عصر التحالفات المشروطة

تقرير
جنود أمريكيون يجهزون طائرة اعتراضية في ميدان تدريب ببولندا (أ ف ب)
جنود أمريكيون يجهزون طائرة اعتراضية في ميدان تدريب ببولندا (أ ف ب)
ﺷﺎرك

تمثل الاستراتيجية الوطنية للدفاع الأمريكية (NDS) المحدثة تحولاً كبيراً في ترتيب أولويات الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، فهي تستبدل النهج الذي ساد بعد عام 1945، والقائم على تقديم واشنطن ضمانات أمنية مقابل التزام الحلفاء بتوجهاتها، بنموذج جديد مشروط يركز على حماية الداخل الأمريكي، وتعزيز السيطرة في نصف الكرة الغربي، وإعطاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ أولوية بوصفها الساحة الخارجية الأهم.

هذا التحوّل لا يعيد توازن الأولويات فحسب، بل يخلق أيضاً خطراً تحليلياً على منظومة التحالف؛ إذ قد تواجه أوروبا وأجزاء من آسيا فجوات في القدرات تتّسع بوتيرة أسرع من قدرتها الواقعية على سدّها، في الوقت الذي تُوجَّه فيه القدرة السياسية الأمريكية إلى مناطق أخرى.

اليوم، تُسهم الحرب في أوكرانيا في تسريع هذا الانتقال من خلال كشف حدود القدرة الصناعية الغربية، ومدى تماسك التحالف، واستقرار الكونغرس الأمريكي، وبالتالي، لا تشير الاستراتيجية الوطنية للدفاع إلى مجرد ترتيب جديد للأولويات والمصالح، بل إلى حالة تشغيلية جديدة للتحالف الغربي؛ قوامُها الشرطية بدلاً من التلقائية، والمشاركة الانتقائية بدلاً من الوجود المضمون، وإعادة توزيع المخاطر الاستراتيجية على الحلفاء.

لا تشير الاستراتيجية إلى مجرد ترتيب جديد للأولويات والمصالح بل إلى حالة تشغيلية جديدة للتحالف الغربي قوامُها الشرطية بدلاً من التلقائية  

في صدارة هذا التسلسل الهرمي تأتي حماية الوطن الأمريكي ونصف الكرة الغربي، تليها إدارة الصين بوصفها الخصم النظاميَّ المركزيَّ في منطقة المحيطين الهنديّ والهادئ، أمّا روسيا فقد خُفِّضت مكانتُها صراحة لتُصنَّف تهديداً مستمراً، لكنه قابل للإدارة.

كما تؤكد الاستراتيجية الوطنية للدفاع التحول بعيداً عن نهج الحفاظ على النظام الشامل؛ إذ ينظر إلى الحلفاء بوصفهم أدوات لتحقيق الأولويات الإقليمية، بينما تحل لغة السيادة ومناطق النفوذ وتقاسم الأعباء محل الخطاب حول “النظام القائم على القواعد”.

وعبر مختلف المناطق، تشير الولايات المتحدة إلى استمرار مشاركتها، لكنها تقوم بذلك أساساً بصفتها جهة تمكينية متقدمة، لا بوصفها مزوداً أمنياً مضموناً.

الدفاع عن الوطن ونصف الكرة الغربي

أبرز ما يميّز الاستراتيجية الوطنية للدفاع الجديدة هو مستوى التصعيد الذي تمنحه لأمن الوطن ونصف الكرة الغربي، بوصفهما في صدارة جدول الأولويات الاستراتيجية الأمريكية، حيث أُعيد تأطير الهجرة غير القانونية وتهريب المخدرات كتهديدات للأمن القومي بلغة عسكرية صريحة، ما يبرّر استخدام القوات المسلحة للسيطرة على الحدود ومنع التهريب البحري.

وعلى النقيض من ذلك، لم يعد يُنظر إلى الحدود الجنوبية على أنها مسألة شرطة داخلية بالدرجة الأولى، بل أصبحت ساحة لنشر القوات العسكرية، في حين يعمل مفهوم “الإرهاب المرتبط بالمخدرات” على تعتيم الخطوط عمداً بين الجريمة المنظمة والتمرد والتهديدات الخارجية.

بالنسبة للحلفاء، يترتّب على هذا التغيير في التوازن نتيجتان فوريّتان: أولاً، فيما يتعلق بالموارد، قد تُعاد توجيه الأصول التي كانت مخصصة سابقاً للانتشار في الخارج إلى مهام داخلية؛ وثانياً، الإشارة السياسية واضحة لا لبس فيها، إذ ينظر الناخبون وصناع السياسات الأمريكيون بشكل متزايد إلى المخاطر الرئيسية على أنها داخلية أو إقليمية، وليست محصورة في شرق أوروبا أو الخليج.

من خلال إحياء مبدأ مونرو، مع إضافة “نتيجة ترامب” الحديثة، تحدد استراتيجية الدفاع الوطني فعلياً نصف الكرة الغربي كمجال سيطرة استراتيجية أمريكية غير قابل للتفاوض، إذ تؤكد واشنطن حقها في منع الخصوم من نشر قوات أو تهديد القدرات الأمريكية في أي مكان داخل المنطقة.

وفي ظل ذلك، تُقدَّم أمثلة حديثة، كالعملية في فنزويلا أو التركيز الاستراتيجي على بنما وغرينلاند، كنماذج لتدخلات مستقبلية موجهة، وهذا يعني، من الناحية المنهجية، إعطاء الأولوية لمواجهة التوغل، إذ تُعامل الأنشطة الصينية والروسية في أمريكا اللاتينية والقطب الشمالي على أنها توغلات استراتيجية وليست مجرد إزعاجات هامشية، كما يُضفي هذا طابعاً طبيعياً على إجراءات “على غرار فنزويلا” باعتبارها أدوات مقبولة لإدارة النظام الإقليمي، أما بالنسبة للشركاء في مناطق أخرى، فالرسالة واضحة: كلما ظهرت أولويات في الاهتمام أو الموارد أو رأس المال السياسي، فإن الولايات المتحدة توجّه جهودها أولاً نحو نصف الكرة الأرضية التابع لها.

ترامب وقادة أوروبيون ورئيس الوزراء الكندي خلال قمة مجموعة السبع في ألبرتا، كندا (أ ف ب)
الصين والمحيطين الهندي والهادئ

في الاستراتيجية الوطنية للدفاع الجديدة، تعد منطقة المحيطين الهندي والهادئ الساحة الخارجية الأساسية، إذ تُصنَّف الصين ليس كعدو يجب هزيمته، بل كمنافس نظامي ينبغي احتواء طموحاته ضمن توازن قوى مقبول لدى واشنطن.

تُصنَّف الصين في الاستراتيجية ليس كعدو يجب هزيمته بل كمنافس ينبغي احتواء طموحاته

لكن، تتطلب الاستراتيجية أن تحافظ القوات الأمريكية على ردع موثوق بالمنع على طول سلسلة الجزر الأولى، الممتدة من اليابان مروراً بتايوان والفلبين وصولاً إلى فيتنام، وحتى دون ذكر تايوان صراحة، فإن هذا يوحي بالالتزام بمنع الصين من السيطرة غير القابلة للنقاش على نقاط الاختناق البحرية الحيوية والمجال الجوي.

وبناءً على ذلك، وبدلاً من الاعتماد على عمليات انتشار أمامية ثابتة وبارزة، سيعتمد الوضع الأمريكي المستقبلي في المنطقة بشكل أكبر على أصول موزعة وقادرة على البقاء، وقدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، والبنى التحتية القوية للقيادة والسيطرة والاتصالات والحوسبة والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (C4ISR).

أما بالنسبة للحلفاء الإقليميين، فإن هذا يستلزم التزامات ملموسة، فمن المتوقع منهم الاستثمار في قدرات منع الوصول إلى مناطق معينة، والدفاع الساحلي، والحرب المضادة للغواصات، وبنية تحتية محصنة للقواعد، مع الإقرار بأن الوجود الأمريكي الأمامي قد يصبح أكثر تناوباً ومرونة واستراتيجية مقارنة بما كان عليه في العقود السابقة.

لكن من خلال صياغة سياستها تجاه الصين على أساس مبدأ “السلام عبر القوة”، تربط الولايات المتحدة مصداقية الردع مباشرة بالقدرة الصناعية والتكنولوجية، وهو الارتباط الذي يشكّل جوهر تركيز الاستراتيجية الوطنية للدفاع على إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية.

وعلى النقيض من ذلك، أصبح الحفاظ على مخزونات كافية من الصواريخ بعيدة المدى، واعتراضات الدفاع الجوي، والذخائر المتقدمة مطلباً حيوياً على مستوى النظام بأكمله، وفي الوقت نفسه، لم يعد الإنتاج المشترك، وترخيص التكنولوجيا، ونقلها، والمشاريع المشتركة مع الحلفاء الرئيسيين مجرد إيماءات سياسية هامشية، بل أصبحت أدوات مركزية للحفاظ على حجم الإنتاج والتكرار والقدرة على الاستجابة السريعة.

تؤدي أوكرانيا دوراً غير مباشر ولكنه هام في هذا السياق، إذ كشفت الحرب عن قيود شديدة في القدرة الإنتاجية الغربية لذخائر المدفعية، وطائرات الاعتراض الدفاعية الجوية، والأنظمة المدرعة، حيث تسهم هذه التجربة الآن بشكل مباشر في تخطيط الولايات المتحدة لحالة طوارئ محتملة عالية الكثافة في غرب المحيط الهادئ، إذ يمكن لمعدلات الاستهلاك المماثلة والاختناقات الصناعية أن تقوض بسرعة أي ادعاء بـ”السلام من خلال القوة” إذا لم يتم معالجتها مسبقاً.

روسيا وأوكرانيا كاختبار ضغط

تصنّف الاستراتيجية الوطنية للدفاع روسيا على أنها تحدّ مستمر لكنه قابل للإدارة، يهدد بشكل أساسي الجانب الشرقي لحلف الناتو والاستقرار النووي العالمي، ومن الناحية النظرية، يوحي هذا التخفيض بأن أوكرانيا وروسيا لم تعدا محوريين في الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة، إلا أن الواقع العملي يظهر أن الحرب تعمل كاختبار ضغط نظامي.

لكن أوكرانيا تكشف عن ثلاثة نقاط ضعف هيكلية تؤثر مباشرة على التخطيط الدفاعي الأمريكي:

أولاً، لقد أظهرت حجم ومدة الصراع حدود الإنتاج الغربي من الذخائر، وإدارة المخزونات، والقدرة على الاستجابة الطارئة، وهذه ليست مشكلة أوروبية فحسب، فقد اضطرت الولايات المتحدة إلى الاستعانة بمخزونها الخاص لدعم أوكرانيا، في الوقت الذي تحاول فيه التحوط ضد أي طوارئ محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ثانياً، تُظهر الحرب صعوبة الحفاظ على تماسك التحالف تحت ظروف التعرض غير المتكافئ، فواشنطن توفر المظلة النووية والوزن السياسي العالمي، بينما تقع العديد من التكاليف الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية على الخطوط الأمامية، من اضطرابات اقتصادية إلى وضعية القوات التقليدية وإدارة اللاجئين، بشكل غير متناسب على الدول الأوروبية ذات المستويات المختلفة من القدرات والمرونة.

ثالثاً، أدى الاستقطاب الداخلي في الولايات المتحدة إلى تحويل سياسة أوكرانيا إلى ساحة صراع حزبي، ما يجعل حزم التمويل وتسليم الأسلحة عرضة للمساومات في الكونغرس والدورات الانتخابية، وبالنسبة للحلفاء، يثير هذا بلا شك الشكوك حول استقرار الالتزامات الأمريكية في أي صراع طويل الأمد.

نتيجة لذلك، وحتى مع قيام الاستراتيجية الوطنية للدفاع بخفض مستوى التصنيف الكلامي لروسيا، تعمل أوكرانيا كمختبر عملي لإدارة اللوجستيات وسلاسل التوريد في حروب عالية الكثافة وطويلة الأمد، ولترتيبات القيادة والسيطرة متعددة الجنسيات خارج عضوية التحالف الرسمية، وكذلك للتواصل الاستراتيجي وإدارة التصعيد تجاه خصم مسلح نوويًا.

ينتج عن ذلك تناقض متأصل في الاستراتيجية الوطنية للدفاع، فمن ناحية، تُعامل روسيا كمشكلة إقليمية ينبغي على الأوروبيين التعامل معها إلى حد كبير، مع إبقاء واشنطن في دور داعم؛ ومن ناحية أخرى، تظل قدرات روسيا النووية والسيبرانية والفضائية تهديدات مباشرة لأمن الوطن الأمريكي، إذ يجبر هذا التوتر الاستراتيجي الولايات المتحدة على الحفاظ على قدرات عالية المستوى في أوروبا وحولها، حتى وهي تسعى لإعادة التوازن نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

يكمن الخطر الحقيقي في أن الرسائل السياسية حول الانسحاب من أوروبا قد تصل أسرع من قدرة الولايات المتحدة على إعادة تشكيل وضعها العسكري بأمان، ما قد يؤدي إلى فجوات في التصور، وربما إلى نقاط ضعف حقيقية على الجناح الشرقي لحلف الناتو.

نقل الأعباء

الرسالة الأساسية لاستراتيجية الدفاع الوطني للحلفاء واضحة لا لبس فيها: “تحملوا المزيد من المسؤولية، وبسرعة”، وفي الوقت نفسه، ستبقى الولايات المتحدة لا غنى عنها، ولكن بشكل متزايد بصفتها داعماً رئيسياً للأمن الإقليمي بدلاً من كونها الضامن الأساسي له.

أما بالنسبة لأوروبا، فإن التداعيات فورية وصارمة، إذ يشمل ذلك إدارة روسيا، واستقرار أوكرانيا، وسد الفجوات في القدرات قبل أن تقلل الولايات المتحدة أو تعيد تكوين وضعها العسكري، فالفشل في ذلك قد يفتح نافذة ضعف في أواخر عقد 2020، في حين أن زيادة حقيقية في الإنتاج الدفاعي قد تعيد توازن تقسيم العمل عبر الأطلسي لصالح أوروبا.

بالنسبة لأوروبا فإن التداعيات فورية وصارمة إذ يشمل ذلك إدارة روسيا واستقرار أوكرانيا وسد الفجوات في القدرات

ينتج عن ذلك أربعة نتائج عملية:

أولاً، الرسائل المتعلقة برفع إنفاق الدفاع في حلف الناتو نحو 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، مع تخصيص 3.5٪ للإنفاق العسكري و1.5٪ للاحتياجات المرتبطة،  لا تتعلق بالأرقام الدقيقة بقدر ما تتعلق باتجاه التحرك، فتتوقع واشنطن استمرار الارتفاع نحو مستويات جهد دفاعي شبيهة بتلك الأمريكية، وليس التذبذب المستمر حول علامة 2٪.

ثانياً، تمهّد الاستراتيجية الوطنية للدفاع الأرضية لتخفيض تدريجي وإعادة تكوين القوات الأمريكية في أوروبا، ورغم أن الجداول الزمنية تظل غامضة عمداً، فإن الهدف واضح: سيتعين على الأوروبيين تعويض الفجوات في الدفاع الجوي، والنيران بعيدة المدى، واللواءات الثقيلة، واللوجستيات، والمخزونات.

ثالثاً، يُوجَّه ضمنياً إلى أوروبا التركيز على منطقتها الخاصة، ومن منظور واشنطن، فإن مساهمات الأوروبيين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، من الانتشارات البحرية وعمليات حرية الملاحة إلى الاستراتيجيات الرمزية في المنطقة، تُعتبر في أحسن الأحوال هامشية، وفي أسوأ الأحوال تشتيتاً عن المهمة الأساسية المتمثلة في استقرار الجناح الشرقي لحلف الناتو.

رابعاً، يوحي تأطير الاستراتيجية الوطنية للدفاع بأن الدعم طويل الأمد لأوكرانيا، بما في ذلك إعادة الإعمار ودمج الصناعة الدفاعية، ينبغي أن يكون مشروعاً أوروبياً في المقام الأول، مع تقديم دعم أمريكي، ولكن دون قيادة مستمرة من الولايات المتحدة.

يواجه الحلفاء الآسيويون رسالة مماثلة، وربما أكثر حدة، إذ يُتوقع أن تستثمر اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ودول أخرى بشكل كبير في قدرات الردع التقليدية الخاصة بها، بما في ذلك أنظمة الضرب عن بعد، والدفاع الجوي والصاروخي المتكامل، والمرونة الوطنية.

وهذا يشير إلى أن الولايات المتحدة ستحافظ على الردع النووي الممتد وتوفّر المُمكّنات الحرجة، لكنها تتوقع من الشركاء الإقليميين التعامل مع الأسبوعين الأولين من صراع عالي الكثافة، مع تدخل أمريكي مباشر محدود فقط.

ومع ذلك، يكمن الخطر الاستراتيجي في اختلاف التوقعات، إذ قد يفسر الشركاء الآسيويون الدعوات لتعزيز الاستقلالية الدفاعية على أنها مقدمة لتراجع جزئي للولايات المتحدة، ما قد يدفعهم بدوره إلى تبنّي سلوك تحوّطي تجاه الصين، أو حتى إعادة فتح النقاش حول خيارات نووية مستقلة.

أما في الشرق الأوسط، فتحدد الاستراتيجية الوطنية للدفاع إسرائيل صراحة كنموذج للحليف المثالي؛ دولة تتميز بإنفاق دفاعي مرتفع، وصناعة دفاعية محلية متقدمة، واستعداد مثبت للقيام بعمليات أحادية، مع تكلفة سياسية منخفضة نسبيًا على واشنطن عند القيام بذلك.

ومن المتوقع أن يكمل شركاء الخليج هذا النموذج من خلال تمويل واستضافة القدرات التي تعزز الردع ضد إيران.

اليوم، الصفقة الأساسية واضحة: “تقدّم الولايات المتحدة المعلومات الاستخباراتية، والقدرات المتقدمة، وربط شبكات الدفاع الجوي والصاروخي، والدعم في الأزمات، بينما يوفّر الشركاء الإقليميون القوى البشرية، والقواعد، والتمويل، والملكية السياسية لعمليات الردع اليومية”.

من جانب آخر، لا تُعتبر أفريقيا ساحة مركزية في الاستراتيجية الوطنية للدفاع، ومع ذلك تظهر بشكل غير مباشر في ثلاثة أدوار استراتيجية: أولاً، كجناح جنوبي للأمن الأوروبي في منطقة الساحل وشمال أفريقيا والبحر الأحمر؛ وثانياً، كساحة تنافسية مع الصين وروسيا، لا سيما من خلال انتشارات شبيهة بمجموعة فاغنر/أفريقيا والوصول إلى الموانئ والبنية التحتية الحيوية؛ وثالثاً، كمصدر لتدفقات الهجرة التي يُعاد تأطيرها الآن باعتبارها قضية أمن قومي.

وهذا يشير إلى أن المشاركة الأمريكية في أفريقيا ستكون انتقائية، تركز على الأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وعرقلة التمركزات الاستراتيجية للمنافسين، كما يؤكد هذا الموقف على العمليات المستهدفة ذات الأثر المنخفض بدلًا من المهام الكبيرة لاستقرار الأوضاع.

المشاركة الأمريكية في أفريقيا ستكون انتقائية تركز على الأمن البحري ومكافحة الإرهاب وعرقلة التمركزات الاستراتيجية للمنافسين

 فجوات القدرات والتعاون الصناعي

تعترف الاستراتيجية الوطنية للدفاع صراحة بأن القدرات الحالية للولايات المتحدة وحلفائها غير كافية لدعم أزمات متعددة ومستدامة في ساحات عدة، وهي نقطة ضعف كشفت عنها الحرب في أوكرانيا بوضوح غير عادي.

وتبرز عدة فجوات، أولاً، القدرة الإنتاجية للذخائر المدفعية، والذخائر الموجهة بدقة، واعتراضات الدفاع الجوي لا تزال غير مجهزة للتعامل مع الاستهلاك المكثف على مدى سنوات متعددة، مما يجعل المخزونات ثغرة هيكلية.

وثانياً، تفتقر كل من أوروبا والحلفاء الرئيسيون في آسيا إلى بنى دفاع جوي وصاروخي متكاملة ومتعددة الطبقات وقابلة للتكرار يمكنها الصمود أمام هجمات التشبع، وثالثاً، في مجال الحرب البحرية وتحت سطح البحر، تتطلب منطقة المحيطين الهندي والهادئ وجودًا مستمرًا يتميز بقدرات مضادة للغواصات قوية، وهي قدرات باهظة الثمن، ومتقدمة تكنولوجيًا، وبطيئة التوسع.

ورابعاً، في الوقت نفسه، يجعل الاعتماد على البنى التحتية الرقمية والشبكات الفضائية الضعيفة من المرونة السيبرانية والفضائية نقطة ضعف مستمرة عبر جميع التحالفات.

في هذا السياق، لم يعد التعاون الصناعي الدفاعي يُنظر إليه في المقام الأول كمسألة تصدير، بل كأداة استراتيجية بحد ذاتها، تهدف إلى بناء عمق إقليمي وتكرار القدرات، وأن تكون وسيلة للانضباط السياسي، إذ يمكن أن يكافئ الوصول إلى التكنولوجيا، والإنتاج المشترك، والترخيص التوافق، ويمنع التحوط، كما يعمل كآلية للتوافق التشغيلي من خلال دمج الحلفاء في المعايير، وهياكل البيانات، وأنظمة الأسلحة التي تقودها الولايات المتحدة.

وعلى النقيض من ذلك، بالنسبة لأوروبا وآسيا، يُمثّل هذا الدور المزدوج للتعاون الصناعي فرصة وقيداً في آنٍ واحد، فالحصول على التقنيات الأمريكية المتقدمة، والتحديث المتسارع، والإنتاج المشترك يعزّز الردع، إلا أنه يزيد أيضاً من الاعتماد على ضوابط التصدير الأمريكية، وسلاسل التوريد، والقرارات السياسية، وهو ما يتعارض مع الدعوات إلى “الاستقلال الاستراتيجي”.

وهنا، مرة أخرى، تُشكّل أوكرانيا مختبراً لهذا النموذج الناشئ، فالمشاريع المشتركة، والإنتاج المرخّص، وقدرات الإصلاح المتقدمة، ودمج المتطلبات الأوكرانية في تخطيط حلف الناتو، تُوضح كيف يمكن أن يبدو التعاون الصناعي الدفاعي المتكامل والمشروط سياسيًا في مناطق عمليات أخرى.

قادة أوروبيون يجتمعون مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر لمناقشة ملف أوكرانيا (أ ف ب)
التقلب السياسي ومصداقية الولايات المتحدة

لا تستطيع الاستراتيجية الوطنية للدفاع بمفردها تحييد ما يراه العديد من الحلفاء الآن على أنه الخطر الاستراتيجي المركزي: التقلب السياسي الأمريكي، فمن وجهة نظرهم، لم يعد هذا التقلب يُنظر إليه كخاصية مؤقتة لإدارات فردية، بل أصبح حالة هيكلية ناتجة عن الاستقطاب في الكونغرس، والتقلب بين الانخراط والتراجع في الحكومات المتعاقبة، واستخدام السياسة الخارجية كأداة في الحملات الانتخابية الداخلية.

لقد جعلت سياسة أوكرانيا، المتسمّة بتأخيرات التمويل، والنزاعات العامة حول حزم المساعدات، وتغير الرسائل الإعلامية، هذا الاضطراب ملموساً، وبالنسبة للشركاء في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، يطرح هذا سؤالاً بسيطاً لكنه مزعج: إذا كان الدعم لحرب ضد معتدٍ واضح ولها إطار أخلاقي قوي هشاً، فإلى أي مدى يمكن الاعتماد على الالتزامات الأمريكية في صراعات أكثر غموضاً أو متنازع عليها سياسياً؟.

الرسالة الاستراتيجية الأساسية واضحة تماماً: ستظل واشنطن أقوى قوة عسكرية في العالم، لكنها لم تعد المثبت التلقائي للأمن في مناطق متعددة في الوقت نفسه، حيث يُدخل هذا إعادة التوازن نقطة ضعف هيكلية في التحالف الغربي، إذ يجب على الحلفاء سد فجوات القدرات أسرع ما تعيد الولايات المتحدة تكوين وضعها العسكري، وإلا فإن بنى الردع الإقليمية ستتطور بطريقة غير متكافئة يمكن للخصوم استغلالها.

بالمحصلة، تواجه أوروبا أكثر مظاهر هذا الخطر وضوحاً، لكن آسيا ليست بمنأى عنه، لذلك، تجبر الاستراتيجية الوطنية للدفاع الشركاء على التكيف مع شرط استراتيجي جديد: إما التأقلم بسرعة، أو قبول مستقبل يكون فيه الدعم الأمريكي انتقائياً، ومشروطاً، ومتأثراً بالتقلبات السياسية لقوة عظمى مستقطبة.

تجبر الاستراتيجية الشركاء على التكيف مع شرط جديد: إما التأقلم بسرعة أو قبول مستقبل يكون فيه الدعم الأمريكي انتقائياً ومشروطاً

ألكسندر دوبوي

ألكسندر دوبوي

الدكتور ألكسندر دوبوي، محلل مقيم في فيينا متخصص في المخاطر الجيوسياسية والأمن في أوروبا الشرقية وروسيا والمنطقة ما بعد السوفيتية، ويتمتع بخبرة تزيد عن 20 عاماً في مجال البحث والاستشارات والتحليلات السياسية، ويعمل مع معاهد بحثية ومراكز فكرية دولية رائدة. يُضفي دوبوي على تحليلاته رؤى جيوسياسية وقانونية معمقة، بخبرة إقليمية واسعة، ووجهات نظر عملية.
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.