراضي، بل على بناء شبكات اعتماد متراكمة عبر الموانئ، وقروض البنية التحتية، وامتيازات التعدين، وعقود المراقبة، إلى أن تصبح المعادلة الاستراتيجية في القارة مائلة بصورة طبيعية لصالح بكين. وقد وقّعت 52 دولة من أصل 54 دولة أفريقية مذكرات تفاهم ضمن مبادرة “الحزام والطريق” الصينية. كما أصبحت الصين أكبر دائن منفرد في القارة، إلى جانب كونها اللاعب الخارجي المهيمن على سلاسل توريد الكوبالت والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية لأي قاعدة صناعية عسكرية حديثة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة.

مكتب مغلق للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "USAID" في أبيدجان (أ ف ب)
مكتب مغلق للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية “USAID” في أبيدجان (أ ف ب)

خصوم واشنطن يسارعون لملء الفراغ

لا يكمن الحلّ في جرأة روسيا أو صبر الصين، بل في غياب الولايات المتحدة. فالحكومات الأفريقية لا تتجه عادة نحو موسكو أو بكين بدافع التفضيل، بل نتيجة تقلّص البدائل المتاحة أمامها. وعندما تُفكك واشنطن أدوات نفوذها الناعمة، مثل “USAID”، تتقدم مبادرة “الحزام والطريق” الصينية لملء الفراغ عبر تمويل مشاريع البنية التحتية. وحين تُلغى موازنات عمليات حفظ السلام، تجد الحكومات العسكرية نفسها أكثر ميلاً للاعتماد على “فيلق أفريقيا” الروسي.

لا يكمن الحلّ في جرأة روسيا أو صبر الصين بل في غياب واشنطن فالحكومات الأفريقية لا تتجه عادة نحو موسكو أو بكين بدافع التفضيل لكن نتيجة تقلّص البدائل المتاحة

وإذا جرى دمج القيادة الإفريقية الأمريكية “أفريكوم” ضمن هيكل عسكري عام، واختفت القاعدة الجوية الأمريكية في النيجر، فإن الشراكات الأمنية التي صمدت طوال عقد من الاضطرابات في الساحل الأفريقي ستنهار. وإذا أُغلقت السفارات الأمريكية في دول مثل جمهورية أفريقيا الوسطى، كما تقترح مسودة ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية للسنة المالية 2027، فإن شبكات النفوذ والمعلومات الميدانية التي يوفرها الدبلوماسيون ستختفي معها أيضاً.

ويمكن تبرير كل خفض على حدة باعتباره خطوة نحو الكفاءة، لكن الصورة الكاملة تعكس تفكيكاً ممنهجاً للأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة لعقود في صياغة سياساتها داخل القارة الإفريقية. ويبدو أن الرد المحتمل لواشنطن على هذا التراجع المرتقب في أفريقيا يتمثل في “اتفاقات واشنطن”.

ففي يونيو الماضي، أشرف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على توقيع وزيري خارجية جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام يهدف إلى إنهاء أحد أكثر النزاعات دموية منذ نهاية الحرب الباردة، حيث نص الاتفاق على انسحاب القوات الرواندية من شرق الكونغو، وتفكيك ميليشيات الهوتو المرتبطة بإبادة عام 1994، إلى جانب إنشاء إطار اقتصادي إقليمي يربط الطرفين بالاتفاق. غير أن بند المعادن كشف، بحسب النص، عن جوهر المصالح الأمريكية في الاتفاق، إذ يتعلق الأمر بالكوبالت والكولتان والتنتالوم، وهي معادن تدخل في سلاسل التوريد الخاصة بكل مركبة كهربائية وذخيرة موجهة تسعى واشنطن إلى إنتاجها.

لكن بعد أحد عشر شهراً، بدأ الاتفاق بالانهيار. فحركة “إم 23” المدعومة من رواندا، والتي تسيطر على المنطقة الغنية بالمعادن المتنازع عليها، لم تكن طرفاً في الاتفاق أساساً. كما لم تنسحب القوات الرواندية، ولم تُفكك ميليشيات الهوتو، الأمر الذي دفع وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض عقوبات على الجيش الرواندي وأربعة من قادته بسبب انتهاك الاتفاق. وقد لخصت “هيومن رايتس ووتش” النتيجة بعبارة مقتضبة: وعود على الورق، وقتال مستمر، ومدنيون يدفعون الثمن.

وعليه، فإن “اتفاقات واشنطن” تمثل التعبير الأوضح عن الانسحاب الأمريكي من إفريقيا: دبلوماسية رمزية، وتنفيذ مؤجل، فيما تبقى المعادن الكلمة الأكثر أهمية بالنسبة إلى واشنطن. إذ يتمثل الرد التقليدي على انتقادات الانسحاب من إفريقيا في أن تقليص الالتزامات هناك سيوفر موارد للساحة الاستراتيجية الأهم، أي منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا الطرح كان سيبدو أكثر إقناعاً لو وُجد دليل على إعادة توجيه هذه الموارد بالفعل، وهو ما لا يظهر حتى الآن.

فالتوفير الناتج عن دمج القيادتين الأفريقية والأوروبية يبدو لافتاً ظاهرياً، لكنه يظل محدوداً ضمن الصورة الكبرى. كما أن استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب تعطي أولوية واضحة لنصف الكرة الغربي، من أمن الحدود إلى فنزويلا والعصابات العابرة للحدود، على حساب إفريقيا أو أوروبا.

وبذلك، فإن “التحول نحو آسيا” الذي تتحدث عنه واشنطن منذ إدارة باراك أوباما تحول عملياً، بحسب النص، إلى تركيز على المجال القريب للولايات المتحدة، لا على آسيا. وتتراجع أهمية أفريقيا ليس لأن أولوية أخرى تفرض ذلك، بل لأن أحداً داخل الإدارة الحالية يبدو أنه لا يعتبر القارة أولوية أساساً.

وثمة سيناريو بات من الصعب تجاهله، وهو أن تمتلك الصين قاعدة بحرية على المحيط الأطلسي، بينما تمتلك كل من روسيا والصين قواعد على البحر الأحمر، في وقت تُحكم فيه الجماعات الجهادية سيطرتها على شريط يمتد من باماكو إلى خليج غينيا، فيما تنسحب العواصم الأفريقية القليلة التي ما تزال تحتفظ بشراكات أمنية حقيقية مع الولايات المتحدة، بعدما تقتنع بأن التحالف مع واشنطن لم يعد يستحق كلفته السياسية.

وبحلول اللحظة التي قد تدرك فيها واشنطن مجدداً أهمية إفريقيا، تكون البنية التي قامت عليها علاقاتها داخل القارة قد تفككت بالفعل. فإخراج القوات يمكن أن يتم خلال أشهر، لكن إعادة بناء خمسين عاماً من العلاقات المؤسسية، والقدرات، وشبكات الاستخبارات، والحضور الدبلوماسي، لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها.

فالانسحاب سريع، أما العودة، إن حدثت، فستكون بطيئة ومكلفة، وستجري وفق شروط يفرضها آخرون. وفي النهاية، تبدو واشنطن وكأنها تتخذ قراراً بهدوء، سواء كان ذلك عن قصد أو نتيجة غياب الاهتمام. أما موسكو وبكين، فقد التقطتا الإشارة بالفعل.

إخراج القوات الأمريكية يمكن أن يتم خلال أشهر لكن إعادة بناء 50 عاماً من العلاقات لا يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.