شنت الولايات المتحدة، بالتنسيق مع إسرائيل، عملية عسكرية واسعة النطاق ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، استهدفت خلالها مواقع متعددة داخل أراضيها، ولا سيما في طهران وأصفهان ومدن أخرى، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المرشد الأعلى لإيران، علي خامنئي، قد قُتل خلال العملية، وهو ادعاء أكدته السلطات الإيرانية رسمياً صباح الأحد، في تطور يُعدّ أخطر ضربة استهدفت القيادة في تاريخ النظام، وتصعيداً بالغ الخطورة في الصراع الدائر بالشرق الأوسط.
إلى ذلك، ردّت إيران بالفعل باستهداف أصول ومصالح أمريكية وإسرائيلية في منطقة الخليج وخارجها، ما أدى إلى تحولات في موازين الأمن الإقليمي، وتعميق الانقسامات الدبلوماسية على المستوى الدولي، وإثارة تداعيات حادة داخل الساحة السياسية الأمريكية.
ترامب أعلن مقتل علي خامنئي في أخطر ضربة استهدفت رأس النظام الإيراني في تاريخه
الارتدادات الإقليمية وردود الفعل
بعد وقت قصير جداً من الضربات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أشارت استجابة طهران إلى أن القادة الإيرانيين كانوا يتوقعون حملة عسكرية وأنهم مستعدون لمواجهة إقليمية واسعة النطاق، حيث أطلقت القوات الإيرانية عدة دفعات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المسلحة، ليس فقط باتجاه القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج، بل أيضاً نحو الأراضي الإسرائيلية نفسها، حيث أُبلغ عن وقوع انفجارات في شمال إسرائيل، فيما دوّت صفارات الإنذار، وأكدت قوات الدفاع الإسرائيلية تصديها للمقذوفات القادمة.
بينما بدأ الرد الإيراني خلال ساعات من الضربات الأولى، واستمر في الوقت الذي انتقلت فيه طهران من مرحلة النفي الأولي إلى التأكيد الرسمي لمقتل خامنئي.

ردّت السلطات الإسرائيلية على وابل الهجمات بفرض حالة طوارئ شاملة في جميع أنحاء البلاد، وأُغلِقت المدارس وأماكن العمل، وحُظرت التجمعات العامة، كما تم استدعاء آلاف من جنود الاحتياط لتعزيز المناطق الحدودية.
لم تقتصر الضربات على إسرائيل، بل امتدت لتشمل مواقع عسكرية أمريكية في البحرين وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، التي تستضيف العديد منها عشرات الآلاف من الأفراد الأمريكيين.
وأفادت البحرين بأن صواريخ أصابت مقر قيادة الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية، بينما أقرت الإمارات وقطر في بيانات رسمية نجاح عمليات اعتراض الصواريخ، على الرغم من أن حطام صاروخ تم اعتراضه في أبوظبي تسبب في سقوط ضحايا مدنيين.
يبدو أن هذا الردّ متعدد المحاور مصمم بدقة لإلحاق خسائر متزامنة بالمواقع الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك بشركاء الخليج العربي الذين شكلت أراضيهم ومجالاتهم الجوية على الدوام ركيزة أساسية لإسقاط القوة الأمريكية في المنطقة، حيث أكدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية والبيانات الرسمية أن “جميع الأصول والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط أصبحت أهدافاً مشروعة” رداً على هذا الهجوم.
يبدو أن الردّ الإيراني متعدد المحاور مصمم بدقة لإلحاق خسائر متزامنة بالمواقع الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية وكذلك بشركاء الخليج العربي
أكدت وزارة الخارجية الإيرانية، في ردّها على القانون الدولي، أنها تمارس حقها في الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وأن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأولية تُعدّ انتهاكاً للسلم والأمن الدوليين، وقالت الوزارة في بيان للأمم المتحدة: “سنستخدم كل قوتنا ومواردنا لمواجهة هذا العدوان الإجرامي”.
من جانب آخر، أصدرت مجموعة الدول الثلاث الأوروبية، فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، بياناً مشتركاً أكدت فيه أنه، على الرغم من عدم مشاركتها في الضربات، إلا أنها تظل على اتصال وثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومع ذلك، يدين البيان الهجمات الإيرانية على دول المنطقة.
وعلى النقيض من ذلك، تفاعلت الدول الكبرى غير الغربية بحذر، وفي بعض الحالات وجهت انتقادات، حيث أعربت روسيا، من باب المفارقة، عن قلقها إزاء عدم الاستقرار الإقليمي، مع مراعاة علاقاتها الاستراتيجية، أما الصين فقد أعربت رسمياً عن “قلق بالغ” ودعت إلى احترام السيادة الإيرانية، بالإضافة إلى وقف الأعمال العدائية فوراً لصالح استئناف جهود التفاوض.
أما تركيا ودول فاعلة أخرى في المنطقة، حيث ناشدت بالمثل ضبط النفس، مشددة على خطر اندلاع صراع أوسع، وفي الأمم المتحدة، دعا الأمين العام أنطونيو غوتيريش إلى خفض التصعيد والانخراط العاجل في دبلوماسية فعّالة لمنع حرب أوسع، مؤكّداً قلق المجتمع الدولي إزاء حجم العمليات العسكرية وعدم اليقين القيادي الناتج عن وفاة المرشد الأعلى خامنئي.
السياق الاستراتيجي للهجوم
استهدفت الضربات المنسقة البنية التحتية العسكرية الإيرانية، ومنشآت الصواريخ، وبعض نقاط قيادة النظام والتحكم المختارة، حيث كان التركيز على المنشآت ذات الاستخدام المزدوج ومستودعات الصواريخ ليس عشوائياً، بل يعكس عقيدة استراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد تعتبر برنامج إيران الصاروخي، وليس الملف النووي وحده، التهديد العملياتي الأكثر إلحاحاً.
وتتمثل الحجة الإسرائيلية هنا ببساطة في أن التأهب النووي يمكن التحكم فيه عبر الاستخبارات والتخريب الموجّه، بينما القذائف الموجهة بدقة في أيدي نظام معادٍ ووكلائه تغيّر ميزان القوى العسكرية الإقليمي بشكل فوري.
من وجهة نظر تل أبيب، تبلور منطق هذه العملية على مدى سنوات، فمنذ انهيار الإطار النووي الأصلي خلال الولاية الأولى للرئيس ترامب وفشل المحاولات اللاحقة لإعادة بنائه، عملت إيران جاهدة على تقليص الوقت اللازم لاختراق النظام النووي، بالتزامن مع توسيع نفوذها الإقليمي عبر حزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق وسوريا، والحوثيين في اليمن، حيث ترى إسرائيل أن الردع يتآكل تدريجياً ولا ينهار بشكل مفاجئ، لذا تمثل الضربة محاولة لإعادة ضبط معادلة الردع من خلال الصدمة لا الاستنزاف.
أما بالنسبة لواشنطن، فإن الإطار الاستراتيجي أكثر تعقيداً، حيث وصف الرئيس دونالد ترامب الهجوم بأنه ضروري للدفاع عن المصالح الأمنية الأمريكية وحماية الحلفاء، لكنه طرح بعداً أيديولوجياً أوسع، ففي خطابه الذي أعلن فيه عن “عمليات قتالية كبرى”، خاطب الشعب الإيراني مباشرةً وحثه على مواجهة المؤسسة الدينية، حيث كان لهذا الخطاب أهمية بالغة، إذ أشار إلى أن الهدف سيتجاوز مجرد إضعاف القدرات إلى التأثير في النتائج السياسية، أي إحداث تغيير في النظام، وهو ما تجلّى بوضوح عندما اغتيل خامنئي فيما يبدو أنه هجوم مستهدف.
لم تتحول الحملة بعد إلى غزو بري، ولا حتى إلى حملة جوية مستمرة على نطاق الحرب على العراق عام 2003، لكنها تحمل رهاناً ضمنياً، وهو أن الضغط العسكري، عندما يقترن بالتوتر الاقتصادي القائم والاحتقان الاجتماعي داخل إيران، قد يساهم في تفجير الانقسامات الداخلية، إذ يشير الخطاب الموجَّه إلى الشعب الإيراني إلى أن واشنطن تسعى إلى تحويل العمل العسكري إلى لحظة سياسية على الأرض.
لم تتحول الحملة بعد إلى غزو بري ولا حتى إلى حملة جوية مستمرة لكنها تحمل رهاناً ضمنياً وهو أن الضغط العسكري قد يساهم في تفجير الانقسامات الداخلية
يُضفي هذا السياق الاستراتيجي بُعداً إقليمياً أيضاً، فقد أعادت اتفاقيات أبراهام تشكيل أجزاء من بنية التحالفات في الشرق الأوسط، لكنها لم تُلغِ المحور الإيراني، حيث عززت دول الخليج بهدوء التنسيق الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة، مع الحفاظ على توازن دبلوماسي مع طهران وبكين، لكن بشنّها ضربة مباشرة على إيران، أجبرت واشنطن وتل أبيب هذه الأطراف على اتخاذ موقف أكثر وضوحاً، وهو ما له تداعيات على حقوق التمركز العسكري، وأسواق الطاقة، والبنية طويلة الأمد للنظام الإقليمي.
وفاة خامنئي وديناميكيات الخلافة
انتشرت أنباء مقتل خامنئي في وقت متأخر من مساء السبت عبر تقارير من وسائل إعلام دولية كبرى وتصريحات رسمية من المصادر الإسرائيلية والأمريكية، وبعد فترة قصيرة، أكّد دونالد ترامب وفاة خامنئي، واصفاً الحدث بأنه لحظة محورية و”عدالة لشعب إيران وللعالم”، ووصف النتيجة بأنها ثمرة تعاون استخباراتي متقدم مع إسرائيل، مشيراً إلى أن الضربات الجوية المكثفة ستستمر حتى تحقيق الأهداف العسكرية.
كما تجاوز بيان ترامب مجرد نقل مجريات المعارك، إذ دعا عناصر القوات الأمنية الإيرانية والشعب إلى إعادة النظر في ولائهم للمؤسسة الدينية الحاكمة، بينما رفضت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية هذه المزاعم في البداية مساء السبت، قبل أن تؤكد السلطات رسمياً وفاة خامنئي صباح الأحد.
وعلى النقيض من ذلك، أكدت طهران وفاة خامنئي صباح الأحد، وأعلنت وسائل الإعلام الرسمية الحداد العام لمدة 40 يوماً تخليداً لذكرى المرشد الأعلى، بعد أن نُقل في البداية عن بعض المصادر نفيها للمقتل ووصفها تلك الأنباء بأنها حرب نفسية، قبل أن تؤكدها رسمياً.
وهذا يشير إلى أن رحيل المرشد يمثل ضربة قاصمة للبنية الدستورية للجمهورية الإسلامية، فهو ليس مجرد رمز، بل صاحب القرار النهائي في السلطة العسكرية وتوجيه السياسة الخارجية والشرعية الأيديولوجية، وفي الظروف العادية، يُفضي رحيله إلى عملية دستورية فورية لتحديد خليفة القيادة، إلا أنه في ظل الوضع الراهن، لا يمكن أن تتم الخلافة في بيئة سياسية محايدة، بل تحت ضغط عسكري وتهديد خارجي متزايد.
ينص الدستور الإيراني رسمياً على أن مهمة اختيار المرشد الأعلى الجديد تُوكل إلى مجلس الخبراء، على أن يتولى مجلس مؤقت السلطة لحين اختيار خليفة له.
من الناحية النظرية، يضمن ذلك استمرارية الإجراءات، أما على أرض الواقع، فإن ظروف الحرب ستعقّد عملية التداول والتنسيق على حد سواء، كما أن انقطاع الاتصالات، والمخاوف الأمنية، وتعبئة النخب حول أولويات الدفاع كلها عوامل ستؤثر على سرعة وطبيعة عملية صنع القرار.
ومع ذلك، ستؤثر البيئة الاستراتيجية بشكل كبير على عملية اختيار المرشد الأعلى، ففي ظروف الحرب الخارجية، تميل الجهات المؤسسية عادةً إلى إعطاء الأولوية للتماسك الداخلي، ومصداقية الردع، والسيطرة على أدوات القوة القسرية
ولكن، مع غياب إعلانات رسمية مؤكدة بشأن خلافة القيادة الإيرانية، يبدو أن الحرس الثوري الإيراني، الذي لعب دوراً محورياً في الاستجابة العملياتية أثناء الأزمة، يشكّل القوة المهيمنة في تنسيق الهياكل الدفاعية وقيادة العمليات.
مع غياب إعلانات رسمية مؤكدة بشأن خلافة القيادة الإيرانية يبدو أن الحرس الثوري الإيراني الذي لعب دوراً محورياً في الاستجابة العملياتية أثناء الأزمة يشكّل القوة المهيمنة في تنسيق الهياكل الدفاعية وقيادة العمليات
الديناميكيات السياسية في الولايات المتحدة
تتطور الأحداث في وقت يعاني فيه دونالد ترامب من هشاشة سياسية هيكلية، حيث كانت تقييمات شعبيته سلبية بشكل مستمر لأشهر، ليس بسبب فشل واحد محدد، بل نتيجة تراكم الشكوك بشأن كفاءته واستقراره وحكمه الاستراتيجي، وبشكل خاص في مجال السياسة الخارجية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي مفارقة، إذ يواصل الأمريكيون اعتبار إيران قوة معادية وتشكل خطر انتشار للأسلحة، ومع ذلك يُعبر جزء كبير منهم عن ثقة محدودة في قدرة ترامب على إدارة القوة العسكرية وتصعيد الأزمات.
لذا، تُعدّ هذه الضربات عملاً جيوسياسياً واختباراً داخلياً في آن واحد، فمن منظور العلوم السياسية، يحاول ترامب تحويل أزمة أمنية خارجية إلى فرصة لإثبات جدارته بالقيادة، لكن آلية التحويل هذه هشة، وغالباً ما يُبالغ في تصوير تأثير “الالتفاف حول القيادة” في التعليقات العامة.
عملياً، تميل موجات التأييد الجماهيري إلى الحدوث تحت شروط محددة، وذلك عندما يكون الفعل واضحاً على أنه دفاعي، وكذلك عندما تكون إشارات النخبة موحدة عبر الأحزاب، وعندما يكون الهدف الاستراتيجي مفهوماً ومحدوداً، إلا أن أياً من هذه الشروط غير متوفّر بالكامل في هذه الحالة، إذ انتقد الديمقراطيون في الكونغرس غياب التشاور، وأعرب بعض الجمهوريين عن قلقهم بشأن نطاق العملية ونتيجتها النهائية، بينما تتأرجح خطابيات الإدارة بين الردع والدبلوماسية القسرية والتلميح إلى تغيير النظام.
تزيد حالات الغموض هذه من صعوبة تحقيق التماسك الداخلي، فإذا كان الهدف الردع، فسوف يقيم الناخبون النجاح من خلال الحد من قدرات إيران وعودة الاستقرار، أما إذا انحرف الهدف نحو تغيير النظام، فإن معايير النجاح تصبح أكثر صعوبة وخطورة تاريخياً، حيث يتذكر الناخبون الأمريكيون حرب العراق وأفغانستان ليس باعتبارها حملات أخلاقية فحسب، بل كحكايات تحذيرية عن توسّع المهمة خارج السيطرة.
قاعدة الرئيس السياسية ليست متجانسة من الناحية الأيديولوجية، فهي تتكوّن من ثلاث كتل جزئية متداخلة على الأقل، تضم: لناخبين التقليديين في الحزب الجمهوري المهتمين بالأمن القومي، والقوميين الشعبويين المشككين في الانخراط في صراعات خارجية، والمحافظين الثقافيين الذين يركزون أساسًا على القضايا الداخلية.
وقد كانت المجموعة الثانية مركزية في تشكيل هوية ترامب كمرشح لـ”أمريكا أولاً”، وبالنسبة لكثيرين في هذه الفئة، كان الاختلاف الحاسم مع الموقف الجمهوري التقليدي يتمثل في معارضتهم للحروب المفتوحة في الشرق الأوسط، وبالتالي، فإن العمل العسكري ضد إيران قد يولّد تعارضاً معرفياً؛ إذ يمكن تأطيره على أنه قوة وصلابة، لكنه قد يُفسَّر أيضاً على أنه عودة إلى التدخلية نفسها التي كان ترامب ينتقدها سابقاً.
إلى ذلك، أشارت الانتقادات التي وجهتها شخصيات مثل مارجوري تايلور غرين، العضوة السابقة في الكونغرس، قبل الضربات، إلى وجود انقسام حاد داخل الائتلاف الحاكم، إذ حذرت غرين، إلى جانب أصوات أخرى ذات توجهات مماثلة، من ما وصفته بالانجرار نحو النزعة المحافظة الجديدة، مؤكدةً على ضرورة إعطاء الأولوية للتجديد الداخلي، ومراقبة الحدود، والسيادة الاقتصادية على حساب التدخلات العسكرية الخارجية.
اليوم، تضاف إلى ذلك الاضطرابات السياسية المستمرة المحيطة بتحقيقات جيفري إبستين، حيث أدى التركيز المتجدد على إصدار الوثائق، والشهادات أمام الكونغرس، وما يُزعم من تستر مؤسسي إلى خلق مناخ عام من عدم الثقة تجاه النخبة السياسية بالمفهوم الواسع.
وعلى النقيض من ذلك، حتى في غياب تهديد قانوني مباشر لترامب، إلا أن الجدل قد حافظ على بيئة سردية قائمة على الفضائح والغموض، وفي مثل هذه البيئة، يُنظر إلى أي إجراء تنفيذي كبير من خلال عدسة الشك، كما أن توقيت الضربات يحوّل اهتمام وسائل الإعلام بعيداً عن التحقيقات الداخلية بشكل ملائم، حيث لا توجد أدلة قاطعة على وجود نية للتحويل الإعلامي، ومع ذلك، في السياسة، يمكن أن تكون الإدراكات بنفس قوة الأدلة.
وبالتالي، من منظور الاتصالات الاستراتيجية، تواجه الإدارة حيزاً ضيقاً، فإذا أرادت الاستفادة من تأثير التجمع الوطني حول القيادة، يجب أن تعرض العملية على أنها ضرورية، ومتناسبة، ومحدودة، أما المبالغة، فتنطوي على خطر إعادة صياغة القصة من قيادة حاسمة إلى تصعيد متهور، بينما يقلل التقليل من التواصل من قدرة الإدارة على التحكم في السرد، ما يتيح للمعارضين تحديد القصة على أنها مغامرة سياسية، حيث أظهرت غريزة ترامب تاريخياً ميلاً نحو الخطاب المبالغ فيه إلى أقصى حد.
تزيد الانتخابات النصفية المقبلة من حجم المخاطر، إذ تعتمد سيطرة الكونغرس على هوامش ضيقة، فمن الناحية التاريخية، يواجه الرؤساء الذين تقل نسبة موافقتهم عن 50٪ عند دخولهم الانتخابات النصفية عوائق هيكلية؛ فبينما يمكن للنجاح في السياسة الخارجية تخفيف هذه العوائق، نادراً ما يتم محوها تماماً، أما الفشل فيمكن أن يزيدها، ومن ثم، تُعد العملية ضد إيران خطوة سياسية عالية المخاطر والتقلبات؛ فإذا أصبح الصراع طويل الأمد، أو عطل أسواق الطاقة، أو عرّض الأفراد الأمريكيين لمخاطر مستمرة، فسوف يجادل الديمقراطيون بأن ترامب راهن على الاستقرار الداخلي مقابل عرض جيوسياسي.

السيناريوهات المحتملة
يشير الصدام العسكري المباشر إلى تحول محتمل وعميق في الجغرافيا السياسية الإقليمية، إذ ثمة عدة نتائج استراتيجية محتملة، ولكل منها مخاطرها الخاصة:
الأول، صراعٌ طويل الأمد دون انهيار النظام:
في هذا المسار، تتطور المواجهات بين طهران والتحالف الأمريكي-الإسرائيلي إلى مواجهة عسكرية طويلة الأمد، حيث تستمر الضربات الخارجية في إضعاف القدرات العسكرية واستهداف قيادات محددة، لكنها لا تنجح في تفكيك جهاز الدولة الإيراني الأوسع أو مؤسساته القسرية.
كما يحافظ الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية المرتبطة به على تماسك تنظيمي كاف لاستمرار الردود المضادة وشنّ الحروب غير المتكافئة، وفي الوقت نفسه، تُضفي الجماعات الوكيلة والميليشيات الحليفة في أنحاء المنطقة (بما في ذلك العراق وسوريا ولبنان واليمن) طابعاً أوسع من التوتر الإقليمي على الصراع، حيث يظل التصعيد العملياتي دورياً بدلاً من أن يكون حاسماً.
في ظل هذه الظروف، قد تتأرجح إيران بين الرد وسعي الضغوط للتفاوض، لكن البنية الحاكمة الأساسية من الهيئات الأمنية والهرم الإداري وسلاسل القيادة تستمر في البقاء، حيث يصبح الصراع في هذه الحالة حالة استنزاف بدلًا من أن يفضي إلى حل واضح.
الثاني، إعادة تشكيل النظام الداخلي من قبل أصحاب النفوذ:
يفترض هذا السيناريو إعادة هيكلة داخلية جوهرية للسلطة ضمن النخبة السياسية الإيرانية، وليس انقلاباً كاملاً على الدولة، ففي حال مقتل أو عجز كبار قادة إيران، كالمرشد الأعلى، تصبح مسألة الخلافة محورية.
وقد تتفاوض الفصائل العسكرية والدينية العليا فيما بينها للحفاظ على استمرارية الدولة، كما قد تنتقل السلطة نحو النخب العسكرية (بما في ذلك كبار قادة الحرس الثوري) أو نحو مجلس انتقالي هجين مدني-عسكري مصمم لإدارة الحكم في ظل الظروف الصعبة.
ويختلف هذا النوع من تحوّل النظام عن الانهيار الكامل بأن استمرارية المؤسسات تبقى قائمة؛ إذ تنتقل السلطة بين الأيادي ضمن التحالف الحاكم القائم بدلاً من أن تتفكك الدولة.
الثالث، انهيار سريع للنظام وتفكك هيكلي:
أكثر الاحتمالات اضطراباً هو انهيار سريع لآليات الدولة الإيرانية نتيجة تراكم المعارضة الداخلية، وفقدان تماسك النخبة، وفشل قمع الحركات الاحتجاجية الشعبية الواسعة، حيث يحدث ذلك فقط إذا تخلت الأجهزة الأمنية عن ولائها للقيادة المركزية بشكل جماعي، وأكدت السلطات الإقليمية استقلاليتها، وأدت التعبئة الجماهيرية الواسعة إلى تقويض السيطرة المؤسسية.
كما يحمل الانهيار النظامي السريع شكوكاً ومخاطر بالغة، بما في ذلك الصراع الأهلي، وديناميكيات أمراء الحرب الناشئة، أو التدخلات الخارجية التي تسعى إلى تشكيل الفراغ، وهو ما يذكّر بالأنماط التاريخية التي لوحظت في سياقات أخرى حيث انهارت السلطة المركزية فجأة.
يحمل الانهيار النظامي السريع شكوكاً ومخاطر بالغة مثل الصراع الأهلي وديناميكيات أمراء الحرب أو التدخلات الخارجية التي تسعى إلى تشكيل الفراغ
الرابع، إعادة ضبط السياسة الأمريكية والانسحاب بسبب الضغوط الداخلية:
مسار متميز ولكنه متقاطع يتمثل في الضغط الناتج عن السياسة الداخلية الأمريكية الذي يغيّر التوجه الاستراتيجي للولايات المتحدة، فإذا تصاعدت المعارضة الكبيرة في الكونغرس، أو الرأي العام، أو التحديات القانونية المتعلقة بسلطات الحرب، قد يُجبر الفرع التنفيذي الأمريكي على تقليص المشاركة العسكرية المباشرة.
لقد أثار الإطار الذي قدّمه ترامب علناً للهجوم بالفعل انتقادات من بعض الشخصيات السياسية الأمريكية، وقد تدفع الردود السياسية الداخلية، والمخاوف بشأن القانون الدولي، والتداعيات الاقتصادية، إلى انخراط محدود، أو استخدام العقوبات كورقة ضغط، أو المطالبة بالاحتواء عبر التفاوض.
كما أن تقليص دور الولايات المتحدة العسكري بشكل كبير سيؤدي إلى تحوّل في موازين التفاوض داخل إيران ويُعيد تقييم طهران لمستوى التهديد والفرص المتاحة لها، ما قد يغيّر مسار العديد من السيناريوهات الأخرى المتوقعة في الصراع.
النتيجة الأكثر احتمالاً
الوضع على الأرض ما زال متطوراً، لذا من الصعب تقييمه بدقة، لكن بالنظر إلى ما نعرفه حتى الآن، وإلى نوايا الأفعال وطريقة تنفيذها، يشير ذلك إلى أن الصراع من غير المرجح أن يؤدي إلى انهيار فوري للنظام أو إعادة هيكلة سريعة للنظام الإيراني، نظراً لصمود وتكيّف مؤسسات القوة القسرية والجهاز الأمني.
وفي الوقت نفسه، فإن شدة الضربات الخارجية والانقسامات الداخلية تضع النظام تحت ضغوط غير مسبوقة، وتفتح الباب أمام إعادة ترتيب داخل النخبة أو احتواء تفاوضي إذا توافقت الضغوط في هذا الاتجاه.
في المحصلة، يُعدّ السيناريو الذي يتحول فيه الصراع المطوّل إلى إعادة تشكيل يقودها النخبة هو الأكثر احتمالاً على المدى المتوسط، لأنه يأخذ في الاعتبار كلاً من الضغط العسكري الخارجي والقيود السياسية الداخلية على جميع الفاعلين الرئيسيين.
قد يُعيد قتل خامنئي شكل القيادة في إيران، لكنه يبرز أيضاً مدى صعوبة تحويل القوة العسكرية إلى نتائج سياسية دائمة.



