اختار آندي بيرنهام كييف لتكون وجهته في أول زيارة خارجية له بصفته رئيساً لوزراء بريطانيا، متوجهاً إليها بدلاً من واشنطن أو برلين أو باريس، حيث صل في 24 أغسطس، بالتزامن مع عيد الاستقلال الأوكراني، وشارك إلى جانب قادة أوروبيين في الرئاسة المشتركة لاجتماع “تحالف الراغبين”، في حين لم يحضر الاجتماع أي مسؤول رفيع المستوى من إدارة ترامب.
غير أن زيارة بيرنهام لم تكن مجرد بادرة دعم رمزية؛ فقد أعلنت بريطانيا خلالها السماح لشركة “إم بي دي إيه” المتخصصة في تصنيع الصواريخ بمشاركة معلومات بشأن المكوّنات البريطانية المستخدمة في صاروخ “سكالب” الجوال، حيث يفتح هذا القرار الطريق أمام إنشاء خطوط إنتاج وتجميع محلية في أوكرانيا، كما يعكس تحولاً في النهج البريطاني، من الاكتفاء بتزويد كييف بالأسلحة الجاهزة إلى نقل جزء من القدرات والتقنيات اللازمة لتصنيعها داخل أوكرانيا.
وجاء هذا الإعلان بعد تسعة أيام من نشر تقارير صحفية في لندن أسماء شركتين بريطانيتين مصنعتين للطائرات المسيّرة، قالت إن طائراتهما استُخدمت في ضربات أوكرانية استهدفت مناطق في عمق الأراضي الروسية.
وردت موسكو على تلك التقارير في 17 أغسطس، حيث قالت السفارة الروسية في لندن: إن بريطانيا “تتعمد اختيار التصعيد في أزمة أوكرانيا”، وإنها أصبحت “شريكاً ومتواطئاً في ارتكابها”، محذرة من أن هذا السلوك “سيترتب عليه حتماً عواقب.
وأضافت السفارة: إن زيادة انخراط بريطانيا ستؤدي إلى ارتفاع الثمن الذي ستدفعه، وذهب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن مشاركة بريطانيا في شن ضربات على الأراضي الروسية ستعني مشاركة في الحرب.
لم تؤكد وزارة الدفاع البريطانية تقارير الطائرات المسيّرة أو نفيها، وعندما سُئل بيرنهام عن التحذير الروسي، قال: إن بريطانيا تقدم الدعم لأوكرانيا حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها”، مضيفاً: “إن هذا كان موقف بريطانيا طوال الصراع في عهد رؤساء الوزراء السابقين، وأنه لا يزال على حاله في ظل حكومته”.
لكن ما تغير هو طبيعة هذا الدعم، حيث زودت لندن أوكرانيا في البداية بأسلحة مضادة للدبابات، ثم انتقلت إلى تزويدها بصواريخ جوالة، أما الآن، فهي تتيح لها المعرفة التي تمكنها من تصنيع هذه الأسلحة بنفسها، وفي الوقت نفسه، طورت أوكرانيا قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، بينما كثف الجيش الروسي هجماته الصاروخية في مختلف أنحاء أوكرانيا، ومنذ فبراير 2022، استهدفت الصواريخ الروسية مناطق في أنحاء أوكرانيا كافة.
لم تتمكن أوكرانيا من الوصول إلى أهداف تبعد أكثر من 1,000 ميل داخل الأراضي الروسية إلا خلال العام الماضي، حيث تعكس لهجة موسكو الأكثر حدة هذا التغير، إلى جانب الطائرات المسيّرة البريطانية والتدريب والمعلومات الاستخبارية التي تقف وراء هذه القدرات.
ماذا تقدم بريطانيا لأوكرانيا؟
تشارك بريطانيا في عدة مراحل من سلسلة تنفيذ الضربات، حيث تلقى نحو 63 ألف عسكري أوكراني تدريباً في بريطانيا، وكانت لندن أول دولة غربية ترسل صواريخ كروز إلى أوكرانيا، كما وافقت في 2025 على إنتاج مشترك لطائرات مسيّرة بعيدة المدى، وسلمت أكثر من 85 ألف طائرة مسيّرة من مختلف الأنواع خلال ستة أشهر.
وتعهدت بريطانيا بتقديم 6 مليارات دولار مساعدات عسكرية في عام 2025 وحده، من إجمالي 14.7 مليار دولار منذ فبراير 2022، كما تمول فرنسا وألمانيا الحملة وتقدمان معلومات استخبارية، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يناير إن فرنسا توفر نحو ثلثي المعلومات الاستخبارية لأوكرانيا، ويشمل الدور البريطاني تصنيع الطائرات المسيّرة، وتدريب مشغليها، وتقديم الدعم الاستخباري.
ويضيف القرار الذي أُعلن في كييف دوراً رابعاً، فصاروخ “سكالب” هو النسخة الفرنسية من الصاروخ البريطاني ستورم شادو، ومن خلال رفع السرية عن المكونات البريطانية، تتيح لندن تجميع الصاروخ داخل أوكرانيا بدلاً من إرساله إليها جاهزاً.
ويبلغ مدى صاروخ “سكالب” نحو 150 ميلاً، وهو أقل بكثير من مدى الطائرات المسيّرة التي تستخدمها أوكرانيا، والتي باتت قادرة على الوصول إلى أكثر من 1,000 ميل داخل روسيا، حيث تكمن أهمية الخطوة في نقل القدرة على التصنيع وليس في زيادة مدى الصاروخ، إذ يمكن وقف توريد الصواريخ الجاهزة في أي وقت، بينما سيكون من الصعب التراجع عن خطوط الإنتاج داخل أوكرانيا والوثائق الفنية التي تدعمها إذا غيرت بريطانيا سياستها.
يبلغ مدى صاروخ “سكالب” نحو 150 ميلاً وهو أقل بكثير من مدى المسيّرات التي تستخدمها أوكرانيا للوصول إلى أكثر من 1,000 ميل داخل روسيا
شهدت الزيارة نفسها اتفاقاً يسير في الاتجاه المعاكس، حيث منحت أوكرانيا بريطانيا إمكانية الوصول إلى “أفنجرز”، وهي قاعدة البيانات التي تستخدمها القوات الأوكرانية لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على بيانات ميدانية من ساحة المعركة، حيث تجمع أجهزة الاستشعار الضوئية والأشعة تحت الحمراء المنتشرة على طول الجبهة صوراً للدبابات والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة، إذ لم تُمنح أي دولة من خارج أوكرانيا إمكانية الوصول إلى هذه البيانات من قبل.
في المقابل، تحصل أوكرانيا على إمكانية الوصول إلى الجامعات البريطانية وشركات التكنولوجيا، ويأتي هذا الترتيب في إطار شراكة طويلة الأمد بين حكومتي البلدين، ولا تتحول الطائرة المسيّرة بعيدة المدى إلى سلاح فعال لتنفيذ ضربات في عمق أراضي العدو إلا عندما تتوافر لها معلومات استخبارية عن الهدف، ودعم لوجستي، وبيانات لتحديد الأهداف.
يعني ذلك معرفة مواقع أنظمة الدفاع الجوي، ومسارات الاختراق التي توفر أفضل فرص النجاح، وأي مكونات في المصافي النفطية تستغرق أطول وقت لاستبداله، وقد تحمل الطائرة المسيّرة رقماً تسلسلياً يكشف الشركة المصنعة لها، لكن المعلومات الاستخبارية وبيانات تحديد الأهداف التي تقف وراء الضربة يصعب تحديد مصدرها، حيث توفر بريطانيا الطائرات المسيّرة والدعم الاستخباري المرتبط باستخدامها.

التحول نحو الضربات بعيدة المدى
لقد تغيرت طبيعة الحرب، إذ شهد خط الجبهة تحركاً محدوداً للغاية خلال الأشهر الماضية، فيما تسيطر القوات الروسية على ما يقارب خُمس مساحة أوكرانيا، ولم تحقق تقدماً يُذكر منذ الربيع، وأدت الطائرات المسيّرة قصيرة المدى إلى جعل حشد القوات وتحريكها مكلفين للغاية، ما قلل جدوى الهجمات البرية، ودفع الجيشين الروسي والأوكراني إلى زيادة الاعتماد على الضربات الجوية.
أطلقت موسكو أكثر من 450 صاروخاً على أهداف في أنحاء أوكرانيا خلال يوليو، كان قرابة نصفها صواريخ باليستية، وفي ليلة 15 أغسطس وحدها، أرسلت أوكرانيا أكثر من 800 طائرة مسيّرة باتجاه الأراضي الروسية، استهدفت نحو 600 منها منطقة موسكو.
وباتت الضربات الأوكرانية تركز على مصافي النفط ومستودعات الوقود والمخازن اللوجستية، ويقع بعضها على مسافة تتجاوز 1,000 ميل من الحدود. وتتراوح التقديرات بشأن حجم طاقة التكرير الروسية التي توقفت عن العمل بين 17% وأكثر من 40%، تبعاً للجهة التي تجري التقدير، كما امتد تقنين الوقود إلى عدة مناطق روسية.
بدأت كييف أيضاً استهداف مستودعات تابعة لشركة أوزون الروسية للتجارة الإلكترونية، قائلة إن الشركة تبيع سلعاً يمكن استخدامها لأغراض عسكرية، حيث يتكبد المدنيون على جانبي الصراع تبعات هذا التحول، إذ أحصى مراقبو الأمم المتحدة مقتل 437 مدنياً في أوكرانيا خلال يوليو، في أعلى حصيلة شهرية منذ مايو 2022.
وفي 21 أغسطس، أسفرت ضربة روسية على مركز للتسوق عن مقتل 16 شخصاً على الأقل، كما أفادت وزارة الخارجية الروسية بمقتل 69 شخصاً على الأراضي الروسية خلال أسبوع واحد في أغسطس.
وقُتل ثلاثة أشخاص في ضربة روسية قرب خاركيف خلال الساعات التي سبقت مراسم إحياء ذكرى الاستقلال في كييف، وقال مسؤولون محليون روس إن حطام طائرة مسيّرة أدى في اليوم نفسه إلى مقتل طفلين في مركز للأطفال.
مبررات موسكو ضد بريطانيا
جاءت المصطلحات الواردة في بيان السفارة الروسية متعمدة، فعبارات “شريك في الجريمة” و”متورط في ارتكابها” و”المشاركة في الحرب” تحمل طابعاً قانونياً، وتهدف إلى تقديم بريطانيا باعتبارها طرفًا في النزاع، وليس مجرد دولة تزود أوكرانيا بالأسلحة.
في عام 2022، زودت بريطانيا أوكرانيا بأسلحة مضادة للدبابات، وفي عام 2023 أرسلت إليها صواريخ جوالة، لكن رد موسكو آنذاك كان أكثر اعتدالاً بكثير، حيث كانت روسيا قد اعترضت في السابق على عمليات نقل الأسلحة إلى أوكرانيا، إلا أن تحذيرها الأخير جاء أكثر مباشرة، حيث ما تغير هو حجم الأضرار التي أصبحت الطائرات المسيّرة قادرة على إلحاقها داخل الأراضي الروسية، وترفض الحكومات الأوروبية هذا التوصيف، لكن موسكو لا تحتاج إلا إلى إثبات روايتها أمام الرأي العام الداخلي لتبرير اتخاذ إجراءات انتقامية.
موسكو سابقاً اعترضت على عمليات نقل الأسلحة لكن تحذيرها الأخير جاء أكثر مباشرة وما تغير هو حجم الأضرار التي أصبحت المسيرات قادرة على إلحاقها داخل روسيا
كانت روسيا قد سحبت سفيرها لدى بريطانيا، في خطوة ظهرت تداعياتها في 23 أغسطس، حيث غادر السفير أندريه كيلين منصبه في21 يوليو، أي قبل أكثر من ثلاثة أسابيع من ظهور التقارير المتعلقة بالطائرات المسيّرة، وكان كيلين قد رفض علناً نتائج تحقيق سالزبري، الذي نُشرت نتائجه في ديسمبر 2025، والتي خلصت إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين أصدر أمراً بتنفيذ هجوم بغاز الأعصاب عام 2018.
لم تعين موسكو سفيراً جديداً لدى وزارة الخارجية البريطانية، لتُدار السفارة حالياً من جانب قائم بالأعمال، حيث قالت السفارة إن العلاقات بين البلدين وصلت إلى “أدنى مستوى غير مسبوق”، وحمّلت السياسة البريطانية وحدها مسؤولية هذا التدهور، مع نفي وجود أي نية لخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية.
ما الذي تخاطر به بريطانيا الآن؟
لا يزال الضغط على بريطانيا والدول الأخرى التي تزود أوكرانيا بالأسلحة دون مستوى الهجمات المباشرة والمفتوحة، ففي الأراضي البريطانية، أُدين ستة رجال في لندن وحُكم عليهم في أكتوبر 2025 بتهمة إحراق مستودع كان يحتوي على مساعدات لأوكرانيا، وتُعد هذه الحالة الوحيدة من نوعها التي ثبتت حتى الآن أمام القضاء.
في 4 أغسطس، عُثر على طائرة مسيّرة محملة بالمتفجرات بجوار طائرة شحن أوكرانية في مركز للنقل الجوي بألمانيا، وفي 20 أغسطس، دمرت طائرتان مقاتلتان رومانيتان من طراز إف-16 طائرة مسيّرة بحرية محملة بالمتفجرات بالقرب من منصة نيبتون ديب للغاز، وقالت رومانيا إن كييف أكدت أن الطائرة المسيّرة لم تكن أوكرانية، ووفق الأدلة الواردة هنا، لا ترقى أي من هذه الحوادث إلى مستوى يستدعي تفعيل المادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي.
يهدف أول نظام سيجري تطويره بموجب اتفاق الذكاء الاصطناعي إلى حماية منشأة دفاعية بريطانية، ومن المقرر استخدام كابل ألياف ضوئية مدفون تحت الأرض بوصفه جهاز استشعار، لرصد تحركات الأشخاص الذين يسعون إلى إلحاق الضرر بالمنشأة أو مراقبتها، وقال وزراء إن أنظمة مماثلة يمكن أن تُستخدم لاحقاً لحماية المطارات والسجون ومنشآت الطاقة.
لم تُحسم مسؤولية معظم هذه الحوادث، كما أن العمليات من هذا النوع مصممة بحيث يصعب إثبات الجهة التي تقف وراءها، حيث وقعت كل هذه الحوادث في دول تقدم الدعم لأوكرانيا، وليس في أوكرانيا نفسها، وأصبح تحديد المسؤولية أكثر صعوبة مع استخدام الجانبين الأنواع نفسها من الطائرات المسيّرة.
انتقلت بريطانيا من توفير وسائل تنفيذ الضربات إلى المساعدة في إنتاجها داخل أوكرانيا، حيث يشمل ذلك نقل معلومات التصميم والدعم التقني، بدلاً من الاكتفاء بتسليم الأسلحة الجاهزة، وفي الاتجاه المعاكس، يتيح اتفاق الذكاء الاصطناعي تدفقاً للبيانات من أوكرانيا إلى بريطانيا، من خلال استخدام بيانات ساحة المعركة الأوكرانية في أنظمة بريطانية مصممة للاستخدام داخل بريطاني، إذ لا يكمن الخطر الأكبر في أن تختار لندن أو موسكو عمداً توسيع نطاق المواجهة، بل في أن الأسلحة بعيدة المدى، وعدم وضوح الجهة المسؤولة، وضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرار، قد تدفعهما إلى ذلك دون تعمد.
لا يكمن الخطر في أن تختار لندن أو موسكو عمداً توسيع نطاق المواجهة بل في أن الأسلحة بعيدة المدى وعدم وضوح الجهة المسؤولة وضيق الوقت المتاح لاتخاذ القرار قد تدفعهما إلى ذلك


