ما وراء الذهب: مأزق الدولة السودانية

تقرير ضيف مشارك
ما وراء الذهب: مأزق الدولة السودانية
صائغ مجوهرات يحمل قطعة من الذهب في الخرطوم (أ ف ب)
ﺷﺎرك

غالباً ما تُقدَّم الحرب في السودان على أنها صراع يدور حول الذهب، ومنافسة بين المصالح الاقتصادية للقوى الإقليمية. غير أن هذا الطرح قد يؤدي إلى اختزال واحدة من أطول أزمات بناء الدولة في إفريقيا وتحويلها إلى مجرد صراع على الموارد الطبيعية.

إن حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون، والنزوح الجماعي، والمجاعة، والانتهاكات الواسعة، يتطلب تقديم مزيد من المساعدات الإنسانية، ومواصلة الانخراط الدبلوماسي، وضمان محاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. لكن التعامل الفعّال مع هذه الكارثة يتطلب أيضاً فهم الأسباب التي دفعت السودان إلى الانزلاق نحو الحرب.

لم يتحول السودان إلى ساحة صراع بسبب امتلاكه الذهب، بل اكتسب الذهب أهميته لأن الدولة السودانية كانت قد دخلت في حالة من الفشل قبل ذلك. وقبل أن يصبح الذهب مورداً اقتصادياً استراتيجياً، عانى السودان لعقود من الانقلابات العسكرية، والحروب الأهلية، والانهيار الدستوري، وتعدد مراكز القوة المسلحة المتنافسة. وتكمن مأساة السودان، بالدرجة الأولى، ليس في الأطماع الخارجية، بل في العجز المزمن عن بناء دولة وطنية مستقرة وشاملة.

لم يتحول السودان إلى ساحة صراع بسبب امتلاكه الذهب بل اكتسب الذهب أهميته لأن الدولة السودانية كانت قد دخلت في حالة من الفشل قبل ذلك

لا شك أن الفاعلين الخارجيين أثروا في مسار الصراع، كما هو الحال في العديد من الحروب الأهلية. إلا أن التدخلات الخارجية لم تكن السبب في الأزمة البنيوية التي تعاني منها الدولة السودانية.

ولا يُعد إدراك هذا الفرق مجرد نقاش أكاديمي، إذ إن الخطأ في تشخيص المشكلة سيؤدي حتماً إلى الخطأ في اختيار الحل.

فقد عاش السودان مظاهر فشل الدولة بصورة شبه متواصلة منذ استقلاله عام 1956، حيث سبقت حالة عدم الاستقرار التي يعاني منها التنافس الحالي على الذهب وغيره من الموارد الاستراتيجية بعقود طويلة.

ويكشف المسار التاريخي عمق هذه الأزمة؛ إذ استولى الفريق إبراهيم عبود على السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1958، ثم أطاح جعفر نميري بالحكومة في انقلاب عسكري آخر عام 1969، قبل أن يصل عمر البشير إلى الحكم من خلال انقلاب مدعوم من الإسلاميين عام 1989. كما استولى الجيش على السلطة مجدداً في أكتوبر 2021، ما أدى إلى عرقلة مسار التحول الديمقراطي في البلاد. وتمثل الحرب الحالية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، التي اندلعت في أبريل 2023، أحدث حلقة في سلسلة طويلة من الانقلابات والانهيار المؤسسي.

جندي من الجيش السوداني يقف أمام دبابة متضررة جراء المعارك بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
جندي من الجيش السوداني يقف أمام دبابة تضررت خلال القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. (أ ف ب)

لا يمكن منطقياً تفسير ما يقرب من سبعة عقود من الانقلابات المتكررة والحروب الأهلية بأنها نتيجة للتنافس الخارجي على الذهب السوداني. فقد ظلت المشكلة البنيوية في جوهرها داخلية، وتتمثل في غياب دولة قادرة على احتكار الاستخدام المشروع للقوة، وبناء مؤسسات خاضعة للمساءلة، وإدارة التنافس السياسي عبر الوسائل الدستورية بدلاً من العنف العسكري.

كما تشكلت الأزمة بفعل الانقسام التاريخي بين المركز والأطراف، والتوترات العميقة ذات الطابع العرقي والإقليمي والسياسي بين المركز التقليدي المهيمن في الدولة والمجتمعات الموجودة في غرب السودان وجنوبه وشرقه وغيرها من المناطق المهمشة. وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في بناء نظام سياسي شامل قادر على استيعاب التنوع العرقي والثقافي والديني والإقليمي في السودان.

وأظهرت الحروب الأهلية التي انتهت في نهاية المطاف بانفصال جنوب السودان أن أزمة السودان تتجاوز بكثير الخلافات حول الموارد الطبيعية أو التنافس بين القادة العسكريين. ففي جوهرها، ارتبطت الأزمة بأسئلة عالقة حول الهوية الوطنية، والتمثيل السياسي، والمواطنة المتساوية، وتوزيع السلطة والثروة داخل الدولة.

ارتبطت الأزمة بأسئلة عالقة حول الهوية الوطنية والتمثيل السياسي والمواطنة المتساوية وتوزيع السلطة والثروة داخل الدولة

وأفرزت هذه الانقسامات الهيكلية بصورة متكررة مطالب من جانب الفاعلين السياسيين والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني في السودان بضرورة التوصل إلى تسوية دستورية جديدة تقوم على الحكم الديمقراطي، واللامركزية، والمواطنة المتساوية، وفصل مؤسسات الدولة عن الهيمنة الأيديولوجية والفئوية. وبالنسبة إلى كثير من السودانيين، ظل هذا النوع من التسويات شرطاً أساسياً لإنهاء الحروب المتكررة ومنع استمرار سيطرة القوى العسكرية والطائفية على الدولة.

وتجسد الحرب الحالية هذه الحقيقة؛ إذ لم تبدأ كحرب بالوكالة بين قوى إقليمية، بل كصراع على السلطة داخل المؤسسة الأمنية السودانية نفسها. فكل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع هما نتاج للدولة السودانية. وقد تطورت قوات الدعم السريع من ميليشيات الجنجويد التي استخدمتها الحكومات المتعاقبة خلال صراع دارفور، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قوة رسمية تابعة للدولة. أما القوات المسلحة السودانية، التي ظلت فيها شبكات مرتبطة بالنظام الإسلامي السابق تتمتع بنفوذ كبير، فقد بقيت المؤسسة العسكرية النظامية للبلاد.

وكان السبب المباشر لاندلاع الحرب هو انهيار المفاوضات بشأن دمج قوات الدعم السريع في الجيش الوطني، والخلافات حول إصلاح القطاع الأمني خلال المرحلة الانتقالية السياسية التي أعقبت سقوط عمر البشير. ثم انخرطت أطراف إقليمية لاحقاً في الصراع، كما يحدث غالباً في الحروب الأهلية الممتدة. لكن جذور النزاع بقيت سودانية بوضوح.

لا يمكن فهم هذا الصراع الداخلي من دون مواجهة حقيقة أخرى مزعجة، تتمثل في استمرار نفوذ الحركة الإسلامية التي ترسخت خلال عهد البشير. إذ لم يكن انقلاب عام 1989 مجرد استيلاء عسكري على السلطة، بل أعاد تشكيل الدولة السودانية. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، عمل نظام البشير على ترسيخ شبكات إسلامية داخل الجيش، وأجهزة الاستخبارات، والإدارة المدنية، والمؤسسات العامة. وأصبحت الولاءات السياسية في كثير من الأحيان أكثر أهمية من الكفاءة المؤسسية والمعايير المهنية.

ولم يؤدِّ عزل البشير عام 2019 إلى تفكيك هذا النظام، إذ احتفظت عناصر من النظام السابق بنفوذ كبير داخل أجزاء من المؤسسة العسكرية والأمنية والبيروقراطية الحكومية. ولم تختفِ شبكاتهم السياسية بسقوط الرئيس.

ولهذا السبب، يرى كثير من المراقبين السودانيين أن الصراع الحالي لا يمثل مجرد مواجهة بين مؤسستين عسكريتين، بل هو أيضاً صراع حول مستقبل النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 1989. فقد اصطف عدد من الشخصيات المؤثرة المرتبطة بالمؤسسة الإسلامية السابقة إلى جانب القوات المسلحة السودانية، وعارضوا باستمرار الترتيبات السياسية ومفاوضات السلام التي قد تعيد مسار الانتقال المدني وتحد من هيمنة الجيش على الدولة. وسواء تم الاتفاق مع هذا التقييم بالكامل أم لا، فإنه من المستحيل فهم الأزمة السودانية الراهنة من دون الإقرار باستمرار تأثير الشبكات التي نجت من سقوط البشير.

كما أن الأدلة الاقتصادية لا تدعم السردية المبسطة القائلة إن الحرب هي “حرب من أجل الذهب”. فالذهب السوداني يمثل بلا شك مورداً مهماً للاقتصاد السوداني، إلا أن أهميته داخل السودان لا ينبغي الخلط تلقائياً بينها وبين وزنه النسبي في الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية الأوسع للدول الإقليمية الكبرى.

ويتضح هذا الفرق بصورة أكبر عند مقارنة حجم تجارة الذهب السوداني بالعلاقات التجارية الأوسع لدولة الإمارات. فقد بلغت تجارة الإمارات غير النفطية مع جنوب إفريقيا وحدها نحو 8.5 مليارات دولار أمريكي، أي ما يعادل عدة أضعاف القيمة المعلنة لصادرات السودان السنوية من الذهب. ولا تكمن أهمية هذه المقارنة في القول إن الذهب السوداني غير مهم، بل في إظهار أن المصالح الاقتصادية الإماراتية أوسع وأكثر تنوعاً من ارتباطها بسلعة أو سوق واحدة.

وبناءً على ذلك، قد يمثل الذهب أحد الاعتبارات التجارية من بين اعتبارات عدة أخرى. لكن الفارق في حجم هذه المصالح يحذر من التعامل مع الوصول إلى الذهب السوداني باعتباره تفسيراً كافياً ومستقلاً للسياسة الخارجية الاستراتيجية لدولة تتجاوز قيمة تجارتها مع شريك إفريقي واحد إجمالي قيمة صادرات السودان من الذهب.

لذلك، يُفهم الذهب بصورة أفضل باعتباره مورداً يساعد على استمرار الصراع، وليس باعتباره السبب الجوهري لاندلاعه، إذ إنه لا يفسر التاريخ الطويل للسودان من الانقلابات، والحروب الأهلية، والصراعات الأيديولوجية، والمظالم الإقليمية، والتحولات الدستورية المتعثرة.

ويعكس الميل الأوسع إلى تفسير الحرب في السودان بشكل أساسي من خلال المصالح التجارية الخارجية تراجعاً في بعض جوانب النقاش الدولي حول السياسة الخارجية. إذ يجري بصورة متزايدة اختزال الأزمات المعقدة في سرديات أخلاقية مبسطة تتمحور حول طرف خارجي واحد، بينما تتراجع إلى الخلفية عوامل مثل فشل المؤسسات، والصراعات الأيديولوجية، والمظالم التاريخية، وقرارات الجماعات المسلحة المحلية.

يعكس الميل الأوسع إلى تفسير الحرب في السودان بشكل أساسي من خلال المصالح التجارية الخارجية تراجعاً في بعض جوانب النقاش الدولي حول السياسة الخارجية

وهكذا يتحول السودان من قضية تستحق تحليلاً معمقاً إلى مجرد ساحة لصراعات سياسية تنبع من خارج حدوده.

ولا ينبغي إعفاء الأطراف الخارجية من التدقيق والمساءلة، لكن هذا التقييم يجب أن يستند إلى الأدلة، وحجم التأثير، والدوافع، والسياق الاستراتيجي. فلا يمكن لأي تحليل جاد تجاهل الدور المحتمل للدعم الخارجي، أو الشبكات التجارية، أو التنافس الإقليمي. وفي المقابل، لا ينبغي أن تؤدي الاتهامات الموجهة إلى الأطراف الخارجية إلى صرف الانتباه عن دراسة التاريخ السياسي للسودان أو مسؤولية النخب العسكرية والسياسية فيه.

وقد انصبّ النقاش العام بشكل متزايد على الاتهامات المتبادلة بشأن أشكال الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي المقدمة لأطراف الصراع. وبغض النظر عن صحة كل ادعاء على حدة، فإنه لا ينبغي لهذه الاتهامات أن تصبح بديلاً عن فهم الأسباب الأعمق التي قادت إلى انهيار السودان.

كما لا ينبغي للمداولات الدولية أن تنشغل إلى درجة تجعلها تركز على اتهام القوى الإقليمية، وتتجاهل المسؤولية الأساسية للفصائل المسلحة السودانية نفسها عن الدمار الذي لحق ببلادها.

من المهم أيضاً الإشارة إلى أن الأطراف الخارجية التي تحتل صدارة الجدل اليوم ليست هي الجهات نفسها التي كانت في مركز فترات العزلة الدولية السابقة التي عاشها السودان. فلم تكن هذه الأطراف هي القوى الرئيسية التي قادت الاستجابة الدولية تجاه أزمة دارفور، والتي أسفرت عن تحرك من جانب الأمم المتحدة، وإجراء تحقيقات دولية، وفرض عقوبات واسعة عقب اتهامات بارتكاب انتهاكات خطيرة، من بينها الإبادة الجماعية والاستخدام المزعوم لأسلحة محظورة.

كما أن الأطراف الإقليمية الحالية لم تكن مسؤولة عن قرار الولايات المتحدة تصنيف السودان دولة راعية للإرهاب عام 1993، وهو القرار الذي صدر خلال فترة كانت فيها حكومة الخرطوم تستضيف أسامة بن لادن وتحافظ على علاقات مع جماعات متطرفة.

وقد جرت تلك الأحداث في سياقات جيوسياسية مختلفة، وارتبطت بأطراف خارجية مغايرة، وسبقت التحالفات الإقليمية الراهنة بسنوات عديدة.

إن تغير هوية الأطراف الخارجية المرتبطة بالأزمات السودانية المتعاقبة يؤكد حقيقة محورية مفادها أن عدم الاستقرار في السودان استمر عبر أنظمة دولية مختلفة، وتحالفات إقليمية متغيرة، وحكومات متعاقبة، وصراعات استراتيجية متعددة. فقد تبدلت أشكال التدخل الخارجي بمرور الزمن، لكن الأزمة البنيوية للدولة السودانية بقيت على حالها.

وثّقت الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية المستقلة انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني ارتكبتها أطراف متعددة بحق المدنيين. ولا يمكن تفسير معاناة الشعب السوداني من خلال زاوية التنافس الإقليمي وحدها، بل ينبغي النظر إليها أيضاً باعتبارها نتيجة لقرارات اتخذها قادة سودانيون اختاروا مراراً اللجوء إلى المواجهة العسكرية بدلاً من الوصول إلى تسويات سياسية.

وفي نهاية المطاف، كانت النخب السياسية أول من أخفق في حماية الدولة السودانية وبنائها. فعلى مدى عقود، عجزت الحكومات المتعاقبة عن إنشاء مؤسسات وطنية جامعة. وأصبحت المؤسسات العسكرية، والأحزاب السياسية، والتيارات الأيديولوجية، والولاءات القبلية، والجماعات المسلحة، بدائل عن الدولة نفسها، بدلاً من أن تكون أدوات تعمل لخدمتها وتعزيزها.

كانت النخب السياسية أول من أخفق في حماية الدولة السودانية وبنائها فعلى مدى عقود عجزت الحكومات المتعاقبة عن إنشاء مؤسسات وطنية جامعة

أضعف كلٌّ من دورات الصراع المتعاقبة مؤسسات الدولة، وعمّق الانقسامات السياسية، وزاد من احتمالية حل الخلافات عبر القوة بدلاً من الوسائل الديمقراطية.

ولا شك أن الأطراف الخارجية أثرت في مسار السودان، وأسهمت في بعض الحالات في تصعيد الصراع. وهي تستحق التدقيق والانتقاد متى ما دعمت الأدلة ذلك. لكنها لم تُنشئ الظروف التي جعلت السودان عرضة للانهيار.

فقد نشأت هذه الظروف على مدى عقود بفعل نخب سودانية وضعت، مراراً، السعي إلى السلطة فوق أولوية بناء الدولة. كما لا يمكن فصل هذه الظروف عن العلاقة غير المحسومة بين مركز السودان ومناطقه المهمشة. فقد أدى التركّز المستمر للسلطة السياسية وموارد الدولة والقدرات العسكرية في المركز إلى اندلاع التمرد، وتعميق الإقصاء، وتكرار الصراعات في الجنوب، ودارفور، والشرق، وجبال النوبة، والنيل الأزرق.

لم تكن حروب السودان، إذن، أزمات أمنية معزولة، بل كانت انعكاساً لفشل أعمق في التوافق حول طبيعة الدولة، ومن يملك حق إدارتها وحكمها.

وتستحق الكارثة الإنسانية التي يشهدها السودان اهتمام العالم بأسره، غير أن الاهتمام وحده لا يكفي. فإذا أراد المجتمع الدولي مساعدة السودان على تحقيق سلام مستدام، فعليه أولاً أن يدرك جوهر الأزمة وطبيعتها.

جنود من الجيش السوداني خلال عرض عسكري في العاصمة الخرطوم.
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري في العاصمة الخرطوم. (أ ف ب)

فالسودان لا يخوض حربه الراهنة بسبب الذهب بالدرجة الأولى، بل نتيجة أزمة ممتدة في بناء الدولة، وانهيار مؤسساتها، والتهميش الإقليمي والعرقي، وتعدد مراكز القوة المسلحة. وقد أسهم الذهب في تمويل جانب من الصراع، كما لعبت القوى الخارجية دوراً في التأثير على مساره، لكن أياً من ذلك لا يفسر وحده سبب معاناة السودان لما يقرب من سبعة عقود من الانقلابات، والحروب الأهلية، ومحاولات الانتقال السياسي الفاشلة.

لذلك، فإن التوصل إلى تسوية دائمة لن يتطلب مجرد وقف لإطلاق النار، أو قطع شبكات التمويل غير المشروعة، أو إعادة توزيع مؤقت للسلطة بين الفصائل المسلحة. بل سيحتاج إلى عقد دستوري جديد يعيد بناء شرعية الدولة، ويعالج المظالم الإقليمية والعرقية المتجذرة، ويضمن المواطنة المتساوية، ويؤسس لحكم مدني ديمقراطي عبر مؤسسات تدين بالولاء للدولة والوطن، لا للجماعات أو الفصائل.

وعليه، ينبغي أن تتناول هذه التسوية أيضاً طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، وموقع الدين والأيديولوجيا داخل الدولة، وكيفية توزيع الثروة الوطنية، وضمان خضوع جميع التشكيلات المسلحة لمؤسسة عسكرية وطنية واحدة محترفة تعمل تحت قيادة سلطة مدنية منتخبة.

ومن دون هذا التحول السياسي والدستوري، سيظل السودان معرضاً لإعادة إنتاج الدائرة ذاتها من الانقلابات، والحروب الأهلية، ومراحل الانتقال الهشة التي طبعت معظم مسيرته منذ الاستقلال.

فالسلام لن يتحقق بمجرد تعطيل شبكات التمويل غير المشروعة أو إلقاء كامل المسؤولية على الأطراف الخارجية، وإنما سيتحقق فقط عندما ينجح السودان في بناء دولة تتفوق مؤسساتها على جيوشه، وتتمتع بشرعية تفوق شرعية فصائله، وتستوعب مختلف مناطقه ومكوناته، وتضع سيادة القانون فوق منطق السلاح.

تلك هي الخلاصة التي يفرضها التاريخ الحديث للسودان، وهي أيضاً الحقيقة التي يجب أن يدركها المجتمع الدولي إذا كان يرغب بصدق في مساعدة السودانيين على إرساء سلام دائم.

لن يتحقق السلام بمجرد تعطيل شبكات التمويل غير المشروعة أو إلقاء المسؤولية على الأطراف الخارجية بل عندما ينجح السودان في بناء دولة تتفوق مؤسساتها على جيوشه وتتمتع بشرعية تفوق فصائله

منجي حامدي
منجي حامدي

ضيف مشارك

شغل منجي حامدي منصب وزير الشؤون الخارجية في تونس سنة 2014، كما تولّى سابقاً منصب مساعد الأمين العام في الأمم المتحدة، وعُيّن ممثلاً خاصاً للأمين العام ورئيساً لبعثة الأمم المتحدة في مالي، وتتميّز مسيرته المهنية بجمعها بين العمل الدبلوماسي والخبرة الدولية والاهتمام بمجال التكنولوجيا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.