انقسام بريطانيا وأزمة حزب العمال

تقرير
كير ستارمر مغادراً مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت (أ ف ب)
كير ستارمر مغادراً مقر رئاسة الوزراء في داونينج ستريت (أ ف ب)
ﺷﺎرك

لا تكمن معضلة كير ستارمر في تراجع أصوات حزب العمال فحسب، بل في أن هذا التراجع حدث لأسباب متباينة، وصبّ في مصلحة أحزاب مختلفة وفي مناطق متعددة من البلاد، وهذا ما يجعل نتائج الانتخابات المحلية تتجاوز مجرد كونها انتكاسة انتخابية عابرة؛ فالتحالف الانتخابي الذي قاد حزب العمال إلى فوزه الكاسح عام 2024 لم يعد مجرد قاعدة ناخبة تشعر بخيبة الأمل، بل بات يتفكك ويتوزع في اتجاهات متباينة في آنٍ واحد.

كما لا تُعدّ هذه الانتخابات مؤشراً حتمياً على المستقبل السياسي للمملكة المتحدة، إذ تخضع الانتخابات المحلية لاعتبارات سياسية مختلفة، وغالباً ما يؤدي التصويت الاحتجاجي فيها دوراً أكبر من المعتاد، لكنها تكشف في المقابل، أن الأحزاب الكبرى باتت تواجه حالة من تفكك التحالفات الانتخابية في اتجاهات متعددة، في ظل ركود اقتصادي وانقسام المشهد الحزبي بين خمسة أطراف رئيسية، أما ما إذا كانت هذه النتائج ستتحول إلى حكم سياسي نهائي بحلول عام 2029، فسيظل مرهوناً بعوامل لم تُحسم بعد.

 جذور الانقسام

وبالنظر إلى نتائج انتخابات البرلمانين الويلزي والاسكتلندي، التي أُجريت في اليوم نفسه، تشير النتائج إلى مسار مستمر من التفكك الهيكلي لنظام الثنائية الحزبية في السياسة البريطانية، حيث فاز حزب الإصلاح في المملكة المتحدة بـ 1,453 مقعداً في المجالس المحلية، بزيادة قدرها 1,451 مقعداً، في حين خسر حزب العمال 1,496 مقعداً وتنازل عن السيطرة على 38 مجلساً محلياً، كما حصد حزب الإصلاح 27% من الأصوات في الانتخابات المحلية الإنجليزية، بينما تراوحت نسب بقية الأحزاب بين 15% و20 %.

وتؤسس هذه النتائج لواقع سياسي جديد لا يهيمن فيه حزب واحد على قاعدة دعم واسعة ومستقرة؛ فهي لا تعكس مجرد مشهد تنافسي بين الأحزاب، بل تكشف حالة من الانقسام الحزبي العميق، في وقتٍ لم تُصمَّم فيه البنية الانتخابية البريطانية للتعامل مع هذا المستوى من التجزؤ.

من جانب آخر، نما اقتصاد المملكة المتحدة بنسبة لا تتجاوز 0.1% في الربع الأخير من عام 2025، كما انكمش الاستثمار في قطاع الأعمال، فيما واصل قطاع الخدمات حالة الركود، في اقتصاد يعتمد بشكل غير متناسب على القطاع المالي وتضخم الأصول، أكثر من اعتماده على توسع إنتاجي واسع يضمن نمواً مستداماً في الناتج المحلي الإجمالي.

وأنهى الاقتصاد العام عند مستوى قريب من الجمود، ما جعل الأسر تشعر بالركود وعدم التقدم، حتى في ظل غياب انكماش صريح في الأرقام الإجمالية للنمو.

لكن المشكلة الأعمق ليست دورية، بل جيلية؛ فاليوم تُعدّ فئة السكان في سنّ العمل أول جيل منذ الثورة الصناعية تقلّ مستويات رفاهه عن مستويات رفاه آبائه، وقد نمت الأجور الحقيقية بوتيرة لا تتجاوز جزءاً يسيراً من المعدلات المسجلة في العقود السابقة، في حين استحوذت الشرائح الأعلى دخلاً على مكاسب الإنتاجية بصورة متزايدة، بدلاً من أن تنعكس على الطبقتين العاملة والمتوسطة.

وبات هذا الوضع اليوم سمةً هيكلية راسخة يُحمّل الناخبون مسؤوليتها للحكومات، وقد دفعت الإحباطات نفسها إلى صعود حزب الإصلاح في تامسايد، كما غذّت، في الوقت ذاته، صعود حزب الخضر في هاكني، فهي لغتان سياسيتان مختلفتان، لكن الأساس المادي واحد.

ويبدو أن الناخبين باتوا يعتقدون بشكل متزايد أن النموذج السياسي والاقتصادي القائم لم يعد يقدّم تحسناً طويل الأمد ذا مصداقية، ما يدفعهم إلى البحث عن بديل.

بات الناخبون يعتقدون بشكل متزايد أن النموذج السياسي والاقتصادي القائم لم يعد يقدّم تحسّناً طويل الأمد ذا مصداقية ما يدفعهم إلى البحث عن بديل

انكشاف حزب العمال على جبهتين

لا يمكن اختزال المشكلة الانتخابية لحزب العمال في خسارة ذات اتجاه واحد؛ فعلى مدى أكثر من عام، سعت الحكومة في داونينغ ستريت إلى استعادة ناخبي حزب الإصلاح، من خلال تشديد الخطاب بشأن الهجرة والحدود وملفات الرفاه والقوارب الصغيرة، مع تركيز كير ستارمر على إبراز خلفيته من الطبقة العاملة، حيث افترضت قيادة حزب العمال أن الجبهة اليمينية هي الأكثر هشاشة وقابلية للاختراق، لكن هذا التقدير ثبت خطؤه.

في الواقع، يواجه حزب العمال حرباً سياسية على جبهتين: ضغطاً من حزب الإصلاح على اليمين الشعبوي، وضغطاً من حزب الخضر البريطاني على اليسار التقدمي؛ وهي ضغوط لا يمكن التعامل معها بالاستجابة السياسية نفسها أو بالأدوات الخطابية ذاتها.

نايجل فاراج يتحدث مع ناخب خارج مركز اقتراع في جايويك خلال الانتخابات المحلية (أ ف ب)

شكّل حزب العمال تحالفه الانتخابي في عام 2024 من مكوّنات غير متجانسة، توحّدت أساساً بفعل معارضة حزب المحافظين، لا على أساس هوية برنامجية مشتركة، حيث كشفت خيارات الحكم لاحقاً عن تلك التناقضات الكامنة، فكل إشارة يمينية في ملف الهجرة، وكل قدر محدود من الاستجابة لمطالب التيار الشعبوي، كان ينفّر الناخبين التقدميين، وفي المقابل، فإن كل تقييد للإنفاق يُقدَّم كتنازل للتيار اليميني يثير قلق أولئك الذين كانوا يتوقعون قطيعة مع سياسات التقشف.

وبين حزبي العمال والخضر البريطانيين، كان وجود عدوّ مشترك كفيلاً بإخفاء هذه التناقضات، غير أن ممارسة الحكم الفعلية جعلتها أكثر وضوحاً وانكشافاً.

لم يكن الناخبون الذين استقطبهم حزب الإصلاح في شمال إنجلترا قد انشقّوا عن حزب العمال في عام 2024، إذ كان كثيرٌ منهم قد انصرف بالفعل خلال إعادة تنظيم المشهد السياسي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بين عامي 2016 و2019، عندما طغت القضايا الشعبوية على الولاء التقليدي لحزب العمال.

كما استعاد حزب العمال بعضاً من هؤلاء الناخبين تكتيكياً في عام 2024 من خلال حشد الدعم حول المشاعر المعادية للمحافظين، لكن مكاسب حزب الإصلاح في عام 2026 تمثل ترسيخاً للمشاعر الكامنة المناهضة للمؤسسة الحاكمة في تلك المجتمعات، وليست انشقاقاً جديداً من قاعدة مستقرة؛ فقد كان كثيرٌ منهم قد تركوا حزب العمال بالفعل عبر الامتناع عن التصويت أو التصويت للمحافظين، ثم انتقلوا لاحقاً إلى حزب الإصلاح.

أما الاستثمار السياسي الذي بات لدى هؤلاء الناخبين في حزب الخضر البريطاني، بوصفه هوية سياسية أكثر من كونه مجرد تصويت احتجاجي، فيجعل استعادته من قبل حزب العمال أكثر صعوبة مما يعترف به الحزب.

وعلى النقيض من ذلك، فتح الحزب، بقيادة زكك پولانسكي، جبهة ثانية على اليسار؛ ففي فبراير 2026، حقق حزب الخضر أول فوز له في انتخابات فرعية برلمانية في دائرة غورتون ودنتون في مانشستر الكبرى، وهي دائرة احتفظ بها حزب العمال منذ عام 1931.

في هاكني، فازت زوي غاربِت بمنصب رئيس البلدية بنسبة 47.2% من الأصوات، لتنتزع بلدية ظلّ حزب العمال يهيمن عليها لعقود طويلة، لكن ذلك لم يكن سوى بداية التحوّل؛ فقد ارتفعت نسب تأييد الحزب بشكل متواصل منذ انتخاب زكك پولانسكي زعيماً للحزب في سبتمبر 2025، ما يشير إلى ترسّخ مؤسسي تحت قيادة سياسية محددة، لا إلى موجة مؤقتة تعكس مجرد حالة من الإحباط.

وهذا ليس نمط تصويت احتجاجي يمكن لحزب العمال الانتظار حتى انحساره، بل هو إعادة تموضع طويلة الأمد لشريحة من الناخبين الحضريين والمتعلمين والتقدميين حول هوية سياسية جديدة ومتمايزة.

أما بالنسبة إلى كير ستارمر، فإن التحرك نحو اليمين لا يؤدي إلا إلى تسريع مكاسب حزب الخضر البريطاني في الدوائر الحضرية، بينما يؤدي التحرك نحو اليسار إلى تعزيز تمسّك حزب الإصلاح المملكة المتحدة بمواقعه في المناطق ما بعد الصناعية، ولا يوجد تعديل سياسي واحد قادر على معالجة هذين الاتجاهين في آنٍ واحد، وهذه هي المعضلة الهيكلية التي تقع في قلب موقع ستارمر، وهي أيضاً تفسير لحالة التعثر المستمرة داخل الحزب؛ فالتحالف الذي أوصله إلى السلطة يضمّ مطالب وهويات متناقضة، تتجه في مسارات متعاكسة وتشدّه في اتجاهات متضادة.

بالنسبة لستارمر، فإن التوجه نحو اليمين لا يؤدي إلا إلى تسريع مكاسب حزب الخضر في المقاعد الحضرية، بينما يعزز التوجه نحو اليسار قبضة حزب الإصلاح في الدوائر الانتخابية ما بعد الصناعية. لا يوجد حل واحد يعالج كلا الأمرين في آن واحد.

تحرك ستارمر نحو اليمين لا يؤدي إلا إلى تسريع مكاسب حزب الخضر في الدوائر الحضرية بينما التحرك نحو اليسار يعزز تمسّك حزب الإصلاح بمواقعه

موقف ستارمر والضغوط الداخلية

أبلغ ستارمر أعضاء حكومته أنه لن يستقيل، ليس مستنداً على عدم تجديد التفويض الشعبي للحكومة، بل إلى عدم تفعيل الآلية الداخلية الخاصة بتحدي القيادة داخل الحزب.

ومع ذلك، دعا أكثر من 92 نائباً من حزب العمال علناً إلى استقالة ستارمر أو تحديد جدول زمني لرحيله، كما أعلنت كاثرين ويست عن خطط لإطلاق ترشحٍ تمهيدي رمزي يهدف إلى جمع 81 توقيعاً أي ما يعادل 20% من أعضاء الكتلة البرلمانية للحزب، وهو العدد المطلوب لبدء منافسة رسمية على قيادة الحزب.

وحتى الآن، تمتلك ويست عشرة توقيعات فقط، ما يجعل نجاح هذا التحدي مستبعداً في الوقت الراهن، لكن أهمية خطوتها لا تكمن في عدد المؤيدين الذين جمعتهم، بقدر ما تكمن في كشفها العلني لحجم النواب العماليين الذين يرون أن الوضع الحالي لم يعد قابلاً للاستمرار.

كما بلغت الأزمة مرحلة حاسمة عندما استقال أربعة وزراء تباعاً، وكانت مياتا فانبوله، وزيرة شؤون اللامركزية، أول من أعلن استقالته، داعيةً ستارمر إلى وضع جدول زمني لانتقال منظم للقيادة، ثم لحقت بها جيس فيليبس، وزيرة الحماية المجتمعية، وهي شخصية سياسية بارزة بحد ذاتها، تلتها أليكس ديفيز-جونز، وزيرة شؤون الضحايا، وأخيراً زبير أحمد، وزير الصحة والمقرّب من ويس ستريتنج.

وصفت كل رسائل الاستقالة ستارمر، على المستوى الشخصي، بأنه رجل جيد، لكنها استخدمت هذا الوصف ذاته للتأكيد على أن النوايا الحسنة لم تعد كافية، حيث يعكس هذا النمط دقةً سياسية واضحة؛ فالاستقالات لم تُقدَّم بوصفها هجمات شخصية، بل كوسيلة ضغط منظمة تهدف إلى فتح المجال أمام رحيلٍ منظم، بدلاً من فرض منافسة فورية على القيادة.

في المقابل، وقّع أكثر من 100 نائب من حزب العمال على رسالة مضادة حذّروا فيها من أن أي منافسة على قيادة الحزب ستؤدي إلى مزيد من الاضطراب، حيث  تكتسب هذه التحركات المضادة أهمية خاصة لأنها تؤكد أن الانقسام داخل الكتلة البرلمانية للحزب لا يقتصر على مسألة ما إذا كان ينبغي لستارمر الرحيل، بل يمتد أيضاً إلى التشكيك فيما إذا كان تغيير القيادة سيُحسّن وضع حزب العمال أصلاً.

اليوم، أصبح النقاش داخل حزب العمال يتركّز بشكل متزايد ليس على هوية من سيخلف ستارمر، بل على ما إذا كان تغيير القيادة أصلاً قادراً على إنقاذ حظوظ الحزب الحاكم، فالشخصيات المرشحة المحتملة للخلافة لا تنتظر اللحظة المناسبة للفوز بالموقع، بل تقيّم أولاً ما إذا كان هذا الموقع يستحق السعي إليه أساساً.

يُنظر إلى ويس ستريتنج على نطاق واسع باعتباره أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ستارمر، لكنه لم يدلِ بأي تصريحات لوسائل الإعلام عقب اجتماع الحكومة، حيث التقى ستارمر صباح اليوم الأربعاء، أما آندي بورنهام، الذي تُظهر استطلاعات الرأي أنه الأكثر قبولاً بين الأسماء المطروحة لخلافة ستارمر، فقد شوهد متجهاً إلى لندن مساء الثلاثاء، ومع ذلك، لم يعلن أيٌّ منهما ترشحه رسمياً حتى الآن.

في المقابل، لا تزال قدرة أنجيلا راينر على التحرك العلني محدودة بسبب تحقيق جار تجريه هيئة الضرائب البريطانية (HMRC) بشأن شؤونها الضريبية.

يعكس التردد القائم بين أبرز المرشحين المحتملين صراعاً أعمق في الحسابات السياسية؛ فتولّي قيادة حزب العمال في هذه المرحلة يعني وراثة ائتلافٍ منقسم، وبيئة اقتصادية معادية، وحزب تعجز تناقضاته الداخلية عن أن تُحلّ بمجرد تغيير الواجهة القيادية.

أظهر اجتماع الحكومة صباح الثلاثاء صورة ظاهرية من التماسك والوحدة، فقد صرّح وزير المعاشات، بات ماكفادن، للصحفيين بأن أحداً لم يتحدَّ ستارمر داخل الاجتماع، كما أشاد وزير الأعمال، بيتر كايل، بما وصفه بـ”قيادته الثابتة”، من جانبه، دعا نائب رئيس الوزراء، ديفيد لامي، وزملاءه إلى التهدئة، محذراً من أن أي صراع داخلي سيصبّ في مصلحة نايجل فاراج.

لكن الدعم العلني الذي أبداه الوزراء لا يعني بالضرورة وجود ثقة سياسية حقيقية، حيث أفادت تقارير بأن وزيرة الداخلية، شبانة محمود، وهي من أبرز الشخصيات الحكومية التي دعت علناً ستارمر إلى إعادة النظر في موقفه، وكانت قد حثّته في جلسات خاصة قبل الاجتماع على وضع جدول زمني واضح لرحيله.

ومع ذلك، عادت لاحقاً لتعلن أنها ستبقى في منصبها وتواصل أداء عملها، إذ تعكس الفجوة بين النصائح التي تُقدَّم خلف الأبواب المغلقة والمواقف المعلنة أمام الجمهور حجم الضغوط القائمة؛ فالوزراء لا يديرون مستقبل ستارمر السياسي فحسب، بل يحاولون أيضاً حماية مستقبلهم هم.

في الوقت نفسه، تجاوزت الأزمة حدود وستمنستر، حيث قفزت عوائد السندات الحكومية البريطانية (gilts) يوم الثلاثاء إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، إذ ارتفع العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات إلى ما فوق 5.1%، بينما وصلت تكاليف الاقتراض لأجل ثلاثين عاماً إلى مستويات لم تُسجَّل منذ عام 1998.

وقد يؤدي أي تغيير في القيادة إلى تحول سياسي باتجاه اليسار، وسياسات مالية أكثر توسعاً وهو السيناريو الذي يخشاه مستثمرو السندات على وجه التحديد، وبذلك لم تعد الأزمة شأناً حزبياً داخلياً، بل اكتسبت طابع مسألة تتعلق بالاستقرار الوطني العام.

هذا النمط ليس غير مسبوق؛ فعندما أطلق أنتوني ماير تحدّياً ضد مارغريت تاتشر عام 1989، نجت تاتشر بنتيجة 314 صوتاً مقابل 33 لماير، إلا أن النتيجة كشفت أن 60 نائباً لم يصوّتوا لصالحها.

ورغم أن التصويت فشل في إزاحتها، إلا أنه نجح في كشف تآكل أعمق في الثقة داخل الحزب، حيث أشار مدير حملتها جورج يونغر إلى أن كثيرين صوتوا لها “بدرجات متفاوتة من التردد”، متوقعاً أن “تحدياً آخر ليس مستبعداً”، وبذلك انهارت صورة الحصانة السياسية التي كانت تحيط بها، لتغادر “المرأة الحديدية” السلطة خلال عام واحد فقط.

الدرس المستفاد ليس أن ستارمر سيسلك المسار نفسه، بل أن حسابات البقاء وحسابات السلطة ليستا متطابقتين، وفي الوقت الراهن، يبدو وضع ستارمر مشابهاً لوضع تيريزا ماي عندما استقالت بعد أسابيع من الانتخابات المحلية الضعيفة عام 2019: زعيمة تعتمد على الإجراءات للبقاء بينما تتلاشى سلطتها في أماكن أخرى.

أزمة المحافظين

في غضون ذلك، أعلنت كيمي بادينوش أن النتائج تُظهر عودة المحافظين، لكن بعد عامين في صفوف المعارضة ضد حكومة لا تحظى بشعبية كبيرة، خسر الحزب أكثر من 300 مقعد في المجالس المحلية، ويُعدّ التناقض بين هذا الخطاب وهذه الأرقام لافتاً؛ ففي سوفولك، خسر المحافظون 40 مقعداً بينما فاز حزب الإصلاح بـ 41 مقعداً من لا شيء تقريباً، وفي إسكس، ضمن دائرة بادينوش الانتخابية، خسر الحزب 41 مقعداً بينما فاز حزب الإصلاح بـ 53 مقعداً.

وفي هافرينغ، خسر المحافظون جميع المقاعد الـ23 التي كانوا يدافعون عنها، حيث لم يكتفِ حزب الإصلاح بالتنافس على نفس الناخبين، بل حلّ محلّ حزب المحافظين كأداة رئيسية للتعبير عن المشاعر اليمينية المناهضة للمؤسسة الحاكمة في جميع أنحاء إنجلترا ما بعد الصناعية وضواحيها، والناخبون الذين يغيّرون انتماءهم السياسي لا يعودون بسهولة.

 يواجه حزب المحافظين بدوره ضغوطاً من اتجاهين متزامنين، إذ يواصل الحزب الليبرالي الديمقراطي البريطاني تعزيز مكاسبه بين الناخبين الليبراليين ذوي الدخل المرتفع في مناطق مثل سري ومقاطعات الجنوب المحيطة بلندن، ففي ريتشموند أبون تيمز، فاز الحزب بجميع مقاعد المجلس البالغ عددها 54 مقعداً.

وبالنسبة للمحافظين، فإن محاولة منافسة صعود حزب الإصلاح البريطاني قد تؤدي إلى تسريع خسائرهم لصالح الليبراليين الديمقراطيين في الجنوب، وفي المقابل، فإن التحول الاستراتيجي نحو الوسط الليبرالي لاستعادة المقاعد المفقودة هناك سيؤدي عملياً إلى ترسيخ قبضة حزب الإصلاح في الشمال وميدلاندز.

وبالتالي، لا ينجح أيٌّ من الخيارين في استعادة ائتلاف عام 2019؛ فلا يوجد موقع سياسي قادر على الاحتفاظ بكلا شطري القاعدة الانتخابية التي انفصلت بالفعل ووجدت بدائل لها، ومرة أخرى، تتجه الضغوط في مسارات متعاكسة، ما يجعل التآكل الهيكلي للنظام السياسي الاحتمال الأكثر ترجيحاً.

ويلز واسكتلندا: مرايا التمثيل النسبي

تقدّم الانتخابات في إقليمي ويلز واسكتلندا الصورة الأكثر اكتمالاً لما يعنيه الانقسام السياسي عندما يسمح النظام الانتخابي بالتعبير عنه بصورة نسبية، وهذا ما يجعلها عنصراً أساسياً لفهم المشهد الأوسع.

خسر حزب العمال الويلزي الحكم للمرة الأولى منذ بدء نظام الحكم المفوض عام 1999، منهياً هيمنة امتدت جذورها إلى الانتخابات العامة لعام 1922، وبرز حزب بلايد كيمرو القومي اليساري كأكبر حزب بحصوله على 43 مقعداً، فيما حصل حزب ريفورم المملكة المتحدة على 34 مقعداً، وتراجع حزب العمال إلى تسعة مقاعد فقط، ليحل في المرتبة الثالثة.

وأصبحت إيلونِد مورغان أول وزيرة أولى في تاريخ حكومات المملكة المتحدة تخسر مقعدها الانتخابي وهي في منصبها، في سابقة تعكس حجم التحول السياسي الذي فرضته هذه الانتخابات.

استخدمت ويلز نظام دونت النسبي، وهو نظام يعكس حصة الأصوات في توزيع المقاعد، وإن حصول حزب العمال على 9 مقاعد من أصل 96 يعكس مستوى دعمه الفعلي عند إزالة تأثير نظام “الفائز يأخذ كل شيء”، كما لا تعني هذه النتيجة أن وستمنستر سيعيد إنتاج هذا الشكل من النتائج بشكل آلي، لكنها تشير إلى أن حصة التصويت التي أنتجتها حقيقية وموجودة في إنجلترا أيضاً.

وفي اسكتلندا، احتفظ الحزب القومي الاسكتلندي (SNP) بموقعه كأكبر حزب، لكنه فشل في تحقيق الأغلبية، وتعادل حزب العمال وحزب الإصلاح في المركز الثاني بـ17 مقعداً لكل منهما، مع دخول حزب الإصلاح إلى البرلمان الاسكتلندي لأول مرة عبر القائمة الإقليمية.

وجاء صعود كلٍّ من حزبي الإصلاح والخضر البريطانيين على حساب حزب العمال والمحافظين، ما يؤكد أن نمو الأحزاب الصاعدة يأتي عبر استنزاف أصوات الأحزاب القائمة أكثر من كونه إعادة توزيع متبادل بينها، ومع وجود ثلاثة أقاليم مفوّضة يقودها الآن رؤساء وزراء من التيارات القومية في وقت واحد، من المرجح أن تعود التساؤلات بشأن مستقبل الاتحاد بقوة أكبر إلى جدول أعمال وستمنستر.

التصويت الاحتجاجي

تعمل الانتخابات المحلية وفق حوافز مختلفة عن الانتخابات العامة؛ فمعدلات المشاركة تكون أقل، وتبدو الرهانات محدودة، وغالباً ما يمنح الناخبون أصواتهم بوصفها إشارة سياسية أكثر من كونها تعبيراً عن تفضيل دائم.

وخسر حزب العمال 46 مجلساً وأكثر من 1,800 مستشار بين عامي 1998 و1999 و2000، ومع ذلك حقق أغلبية كبيرة في عهد توني بلير في انتخابات عام 2001، ورغم أهمية هذه السابقة، إلا أنها لا تتكرر؛ إذ ظلّ نموذج “البليرية” حدثاً استثنائياً في السياسة البريطانية الحديثة.

تتمثل معايير التمييز بين التصويت الاحتجاجي القابل للاستعادة والتحول الهيكلي الدائم في ثلاثة عناصر: أولاً، ما إذا كان التصويت قد تشتت بين بدائل متعددة أو تركز في بديل واحد؛ وثانياً، ما إذا كانت تلك البدائل قد طوّرت زخماً مؤسسياً خاصاً بها؛ وثالثاً، ما إذا كانت الخسائر قد أضعفت الأسس الجغرافية لقاعدة الحزب الحاكم بدلاً من الاكتفاء بتقليص هوامشه.

وعلى هذه المستويات الثلاثة، يتجاوز الوضع الحالي حدود التصويت الاحتجاجي القابل للاستعادة؛ فتصويت حزب العمال لم ينتقل إلى معارضة واحدة تنتظر الاستفادة، بل انقسم بين أحزاب الإصلاح والخضر والليبرالي الديمقراطيين ومستقلين، مع امتداد هذا التشتت إلى مراكز جغرافية أساسية كانت تشكّل تقليديًا قاعدة دعم حزب العمال.

تصويت حزب العمال لم ينتقل إلى معارضة واحدة بل انقسم بين أحزاب الإصلاح والخضر والليبرالي الديمقراطيين ومستقلين

تفشل المقارنة مع عهد بلير أيضًا، لأن حزب العمال في عامي 1995 و1996 كان يحقق مكاسب في المقاعد المحلية، بينما كان المحافظون يخسرونها، وكان الحزب آنذاك في مرحلة صعود كامل كمعارضة، وليس في حالة تراجع حكومي في منتصف الدورة.

كما أن السردية الرسمية لحزب العمال، بأن نتائج الانتخابات المحلية عام 1999 تُظهر أن الحكومات قادرة على التعافي، تتجاهل حقيقة أن بلير كان يفوز في تلك الانتخابات من حيث حصة الأصوات وعدد المقاعد معاً، وبالتالي، لا يوجد خط أساس مماثل من القوة يمكن من خلاله قياس حجم الخسائر الحالية أو تفسيرها ضمن سياق مشابه.

ولا يعني أيّ من ذلك إغلاق باب التعافي، فالناخب الذي تبنّى هوية سياسية جديدة تحت ضغط الإحباط الاقتصادي قد يعيد النظر في تلك الهوية إذا تغيّرت الظروف، أو إذا أعادت الانتخابات العامة رفع مستوى الرهانات السياسية بما يغيّر حساباته.

لكن الشروط اللازمة لهذا التحول، من تحسّن اقتصادي، وتشكّل هوية حكم مقنعة لحزب العمال، وتراجع أداء حزب ريفورم المملكة المتحدة أو حزب الخضر البريطاني بما يسبب خيبة أمل لناخبيهما، تحتاج إلى أن تتحقق في وقت واحد.

ورغم أن احتمال تزامن هذه العوامل الثلاثة قبل عام 2029 ليس مستبعداً تماماً، إلا أنه أقل بكثير ما يُظهره تقييم حزب العمال أو ما يرغب في الاعتراف به.

لقطة من جلسة لمجلس العموم البريطاني (أ ف ب)
 سيناريوهات 2029

تظهر ثلاثة سيناريوهات محتملة، يتوقف كل منها على متغيرات لم تُحسم بعد:

يتضمن السيناريو الأول، بقاء كير ستارمر في منصبه وتعافي الحكومة، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي الشهري بنسبة 0.5% في فبراير 2026، مع مساهمة قطاعات الخدمات والإنتاج، وإذا تسارعت هذه الوتيرة وواجه أداء حزب الإصلاح في الحكم تناقضات أو أزمات أو جدلاً واضحاً، فقد يتمكن حزب العمال من تحقيق قدر من الاستقرار.

لكن هذا السيناريو يتطلّب حظاً اقتصادياً لا تدعمه المؤشرات الحالية بشكل كافٍ، كما يتطلّب أن يطوّر حزب العمال نهجاً وهوية حكم قادرة على مخاطبة جناحيه الأيمن والأيسر معاً، ومع ذلك، فإن التحسّن الاقتصادي وحده لا يحلّ مشكلة تماسك الائتلاف الانتخابي.

السيناريو الثاني يتضمن انتقالاً في قيادة حزب العمال قبل عام 2029، وقد يعزّز وصول أندي بورنهام إلى القيادة جاذبية الحزب في مناطق إنجلترا ما بعد الصناعية، لكنه في المقابل قد يعرّضه لخسائر إضافية في الدوائر الانتخابية الهامشية في الجنوب.

ومع ذلك، لا يزال طريقه إلى القيادة صعباً؛ إذ منعت اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال (NEC) ترشحه في الانتخابات الفرعية في غورتون ودنتون في وقت سابق من هذا العام، كما أن تأمين مقعد برلماني سيستلزم إجراء انتخابات فرعية أخرى، وهو ما قد ينطوي على خطر منح منصب عمدة مانشستر الكبرى إلى حزب الإصلاح.

يقدّم وصول ويس ستريتينغ إلى القيادة خياراً قائماً على الاستمرارية، مع قدر أكبر من الحيوية السياسية، لكنه لا يحلّ التناقض القائم داخل الائتلاف، أما تولّي أنجيلا راينر القيادة فيشير إلى تحول نحو اليسار، ما قد يعيد استقطاب بعض ناخبي حزب الخضر، لكنه في المقابل يزيد من التعرض للخسائر في الدوائر التي يواجه فيها الحزب منافسة من حزب الإصلاح، كما يظل هذا السيناريو مرهوناً بنتائج التحقيق الضريبي الذي تجريه هيئة الضرائب البريطانية (HMRC) بشأنها.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً كحالة منفردة، هو برلمان مُعلّق، وقد أظهرت استطلاعات الرأي تباطؤ زخم حزب الإصلاح، ما يشير إلى نتيجة أكثر تنافسية وتفتّتًا.

وتظل معادلة التحالفات في هذا السيناريو محلّ نزاع؛ فنحو نصف ناخبي حزب المحافظين يفضّلون أن يدعم حزبهم حكومة يقودها حزب الإصلاح بدلاً من حكومة يقودها حزب العمال، غير أن جدوى أي صيغة بين المحافظين والإصلاح لا تعتمد على تفضيلات الناخبين فقط، بل على البنية البرلمانية والسياسية الفعلية، فخمسة من أصل ثمانية نواب حاليين للإصلاح هم في الأصل محافظون سابقون، انشقوا بعد طردهم أو إبعادهم من الكتلة البرلمانية للحزب.

اعتبر العديد من نواب حزب المحافظين المتبقين تلك الانشقاقات أعمال عداء أكثر من كونها إعادة اصطفاف أيديولوجي، ويجعل التوتر الشخصي والمؤسسي بين الحزبين تشكيل ائتلاف حكومي مستقر أكثر صعوبة بكثير مما توحي به استطلاعات الرأي.

ومن الممكن حسابياً تصور حكومة أقلية يقودها حزب الإصلاح بدعم خارجي من المحافظين، لكن إقامة شراكة حكم مستقرة ودائمة بين الطرفين مسألة مختلفة تماماً، كما يضيف رد فعل الأسواق المالية متغيراً معقداً إلى جميع هذه السيناريوهات، فارتفاع عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لم تُسجل منذ عقود، إلى جانب التحذيرات الصريحة من مستثمري السندات، يفرض قيوداً مالية صارمة على أي حكومة قادمة، سواء كانت حكومة عمالية بقيادة جديدة أو إدارة يقودها حزب الإصلاح مع وعود بخفض الضرائب وتحسين كفاءة الإنفاق.

لقد أصبحت الأسواق المالية جزءاً من القصة السياسية بالفعل، ويبدو من غير المرجح أن تغادرها في المدى القريب.

السؤال المعلق

السؤال الأعمق غير المحسوم ليس من سيفوز في 2029، بل ما إذا كان ائتلاف حزب العمال الذي فاز في 2024، والمكوَّن من مدن ما بعد الصناعة، والمقاعد الحضرية التقدمية، والدوائر الضواحي المتأرجحة، والمجتمعات ذات التنوع العرقي، يمكن إعادة تشكيله حسابياً داخل نظام “الفائز يأخذ كل شيء”، فمكوّنات هذا الائتلاف باتت تشغل عناوين انتخابية مختلفة، وتتحدث لغات سياسية متباينة، واستثمرت بدرجات متفاوتة في بدائل سياسية مختلفة، وفي ظل هذا الانقسام، يبقى السؤال: هل يستطيع حزب العمال استعادة هذا الائتلاف المبعثر؟.

في المحصّلة، لا يمكن لأيّ استطلاعات رأي أو تغيير في القيادة أو تحسّن اقتصادي أن يحسم هذا السؤال بشكل منفرد، لكن ما تشير إليه الأدلة هو أن الشروط التي تجعل إعادة بناء هذا الائتلاف صعبة؛ فالانقسام في اتجاهات متعددة، وتعاظم الاستثمار السياسي لدى الناخبين في بدائل سياسية مختلفة، وقيام مشهد سياسي متعدد الأحزاب لا يستطيع النظام الانتخابي استيعابه دون تشويه، ليست ظروفاً مؤقتة، بل الأرجح أنها أصبحت تمثّل خط الأساس الجديد.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.