تكلفة أزمة كراهية الأجانب في جنوب أفريقيا

تقرير
تكلفة أزمة كراهية الأجانب في جنوب أفريقيا
سيريل رامافوزا خلال قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في جوهانسبرغ (أ ف ب)
ﺷﺎرك

أمضت جنوب أفريقيا عقوداً في ترسيخ مكانتها بوصفها قوةً مؤثرة على الساحة الدولية، فهي عضو في مجموعتي بريكس (BRICS) والعشرين (G20)، حيث دأبت لسنوات طويلة على المطالبة بالحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، غير أن أعمال العنف المعادية للمهاجرين داخل البلاد باتت اليوم تهدد الأساس الذي تقوم عليه هذه الطموحات.

اليوم، تكشف هذه الاضطرابات عن تناقضٍ متزايد بين السياسة الداخلية لجنوب أفريقيا وطموحاتها على مستوى القارة، فكل واحد من هذه الأهداف يعتمد على دعم الحكومات الأخرى في أفريقيا، وهذا الدعم يستند إلى الشرعية والمصداقية أكثر مما يستند إلى الثقل الاقتصادي، فعندما تهاجم الحشودُ الرعايا الأجانب، فإنها تقوّض أهمَّ مقومات نفوذ بريتوريا على الساحة الدولية، وتُلحق الضرر بالرصيد الذي تستمد منه تأثيرها خارج حدودها.

كما يُعد هذا الدعم ركيزةً أساسية في تعزيز مواقف جنوب أفريقيا داخل المحافل متعددة الأطراف، ويدعم ادعاءها تمثيلَ العالم النامي والتحدث باسمه، حيث أرجأت غانا بالفعل اجتماعات رفيعة المستوى، وأعادت مئاتٍ من مواطنيها إلى البلاد، في حين حذّرت نيجيريا من أن استمرار الاعتداءات على رعاياها قد يُلحق ضرراً بالعلاقات الثنائية بين البلدين.

ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على أي نزاع بعينه، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث رسخت بريتوريا مكانتها من خلال تقديم نفسها بوصفها مدافعاً عن المصالح الأفريقية ونموذجاً للحكم القائم على احترام الحقوق، غير أن تصاعد العداء الشعبي تجاه الأفارقة القادمين من دول أخرى يقوّض هذا الادعاء، ويحوّل إخفاقاً داخلياً إلى عبءٍ دبلوماسي، فما دام هذا التناقض قائماً، فإن كل موجة جديدة من أعمال العنف ستؤدي إلى تآكل الثقة التي تستند إليها مكانة جنوب أفريقيا، سواء داخل القارة الأفريقية أو في أوساط دول الجنوب العالمي.

تصاعد العداء الشعبي تجاه الأفارقة القادمين من دول أخرى يقوّض ادعاء بريتوريا بتمثيل العالم النامي ويحوّل إخفاقاً داخلياً إلى عبءٍ دبلوماسي

 الدوافع الهيكلية لكراهية الأجانب

تستمد الحركات المناهضة للمهاجرين قوتها من واقع اقتصادي صعب تعيشه البلاد، حيث ارتفع معدل البطالة الرسمي في جنوب أفريقيا إلى 32.7 %  خلال الربع الأول من عام 2026،  ووفقاً لهيئة الإحصاء في جنوب أفريقيا، بلغ عدد العاطلين عن العمل من الفئة العمرية بين 15 و34 عاماً نحو4.7  ملايين شخص، في حين بقي 10.6  ملايين آخرون خارج قوة العمل، أي أنهم لا يعملون ولا يبحثون عن عمل.

ولا تبدو الصورة على المدى الطويل أقل صعوبة، فوفقاً للبنك الدولي، لا يزال النمو الاقتصادي ضعيفاً إلى درجة لا تسمح بإحداث تحسن ملموس في معدلات التوظيف أو الحد من الفقر، في حين لا يزال متوسط دخل الفرد أقل من مستواه الذي كان عليه في عام  2007، كما تشير التقديرات إلى أن نحو 60 % من سكان جنوب، أفريقيا يعيشون تحت خط الفقر الخاص بالدول ذات الدخل المتوسط الأعلى.

تجعل هذه الأوضاع الادعاءات التي تزعم أن الأجانب يستولون على فرص العمل، أو يرتكبون الجرائم، أو يرهقون الخدمات العامة، أكثر تأثيراً وفاعلية من الناحية السياسية، حيث يظهر المهاجرون بوضوح في قطاعات مثل التجارة غير الرسمية، والعمل المنزلي، والزراعة، والبناء، والنقل، وغالباً ما يتركزون في المجتمعات التي تعاني من ارتفاع معدلات البطالة، وسوء أوضاع السكن، وتردي الخدمات العامة وعدم انتظامها، لذلك، فإن تحميلهم مسؤولية هذه المشكلات يقدّم تفسيراً بسيطاً لإخفاقات معقدة يصعب إرجاعها إلى سبب واحد.

مظاهرة في بريتوريا نظمت بمناسبة الموعد النهائي لمغادرة الأجانب غير الشرعيين جنوب أفريقيا (أ ف ب)
مظاهرة في بريتوريا نظمت بمناسبة الموعد النهائي لمغادرة الأجانب غير الشرعيين جنوب أفريقيا (أ ف ب)

ومع ذلك، فإن الأدلة المتاحة لا تؤيد الرأي القائل إن الهجرة هي المحرك الرئيس لأزمة البطالة في جنوب أفريقيا، إذ أظهرت دراسة أجراها البنك الدولي أن المهاجرين أسهموا بصورة إيجابية في تحسين معدلات التوظيف ورفع الأجور بين الجنوب أفريقيين خلال الفترة الممتدة من 1996 إلى 2011، ويُعزى ذلك إلى أن العمال المولودين في الخارج غالباً ما كانوا يؤسسون مشروعاتٍ تجارية خاصة بهم، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، كما قدّر تقييم مشترك أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومنظمة العمل الدولية (ILO) أن إسهام المهاجرين يبلغ نحو 9 %  من الناتج المحلي الإجمالي لجنوب أفريقيا.

تعكس مشكلات سوق العمل في جنوب أفريقيا، بدلاً من ذلك، مجموعةً من العوامل الهيكلية، من بينها بطء النمو الاقتصادي، وضعف الطلب على العمالة، والإقصاء المكاني، وقصور نظام التعليم، وقيود البنية التحتية، وتفاوت أداء السلطات المحلية، حيث تكمن الجاذبية السياسية لخطاب كراهية الأجانب تحديداً في قدرته على تحويل الغضب بعيداً عن هذه المشكلات الهيكلية، فإبعاد عاملٍ من ملاوي أو إغلاق متجرٍ يملكه صومالي يقدّم إجراءً ملموساً ومرئياً، حتى وإن لم يُسهم في إصلاح المدارس، أو خلق وظائف صناعية، أو تحسين الخدمات البلدية.

تكمن الجاذبية السياسية لكراهية الأجانب تحديداً في قدرتها على تحويل الغضب بعيدًا عن هذه المشكلات الهيكلية

يساعد ذلك في تفسير سبب استمرار التعبئة المناهضة للمهاجرين رغم الإدانات المتكررة من جانب الحكومة، فكراهية الأجانب لا تنشأ تلقائياً نتيجة الفقر، لكن انعدام الأمن الاقتصادي يهيئ بيئةً خصبة للفاعلين السياسيين المستعدين لإلقاء اللوم على الرعايا الأجانب وتحميلهم مسؤولية التدهور الاجتماعي الأوسع، وعندما تكون سياسات ضبط الهجرة ضعيفة، ومستويات عدم المساواة مرتفعة، وثقة المواطنين بالحكومة متدنية، قد تقدّم الجماعات الأهلية أو مجموعات فرض النظام خارج إطار الدولة نفسها على أنها تؤدي مهاماً أهملتها الدولة أو عجزت عن القيام بها.

تُظهر الاحتجاجات الأخيرة هذا التحول من العنف العفوي إلى ممارسةٍ منظمة لفرض النظام خارج إطار الدولة، حيث نظّم ناشطون مناهضون للمهاجرين مسيرات منسقة، وحددوا مواعيد نهائية لمغادرة الأجانب غير الموثقين، وأجروا عمليات تفتيش غير قانونية بحق أشخاص يُشتبه في أنهم مهاجرون، وفي جوهانسبرغ، انتقل المحتجون من منزل إلى آخر، وقاموا بإخراج أشخاص اعتقدوا أنهم موجودون في البلاد بصورة غير قانونية.

تشكل هذه الظاهرة مشكلةً تتعلق بقدرة الدولة على أداء وظائفها بقدر ما تمثل أزمةً في مجال حقوق الإنسان، فتنفيذ قوانين الهجرة يعتمد على إجراءات قانونية لتحديد الجنسية، ووضع الوثائق، وحالة الإقامة، وعندما تتولى جماعات خاصة هذه الصلاحيات، تصبح الفروق القانونية بين اللاجئين، والمهاجرين الموثقين، والمهاجرين غير الموثقين، والمواطنين الجنوب أفريقيين، أقل أهمية أمام الشكوك والانطباعات الشعبية.

وبما أن جنوب أفريقيا تقدّم نفسها على الساحة الدولية بوصفها نموذجاً للحكم القائم على احترام الحقوق، فإن العداء للمهاجرين داخل البلاد يفرض عليها تكلفةً استراتيجية تتجاوز بكثير ما قد تسببه التوترات الداخلية وحدها.

 تطبيق قوانين الهجرة وكراهية الأجانب

حاول الرئيس سيريل رامافوزا الفصل بين إنفاذ قوانين الهجرة بصورة مشروعة وبين التحركات المناهضة للأجانب، ففي خطاب ألقاه في 7  يونيو 2026، دافع عن حق الدولة في تنظيم الهجرة، لكنه أكد أن المواطنين العاديين لا يملكون الحق في إيقاف الأشخاص في الشوارع ومطالبتهم بإثبات جنسيتهم.

وفي وقت لاحق، أقرّ بأن البطالة، والفقر، والجريمة، والضغوط الواقعة على الخدمات العامة، كلها عوامل تدفع إلى تنامي المخاوف المرتبطة بالهجرة، لكنه نفى في الوقت نفسه أن تكون الهجرة غير النظامية هي السبب وراء الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

هذا التمييز ضروري، لكنه يصعب الحفاظ عليه سياسياً، فالحكومة التي تبدو غير مبالية بالهجرة غير النظامية قد تخاطر بتعزيز الحركات التي تتعهد باتخاذ إجراءات أكثر تشدداً، إلا أن أي حملة صارمة تُطرح من دون مراعاةٍ كافية قد تؤدي إلى ترسيخ الاعتقاد الأوسع بأن المهاجرين الأفارقة، وليس ضعف الإدارة الحكومية، هم المسؤولون عن انعدام الأمن والتدهور الاقتصادي.

اليوم زادت الدولة من عمليات الترحيل وتشديد الرقابة على الحدود، وبحلول منتصف يوليو، أفادت التقارير بأن أكثر من 53  ألف مهاجر قد جرى ترحيلهم أو إعادتهم إلى بلدانهم ضمن حملة تقودها الحكومة، وكان مواطنو ملاوي يشكلون النسبة الأكبر من بين الذين تمت إعادتهم، حيث غادر بعضهم طوعاً بسبب التهديدات وحالة عدم اليقين، في حين أُبعد آخرون لعدم امتلاكهم وثائق إقامة أو مستندات قانونية سارية.

قد تؤدي إجراءات الإنفاذ إلى تقليص عدد المهاجرين غير الموثقين، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة ظاهرة كراهية الأجانب، فالأشخاص الذين تستهدفهم العداوة في الشوارع لا يتم اختيارهم وفق إجراءات الهجرة الرسمية، إذ قد يطال هذا التحرك المهاجرين الذين يقيمون بصورة قانونية، واللاجئين، وطالبي اللجوء، وحتى المواطنين الجنوب أفريقيين الذين يُعتقد خطأً أنهم أجانب.

لذلك، يتعين على الحكومة أن تؤدي مهمتين في آنٍ واحد: استعادة الثقة في إدارة ملف الهجرة، ومنع الحركات السياسية من تحويل الانتماء الوطني إلى مبرر لممارسة الإكراه أو فرض السلطة بشكلٍ خاص وخارج إطار القانون، فالإخفاق في المهمة الأولى يعزز الادعاء القائل إن على المواطنين أن يتولوا بأنفسهم مهمة تطبيق القانون، أما الإخفاق في الثانية، فيؤدي إلى تطبيع العقاب الجماعي وإضعاف هيبة الدولة وسلطتها.

يتعين على الحكومة أن تؤدي مهمتين في آنٍ واحد: استعادة الثقة في إدارة ملف الهجرة ومنع الحركات السياسية من تحويل الانتماء الوطني إلى مبرر لممارسة الإكراه أو فرض السلطة بشكلٍ خاص وخارج إطار القانون

كما حذّرت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في أبريل من أن أعمال الترهيب ونشاطات الجماعات الأهلية الخارجة عن إطار القانون تستهدف مواطني دول أفريقية أخرى، حيث صدرت تحذيرات مماثلة عقب موجات العنف السابقة، بما في ذلك مقتل المواطن الزيمبابوي إلفيس نياتي عام 2022.

لذلك إن تكرار النمط نفسه يجعل من الصعب على الحكومة وصف كل موجة جديدة من العنف بأنها مجرد انهيارٍ منفصل أو حادثة عابرة، فطريقة تعامل بريتوريا مع هذا المأزق تُقرأ في أنحاء القارة باعتبارها مؤشراً على كيفية تعامل جنوب أفريقيا مع الأفارقة الآخرين، وهو ما يمنح قراراً داخلياً وزناً دبلوماسياً مباشراً.

الاضطرابات الداخلية والتوتر الدبلوماسي

تبدأ كراهية الأجانب في تقييد الدور القيادي لجنوب أفريقيا عندما تفرض تكاليف سياسية على الحكومات الأفريقية الأخرى، إذ تكون لدى قادة في أكرا وأبوجا ومابوتو وليلونغوي رغبة في الحفاظ على علاقات قوية مع بريتوريا، لكنهم يضطرون أيضاً إلى الاستجابة عندما يبلغ مواطنوهم عن تعرضهم للاعتداء، أو التهجير، أو إجبارهم على التخلي عن أعمالهم التجارية.

يوضح قرار غانا تأجيل الاجتماعات الثنائية رفيعة المستوى هذه الآلية بصورة جلية، حيث كان الهدف من تلك الاجتماعات تعزيز التعاون بين اثنتين من أكثر الاقتصادات الأفريقية تأثيراً، إلا أن أعمال العنف المناهضة للمهاجرين أصبحت القضية المهيمنة، ما جعل عقد لقاء على مستوى الرئاسة أمراً صعباً سياسياً بالنسبة لأكرا.

أدى ردّ نيجيريا إلى مشكلة مماثلة، رغم أن الظروف المحيطة بالوفيات المبلغ عنها لمواطنين نيجيريين كانت تتطلب قدراً من الحذر، حيث ربط مسؤولون نيجيريون مقتل مواطنين اثنين بالمناخ العدائي السائد في جنوب أفريقيا، وحذّروا من أن وقوع حوادث أخرى قد يؤثر في العلاقات بين البلدين.

من جانبها، اعترضت الشرطة الجنوب أفريقية على الادعاء بأن إحدى حالات الوفاة كانت مرتبطة بأعمال العنف المناهضة للمهاجرين، وقالت: إن “الرجل توفي خلال عملية أمنية للشرطة، وإن التحقيق في ملابسات الحادثة لا يزال مستمراً”.

يوضح هذا الخلاف مدى سرعة تدهور الثقة خلال أزمات كراهية الأجانب، فحتى عندما تظل الحقائق محل نزاع أو خلاف، فإن الاعتداءات السابقة تؤثر في الطريقة التي تفسّر بها الحكومات الحوادث الجديدة، إذ تُقيَّم التفسيرات الصادرة عن جنوب أفريقيا في ضوء تاريخ طويل من أعمال العنف المتكررة، في حين تواجه الحكومات الأجنبية ضغوطاً شعبية للتعامل مع كل حالة وفاة أو اختفاء باعتبارها جزءًا من نمط أوسع نطاقاً.

كما يؤدي ذلك إلى تقليص هامش المناورة الدبلوماسية أمام بريتوريا، فجنوب أفريقيا تسعى بصورة منتظمة إلى الحصول على دعم الدول الأفريقية لإصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتعزيز تمويل المناخ، وتطوير نظام الحوكمة المالية العالمية، وتحسين تمثيل الاقتصادات النامية، كما تستفيد من موقعها في مجموعة العشرين ومجموعة بريكس لتقديم نفسها بوصفها مدافعاً عن المصالح الأفريقية الأوسع.

لذلك إن بناء مثل هذه التحالفات لا يتطلب أن توافق كل حكومة أفريقية على السياسات الداخلية لجنوب أفريقيا، لكنه يتطلب، في المقابل، حداً أدنى من الثقة بأن بريتوريا تدرك مصالح شركائها وحساسياتهم، حيث تؤدي الاعتداءات المتكررة على مواطني هذه الدول إلى إضعاف تلك الثقة، كما تمنح المنتقدين حجةً مباشرة ضد الاصطفاف مع المبادرات التي تقودها جنوب أفريقيا.

تتراكم الأضرار مع مرور الوقت، حيث يمكن احتواء الخلاف مع دولة واحدة من خلال الدبلوماسية الثنائية، لكن تكرار الشكاوى المماثلة من جانب نيجيريا، وغانا، وزيمبابوي، وملاوي، وموزمبيق، وإثيوبيا، والصومال، قد يؤدي إلى تكوين انطباع أوسع بأن جنوب أفريقيا تستفيد من التعاون القاري، في حين تفشل في حماية الأفارقة داخل حدودها، وهذا لا يعني أن جنوب أفريقيا ستفقد نفوذها، لكنه يزيد من الجهد المطلوب للحصول على التعاون، إذ تضطر بريتوريا إلى استثمار رصيدها السياسي في إصلاح العلاقات التي أضرّت بها الاضطرابات الداخلية.

لا تقضي كراهية الأجانب على نفوذ جنوب أفريقيا لكنها تزيد من الجهود المطلوبة لتأمين التعاون إذ تضطر إلى استثمار رصيدها السياسي في إصلاح العلاقات

 القوة التجارية ونقطة ضعف استراتيجية

تستند مكانة جنوب أفريقيا القارية أيضاً إلى شركاتها، حيث نجحت شركات الاتصالات، وشركات البيع بالتجزئة، والبنوك، وشركات التعدين، والمؤسسات الإعلامية الجنوب أفريقية في بناء علامات تجارية معروفة في مختلف الأسواق الأفريقية، حيث يمنح هذا الانتشار التجاري جنوب أفريقيا نفوذاً واسعاً، لكنه يجعل شركاتها أيضاً أهدافاً واضحة في المجتمعات الأخرى خلال فترات التوتر الدبلوماسي.

وقد أدت موجات العنف السابقة ضد المهاجرين إلى اندلاع احتجاجات ودعوات للرد بالمثل ضد الشركات الجنوب أفريقية، ولا سيما في نيجيريا، حيث أصبحت الشركات المستهدفة بمثابة أدوات رمزية للتعبير عن الغضب الموجّه إلى جنوب أفريقيا ككل.

ولا يزال هذا الخطر قائماً، حيث يؤدي اعتداء محلي على متجر يملكه أحد المهاجرين إلى اندلاع حملات مقاطعة أو احتجاجات ضد علامة تجارية جنوب أفريقية تقع على بُعد آلاف الكيلومترات، كما قد تواجه الحكومات الواقعة تحت ضغط شعبي داخلي مطالب بإجراء تحقيقات، أو فرض رقابة أكثر تشدداً، أو تقييد الأنشطة التجارية للشركات الجنوب أفريقية.

قد يتحمل الاقتصاد المحلي أيضاً تكاليف مباشرة، إذ أشارت تقارير إعلامية إلى أن المهاجرين يشغلون أدواراً مهمة في قطاعات مثل البناء، وتجارة التجزئة، والنقل، حيث لا يعني ترحيلهم تلقائياً انتقال هذه الوظائف إلى الجنوب أفريقيين العاطلين عن العمل، بل إن المغادرة واسعة النطاق قد تؤدي إلى اضطراب الإنتاج، وتقليص تدفقات التحويلات المالية إلى الدول المجاورة، وزيادة الضغوط على أسواق العمل الإقليمية، كما أن الانكشاف التجاري يفاقم مشكلة السمعة، إذ قد تفقد الشركات القبول والثقة اللذين يحميانها في الخارج إذا تراجعت مكانة الحكومة وصورتها داخل البلاد.

القوات المحلية تقوم بدوريات بعد أن تحولت مظاهرة إلى أعمال نهب في خليج جيفريز (أ ف ب)
القوات المحلية تقوم بدوريات بعد أن تحولت مظاهرة إلى أعمال نهب في خليج جيفريز (أ ف ب)

 فجوة المصداقية التجارية

قد يكون الاختبار الأبرز للدور القاري الذي تضطلع به جنوب أفريقيا هو منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) فبريتوريا تدعم هذه المبادرة لأن وجود سوق أفريقية أكبر وموحدة يتيح فرصاً واسعة أمام شركاتها الصناعية، ومؤسساتها المالية، وشركات الخدمات التابعة لها، حيث يُعد هذا الاتفاق أحد المشاريع الرئيسية في أجندة الاتحاد الأفريقي 2063.

ومع ذلك، لا يمكن فصل التجارة القارية بصورة كاملة عن حركة الأشخاص، فالاتفاقية المؤسسة لمنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية نفسها تضع السوق القارية ضمن طموح أوسع يشمل حرية حركة الأشخاص، والسلع، والخدمات، ورؤوس الأموال، كما يعتبر الاتحاد الأفريقي جواز السفر الأفريقي وتعزيز حرية التنقل من العناصر الأساسية في برنامج التكامل القاري.

اليوم، ترفع التعبئة المناهضة للمهاجرين تكلفة هذه الحركة، فالمستثمر الغاني الذي يفكر في دخول السوق الجنوب أفريقية لا يضع في حساباته فقط القوانين المنظمة وفرص الوصول إلى السوق، بل يأخذ أيضاً مسألة الأمن الشخصي في الاعتبار. كما أن الشركة النيجيرية التي تقرر مكان تعيين موظفيها يتعين عليها تقييم ما إذا كانت التوترات السياسية قد تعرّضهم للترهيب أو المضايقات.

يعكس التقدم المحدود الذي أحرزته أفريقيا في مجال حرية التنقل بالفعل حالةً من الحذر السياسي، حيث أظهر تقرير صادر عن الاتحاد الأفريقي بشأن تنفيذ الاتفاقية أن أربع دول فقط كانت قد صادقت على بروتوكول حرية تنقل الأشخاص، في حين يتطلب دخوله حيز التنفيذ تصديق 15 دولة عليه، ولا تزال الحكومات عموماً أكثر استعداداً لتحرير التجارة في السلع مقارنةً بقبول حقوق أوسع تشمل الدخول، والإقامة، وإنشاء الأعمال التجارية.

اليوم تعزز تجربة جنوب أفريقيا هذه المخاوف، فهي تشير إلى أن حرية التنقل على مستوى القارة يمكن أن تتحول إلى عبء سياسي داخلي عندما تكون أسواق العمل ضعيفة وأنظمة إدارة الهجرة غير فعّالة، ونتيجة لذلك، قد تصبح الحكومات الأخرى أكثر تردداً في دعم إجراءات التكامل التي قد تعرّضها لضغوط مماثلة.

حدود إرث مانديلا

ستظل جنوب أفريقيا محتفظة بالمقومات الخارجية التي تميزها كقوة قيادية، فهي تمتلك الاقتصاد الأكثر تصنيعاً في القارة، ومقعداً في مجموعة العشرين (G20)، ومكانة محورية في مؤسسات ومنتديات الجنوب العالمي، غير أن ما تقوضه كراهية الأجانب هو الشرعية التي تمنح هذه المقومات معناها، والثقة التي تتيح لجنوب أفريقيا التحدث باسم الآخرين، حيث تحولت مشكلة أمنية داخلية إلى قضية استراتيجية تمس مكانة البلاد ودورها الإقليمي والدولي.

هنا يصبح إرث نيلسون مانديلا مسألة ذات أهمية استراتيجية، حيث استندت مكانة جنوب أفريقيا بعد انتهاء نظام الفصل العنصري إلى الادعاء بأنها تجاوزت الانقسامات، وأنها ستدافع عن كرامة جميع الأفارقة، إلا أن كل موجة من موجات العنف المناهض للمهاجرين تُضعف هذا الإرث، وتمنح المنافسين والمتشككين حجة جاهزة للطعن في الدور القيادي لجنوب أفريقيا.

أما الدرس الأوسع فيتعلق بكيفية حفاظ قوة متوسطة على نفوذ لا تستطيع فرضه بالقوة، فالحجم الاقتصادي والمقاعد في المؤسسات الدولية يمكن اكتسابها، لكن المكانة التي تؤهل دولة ما لقيادة الجنوب العالمي يجب أن تُكتسب باستمرار من خلال السلوك والممارسة، وإذا لم تتمكن بريتوريا من حماية الأفارقة داخل حدودها، فإن ادعاءها التحدث باسم القارة بأكملها، وباسم العالم النامي، سيفقد قوته تدريجياً.

إذا لم تتمكن بريتوريا من حماية الأفارقة داخل حدودها فإن ادعاءها التحدث باسم القارة بأكملها، وباسم العالم النامي سيفقد قوته تدريجياً

 

 

 

 

 

 

سيغون أدييمي صحفي نيجيري، يتمتع بخبرة واسعة في تغطية القضايا الجيوسياسية والشؤون الراهنة في غرب إفريقيا.
سيغون أدييمي

سيغون أدييمي صحفي نيجيري، يتمتع بخبرة واسعة في تغطية القضايا الجيوسياسية والشؤون الراهنة في غرب إفريقيا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.