الولايات المتحدة وإسبانيا وحدود قبول الحلفاء

تقرير
دونالد ترامب وبيدرو سانشيز (أ ف ب)
دونالد ترامب وبيدرو سانشيز (أ ف ب)
ﺷﺎرك

القطيعة الدبلوماسية بين إسبانيا والولايات المتحدة ليست مجرد خلاف محدود على صياغة لغوية في بيان رسمي، بل تمثل الجانب الظاهر لصراع أعمق يتناول شرعية الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران، وحدود قبول الحلفاء أو رضوخهم لها، وإمكانية أن يحلّ الضغط الاقتصادي محل بناء التوافق في إدارة التحالفات خلال القرن الحادي والعشرين.

اليوم، باتت المؤشرات واضحة ومألوفة، فهي تنعكس في رفض مدريد العلني السماح باستخدام منشآتها لعمليات هجومية، وتصاعد الخطاب الحاد من البيت الأبيض وكبار المسؤولين الأمريكيين، الذي يلمّح إلى احتمال اتخاذ إجراءات اقتصادية عقابية، إضافة إلى تدخل بروكسل غير المعتاد بصراحته للدفاع عن إحدى الدول الأعضاء، ولكن رغم وضوح الوقائع المباشرة وسهولة فهمها، إلا أن العواقب، سواء على المستوى الثنائي أو الهيكلي، تظل أكثر تعقيداً وتشابكاً.

رغم وضوح القطيعة المباشرة بين إسبانيا وأمريكا وسهولة فهمها إلا أن العواقب سواء على المستوى الثنائي أو الهيكلي تظل أكثر تعقيداً وتشابكاً

التصعيد وتداعياته عبر الأطلسي

في البداية، يجب فهم المواجهة بين مدريد وواشنطن في إطار التصعيد الأوسع الذي أثارته الضربات الأمريكية والإسرائيلية على أهداف إيرانية، إذ قدمت واشنطن تلك العمليات بوصفها رداً ضرورياً على طموحات إيران النووية وأنشطتها الإقليمية، وردّت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية في المنطقة، بما في ذلك هجمات مرتبطة بوجود الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، ما فاقم حدّة الصراع وزاده تعقيداً.

وضمن هذا السياق، تطلّبت العمليات في هذه الحملة تعاوناً لوجستياً من أراضي الحلفاء، لا سيما في أوروبا ومنطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الوصول إلى القواعد الجوية، وقواعد التزوّد بالوقود، والمنشآت البحرية عنصراً محورياً منذ زمن طويل في العمليات العسكرية الخارجية للولايات المتحدة، حيث تُعد إسبانيا موقعاً استراتيجياً مهماً ضمن هذه الشبكة، إذ لطالما شكّلت القاعدة البحرية في روتا والقاعدة الجوية في مورون نقاط ارتكاز رئيسية للعمليات الأمريكية في البحر المتوسط وأفريقيا والشرق الأوسط.

وعلى النقيض من ذلك، أثار قرار الولايات المتحدة بشنّ ضربات واسعة النطاق من دون تشكيل تحالف دولي شامل أو الحصول على تفويض من الأمم المتحدة قلقاً لدى عدد من الحكومات الأوروبية، إذ وجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام معضلة مألوفة، تتمثل بدعم حليف قديم، مع تجنّب الارتباط سياسياً بحرب أخرى في الشرق الأوسط تفتقر إلى مبرر قانوني واضح أو إلى توافق سياسي واسع، حيث كانت النتيجة استجابة أوروبية متباينة، إذ قدّمت بعض الدول تعاوناً محدوداً، بينما اختارت دول أخرى أن تنأى بنفسها علناً عن هذه الحملة.

سفن حربية إسبانية تشارك في مناورات “ستيدفاست دارت 26” التابعة لحلف الناتو (أ ف ب)
رفض مدريد والقيود اليسارية

عبّرت الحكومة الإسبانية عن موقفها بوضوح على لسان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز وكبار وزرائه، إذ رفضت طلب واشنطن استخدام المنشآت الإسبانية لشنّ عمليات هجومية ضد إيران، معتبرة أن مثل هذا الاستخدام يقع خارج الإطار القانوني الذي ينظم الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا، وأنه يفتقر إلى تفويض دولي.

من جانب أخر، شدّد وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس على أن الاتفاقيات الثنائية التي تنظّم عمل القواعد الأمريكية لا تخوّل استخدامها في أعمال عسكرية أحادية الجانب من دون الالتزام بالقانون الدولي، كما عزّزت وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس هذا الموقف، مؤكدة أن القواعد “لا تُستخدم ولن تُستخدم في عمليات تخرج عن شروط الاتفاقيات”.

لكن سانشيز ذهب بنفسه إلى أبعد من ذلك في خطابه العلني، واصفاً الضربات الأمريكية والإسرائيلية بأنها “عمل عسكري أحادي الجانب” ينذر بتصعيد عدم الاستقرار في أرجاء الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه سعى إلى الحفاظ على التوازن الدبلوماسي من خلال انتقاد سلوك إيران الإقليمي ومخاطر التصعيد، داعياً بدلاً من ذلك إلى خفض التوتر فوراً واستئناف المفاوضات.

وضمن هذا الإطار، يتشكل موقف إسبانيا في المقام الأول بفعل الواقع السياسي الداخلي، إذ يحكم سانشيز من خلال ائتلاف يساري بقيادة حزب العمال الاشتراكي الإسباني، وبدعم من تحالف “سومار”، الذي تُبدي أحزابه المكوّنة له شكوكاً عميقة تجاه التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، حيث دعت شخصيات بارزة في “سومار”، من بينها نائبة رئيس الوزراء يولاندا دياز، إلى خفض التصعيد واللجوء إلى الدبلوماسية بدلاً من الانحياز إلى حملة واشنطن.

يتشكل موقف إسبانيا بفعل الواقع السياسي الداخلي إذ يحكم سانشيز من خلال ائتلاف يساري بقيادة حزب العمال الاشتراكي

كما يعكس هذا الموقف إرثاً سياسياً أوسع، حيث أدت مشاركة إسبانيا في حرب العراق تحت قيادة رئيس الوزراء السابق خوسيه ماريا أثنار إلى احتجاجات جماهيرية واسعة وساهمت في هزيمة الحكومة في الانتخابات عام 2004، تاركة أثراً دائماً في السياسة الإسبانية، ما يجعل دعم الحروب التي تقودها الولايات المتحدة أمراً محفوفاً بالمخاطر سياسياً، ومن ثم، فإن رفض سانشيز السماح باستخدام القواعد الإسبانية ليس مجرد حساب دبلوماسي فحسب، بل هو قرار أيديولوجي متأثر بقيود سياسية داخلية قوية.

ومع ذلك، سعت مدريد في السنوات الأخيرة إلى تعزيز نفوذها الدبلوماسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط والعالم العربي، وقد يؤدي الانحياز الصريح إلى حملة واشنطن إلى تقويض هذا الموقع.

ردود الفعل الأمريكية والأوروبية

في المقابل، انتقد الرئيس دونالد ترامب علناً قرار إسبانيا وهدد بردود فعل اقتصادية واسعة النطاق، وفي إحدى المرات صرّح بأن الولايات المتحدة قد “تقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا” رداً على رفض مدريد التعاون، كما حاول البيت الأبيض إعادة توجيه للرواية بالادعاء بأن إسبانيا وافقت بالفعل على التعاون مع الجيش الأمريكي، وهو تصريح نفته الحكومة الإسبانية سريعاً، وبشكل قاطع، حيث عزز أعضاء آخرون في الإدارة حملة الضغط، إذ انتقد وزير الخارجية ماركو روبيو الحلفاء الأوروبيين لترددهم في دعم العمليات الأمريكية في إيران بشكل كامل، وشدّد على أهمية “التحالفات الموثوقة” في أوقات النزاع.

لكن المنطق السياسي الداخلي لهذه الاستراتيجية واضح، فبالنسبة لترامب تُعدّ المواجهة استعراضاً للقوة أمام الرأي العام المحلي وتحذيراً للحلفاء الآخرين الذين قد يفكرون في سحب دعمهم، ومن خلال تصوير موقف إسبانيا على أنه موقف معرقل أو غير موالٍ، تسعى الإدارة إلى ردع أي سلوك مماثل في أماكن أخرى.

في الوقت نفسه، أشارت المفوضية الأوروبية إلى دعم قوي لإسبانيا، مؤكدة أن الاتحاد الأوروبي سيدافع عن دوله الأعضاء ضد أي تهديدات تجارية أحادية الجانب.

 وصرح المتحدث باسم المفوضية الأوروبية أولوف جيل، بأن الاتحاد الأوروبي مستعد للتحرك لحماية مصالحه الاقتصادية إذا حاولت الولايات المتحدة فرض إجراءات عقابية، فمن منظور بروكسل، يُعد هذا الموقف منطقياً، إذ إن السياسة التجارية تقع ضمن اختصاص الاتحاد الأوروبي وليس السلطات الوطنية.

وعلى النقيض من ذلك، استجاب القادة الأوروبيون بشكل متفاوت من حيث مستوى التضامن، إذ عبّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن دعمه لسانشيز وأكد على ضرورة الحفاظ على علاقات تجارية عبر الأطلسي مستقرة، بينما لم تتبنَّ الحكومات الأوروبية موقفاً موحداً بشأن الحرب نفسها.

من جانب آخر، سمحت المملكة المتحدة، تحت قيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، في نهاية المطاف باستخدام محدود للقواعد البريطانية لأغراض دفاعية بعد رد إيران، وأعرب مستشار ألمانيا فريدريش ميرتس عن دعمه لمواجهة ما وصفه بـ”النظام الإرهابي” في طهران خلال زيارة إلى واشنطن، وهو ما شكّل تأييداً صريحاً غير معتاد من برلين.

إلى ذلك، استجابت الجهات الفاعلة غير الأوروبية بشكل متوقع، إذ عززت القوى الإقليمية، التي انتابها القلق إزاء التصعيد في دول الخليج وشركاء الناتو الرئيسيون، خطط الطوارئ، كما أبدت الأسواق العالمية توتراً إزاء احتمال حدوث اضطرابات في سلاسل التوريد، في حين جددت المنظمات الدولية دعواتها لخفض التصعيد وتوضيح الجوانب القانونية، حيث يؤكد هذا التعدد في الاستجابات نقطة جوهرية، وهي أن الولايات المتحدة ليست في خطر مباشر من العزلة العملياتية، لكنها تواجه تآكلاً في التوافق السياسي يُعقّد العمل متعدد الأطراف المستدام.

الولايات المتحدة ليست في خطر مباشر من العزلة العملياتية لكنها تواجه تآكلاً في التوافق السياسي يُعقّد العمل متعدد الأطراف المستدام

التداعيات الاقتصادية والدبلوماسية

قد يكون البعد الاقتصادي للنزاع أكثر تأثيراً من الخلاف العسكري الفوري، فالولايات المتحدة هي الشريك التجاري الأكبر لإسبانيا خارج أوروبا، إذ تجاوز حجم التجارة الثنائية في السلع والخدمات 45–50 مليار يورو سنوياً في السنوات الأخيرة.

بالإضافة إلى ذلك، تشكل الصادرات الإسبانية إلى الولايات المتحدة، المرتكزة على الأدوية والآلات والمواد الكيميائية وزيت الزيتون والنبيذ، نحو 5–6% من إجمالي الصادرات الإسبانية، وتدعم عشرات آلاف الوظائف في قطاعات التصنيع والزراعة، كما تُعد الشركات الأمريكية من بين أكبر المستثمرين الأجانب في إسبانيا، لا سيما في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والمالية.

وهنا، لا يمكن الاستهانة بتهديد ترامب بتعليق أو تقييد التجارة مع إسبانيا باعتباره مجرد خطاب دعائي، خصوصاً في سياق ممارسات الإدارة الأمريكية الأخيرة القائمة على الضغط التجاري، فحتى الرسوم الجمركية المستهدفة يمكن أن تُحدث آثارًا غير متناسبة، إذ تُعد الولايات المتحدة السوق الخارجية الأكبر لزيت الزيتون الإسباني، وأحد أسرع الوجهات نمواً لصادرات المشروب الإسباني.

وقد تأثر هاذان القطاعان سابقاً بالنزاعات الجمركية الأمريكية خلال صراعات تجارية عابرة للأطلسي، وبالتالي قد تُمارَس جولة جديدة من القيود التجارية ضغطاً اقتصادياً مركزاً على المناطق الزراعية ذات التأثير السياسي الكبير، مثل الأندلس وكاتالونيا.

ومع ذلك، فإن انكشاف إسبانيا الاقتصادي الكلي على الولايات المتحدة محدود بهيكل تجارتها، إذ يذهب نحو ثلثي الصادرات الإسبانية إلى شركاء داخل الاتحاد الأوروبي، ما يعني أن حتى انكماشاً كبيراً في التجارة مع الولايات المتحدة لن يُزعزع استقرار الاقتصاد الإسباني بشكل جوهري، وبالتالي، فإن الخطر الاقتصادي الرئيسي لا يكمن في الحجم المطلق للخسائر التجارية المحتملة، بل في السوابق التي قد تُرسّخها تهديدات واشنطن، إذ إن استخدام العقوبات التجارية لإجبار حليف في حلف الناتو على التعاون العسكري سيمثل خروجاً واضحاً عن الأعراف التي حكمت العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي لعقود.

استخدام العقوبات التجارية لإجبار حليف في الناتو على التعاون العسكري يمثل خروجاً واضحاً عن الأعراف التي حكمت العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي  

أما بالنسبة للحكومات في أنحاء أوروبا، فقد أصبح هذا الحدث بمثابة اختبار لحدود الالتزامات الحليفة، فعضوية حلف الناتو تضمن الدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة، لكنها لا تلزم الأعضاء بدعم كل حملة عسكرية أمريكية تُنفذ خارج هذا الإطار.

ومن ثم، يبرز موقف إسبانيا التمييز المتزايد الوضوح بين الالتزامات الدفاعية المترتبة على المعاهدات والمشاركة الاختيارية في الحروب الخارجية، حيث يكتسب هذا التمييز أهمية كبرى لأنه يؤثر على كيفية تقييم الحلفاء الآخرين للتكاليف السياسية للتعاون؛ فإذا ردت واشنطن على معارضة إسبانيا بعقوبات اقتصادية، قد تستنتج حكومات أخرى أن دعم العمليات الأمريكية ينطوي على مخاطر أقل من معارضتها.

ومع ذلك، فإن النتيجة المعاكسة واردة أيضاً، فقد يُشجّع استعداد مدريد، مدعوماً بالمؤسسات الأوروبية، لمقاومة الضغط الأمريكي ديمقراطيات أخرى على المطالبة بتبريرات قانونية أوضح والحصول على موافقة برلمانية وطنية قبل السماح باستخدام أراضيها الوطنية للعمليات العسكرية الأمريكية.

محطة إعادة تحويل الغاز الطبيعي إلى غاز في مدينة زيربينا بإقليم الباسك الإسباني (أ ف ب)
التماسك ومستقبل القيادة الأمريكية

يثير النزاع بين إسبانيا والولايات المتحدة سؤالاً استراتيجياً أوسع: هل يمكن للقيادة الأمريكية داخل التحالف الغربي أن تظل فعّالة إذا استمر الاعتماد المتزايد على العمل العسكري الأحادي الجانب، مصحوباً بالضغط الاقتصادي لضمان امتثال الحلفاء؟.

منذ عام 1945، لم تكن قوة القيادة الأمريكية تقوم فقط على القدرات العسكرية الساحقة، بل أيضاً على القدرة على تضمين تلك القوة ضمن نظام تحالفي يُنظر إليه على أنه شرعي سياسياً واستراتيجياً ومتبادل الفائدة، وتاريخياً، تميّزت أنجح الحملات العسكرية لواشنطن، من عملية أوفرلورد إلى عاصفة الصحراء، ببناء تحالفات دبلوماسية واسعة النطاق، وحتى عندما وفّرت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من القوة العسكرية، فإن مشاركة الحلفاء وفّرت الشرعية السياسية، والعمق العملياتي، والمظهر العام للعمل الجماعي بدلاً من الفعل الأحادي.

في الأزمة الحالية، تطلب الولايات المتحدة من حلفائها دعم صراع يتصاعد بسرعة مع إيران بعد اتخاذ القرار الاستراتيجي بتنفيذ الضربات، وعندما يُسعى إلى الحصول على هذا الدعم من خلال الضغط العلني أو التهديدات الاقتصادية، بدلاً من التشاور المسبق، تصبح الأسس السياسية للحروب التحالفية هشة.

وعلى النقيض من ذلك، قد يظل الحلفاء متعاونين عندما تتوافق مصالحهم بوضوح، لكن الرغبة في منح الوصول اللوجستي التلقائي أو التأييد السياسي تبدأ في التآكل، وبالنسبة للحكومات الأوروبية، يعزّز هذا الديناميك أيضاً النقاش الجاري حول الاستقلالية الاستراتيجية؛ إذ ناقش صانعو السياسات في الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة الحاجة إلى تطوير قدرة أوروبا على متابعة مصالحها الأمنية بشكل مستقل عند الضرورة.

حتى وقت قريب، ظلّ هذا النقاش إلى حدّ كبير مجرد فكرة نظرية، مدفوعاً بالقلق إزاء تراجع النفوذ الأمريكي، إلا أن أحداثاً مثل المواجهة بين مدريد وواشنطن تمنح هذا المفهوم دافعاً مختلفاً يتمثل في “احتمال أن تحتاج أوروبا أحياناً إلى حماية مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية من الضغوط التي يمارسها حليفها الرئيسي نفسه”.

أما الدلالة الأوسع فليست انهيار التحالف عبر الأطلسي، بل تحوّله التدريجي، فحلف الناتو لا يزال حجر الزاوية في الدفاع الأوروبي ضد التهديدات الدولية، إلا أن الافتراض السابق بوجود توافق سياسي حول العمليات العسكرية خارج المنطقة لم يعد مضموناً، وكما يوضح هذا النزاع، أصبح الحلفاء أكثر استعداداً للتمييز بين الالتزامات التعاقدية والمشاركة الاختيارية في النزاعات التي تقودها الولايات المتحدة، ولكن إذا استمر هذا النمط، فقد تحتفظ واشنطن بقدرة عسكرية لا مثيل لها، لكنها ستجد صعوبة متزايدة في حشد التحالفات السياسية الواسعة التي كانت تاريخياً أساس القيادة الأمريكية العالمية.

اختبار القادة والمؤسسات

اليوم، تشكّل المواجهة بين مدريد وواشنطن اختباراً حقيقياً للمؤسسات الغربية، من حيث الاتفاقيات الثنائية، واستعداد الاتحاد الأوروبي للدفاع عن المصالح الاقتصادية لدوله الأعضاء، وقدرة حلف الناتو على تحمّل الأخطاء السياسية، وإذا كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من هذه الأزمة، فهو أن القوة الصلبة بلا شرعية ناعمة تبقى هشة، فواشنطن لا تزال تحتفظ بالقدرة على التحرك عسكرياً، لكنها لا يمكن أن تتوقع إلى ما لا نهاية أن يضحي حلفاؤها بالشرعية القانونية المحلية والمشروعية المدنية من أجل راحة العمليات السريعة.

تشكّل المواجهة بين مدريد وواشنطن اختباراً حقيقياً للمؤسسات الغربية من حيث الاتفاقيات الثنائية واستعداد الاتحاد الأوروبي للدفاع عن مصالح أعضائه

أما بالنسبة لأوروبا، فتُذكّر هذه الحلقة بأن الاستقلالية الاستراتيجية ليست مجرد شعار، بل مشروع مؤسسي يتطلب وضع قواعد أوضح، وآليات أقوى لتسوية النزاعات، واستعداداً للتصرف بحذر عندما يتجاوز الضغط المعايير المقبولة.

بالمحصلة، يواجه القادة في كلا الجانبين خيارات ستحدّد شكل العلاقات عبر الأطلسي لسنوات قادمة، إذ يجب على مدريد موازنة المكاسب السياسية الداخلية لموقفها مع التكاليف المادية للنزاع المستمر، كما يجب على واشنطن أن تقرر ما إذا كانت الراحة العملياتية قصيرة الأمد تبرّر التآكل طويل الأمد للثقة بين الحلفاء.

أما بروكسل، فعليها أن تحوّل التضامن الخطابي إلى حماية مؤسسية دائمة تجعل الدول الأعضاء أقل عرضة للضغط، حيث سيحدد أسلوب اتخاذ هذه الخيارات ما إذا كانت هذه الحلقة ستصبح قطيعة دبلوماسية قابلة للإدارة أم الفصل الافتتاحي في إعادة ترتيب مستمرة لسياسات التحالف.

توماس فالك

توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.