خلال السنوات التي تلت الحرب الباردة، انسحبت غرينلاند بهدوء من حسابات التفكير الاستراتيجي، فمساحتها الشاسعة لم تُقابل بثقل سكاني، ما رسّخ الاعتقاد السائد آنذاك بأن عصر الجغرافيا قد ولّى لصالح الأسواق والتكنولوجيا، ولكن في عالم تقوده سلاسل التوريد والاتصال الرقمي، بدت الأراضي المغطاة بالجليد رمزاً أكثر منها مصدراً لقوة مؤثرة.
الآن انهارت تلك الفرضية؛ إذ عادت الجغرافيا بشكل مفاجئ، مدفوعة بتغيّر المناخ، وتجدد المنافسة بين القوى الكبرى، وتآكل القيود التي سادت في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إذ عادت الطرق البحرية ونقاط الاختناق والأراضي لتشكّل من جديد أساس التخطيط الاستراتيجي، كما لا يعزى بروز غرينلاند المفاجئ إلى غرابة سياسية عابرة، بل يُعد نتيجةً منطقية لتحولات هيكلية أعمق ستواصل تشكيل السلوك الاستراتيجي في المستقبل.
القطب الشمالي
في الآونة الأخيرة، لاحظ كثيرون عودة القطب الشمالي إلى واجهة الاهتمام الجيوسياسي، غير أن هذا التحول لم يُحلَّل بالقدر الكافي، فالتغير المناخي لم يغيّر الظروف البيئية فحسب، بل أعاد تشكيل الحسابات الاستراتيجية؛ إذ أدى ذوبان الجليد إلى فتح مسارات شحن موسمية، وتوسيع نطاق الوصول إلى الموارد، وزيادة جدوى التواجد العسكري المستدام، كما لم يعد القطب الشمالي مجرد منطقة عازلة متجمدة، بل غدا مسرحاً ناشئاً للتفاعلات الاستراتيجية.
لم يعد القطب الشمالي مجرد منطقة عازلة متجمدة بل غدا مسرحاً ناشئاً للتفاعلات الاستراتيجية
ووفقاً لذلك، تصرّفت روسيا؛ فعلى مدى العقد الماضي أعادت موسكو فتح قواعدها في القطب الشمالي التي تعود إلى الحقبة السوفيتية، ووسّعت أسطولها الشمالي، واستثمرت بكثافة في أنظمة بحرية وصاروخية قادرة على العمل في البيئات الجليدية، حتى أصبح القطب الشمالي جزءاً لا يتجزأ من قدرات روسيا على الردع الاستراتيجي وبسط النفوذ.
وعلى النقيض من ذلك، انتهجت الصين مساراً أكثر هدوءاً لكنه مستدام؛ إذ أعلنت بكين نفسها “دولة قريبة من القطب الشمالي”، واستثمرت في بعثات علمية، وبنية تحتية للموانئ، وشراكات تجارية عبر أنحاء المنطقة القطبية، جاعلة طموحاتها في أطر اقتصادية وبيئية، فيما تُوسِّع حضورها السياسي تدريجاً.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد حوّلت هذه التطورات القطب الشمالي من شأنٍ ثانوي إلى أولوية استراتيجية لها، حيث تحتل غرينلاند موقعاً محورياً في إعادة هذا التقييم؛ إذ إن موقعها عند ممر غرينلاند وآيسلندا والمملكة المتحدة يمنحها أهمية دائمة في منظومة الدفاع عن شمال الأطلسي، كما تظل البنية التحتية للرادارات المبكرة وأنظمة الدفاع الصاروخي في قاعدة بيتوفيك الفضائية عنصراً أساسياً في مراقبة الفضاء وكشف الصواريخ الباليستية بالنسبة للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وبناء عليه، فإن التحكم في الوصول، والبنية التحتية، ومستوى التعاون في غرينلاند يُعد مسألة ذات بعدين عملي واستراتيجي في آنٍ واحد.
وهذا يشير إلى أن هذه الحقائق تفسّر سبب إدراج غرينلاند منذ زمن طويل ضمن خطط الدفاع الأمريكية، كما تفسّر كون الاهتمام بالجزيرة سابقاً لحقبة دونالد ترامب بكثير، وأن ما تغيّر في عام 2026 لم يكن وعي الولايات المتحدة بقيمة غرينلاند، بل الأسلوب الذي سعت من خلاله واشنطن إلى ممارسة نفوذها هناك.

تحوّل السياسة الأمريكية
تحوّلت السياسة الأمريكية تجاه غرينلاند من الرسائل الدبلوماسية إلى الضغط الصريح؛ إذ استُخدمت التصريحات العلنية بشأن الاستحواذ، والتهديد بفرض رسوم جمركية على السلع الأوروبية في مواجهة حلفاء في الناتو اعترضوا بشكل مشروع على الضغط الأمريكي، فضلاً عن الرسائل المتعمّدة الغامضة المتعلقة بإمكانية الوصول العسكري، جميعها كانت كأدوات لإجبار العواصم الحليفة على التحرّك.
كانت اللغة صريحة وواضحة بدلاً من أن تكون مشفّرة، حيث صرّح الرئيس ترامب: “نحن بحاجة إلى غرينلاند من أجل الأمن الدولي”، مضيفاً: إن الولايات المتحدة ستحصل على “الوصول الكامل” بطريقة أو بأخرى، إذ كانت هذه التصريحات مثيرة للقلق إلى درجة دفعت الدنمارك ودول الناتو الأخرى إلى نشر قوة صغيرة لكنها رمزية من الجنود على الجزيرة، ليس لردع روسيا أو الصين، بل الولايات المتحدة نفسها.
ومع ذلك، فإن خطاب ترامب ليس مجرد مبالغة، بل يعكس فلسفة حكمية تتعامل مع السياسة الدولية كسلسلة من المعاملات، حيث يحل النفوذ محل الشرعية، ويعلو العرض والظاهر على الإجراءات والعمليات، ففي هذا التصور للعالم، تُقاس القوة بقدرة فرض تنازلات مرئية من الآخرين، بدلاً من الحفاظ على المؤسسات وضمان استدامتها.
كان الإعلان في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عن “إطار عمل لاتفاقية قادمة” مثالاً على هذا النهج، إذ أوحت العبارة بتقدّمٍ دون مضمون، فلم يُنشر أي نص، ولم يُحدد أي موقعون، ولم تُوضح أي شروط، أي لم يكن الإعلان بمثابة إنجاز دبلوماسي بقدر ما كان أداة سردية تهدف إلى إظهار الزخم مع الحفاظ، مرة أخرى، على الغموض.
قد تنجح هذه التكتيكات عندما تكون الأهداف ضعيفة، أو معزولة، أو منقسمة داخلياً، لكنها تصبح أقل فعالية بكثير عند استخدامها ضد حلفاء متجذرين في أطر مؤسسية معقّدة، فغرينلاند ليست حرّةً بذاتها، بل جزء من بنية قانونية ودستورية وتحالفية صُمّمت تحديداً لمنع الضغط الأحادي.
غرينلاند ليست حرّةً بذاتها بل جزء من بنية قانونية ودستورية وتحالفية صُمّمت تحديداً لمنع الضغط الأحادي
القانون كاستراتيجية
ضمن هذا السياق، غالباً ما يُساء فهم وضع غرينلاند، فهي ليست دولة مستقلة، ولا مستعمرة تابعة بالمعنى الكلاسيكي، بل إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، يمتلك قدراً كبيراً من الاستقلالية وحقاً مكفولاً قانونياً في تقرير مصيره.
أُكّدت السيادة الدنماركية على غرينلاند عام 1933 من قِبَل محكمة العدل الدولية الدائمة، ومنذ ذلك الحين تعزّزت عبر ممارسات الأمم المتحدة، وعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وسلسلة من المعاهدات الثنائية، حيث تُعدّ اتفاقية الدفاع بين الولايات المتحدة والدنمارك لعام 1951 الأهمّ من بينها، إذ تمنح الولايات المتحدة صلاحيات عملياتية واسعة مع الحفاظ صراحةً على السيادة الدنماركية، كما تسمح الاتفاقية لواشنطن بإنشاء وتشغيل المنشآت العسكرية، والقيام بالأنشطة الدفاعية، وتنسيق الأمن الإقليمي، لكنها لا تنقل الملكية أو سلطة اتخاذ القرار.
على الصعيد الداخلي، يمنح قانون الحكم الذاتي لعام 2009 غرينلاند السيطرة على الإدارة الداخلية، والموارد الطبيعية، ومجالات واسعة من السياسة الاقتصادية، حيث يؤكد القانون حق شعب غرينلاند في الاستقلال، إلا أن هذا الحق إجرائي وليس أحادي الجانب، إذ تتطلب أي خطوة نحو إقامة دولة التفاوض مع الدنمارك والحصول على الاعتراف وفقاً للقانون الدولي، فلا توجد آلية قانونية تسمح بنقل غرينلاند إلى دولة أخرى دون موافقة كل من كوبنهاغن ونوك، يليها القبول الدولي.
هذه القيود ليست رمزية فحسب، بل ذات وظيفة عملية؛ فهي تشكل البنية القانونية التي تحكم الأمن في القطب الشمالي، ومن خلال صياغة طموحاتها من منظور الاستحواذ بدل التعاون، وضعت إدارة ترامب نفسها خارج هذه البنية المؤسسية.
انضباط الدنمارك
وبناءً على ذلك، تميّز ردّ الدنمارك على حملة الضغط بضبط النفس؛ فبدلاً من التصعيد الكلامي أو محاولة استرضاء واشنطن، تبنّت كوبنهاغن استراتيجيةً تتسم بالوضوح والانضباط، حيث جرى الفصل بدقة متناهية بين قضيتين: التعاون الأمني والسيادة.
فيما يتعلق بالأولى، أبدت الدنمارك انفتاحاً، إذ أكدت التزامها بحلف الناتو، وأعربت عن استعدادها لتوسيع التعاون الأمني في القطب الشمالي، ورحّبت بحوار منظّم حول المخاوف الدفاعية المشتركة، أمّا فيما يتعلق بالسيادة، فقد أغلقت الباب تماماً، وصرّحت رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن بوضوح: “غرينلاند ليست للبيع”، ولن يكون هناك أي تفاوض بشأن هذه الأرض.
وهذا يشير إلى أن الدنمارك تميّزت في ردّها؛ فبرفضها الخلط بين التعاون الأمني والسيادة، حدّت من قدرة واشنطن على تصوير التنازلات على أنها حلول وسط براغماتية، حيث اتسمت اللغة بالإيجاز المتعمّد، متجنبةً الاستمالة العاطفية أو التباهي الأخلاقي، وبذلك حرمت الإدارة الأمريكية من الهدف الذي كانت تسعى إليه.
وعلى النقيض من ذلك، لا يقلّ التنسيق مع نوك أهمية عن الدور الدنماركي، إذ كرّرت حكومة غرينلاند موقف الدنمارك، شبه حرفياً، مؤكدةً أن الحكم الذاتي لا يعني التعرّض للضعف الاستراتيجي، إذ منعت هذه الوحدة أي محاولة لاستغلال الانقسامات المفترضة بين السلطات الدنماركية وقادة غرينلاند، وهو تكتيك ألمحت إليه تصريحات البيت الأبيض العامة حول “ما تريده غرينلاند”، ففي الواقع، أدركت قيادة غرينلاند أن أي تآكل في سيادة الدنمارك سيُضعف، ولن يُعزّز، حكمها الذاتي على المدى الطويل.
أدركت قيادة غرينلاند أن أي تآكل في سيادة الدنمارك سيُضعف ولن يُعزّز حكمها الذاتي على المدى الطويل
تقارب أوروبي غير مسبوق
ما حوّل الحادثة من خلاف ثنائي إلى اختبار نظامي كان ردّ أوروبا، إذ تحرّكت عواصمها بسرعة غير معتادة لتقديم القضية بوصفها اختباراً للمعايير التحالفية، لا مجرد سوء تفاهم بين الشركاء، حيث لم يكن القلق مقتصراً على القيمة الذاتية لغرينلاند فحسب، بل على السابقة التي قد تنشأ إذا تمكّن رئيس أمريكي من التهديد الجاد بضمّ أراضٍ تابعة لحلفاء، وهو ما يقوّض المنطق الداخلي لحلف الناتو والاتحاد الأوروبي على حدّ سواء، ويجبر الدول الصغيرة على التحوّط ليس ضد الخصوم فحسب، بل أيضاً ضد الحلفاء.
لذا، استخدم القادة الأوروبيون خطاب السلامة الإقليمية، الذي صقلته تجربة القارة مع العدوان الروسي في أوكرانيا، لرسم خطٍّ فاصلٍ واضح، إذ جاء في بيانٍ مشترك: “لا يحقّ إلا لغرينلاند والدنمارك تقرير مصيرهما”، فالحدود داخل التحالف غير قابلة للتفاوض.
من جانب آخر، تعزّز هذا الموقف الخطابي بإجراءات عملية، إذ بدأ الاتحاد الأوروبي، بهدوء، في إعداد تدابير مضادّة محتملة، بما في ذلك النظر في استخدام آليته لمكافحة الضغط الاقتصادي، مشيراً إلى أن أي ضغط اقتصادي سيواجَه باستجابة جماعية، إذ أثبت التخلّي عن سياسة الاسترضاء فعاليةً خاصة؛ فمن خلال تحويل النزاع إلى القنوات المؤسسية، أجبرت أوروبا الولايات المتحدة على العمل ضمن الأطر التي أسهمت في إنشائها، وإلا لكانت ستظهر، بشكلٍ شبه صريح، كدولةٍ مارقة.
عودة الإجراءات
في ظلّ هذه المعطيات، ربّما كان توقّف ترامب لاحقاً عن تهديداته المرحلةَ الأكثر دلالة في هذه القضية؛ إذ لم يشهد العالم تراجعاُ عن المصالح الأمريكية، بل عودةً قسرية إلى الإجراءات، حيث حلّت لغةُ المشاورات وفرق العمل والحوار التقني محلَّ خطاب “الشراء” بهدوء، واتّفقت واشنطن وكوبنهاغن ونوك على محادثاتٍ منظَّمة تركّز على أمن القطب الشمالي، وترتيبات التمركز، والوصول إلى البنية التحتية، وهي تحديداً القضايا التي كان يمكن تناولها منذ البداية.
كان لهذا التغيير في موازين القوى أهميةٌ بالغة، إذ كشف عن الحدود الحقيقية للقوة الأحادية ضمن نظام تحالفاتٍ متماسك، فرغم أن الولايات المتحدة لا تزال الفاعل العسكري المهيمن في القطب الشمالي، بفضل قدراتها الاستخباراتية الفائقة، وقدراتها اللوجستية الهائلة، ووجودها الراسخ في قاعدة ثول الجوية، إلا أن أياً من هذه المزايا لم يترجم إلى نفوذٍ سياسي بمجرد أن حصرت الدنمارك وغرينلاند القضية في إطار السيادة، وقانون المعاهدات، ومعايير التحالف، وهكذا مثّلت هذه القضية اختباراً حقيقياً لقوة التحالف الغربي في ظلّ النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة.
لقد أظهر ذلك أن القوى العظمى أيضاً تجد صعوبة في فرض نتائجها عندما تتجاوز الإجراءات التي تمنحها الشرعية؛ فالوصول إلى الأراضي، على عكس السيطرة على سلاسل التوريد أو طرق التجارة، لا يمكن فرضه بالضغوط من دون تكبّد تكاليف طويلة الأجل، بل يجب التفاوض عليه، وتطبيعه، وإدراجه في القانون، لذا، فهذه ليست قصة ضبط النفس الأمريكي بقدر ما هي قصة تكيّف أمريكي؛ إذ لم تتخلَّ الإدارة عن أهدافها الاستراتيجية، بل عن أسلوبها الذي جاء بنتائج عكسية، وهذا هو التمييز الجوهري.
الوصول إلى الأراضي على عكس السيطرة على سلاسل التوريد لا يمكن فرضه بالضغوط من دون تكبّد تكاليف بل يجب التفاوض عليه وإدراجه في القانون
منطقان أمريكيان
لكن القول بأن مناورة غرينلاند كانت مدفوعة بمنطق استراتيجي واحد قد يكون ضرباً من ضروب التمني؛ فمن المرجح أنها عكست تصادم منطقين مختلفين، أحدهما هيكلي والآخر شخصي.
لقد أُشير إلى المنطق الأول سابقاً، فغرينلاند، كونها نقطة اختناق جغرافية، تمثل عقدة حيوية في أنظمة الإنذار المبكر والوصول إلى الممرات البحرية، ومن هذا المنظور، لم يكن الانخراط الأمريكي المتزايد في غرينلاند مسألةً مثيرة للجدل، بل كان متأخراً؛ فطالما جادل مخطّطو البنتاغون وكبار مسؤولي الاستخبارات بأن أمن القطب الشمالي قد أُهمل لصالح مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط والمنافسة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
أما المنطق الثاني، فهو يتبع قواعد مختلفة تماماً، فلغة ترامب العلنية، ورسائله حول “شراء” غرينلاند، ووعوده بالثروة والتنمية، ومقارناته بصفقة لويزيانا، تعكس فهماً تبادلياً للجغرافيا السياسية، ففي هذا التصور للعالم، لا يُقاس النجاح في السياسة الخارجية بالترتيبات المستقرة، بل بالإنجازات الرمزية والمرئية، إذ تُصبح الأراضي أقل أهمية لما توفره من إمكانيات، وأكثر أهمية لما تمثله: الهيمنة، والحسم، والإرث، وهذا المنطق الشخصي يتطلب العرض البصري، بينما المنطق الاستراتيجي يقتضي التحفّظ، وهكذا، كان الاثنان غير متوافقين.

تغير في النبرة
إذا نظرنا إلى الأمر من منظور ضيق، فقد انتهت أزمة غرينلاند دون كارثة، إذ لم تتغير السيطرة على أي إقليم، ولم تُنتهك أي معاهدات، إلا أن تداعياتها تتجاوز حدود غرينلاند نفسها، فقد عززت هذه الحادثة الحجج الأوروبية المؤيدة للاستقلال الاستراتيجي، ليس كمشروع انفصال عن الولايات المتحدة، بل كنوع من التأمين ضد تقلبات أمريكا، وما يُرجح أن يتبع ذلك ليس فك الارتباط، بل عملية تخفيف المخاطر، عبر جهدٍ مكثف للحد من التعرض لحالة عدم اليقين دون التخلي عن التحالف، كما حذر رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، في خطابه في دافوس، حيث شهدت العلاقات الأطلسية “انقساماً” لا انهياراً، وتوتراً هيكلياً، ومن غير المرجح أن يكون هذا الوضع مؤقتاً.
والأهم من ذلك، أن القادة الأوروبيين لم يعودوا يبدو أنهم مستعدون للتعامل مع هذه التقلبات على أنها شذوذ يمكن تحمّله حتى تعود الطبيعية السياسية إلى واشنطن، فالاستراتيجية التي سادت خلال الولاية الأولى لترامب، الصبر والطمأنة وافتراض حدوث إعادة ضبط في نهاية المطاف، قد فقدت مصداقيتها وتماسكها، فالحزب الجمهوري المنتظر في عام 2028 لا يقدّم الكثير من الطمأنينة، وحتى داخل الحزب الديمقراطي، لم يعد يمكن اعتبار التوجه العابر للأطلسي أمراً مفروغاً منه، إذ أصبح الناخب الأمريكي أكثر قابلية للاستجابة للميول العزلة والانطوائية.
ولكن إذا نظرنا إلى الحادثة من هذا المنظور، فقد تثبت قضية غرينلاند أنها عامل محفّز أكثر من كونها أزمة، إذ أجبرت الحكومات الأوروبية على تحديد، وربما لأول مرة بقناعة حقيقية، حدود السلوك الأمريكي المقبول داخل التحالف، أما بالنسبة لغرينلاند، فقد عززت الحادثة وكيلتها السياسية بشكل بارز، إذ استغلت نوك هذه اللحظة لتأكيد نضجها السياسي، موضحة أن القرارات المتعلقة بالاستقلال، أو التحالف، أو حقوق القواعد العسكرية، ستُتخذ داخلياً مع الاعتراف بها دولياً.
تثبت قضية غرينلاند أنها عامل محفّز أكثر من كونها أزمة إذ أجبرت الحكومات الأوروبية على تحديد حدود السلوك الأمريكي المقبول داخل التحالف
ماذا بعد غرينلاند وأوروبا؟
لا يبدو أن المسار الأقرب في المدى القريب هو الاستيلاء، بل التشابك، ومن المتوقع أن تسعى واشنطن إلى أدوات دائمة وهادئة من خلال اتفاقيات متعددة الطبقات لإنشاء قواعد تُقدّم في شكل شراكات للبنية التحتية والاستجابة للطوارئ، وزيادة الاستثمار في المشاريع المدنية التي تربط اقتصاد غرينلاند بشكل أوثق بالموردين الأمريكيين، وروابط اتصالات ومراقبة فضائية متوافقة تُدمج غرينلاند في شبكات الدفاع الأمريكية دون المساس بالسيادة الرسمية.
وهذا يشير إلى أن الضم أو الشراء المثير للعناوين أمر خطير سياسياً ومستحيل قانونياً، ما يجعل أي محاولة مباشرة متجددة أمراً غير محتمل للغاية، ولكن ما سيعاود الظهور هو الضغوط والعروض المتقطعة، من جزر ومقترحات مشروطة، تهدف إلى ترسيخ النفوذ بهدوء، فستكون تلك التراكمات البطيئة من الالتزامات هي الصفقة الحقيقية التي يبرمها الغرب، وسيصبح الموقف الاستراتيجي لغرينلاند أكثر ثباتاً، ليس عبر صفقة واحدة، بل من خلال سلسلة من الالتزامات المتشابكة.
يحمل هذا المآل مخاطره ومسؤولياته الخاصة، إذ يجب على نوك تحويل النفوذ الجديد إلى إدارة سياسية أكثر فعالية، تشمل إدارة شفافة للإيرادات، وقواعد شراء أكثر وضوحاً، واستثماراً مستداماً في القدرات الإدارية، حتى لا يؤدي رأس المال الخارجي بالضرورة إلى ترسيخ التبعية، أما مهمة كوبنهاغن، في الوقت نفسه، فهي حماية الاستقلال السياسي، مع ضمان قدرة المؤسسات الدنماركية والغرينلاندية على إدارة شراكات أمنية معقدة.
الآن، تواجه أوروبا اختباراً أصعب، إذ عليها أن تُترجم الاستجابة الجماعية إلى دعم مستمر، وتمويل لتعزيز قدرة المدنيين على الصمود، ومساعدة تقنية، وهيكل قانوني يضمن استقلالية غرينلاند، فإذا اتُخذت هذه الخيارات بحكمة، سيصبح أقصى الشمال منطقة ذات وصول متوقع وخاضع لإدارة متعددة الأطراف، أما إذا أُسيء التعامل معها، فإن غرينلاند تُخاطر بالاندماج تدريجياً في شبكات نفوذ خارجية تحت ستار الشراكة.
بالمحصلة، إن الجائزة الاستراتيجية هذا العام ليست الأراضي نفسها، بل القدرة على تشكيل القواعد التي تحدد كيفية ممارسة النفوذ، ومن الآن فصاعداً، ستتخذ مثل هذه القرارات في غرف اللجان، ومجالس الاستثمار، والوزارات، وليس على الخريطة.




