العراق بعد أمريكا

تقرير
جندي عراقي وسط عناصر أخرين يرفع علامة النصر خلال الاحتفال بمناسبة انسحاب القوات الأمريكية (أ ف ب)
جندي عراقي وسط عناصر أخرين يرفع علامة النصر خلال الاحتفال بمناسبة انسحاب القوات الأمريكية (أ ف ب)
ﺷﺎرك

غادرت آخر القوات القتالية الأمريكية العراق، في 30  سبتمبر، حيث احتفت واشنطن وبغداد وطهران بهذه الخطوة بوصفها “انتصاراً”، بينما أبدى القادة الأكراد موقفاً مخالفاً.

يحجب هذا الإجماع النادر قضيةً أكثر أهمية، إذ قد يشكّل العراق اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على ترسيخ حضورها السياسي والاستراتيجي في دولة محورية بالشرق الأوسط، من دون الاعتماد على الوجود العسكري الذي طالما دعم هذا الحضور.

تعمل واشنطن على تطبيع علاقاتها مع العراق عبر الاعتماد بدرجة أكبر على الشركاء المحليين، وأدوات الضغط المالي، والقدرات العسكرية التي تتيح لها التدخل من خارج المنطقة، لتعويض الانسحاب من البلاد.

تواجه واشنطن تحديات كبيرة؛ إذ إن قدرات شركائها الرئيسيين محدودة، كما فقد الأكراد منظومات الدفاع الجوي والصاروخي الأمريكية التي كانت توفر لهم الحماية في السابق، وكذلك، فإن تعزيز الروابط الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة يعتمد على ترسيخ الأمن والمضي قدماً في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.

قدرات شركاء واشنطن محدودة فالأكراد فقدوا منظومات الدفاع الأمريكية بينما تعزيز العلاقات بين العراق وأمريكا يتوقف على ترسيخ الأمن وتنفيذ الإصلاحات

وفي الوقت نفسه، يواصل البنتاغون تقليص انتشاره العسكري وإمكاناته في مختلف أنحاء المنطقة، وعلى النقيض من ذلك، لا تزال إيران تمتلك أوراق قوة مؤثرة، من بينها شبكة واسعة وقوية من الجماعات الحليفة، يمكنها عرقلة الخطط الأمريكية.

ستكشف تداعيات هذه الضغوط مدى قدرة النفوذ المالي على تعويض ما كانت توفره القوات الأمريكية من ردع وطمأنة وقدرة على الاستجابة للأزمات، حيث لن تقتصر تبعات هذه التجربة على العراق، بل ستمتد لتؤثر في مدى قدرة واشنطن على تقليص وجودها العسكري في أنحاء الشرق الأوسط.

العودة إلى الوطن

قدّمت كل عاصمة انسحاب القوات الأمريكية وفق رؤيتها الخاصة، حيث أشادت وزارة الدفاع الأمريكية بانتهاء عملية “العزم الصلب”، معتبرةً أنها تمثل الختام الناجح للمهمة العسكرية التي هزمت تنظيم داعش في العراق.

كما تفاخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلاً: “يمثل هذا اليوم انتصاراً للولايات المتحدة، وانتصاراً للعراق، وانتصاراً حاسماً على تنظيم داعش”، مضيفاً: “إن التنظيم دُمّر بالكامل على يد إدارة ترامب”.

أما الحكومة العراقية، فأعلنت يوم الانسحاب عطلة رسمية تحت اسم “يوم السيادة”، في حين وصفت جماعات موالية لإيران الانسحاب بأنه انتصار تاريخي على قوات الاحتلال الأمريكية.

في واشنطن، ركّز منتقدو الانسحاب على توقيته، معتبرين أنه كان ينبغي تأجيله إلى حين التوصل إلى تسوية للحرب الأمريكية-الإيرانية، تجنباً لظهور الولايات المتحدة بمظهر الضعف، ولمنع تشجيع الجماعات المسلحة المعادية لها في مناطق أخرى، كما دعوا إلى تعليق الانسحاب إلى حين إجراء مراجعة شاملة لمستقبل الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج.

في المقابل، يرى المدافعون عن الانسحاب أنه يتماشى مع الالتزامات الثنائية السابقة والتوقعات الراسخة بأن الوجود الأمريكي في العراق كان مؤقتاً، ويعتقدون أن القوات الأمريكية، التي كانت أقل عدداً، أصبحت منشغلة بحماية نفسها بدلاً من مكافحة الجماعات الإرهابية.

كما أن سحب هذه القوات يحرم طهران من إمكانية احتجاز جنود أمريكيين رهائن، إذ يقارن مؤيدو الانسحاب، فضلاً عن ذلك، بين مغادرة العراق بهدوء نسبي والانسحاب الأمريكي الفوضوي من أفغانستان عام 2021.

أطلقت الحكومتان على العلاقة بينهما في مرحلة ما بعد الانسحاب وصف “التطبيع“، حيث وصف البنتاغون هذه المرحلة بأنها “انتقال من مهمة تحالف عسكري في زمن الحرب إلى جهد أمني تقوده العراق، وتدعمه علاقة أمنية ثنائية أكثر اعتيادية”.

كما يصف العراقيون هذه المرحلة بأنها استعادة للسيادة، غير أن أياً من الوصفين لا ينطبق عليها بالكامل.

كلا الحكومتين تسعى إلى تقليص التركيز على الجانب الأمني، وتوجيه الاهتمام نحو تعزيز العلاقات التجارية، ولا سيما من خلال زيادة الاستثمارات الأمريكية في العراق، ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تسيطر على جانب كبير من الموارد المالية العراقية، في حين تنازع الميليشيات المدعومة من إيران الحكومة العراقية احتكار استخدام القوة.

الحكومتان الأمريكية والعراقية تسعيان إلى تقليص التركيز على الجانب الأمني والاهتمام بتعزيز العلاقات التجارية لا سيما عبر زيادة استثمارات واشنطن

 تحديات الشراكة

لا يزال مدى قدرة قوات الأمن العراقية على احتواء التهديدات المتطرفة موضع تساؤل، فوفقاً لتقديرات الأمم المتحدة وجهات مراقبة أخرى، بات تنظيم داعش في العراق والشام أضعف مما كان عليه في أي وقت خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، ومع ذلك، لا يزال يحتفظ بخلايا نائمة داخل العراق والدول المجاورة، ولا سيما سوريا.

ترامب خلال لقاء علي الزيدي (أ ف ب)
ترامب خلال لقاء علي الزيدي (أ ف ب)

يؤكد البنتاغون أنه سيواصل تقديم التدريب والدعم الاستخباراتي لشركائه العراقيين انطلاقاً من مركزه الإقليمي التابع للقيادة المركزية الأمريكية في الأردن، ويشمل هؤلاء الشركاء قوات البيشمركة الكردية وجهاز مكافحة الإرهاب الاتحادي، الذي يضم نحو 14 ألف عنصر ويتبع مباشرةً لرئيس الوزراء العراقي.

لكن هذه هي المرة الأولى منذ أكثر من عقد التي تعمل فيها قوات الأمن العراقية خارج إطار تحالف دولي داعم، إذ سيشكّل أداؤها مؤشراً أولياً على مدى قدرة الولايات المتحدة على الاستناد إلى شركائها المحليين للحفاظ على نفوذها في العراق.

في غضون ذلك، قلّصت إدارة ترامب من أولوية هدف أمريكي راسخ يتمثل في الحفاظ على شريك قوي يتمتع بحكم شبه ذاتي في إقليم كردستان العراق، فعندما غادرت القوات الأمريكية أربيل، سحبت معها منظومات الدفاع الجوي والصاروخي من الإقليم، الذي تعرض لمئات الهجمات بالطائرات المسيّرة منذ بداية العام.

كما فعلت واشنطن مع أكراد سوريا، قد تضغط الولايات المتحدة على حكومة إقليم كردستان للقبول بتراجع تدريجي في الحكم الذاتي والاندماج في الهياكل السياسية الاتحادية، حيث سيرحب كثير من القادة السياسيين العراقيين خارج الإقليم بهذه الفرصة لتقليص استقلاليته، إذ يحمّلون الاحتلال الأمريكي مسؤولية فرض دستور كرّس الانقسامات الطائفية ومنح إقليم كردستان استقلالية مفرطة.

ولا يزال من غير الواضح أيضاً إلى أي مدى ستدافع الحكومة المركزية العراقية عن إقليم كردستان في مواجهة إيران وتركيا، إذ لدى حكومتي البلدين دوافع للحد من نفوذ أكراد الإقليم، فرغم أن واشنطن لا تزال تنظر إلى الأكراد بوصفهم شريكاً أمنياً مهماً، فمن المرجح أن يستحضر كثيرون في إقليم كردستان المثل القائل: “ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال”.

يرى ترامب أن رئيس الوزراء علي الزيدي مرشحه المفضّل، لكن هذا التوصيف لا يعكس الحقيقة كاملة، حيث أسهم التدخل السياسي لترامب في إقصاء منافسي الزيدي، إلا أن القوى السياسية الشيعية ما كانت لتختاره لو لم يكن مقبولاً لدى جميع الأطراف الرئيسية المعنية.

ومنذ توليه منصبه في مايو، عمل الزيدي على توطيد علاقاته مع مسؤولين سياسيين وقادة في قطاع الأعمال الأمريكي، حيث ينظر كثيرون في أوساط واشنطن الرسمية إلى الزيدي بالطريقة نفسها التي ينظرون بها إلى أحمد الشرع، قائد سوريا الذي يحظى بدعم ترامب: بوصفه خياراً أفضل من البدائل المتاحة، لكن قدرته على تحقيق النتائج المرجوة لا تزال غير مؤكدة.

تأجيل نزع السلاح

قد يفسّر هذا التردد سبب استعداد واشنطن، فيما يبدو، لمنح الزيدي مزيداً من الوقت لإخضاع الميليشيات العراقية المتحالفة مع إيران لسلطة الدولة، حيث كان من المفترض أن يشكّل 30 سبتمبر موعداً نهائياً مزدوجاً، لكن بغداد أجّلت الجدول الزمني لنزع سلاح قوات الحشد الشعبي إلى يونيو 2027.

يتوقع مسؤولون أمريكيون أن تتمكن الحكومة العراقية من إخضاع الحشد الشعبي لسيطرتها عبر إجراءات قسرية وحوافز إيجابية، مثل منح قادة الميليشيات مناصب رفيعة في قوات الأمن العراقية والحكومة، حيث يضيفون أن انسحاب القوات الأمريكية أزال أحد المبررات التي كانت تستند إليها الميليشيات للاحتفاظ بأسلحتها.

ومع ذلك، تسود حالة من التشكيك، في الولايات المتحدة وخارجها، في احتمال تخلي كثير من المسلحين عن أسلحتهم بالكامل في المستقبل القريب، فمن وجهة نظر واشنطن، باتت المشكلة الرئيسية تتمثل في شن جماعات مرتبطة بإيران هجمات متكررة على القوات الأمريكية وأهداف حليفة في دول أخرى، ورغم أن نزع السلاح من شأنه أن يعالج هذه المشكلة بصورة أشمل، إلا أن وقف تلك الهجمات سيحدّ، على الأقل، من التهديد المباشر.

واشنطن ترى أن المعضلة في هجمات الجماعات الموالية لإيران على قواتها وحلفائها إذ أن نزع السلاح يعالج المشكلة لكن وقفها سيحدّ من التهديد المباشر

تسعى إدارة ترامب إلى معالجة هذه المشكلة عبر مسارات عدة؛ فعلى المدى البعيد، تأمل التوصل إلى تسوية للحرب تُلزم طهران بكبح جماح وكلائها الإقليميين، حيث ترى أن هزيمة إيران أو مصالحتها مع جيرانها العرب من شأنهما تقليص التهديد الذي تمثله هذه الجماعات، بما فيها الفصائل العراقية.

أما على المدى القريب، فتعوّل واشنطن على التهديد بالعقوبات، واستخدام القوة العسكرية المحدودة، والحوافز الاقتصادية لإقناع الحكومة العراقية وقادة الميليشيات بالحد من هجماتهم خارج العراق، ونظراً إلى صعوبة تحقيق نزع سلاح فعلي، قد تكتفي واشنطن باحتواء هذه الجماعات سلوكياً، عبر حملها على وقف استهداف القوات الأمريكية وشركائها.

حدود النفوذ المالي

تُبرز قضية الميليشيات صعوبة تحديد ميزان النفوذ بدقة بين طهران وواشنطن في العراق، نظراً إلى اختلاف أدوات القوة لدى الطرفين، فإيران تستثمر قربها الجغرافي والروابط الطائفية وعلاقاتها بالنخب، في حين تستند قوة الولايات المتحدة إلى تفوقها العسكري التقليدي وقدراتها في مكافحة الإرهاب ونفوذها الاقتصادي العالمي.

ترى الإدارة الأمريكية الحالية أن القوة الاقتصادية هي أداتها الرئيسية للنفوذ، لذا، تعتمد استراتيجيتها على مدى فاعلية هذه الأدوات في الردع وبناء الثقة والاستجابة للأزمات، بما يعوّض غياب القوات الأمريكية.

ويتمثل الهدف، الذي رحبت به الحكومة العراقية علناً، في زيادة الاستثمارات الأمريكية، بدءاً بإعادة تنشيط إنتاج النفط، ثم تنويع الصادرات، حيث يأمل المسؤولون العراقيون أن يسهم تعزيز انخراط القطاع الخاص الأمريكي في دعم الاقتصاد، وتقليص الاعتماد على إيران في الواردات الأساسية، وحماية العراقيين من فرض مزيد من العقوبات الأمريكية.

خلال زياراته إلى الولايات المتحدة، أشرف الزيدي على إبرام عشرات الاتفاقيات مع شركات أمريكية، قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات إذا نُفذت، حيث تسعى بغداد إلى زيادة صادرات النفط، التي توفر نحو 90% من إيرادات الحكومة، ونسبة أكبر من إجمالي عائدات الصادرات.

بحكم الإرث الذي خلّفه الغزو الأمريكي، يتولى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إدارة معظم هذه العائدات، التي يبلغ إجماليها حالياً نحو 84 مليار دولار، كما يعتمد العراق على النظام المالي الأمريكي وعلى الإمدادات المنتظمة من الدولارات.

أجّلت إدارة ترامب شحنات عدة من هذه الإمدادات للضغط على بغداد كي تنهي معاملات معينة مع جهات إيرانية، وفي الآونة الأخيرة، دفعت العقوبات الأمريكية المفروضة على شركات الطيران الإيرانية السلطات العراقية إلى تعليق الرحلات من إيران وإليها في مطار بغداد وثلاثة مطارات أخرى.

كما يتمثل مصدر آخر للنفوذ الأمريكي في حاجة قوات الأمن العراقية إلى قطع الغيار وغيرها من أشكال الدعم لصيانة مخزونها الكبير من الأسلحة المتطورة التي زودتها بها الولايات المتحدة.

تمنح هذه الأدوات واشنطن نفوذاً كبيراً على بغداد، لكنها لا تؤدي الوظائف نفسها التي كانت تضطلع بها القوات الأمريكية، فالقيود على الدولار والعقوبات قد تردع الحكومة العراقية عن التعامل مع جهات إيرانية، كما أظهر تعليق الرحلات الجوية، لكنها توفر نفوذاً محدوداً على الميليشيات التي تأتمر بطهران لا ببغداد، وكذلك، لا يمكن للاتفاقيات الاستثمارية أن تعوّض منظومات الدفاع الجوي والصاروخي التي كانت توفر الحماية للأكراد.

القيود على الدولار والعقوبات قد تردع العراق عن التعامل مع إيران فلا يمكن للاتفاقيات أن تعوّض منظومات الدفاع التي كانت توفر الحماية للأكراد

أما الفجوة الأبرز فتظهر في الاستجابة للأزمات؛ إذ يستغرق تأثير العقوبات وتأخير شحنات الدولار أشهراً، في حين يتطلب التصدي لهجوم تشنه الميليشيات أو عودة تنظيم داعش إلى النشاط استجابة خلال أيام.

علاوة على ذلك، تتوقف قدرة النفوذ المالي والتجاري الأمريكي على تعويض تراجع الوجود العسكري على مدى نجاح العراق في جعل بيئة الأعمال أكثر جاذبية للمستثمرين الدوليين، إذ يتطلب ذلك الحفاظ على مستوى أمني كافٍ لحماية المستثمرين الأجانب، ومعالجة مشكلات مزمنة تشمل الفساد وتضخم القطاع العام وعدم كفاءة القطاع المصرفي.

حتى إذا استوفت بغداد هذه الشروط، فمن غير المرجح أن يشكّل النفوذ الاقتصادي بديلاً عن الوجود العسكري الأمريكي الذي يجري تقليصه.

 السيناريوهات

من المرجح أن تتمكن الحكومة العراقية من مواصلة إدارة شؤون البلاد رغم تراجع الدور الأمريكي، مع الحفاظ على توازن طائفي هش داخلياً، وموازنة دقيقة وغير مستقرة في علاقاتها بين طهران وواشنطن، لكن تظل هناك سيناريوهات أكثر تعقيداً قد تختبر قدرة الوجود الأمريكي المحدود على حماية المصالح الأمريكية في العراق، تتمثل في:

 

أولاً: تجدد الصراع الداخلي

إذا اندلعت اشتباكات على خلفية نزع السلاح، فسيعتبر الحرس الثوري الإيراني، الذي تكبّد خسائر عبر حلفائه في غزة ولبنان، أن الدفاع عن شركائه في العراق ضرورة ملحّة، وإلى جانب نفوذه الأمني، يمتلك الحرس الثوري أصولاً اقتصادية كبيرة في العراق ويسعى إلى توسيعها.

وقد يدفع بمزيد من المقاتلين إلى العراق، وينفذ ضربات استعراضية بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد دول مجلس التعاون الخليجي، لردعها عن التدخل.

ورداً على ذلك، يُرجح أن تلجأ الملكيات الخليجية إلى واشنطن طلباً للمساعدة العسكرية، ومن المرجح أن تستخدم الولايات المتحدة قواتها الجوية والبحرية للدفاع عن شركائها في مجلس التعاون الخليجي، لكن إعادة نشر قوة برية كبيرة في العراق لمواجهة الإيرانيين مباشرة ستكون أكثر صعوبة، فقد يستغرق حشد قوة مناسبة أسابيع أو حتى أشهر، وخلال المواجهات التي قد تلي ذلك، يمكن للصواريخ الإيرانية أن توقع أعدادًا كبيرة من القتلى.

وقد يخلص رئيس أمريكي مستقبلي إلى أن التكاليف المتوقعة لمنع إيران من فرض سيطرتها العسكرية باهظة للغاية.

ثانياً: امتداد الأزمة السورية

يرتبط أمن العراق ارتباطاً وثيقاً بأمن سوريا، فقبل عقد من الزمن، أوجدت الحرب الأهلية السورية بيئة مواتية أسهمت في التوسع السريع لتنظيم داعش في البلدين، ورغم تعزيز أمن الحدود، إلا أن الاضطرابات في أحد البلدين قد تمتد بسهولة إلى الآخر.

كما زاد انسحاب القوات الأمريكية من البلدين من ترابط التحديات الأمنية فيهما، إذ تسعى واشنطن الآن إلى تحميل حكومتيهما المسؤولية الأساسية عن الأمن الوطني.

في كلتا الحالتين، أعطت الإدارة الأمريكية الأولوية لمكافحة الإرهاب، وفتح آفاق تجارية، وبناء حكومة مركزية قوية تربطها علاقات ودية بواشنطن، ولتحقيق هذه الأهداف المحدودة، قدم المسؤولون الأمريكيون حوافز تشمل تخفيف العقوبات، والتعاون الأمني، ولا سيما إبرام الصفقات التجارية، حيث أيدت الحكومات العربية وتركيا هذا النهج، لكن الجماعات الإرهابية لا تزال تحتفظ بخلايا وأنصار في البلدين، ينتظرون الفرصة لاستعادة السيطرة على الأراضي.

ومن شأن تجدد الهجمات الإرهابية أن يختبر قدرة واشنطن على التدخل بفاعلية من مواقع بعيدة، إذ يمكن للطائرات المسيّرة والقوات الخاصة العاملة انطلاقاً من قواعد نائية استهداف مواقع محددة، والاستيلاء على موارد الجماعات الإرهابية، وتقديم دعم عسكري محدود للشركاء الإقليميين، لكنها لا تستطيع السيطرة على الأراضي والاحتفاظ بها.

وإذا تمكنت الجماعات الإرهابية من التغلب على القوات الحكومية المحلية، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى الاعتماد على شركاء إقليميين، مثل تركيا أو إسرائيل، لاستعادة الأمن، أو إلى العودة بقوة عسكرية كبيرة.

طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز "سي-130 هيركوليز" تقل جنوداً أمريكيين تستعد للإقلاع من معسكر النصر في بغداد (أ ف ب)
طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز “سي-130 هيركوليز” تقل جنوداً أمريكيين تستعد للإقلاع من معسكر النصر في بغداد (أ ف ب)

ثالثاً: إعادة التموضع العسكري

اتفقت واشنطن على الانسحاب عسكرياً من العراق قبل سنوات من اندلاع الحرب الحالية مع طهران، ومع ذلك، قد يصبح هذا الانسحاب جزءاً من مراجعة أوسع لانتشار القوات الأمريكية في المنطقة بعد الحرب، حيث أظهرت المواجهة الأخيرة مدى تعرض القواعد الأمريكية للخطر جراء الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية وهجمات الجماعات الحليفة لطهران.

وقد يختار مخططو البنتاغون وصنّاع سياسات آخرون إعادة توزيع القوات الأمريكية بما يضمن انتشاراً أكثر قدرة على الصمود والدفاع، وفي هذه الحالة، قد يشكّل العراق اختباراً مهماً لفهم التداعيات العملية لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة وإعادة توزيع قواته.

إن العودة إلى نهج التموضع العسكري، الذي كان سائداً قبل تسعينيات القرن الماضي، ستقتضي توزيع القوات الأمريكية على نطاق أوسع، وستقتصر أي قواعد في العراق وسوريا ودول مجلس التعاون الخليجي على منشآت صغيرة أو مؤقتة، فيما ستتمركز القوات الأمريكية الرئيسية في الأردن وإسرائيل وغرب السعودية والقرن الأفريقي وتركيا ومناطق أخرى من أوروبا، إضافة إلى الأراضي الأمريكية.

كما سيُعتمد أساساً على الطائرات المسيّرة والقوات الخاصة لاستهداف مواقع محددة، بينما ستؤدي الولايات المتحدة دوراً داعماً للشركاء المحليين في العمليات الأكبر حجماً أو الأطول أمداً، وفي العراق، سيشمل هؤلاء الشركاء وحدات قوات الأمن العراقية غير التابعة للحشد الشعبي، وقوات البيشمركة في إقليم كردستان العراق.

سيتماشى هذا الانسحاب مع استراتيجية “أمريكا أولاً”، وكذلك مع نهج الأمن القومي التقدمي الذي يدعو بدوره إلى تقليص الانخراط الأمريكي في الشؤون العالمية، لكن، إلى جانب الاعتبارات العسكرية، ستظل إدارة التحالفات العامل الأهم.

قد ترى دول مجلس التعاون الخليجي أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي يقلل احتمالات تعرضها لمزيد من الضربات الإيرانية التي تستهدف القواعد الأمريكية المستضافة على أراضيها، وفي المقابل، قد تعتبره تراجعاً أمريكياً جديداً، يضاف إلى الانسحابات السابقة من أفغانستان وآسيا الوسطى وسوريا.

وقد يدفعها هذا التصور إلى التقارب مع طهران، أو البحث عن شركاء وترتيبات أمنية بديلة، مثل حلف مكة، أو تطوير برامج وطنية للأسلحة النووية، بل إن أنصار سياسة خارجية أمريكية أكثر تحفّظاً قد يرحبون بهذه النتيجة.

 الاختبار الحقيقي قادم

تراهن واشنطن في العراق على أن النفوذ المالي والشركاء المحليين والقدرة على توجيه الضربات من مسافات بعيدة، يمكن أن تضمن استمرار النفوذ الأمريكي بكلفة ومخاطر أقل مما يترتب على الوجود العسكري الدائم.

في أوقات الهدوء، قد يصمد هذا الرهان؛ إذ يُرجّح أن تتمكن بغداد من الحفاظ على توازنها بين طهران وواشنطن، مستندةً إلى العلاقات المالية والاتفاقات لتعزيز الروابط العراقية الأمريكية.

لكن الاختبار الحاسم سيأتي إذا اندلعت أزمة، فالعقوبات والاستثمارات قد تؤثر في خيارات الأطراف، لكنها لا تستطيع ردع الميليشيات المدعومة من إيران مباشرةً، أو حماية الأكراد، أو التصدي لعودة تنظيم داعش إلى التمدد، حيث ستقع هذه المهام على عاتق قوات بعيدة المدى والشركاء الإقليميين، الذين لا تزال قدراتهم على التدخل وموثوقيتهم موضع شك، وفي هذه الحالة، سيكشف العراق ما إذا كانت واشنطن تعيد صياغة أدوات قوتها العسكرية في الشرق الأوسط، أم أنها تكتفي بتقليصها.

الاختبار سيأتي عند اندلاع أزمة فالعقوبات والاستثمارات لا تكفي لردع الميليشيات أو حماية الأكراد أو مواجهة داعش ما يضع العبء على قوات بعيدة المدى والشركاء الذين لا تزال قدراتهم على التدخل وموثوقيتهم موضع شك

richard weitz
ريتشارد وايتز

ريتشارد وايتز زميل أول ومدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هادسون، وهو متخصص في قضايا الأمن الدولي والعلاقات بين القوى الكبرى مثل روسيا، الصين، و الولايات المتحدة، وحصل وايتز على شهادات أكاديمية مرموقة من جامعتي هارفارد، وأكسفورد، وكلية لندن للاقتصاد، وقبل انضمامه إلى معهد هادسون في عام 2005، عمل في عدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية، بالإضافة إلى وزارة الدفاع الأمريكية، وله العديد من المؤلفات والكتب، والتقارير، والمقالات المتخصصة.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
جنود دنماركيون في غرينلاند(أ ف ب)
تقرير
تقرير
طائرة تابعة لفلاي دبي تقل ركاب الرحلة التي اضطرت للهبوط في السعودية (أ ف ب)
تقرير
بقايا دبابة متفحمة قرب "غيريب أغيو" في جنوب تيغراي (أ ف ب)
تقرير
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير
النيجر ومالي وبوركينا فاسو يوقعون وثيقة تحالف دول الساحل (أ ف ب)
تقرير
طاقم غواصة بقاعدة فاسلين البحرية في اسكتلندا. (أ ف ب)
تقرير
خليل الحية زار مصر في 16 أغسطس 2026 والتقى رئيس المخابرات العامة المصرية
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.