في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، يتفكك النظام الدولي على نحوٍ بات أكثر وضوحاً، ما يعيد تشكيل الكيفية التي تُمارَس بها القوة والتنازع عليها، حيث أسهم التراجع التدريجي للتعددية القائمة على القواعد، إلى جانب التطبيق الانتقائي للمعايير وتوظيف الاعتماد المتبادل الاقتصادي والتكنولوجي كأدوات سياسية، في إنتاج بيئة تتسم بدرجة أقل من الاستقرار وبمزيد من السيولة وعدم اليقين وتداخل دوائر النفوذ، وبدلاً من التوجّه نحو نظام متماسك، بات النظام يعمل بصورة متزايدة من خلال ترتيبات متوازية، وتحالفات مؤقتة، ومساومات ظرفية.
في هذا السياق، وجدت القوى المتوسطة مساحةً أوسع للمناورة، فدولٌ مثل الهند وتركيا والسعودية والإمارات ومصر وإسرائيل تُؤثر بشكلٍ متزايد على التوازنات الإقليمية والتدفقات الاقتصادية والنتائج الدبلوماسية، وهي تفعل ذلك لا من خلال تحدّي القوى الكبرى على نحو متماثل، بل عبر استغلال ثغرات الحوكمة، وتوظيف علاقات الاعتماد المتبادل، والعمل في الوقت نفسه ضمن تحالفات متعددة، ومع ذلك، فإنّ بروزها المتزايد يُثير تساؤلاً أعمق: هل تمثل هذه القدرة المتنامية قوة هيكلية فعلية، أم أنها مجرد تعبير عن نظام دولي يشهد مرحلة انتقالية؟.
أصبحت القوى المتوسطة، بشكل متزايد، فاعلاً يسهم في تعديل بنية النظام الدولي بدلاً من إعادة تشكيله جذرياً، فهي قادرة على التأثير في النتائج، وتقييد خيارات القوى الكبرى، والمساهمة في استقرار أقاليم أو قطاعات بعينها، غير أن نفوذها يظل مشروطاً ومجزّأً ومندمجاً ضمن تراتبيات أوسع للقوة والتكنولوجيا وصياغة القواعد، وهي تراتبيات لا تملك السيطرة عليها، ويُعد فهم هذا التمييز أمراً أساسياً لتقييم المسار المستقبلي للحوكمة الدولية وحدود التعددية الناشئة.
وهنا يبرز التساؤل عمّا إذا كان اتساع هامش الفاعلية في المجالات الاستراتيجية والاقتصادية والتكنولوجية والدبلوماسية يفضي إلى امتلاك قوة هيكلية فعلية، أي القدرة على تشكيل القواعد والمؤسسات ونتائج الحوكمة طويلة الأمد، فبدلاً من اعتبار القوى المتوسطة مهندسين ناشئين لنظام دولي جديد أو تابعين سلبيين لديناميكيات القوى الكبرى، يُنظر إليها على نحو أدق كمعدِّلات للنظام، إذ يظل تأثيرها مشروطاً، ومحدوداً بحسب المجال، ومحكوماً بالقيود الهيكلية، إذ سيتم تطبيق هذا الإطار أولاً على المجال الاستراتيجي، حيث يظهر سلوك هذه القوى بوضوح أكبر.
الاستقلالية الاستراتيجية وتعدّد التحالفات
في ظل نظام دولي مُجزّأ ومتغير، برزت الاستقلالية الاستراتيجية عبر تعدّد التحالفات بوصفها المبدأ الناظم الأساسي لسلوك القوى المتوسطة المعاصرة، فبدلاً من الالتزام بتحالفات حصرية، تتجه هذه القوى على نحو متزايد إلى انتهاج شراكات متداخلة عبر المجالات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، حيث يُتيح هذا النهج قدراً أكبر من المرونة ويحدّ من التعرّض للضغط أو الإكراه، لا سيما في بيئة يُنظر فيها إلى التزامات التحالف على أنها ذات طابع تبادلي ومشروط وقابل للتراجع.
برزت الاستقلالية الاستراتيجية عبر تعدّد التحالفات بوصفها المبدأ الناظم الأساسي لسلوك القوى المتوسطة المعاصرة في ظل نظام دولي مُجزّأ ومتغير
الهند
يُجسّد الموقف الاستراتيجي للهند مزايا وحدود التحالفات المتعددة كسبيلٍ نحو الاستقلال الذاتي، فمن خلال تعميق التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وشركائها عبر أطرٍ مثل الحوار الرباعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات الدفاعية والطاقة والدبلوماسية مع روسيا، ومواصلة المشاركة في مؤسساتٍ تضم الصين، تُعظّم الهند نفوذها التفاوضي في مختلف المجالات.
هذا الغموض المُدروس يُتيح لنيودلهي التحوّط ضد الاعتماد المُفرط وتأجيل خيارات التحالف القسري التي قد تُضيّق خياراتها الاستراتيجية طويلة الأجل، ومع ذلك، لا تُترجم هذه المرونة إلى قيادةٍ هيكلية، فالاعتماد على أنظمة الدفاع الروسية القديمة يُقيّد إعادة التموضع الاستراتيجي السريع، بينما تُحدّ المنافسات الإقليمية غير المحسومة والتفاوتات التنموية الداخلية من قدرة الهند على بسط نفوذها في تحديد الأولويات بشكلٍ مستدام، لذا، يعمل استقلال الهند الذاتي في المقام الأول كآلية وقائية ضد التقلبات النظامية، وليس كأساس للقيادة المؤسسية أو المعيارية.

تركيا
تُبرز تجربة تركيا، تكاليف وحدود الاستقلالية الاستراتيجية حين تُمارَس عبر المواجهة بدلاً من التحوّط المحسوب، حيث سعت أنقرة إلى توسيع هامش مناورتها من خلال تدخلات عسكرية مستقلة في سوريا وليبيا وجنوب القوقاز، وكذلك عبر التمرّد الانتقائي على توقّعات التحالفات، ولا سيما من خلال حصولها على منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس-400» مع بقائها مندمجة رسمياً ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وقد عزّزت هذه الخطوات، على نحو مؤقت، نفوذ تركيا بوصفها فاعلاً أمنياً، ورفعت من أهميتها كشريك عملياتي في جبهات متعددة.
لكن هذه الاستقلالية تحقّقت بكلفة هيكلية كبيرة، حيث أدّت التوترات المستمرة مع الشركاء الغربيين إلى هشاشة اقتصادية وعدم استقرار مالي وتهميش مؤسسي جزئي، ما قيّد قدرة تركيا على الوصول إلى رؤوس الأموال والتكنولوجيا المتقدمة والاستثمارات طويلة الأجل، كما أن الاعتماد على تعاون تبادلي مؤقت مع روسيا وفاعلين إقليميين لم يُفضِ إلى تحصين استراتيجي مستدام، الأمر الذي ترك أنقرة عرضة لتحولات موازين القوى وأنماط اعتماد غير متكافئة.
السعودية والإمارات
تُظهر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نموذجاً أكثر تحصيناً للاستقلالية الاستراتيجية، يقوم أساساً على الهياكل الاقتصادية والطاقة والاستثمار، بدلاً من التحدّي الاستراتيجي المباشر، إذ يُتيح هذا النهج تقليل التعرض الفوري للضغوط والحفاظ على مساحة للمناورة عبر مراكز قوة متنافسة، لكنه يظل مشروطاً بنجاح التحول الاقتصادي والتنويع، فاستقلالية تقوم بالأساس على النفوذ المادي معرضة للتآكل إذا تعثرت استراتيجيات الإصلاح والتنويع الأساسية.
رغم أن هذا النموذج يمنح المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نوعًا من الحماية ضد الضغوط الفورية، إلا أنه لا يمنحهما القدرة المستقلة على صياغة القواعد، فالاستقلالية الاستراتيجية لهما لا تزال مرتبطة بالطلب الخارجي، واستقرار الأسواق العالمية، والوصول المستمر إلى الأنظمة المالية والتكنولوجية الدولية، ومن ثم، فإن تأثيرهما كبير لكنه مشروط، وتستمد متانته من نجاح تنفيذ برامج التحوّل الاقتصادي والمسار العام لأسواق الطاقة العالمية.
تشير هذه الحالات مجتمعة إلى أن الاستقلالية الاستراتيجية ليست إنجازاً ثابتاً، بل حالة تُدار باستمرار، وتعتمد قدرتها على الاستدامة على مدى قدرة القوى المتوسطة على تحويل مرونتها إلى أشكال نفوذ أكثر دواماً، بدلًا من الاكتفاء بتأجيل القيود الهيكلية، فإلى جانب المرونة، يعمل تعدّد التحالفات كآلية لتوزيع المخاطر ضمن نظام مُجزّأ، حيث تُعطى الأولوية للخيارات المتاحة بدلاً من تحقيق الأمثل، ومع ذلك، مع تعمّق التفتّت وتحوّل المنافسة إلى تنافس مؤسسي -لا سيما في مجالات الأمن والتكنولوجيا- يتقلص مجال الغموض، ما يجعل الحفاظ على تعدّد التحالفات أمراً بالغ الصعوبة على المدى الطويل.
السياسة الاقتصادية والقيود البنيوية
إذا كانت الاستقلالية الاستراتيجية تحدد كيفية تموضع القوى المتوسطة على الصعيد الجيوسياسي، فإن السياسة الاقتصادية أصبحت تلعب دوراً متزايد الأهمية في تحديد ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على هذه الاستقلالية، حيث أصبحت الأدوات الاقتصادية الوسيلة الرئيسية التي تحاول من خلالها القوى المتوسطة تحويل مساحة المناورة إلى نفوذ أكثر دواماً، فالسيطرة على موارد الطاقة، وتدفّقات رؤوس الأموال، وتطوير البنية التحتية، وممرات الربط الاقتصادي، تمكّن هذه الدول من تشكيل البيئات الاقتصادية الإقليمية ودمج نفسها كشركاء لا غنى عنهم.
السياسة الاقتصادية أصبحت تلعب دوراً متزايد الأهمية في تحديد ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على الاستقلالية الاستراتيجية
تمثّل المملكة العربية السعودية نموذجاً لاستقلالية القوى المتوسطة القائمة أساساً على النفوذ المادي بدلاً من السلطة المؤسسية، فمن خلال هيمنتها على الطاقة، والتنسيق مع روسيا عبر «أوبك+»، والانخراط الانتقائي مع الصين والشركاء الغربيين، وسّعت الرياض هامش مناوراتها وقلّلت من تعرضها للضغوط الأحادية، حيث يعزز هذا النهج قوة تفاوضية على المدى القصير ويتيح للسعودية العمل عبر مراكز قوة متنافسة دون الالتزام بتحالف رسمي.
ومع ذلك، تظل هذه الاستقلالية مشروطة هيكلياً، فنفوذ السعودية ينبع من سيطرتها على الموارد وتدفّقات رؤوس الأموال، لا من قدرتها على صياغة القواعد أو القيادة المؤسسية، وبالتالي، فإن موقعها الاستراتيجي حساس للغاية لظروف السوق، وتحولات الطاقة، ونجاح التنويع الاقتصادي المحلي وفق رؤية 2030، ومن ثم، فإن هذا النوع من الاستقلالية اقتصادي أكثر منه استراتيجي، قابل للتفاوض أكثر منه هيكلي.
علاوة على ذلك، تكمن فعالية السياسة الاقتصادية في قدرتها على توليد المرونة والمناعة، فالقوى المتوسطة باتت قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، وتنويع الشراكات، ومقاومة الضغوط الأحادية بشكل أكثر فعالية مقارنة بالعقود السابقة، ومع ذلك، تواجه السياسة الاقتصادية سقفاً هيكلياً واضحاً، فرغم أن القوى المتوسطة تستطيع التأثير في اتجاه وتتابع التدفقات الاقتصادية، إلا أنها نادراً ما تتحكم في القواعد التي تنظّمها، فلا تزال التجارة العالمية والتمويل والاستثمار متجذرة في أطر تنظيمية ومؤسسية صُمِّمت وطبّقت وحُكِم فيها إلى حد كبير من قبل القوى الكبرى، لذلك، تعزز الاستقلالية الاقتصادية مكانة القوى المتوسطة كفاعلين تفاوضيين داخل النظام، لكنها لا تمكّنها من إعادة تعريف النظام نفسه، حيث يظل النفوذ متعلقاً بتحديد الأجندة أكثر منه بصياغة القواعد، وقوياً لكنه مشتقّ.
ومع ذلك، فإن النفوذ الاقتصادي قابل للانعكاس بشكل غير متكافئ، فبينما يمكن للقوى المتوسطة إعادة توجيه رؤوس الأموال وتدفّقات التجارة، إلا إنها تظل معرضة للقيود المالية، وتسليح سلاسل الإمداد، والتغيرات التنظيمية التي تفرضها الاقتصادات الكبرى، ونتيجة لذلك، تعمل السياسة الاقتصادية في المقام الأول كآلية لامتصاص الصدمات وليس كأساس للقيادة النظامية.
التكنولوجيا والاستقلالية الاستراتيجية
مع مواجهة النفوذ الاقتصادي لقيود هيكلية، تبرز التكنولوجيا كمجال تكميلي تسعى من خلاله القوى المتوسطة إلى تجاوز القيود التقليدية، حيث تلعب القدرة التكنولوجية دوراً متزايداً في تعزيز استقلالية هذه القوى، فالاستثمارات في الأمن السيبراني، والحوكمة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والابتكار الدفاعي، تُمكّن القوى المتوسطة من تقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين، وتحقيق مزايا غير متكافئة لا تعتمد على القوة العسكرية التقليدية.
تحتل إسرائيل موقعاً مميزاً كقوة متوسطة قائماً على الهيمنة التكنولوجية بدلاً من الوساطة متعددة الأطراف، فقدرتها المتقدمة في مجالات الأمن السيبراني، والابتكار الدفاعي، والذكاء الاصطناعي تمكّنها من ممارسة النفوذ عبر النظم التكنولوجية والشراكات الأمنية، متجاوزةً في كثير من الأحيان القنوات الدبلوماسية التقليدية.
ومع ذلك، يظل هذا النفوذ مرتبطاً باعتماد استراتيجي وثيق على الولايات المتحدة، ومقيّداً بعدم الاستقرار الإقليمي المستمر، فبينما تستطيع إسرائيل تصدير النماذج التكنولوجية والممارسات التشغيلية، تظل قدرتها على العمل كقطب مؤسسي مستقل محدودة.
تسعى الإمارات العربية المتحدة، ضمن استراتيجيتها كقوة متوسطة، إلى تحقيق استقلالية تكنولوجية واضحة، من خلال استثمارات كبيرة في مجالات متقدمة تشمل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والابتكار الدفاعي، وتهدف هذه الجهود إلى الحد من اعتمادها على المزودين الدوليين والتحول إلى دولة قادرة على تطوير التكنولوجيا واستخدامها ودمجها، بدلاً من الاكتفاء كونها مستخدماً نهائياً فقط.
ومع ذلك، فإن استراتيجية الإمارات التكنولوجية تواجه قيوداً بسبب اعتماد منظومتها التكنولوجية الحالية على سلاسل الإمداد العالمية والأطر التنظيمية التي يحددها في الغالب القوى الكبرى، ونتيجة لذلك، رغم أن هذه الاستثمارات التكنولوجية توسّع من مجال التحرك المتاح للإمارات، إلا أنها لا تمنحها السيطرة المستقلة على المعايير، أو أطر الحوكمة، أو نقاط الاختناق التكنولوجية الحيوية.
يخلق هذا ما يمكن تسميته مفارقة الاستقلالية التكنولوجية، فكلما ازدادت قدرات القوى المتوسطة تكنولوجياً، ازداد تعرضها للضغوط المتعلقة بالمعايير وسلاسل الإمداد وأعراف الحوكمة، وتبرز المنافسة على بنية تحتية للجيل الخامس، وإدارة البيانات، والوصول إلى أشباه الموصلات المتقدمة كيف أن الاستقلالية التكنولوجية تصطدم سريعاً بقيود خارجية مرتبطة بالنظم التكنولوجية المؤمنة، ومن ثم، توسّع التكنولوجيا الفاعلية التكتيكية للقوى المتوسطة، بينما تعزز الاعتماد الاستراتيجي على المستوى النظامي.
كلما ازدادت قدرات القوى المتوسطة تكنولوجياً ازداد تعرضها للضغوط المتعلقة بالمعايير وسلاسل الإمداد وأعراف الحوكمة
الوساطة بين القوى المتوسطة
في ظل تأثير الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية على تحديد المواقع الهيكلية، توفر الدبلوماسية للقوى المتوسطة وسيلةً لممارسة النفوذ في أوقات التوترات النظامية الحادة، حيث برزت الوساطة الدبلوماسية كأداة مكملة في بيئة تتسم بالشلل المؤسسي والجمود بين القوى العظمى، وإن قدرة القوى المتوسطة على الحفاظ على التواصل مع مختلف التحالفات المتنافسة تمكنها من التوسط في الأزمات وتيسير التوصل إلى اتفاقيات محدودة.
تُظهر مساهمة تركيا في ترتيبات توريد حبوب البحر الأسود، وانخراط دولة الإمارات العربية المتحدة في عمليات تبادل الأسرى والمحادثات غير المباشرة، إضافة إلى الوساطة المتكررة لمصر في غزة، كيف تحوّل القوى المتوسطة إمكانية الوصول إلى مختلف الأطراف إلى سلطة دبلوماسية مؤقتة، حيث تُعد حالة مصر على وجه الخصوص دالة في هذا السياق؛ إذ إن دورها كقوة متوسطة يستند بدرجة أقل إلى قدرات ذاتية مستقلة، وبدرجة أكبر إلى كونها عنصراً جيوسياسياً لا غنى عنه، فمركزيتها في وساطة غزة، وأمن البحر الأحمر، وإدارة الأزمات الإقليمية الأوسع، تمنح القاهرة حضوراً دبلوماسياً متكرراً يفوق وزنها الاقتصادي، بما يمكّنها من الاضطلاع بدور الوسيط المُثبِّت للاستقرار في لحظات الضغط الحاد.
وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد الكبير على الدعم المالي الخارجي والمساندة الخليجية يقيّد بشدة الاستقلالية الاستراتيجية لمصر، ومن ثمّ، تتسم فاعلية مصر بكونها تفاعلية أكثر منها توليدية، فبينما تستطيع القاهرة إدارة الأزمات وتسهيل خفض التصعيد، فإنها تفتقر إلى القدرة على تحويل النفوذ الدبلوماسي المؤقت إلى مخرجات مؤسسية مستدامة، وتبرز تجربة مصر كيف يمكن لسلطة الوساطة أن تتعايش مع اعتماد هيكلي عميق داخل نظام دولي مُجزّأ.
يعكس هذا النمط منطقاً أوسع لوساطة القوى المتوسطة، إذ يقوم هذا الدور على الغموض الاستراتيجي الذي يحافظ على المرونة وإمكانية الوصول عبر تحالفات متنافسة، لكنه في الوقت ذاته يحدّ من المصداقية والاستدامة، حيث تظل مخرجات الوساطة مشروطة بموافقة القوى الكبرى، وغالباً ما تفتقر إلى آليات مؤسسية ملزمة للتنفيذ، ونتيجة لذلك، تسهم دبلوماسية القوى المتوسطة أساساً في إدارة الأزمات أكثر ما تسهم في معالجتها هيكلياً؛ فهي تخفف من حدة عدم الاستقرار من دون معالجة اختلالات الحوكمة الكامنة، ومن ثم يُفهم هذا الدور على أنه سلطة مؤقتة أكثر منه سلطة مؤسسية.

الآثار على مستوى النظام الدولي
تتراكم هذه الديناميكيات، المتكررة عبر الأقاليم ومجالات القضايا المختلفة، لتُنتج آثاراً أوسع على مستوى النظام الدولي، فعلى هذا المستوى، يفضي صعود نشاط القوى المتوسطة إلى نتائج ملتبسة، فمن جهة، تستطيع هذه القوى تقليل حدّة التقلبات، وسدّ فجوات الحوكمة، ومنع التصعيد في سياقات محددة، ومن جهة أخرى، فإن انخراطها الانتقائي ومقاومتها للتقارب المعياري يضعفان العمل الجماعي ويقوّضان التماسك المؤسسي.
تُنتج هذه التفاعلات شكلًا من الاستقرار من دون اندماج؛ إذ تُدار الأزمات، لكن التفتّت الهيكلي للنظام يستمر، وفي هذا السياق، يصبح النظام الدولي أكثر تعددية، لكنه أقل تنسيقاً، وأكثر مرونة، لكنه أقل قابلية للتنبؤ.
وعلى نحو جماعي، تسهم استراتيجيات القوى المتوسطة في تكوين نظام يتسم بتوزّع النفوذ مقابل تراجع التماسك، فتصبح القوة أكثر قابلية للتفاوض، في حين تغدو الحوكمة أضعف وأقل كثافة، وينتج عن ذلك مآلٌ مفارق: تراجع في فرض الهيمنة، يقابله في الوقت نفسه تقلّص في القواعد القابلة للتنفيذ.
تسهم استراتيجيات القوى المتوسطة في تكوين نظام يتسم بتوزّع النفوذ مقابل تراجع التماسك
في مثل هذا النظام، يصبح الاستقرار مشروطاً ومرتبطاً بالمعاملات بشكل متزايد، حيث تساهم القوى المتوسطة في منع الانهيارات، لكنها تفتقر إلى القدرة، وغالباً ما تفتقر إلى الحافز، لترسيخ المكاسب في ترتيبات مؤسسية مستدامة، والنتيجة هي نظام دولي قادر على الصمود أمام الانهيار، ولكنه مقاوم للاندماج.
القوى المتوسطة كمعدِّلات للنظام
بالمحصلة، يوضح الأثر التراكمي لهذه الاستراتيجيات الدور الهيكلي الذي تشغله القوى المتوسطة اليوم في النظام الدولي، إذ تحتل هذه القوى موقعاً مؤثراً لكنه محدود في آنٍ واحد؛ فهي تمتلك القدرة على تشكيل أنظمة إقليمية، والتأثير في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، وإدارة الأزمات، ومن خلال ذلك، تؤدي دور «مُعدِّلات النظام»، القادرة على تغيير نتائج محددة وتقييد سلوك القوى الكبرى في سياقات بعينها.
غير أنهم لا يؤدّون دور مهندسي النظام الدولي، إذ يظل نفوذهم مشروطاً ومجزّأً ومعتمداً على هياكل لا يملكون السيطرة عليها، وقد أثبتت الاستقلالية الاستراتيجية فعاليتها على المستوى التكتيكي، لكنها لم تترجم إلى قيادة جماعية، أو مؤسسات مستدامة، أو توفير للسلع العامة العالمية.
وما لم تنتقل القوى المتوسطة من استراتيجيات فردية إلى مسارات منسّقة لصياغة القواعد والابتكار المؤسسي، فسيبقى دورها تكيفياً أكثر منه تحويلياً، ففي عالم مُجزّأ، تدير هذه القوى التقلبات وتغتنم الفرص، لكنها لم تُحدد بعد النظام الذي تعمل ضمنه.
وعليه، فإن التمييز بين تعديل النظام وبناء النظام يُعدّ حاسماً لفهم المسار الراهن والمستقبلي للحوكمة الدولية، حيث أتقنت القوى المتوسطة الدور الأول، لكنها لا تزال مقيّدة هيكلياً عن تحقيق الدور الثاني، ونفوذها حقيقي وملموس، غير أنه يُمارَس ضمن حدود ترسمها القوى الكبرى والمؤسسات الموروثة، وفي هذا السياق، ما لم تنجح القوى المتوسطة في تجاوز التحالفات المؤقتة والاستثمار في قدرات مشتركة لصياغة القواعد، فسيظل دورها مقتصراً على الإدارة التكيفية، لا على التحوّل النظامي.




