تحويل الوقت إلى إعادة بناء القدرات العسكرية

تقرير
جيه دي فانس وجاريد كوشنر وعباس عراقجي وشهباز شريف قبل اجتماع لوسيرن (أ ف ب)
جيه دي فانس وجاريد كوشنر وعباس عراقجي وشهباز شريف قبل اجتماع لوسيرن (أ ف ب)
ﺷﺎرك

ساد الهدوء في إيران بعد إعلان وقف لإطلاق النار وبدء المحادثات لمدة 60 يوماً في 17 يونيو، بموجب مذكرة تفاهم، غير أن هذا الهدوء لا ينبغي أن يُفهم على أنه سلام، ففي ظل الانتهاكات المتكررة، يبدو وقف إطلاق النار اليوم أقرب إلى فترة لإعادة بناء القدرات العسكرية وتنظيمها تحت غطاء دبلوماسي، منه إلى نهاية حقيقية للأعمال العدائية، كما أن التوصل إلى تسوية أشمل يبدو مستبعداً، ولا سيما في ظل استمرار ميل إسرائيل إلى التحرك بشكل أحادي ضد حزب الله في لبنان.

بعد استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أدى هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية في 25 يونيو إلى شن الولايات المتحدة غارات جوية على إيران، حيث شكّل هذا الحادث أوضح مؤشر حتى الآن على أن اتفاق وقف إطلاق النار قد لا يكون سوى نافذة زمنية تُستغل لإعادة التزوّد والإصلاح، وإعادة تموضع القوات، وجمع المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز إجراءات حماية القوات، ووضع خطط الطوارئ استعداداً لأي تصعيد محتمل.

اليوم، في ظل استمرار هذا الهدوء الهش، تسارع كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى تحسين مواقعها الاستراتيجية، حيث يسعى كل طرف إلى إعادة بناء قدراته، ومعالجة مواطن الضعف، وتعزيز متانة أنظمته وبنيته التحتية، إذ لا تمثل هذه التحركات استعداداً للسلام، بقدر ما تمثل استعداداً لجولة جديدة من الحرب، فالطرف الذي ينجح في تحقيق مكاسبه خلال مرحلة إعادة بناء القدرات سيحظى بالأفضلية عندما تنهار المفاوضات مجدداً.

تسارع إيران وإسرائيل والولايات المتحدة إلى تحسين مواقعها الاستراتيجية وإعادة بناء قدراتها ليس استعداداً للسلام بل لجولة جديدة من الحرب

مشكلة إعادة بناء القدرات الأمريكية

تكمن مفارقة في صميم الاستراتيجية الأمريكية، فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وشركاءها يتمتعون بتفوق واضح في القدرات العسكرية، إلا أنهم يواجهون أزمة في إعادة تعويض مخزونات الذخائر المتطورة، حيث أثبتت الحملة التي استمرت 39 يوماً قدرة القوات الأمريكية وحلفائها على تنفيذ ضربات كثيفة ضد القيادات الإيرانية، والبنية التحتية الصاروخية، والمنشآت النووية، والأصول العسكرية الإقليمية، لكنها كشفت أيضاً عن نقطة ضعف هيكلية شديدة، تتمثل في أن حرب الضربات الدقيقة والدفاع الجوي تستهلك ذخائر تُعد في الوقت نفسه من الأصعب والأكثر تكلفة من حيث إعادة إنتاجها وتعويض مخزونها.

تتطلب أنظمة الضرب بعيدة المدى، ومنظومات الدفاع الجوي، والصواريخ الاعتراضية البحرية، والذخائر الموجهة بدقة، سنواتٍ لإعادة بناء مخزونها، وليس مجرد أشهر، فصواريخ توماهوك، والصواريخ الاعتراضية التابعة لمنظومتي باتريوت وثاد، إضافة إلى الصواريخ الاعتراضية SM-3 وSM-6، تعتمد على خطوط إنتاج بطيئة، ومكونات عالية التخصص، وتُصنَّع ضمن عملية صناعية تواجه قيوداً كبيرة.

مجمع أنفاق جبل الفأس المجاور لمنشأة نطنز النووية في أصفهان (أ ف ب)
مجمع أنفاق جبل الفأس المجاور لمنشأة نطنز النووية في أصفهان (أ ف ب)

وبينما تستطيع الولايات المتحدة إعادة نشر سفنها وطائراتها خلال أيام، فإنها لا تستطيع إعادة تعويض النقص في مخزونها الصاروخي بالوتيرة نفسها، فعلى سبيل المثال، لم تتمكن الولايات المتحدة خلال عام واحد إلا من إنتاج نحو 100 صاروخ توماهوك، و600 صاروخ اعتراضي لمنظومة باتريوت، و100 صاروخ اعتراضي لمنظومة ثاد، ومع ذلك، فقد استُهلك ما يعادل إنتاج عدة سنوات خلال أقل من ستة أسابيع من الحرب، ونتيجة لذلك، لجأ الرئيس دونالد ترامب إلى تفعيل قانون الإنتاج الدفاعي لإلزام القاعدة الصناعية بتوسيع إنتاج الذخائر العسكرية.

أسهم وقف إطلاق النار في خفض معدل استهلاك الذخائر، ما أتاح للصناعات الدفاعية وقتاً أطول لتحويل الزيادات في التمويل إلى إنتاج فعلي، كما وفر فرصة للمخططين العسكريين لإجراء تقييمات لأضرار المعارك، ومراجعة المخزونات المتبقية، وإعادة نقل وتحريك العتاد العسكري، وتحديد الحد الأدنى من أنظمة التسليح والذخائر اللازمة للحفاظ على قوة الردع والاستعداد لمواجهة مختلف السيناريوهات الطارئة في مسارح العمليات الأخرى.

أولويات إعادة بناء القدرات

تتمثل الأولوية الأولى لواشنطن في حصر مخزونات الذخائر، وإعادة تعويضها، وتطوير أساليب نشر منظومات الدفاع الجوي الجديدة وتكتيكات استخدامها، حيث يتعين على وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تحديد المخزونات التي تتطلب تعويضاً فورياً من الاحتياطيات القائمة، بما يستلزم تسريع عمليات الشراء والتوريد، وتمييزها عن تلك التي تستدعي توسيع الطاقة الإنتاجية على المدى الطويل.

وفي حين يستطيع الكونغرس تخصيص الاعتمادات المالية اللازمة، فإن القطاع الصناعي يحتاج إلى وقت لتأمين المكونات الفرعية، والمواد الدافعة والمتفجرة، والمكونات الإلكترونية، والمحركات الصاروخية، وأنظمة التوجيه، والمكونات اللازمة لعملية التصنيع.

منح وقف إطلاق النار واشنطن مهلة مؤقتة، إلا أن القيود التي تحدّ من عملية إعادة التزويد هي قيود هيكلية وطويلة الأمد، وسواء تعلق الأمر بتأمين المعادن الحيوية أو العناصر الأرضية النادرة أو المواد الكيميائية، فإن الأفق الزمني اللازم لذلك يمتد لسنوات، كما أن النجاح في هذه الجهود سيتطلب من الولايات المتحدة إقناع حلفائها وشركائها بتوفير الذخائر وغيرها من المدخلات الصناعية اللازمة لتصنيع مختلف أنواع الأسلحة والذخائر، غير أن ذلك يأتي في وقت تشهد فيه هذه التحالفات قدراً من التوتر يفوق ما شهدته في أي مرحلة قريبة من الذاكرة.

منح وقف إطلاق النار واشنطن مهلةً مؤقتة إلا أن القيود التي تحدّ من عملية إعادة التزويد بالمعادن الحيوية والعناصر الأرضية هي هيكلية وتمتد لسنوات

علاوة على ذلك، يتعين على البنتاغون التعامل مع التأثير المتزايد للحرب على الجداول الزمنية السياسية الداخلية، حيث كشفت حرب عام 2026 عن نقاط ضعف أمريكية حرجة في شبكات نقل الطاقة وسلاسل توريد الكبريت، إذ أثبتت أن أي اضطراب في منطقة الشرق الأوسط ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد المنزلي والقطاع الصناعي داخل الولايات المتحدة، بما يترتب عليه من آثار سياسية، ورغم أن القدرات العسكرية الأمريكية توفر خيارات متعددة، إلا أن الجداول الزمنية السياسية التي تحددها أسواق الطاقة العالمية ومعدلات التضخم هي التي تحسم الجدوى السياسية لهذه الخيارات، وهو ما يمثل الأولوية الأولى.

تتمثل الأولوية الثانية في الحفاظ على تموضع القوات الأمامية، ورغم أن هذه الانتشارات مكلفة وتفرض أعباءً عملياتية كبيرة، فإن تقليصها قد يؤدي إلى نشوء نقاط ضعف جديدة بشكل مبكر، حيث توفر مجموعات حاملات الطائرات، والمدمرات، وأصول الدفاع الجوي، ومنصات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات (ISR)، والقاذفات، وطائرات التزويد بالوقود، والقوات البرية، عنصر طمأنة للحلفاء، مع الإبقاء على خيارات إنفاذ القوة.

كما تتيح تنفيذ ردود فعل عسكرية، على غرار الغارات الجوية الأمريكية التي أعقبت الهجوم بالطائرات المسيّرة الإيرانية في مضيق هرمز، أما تقليص هذا التموضع فيُرسل إشارة إلى طهران مفادها بأن واشنطن تتعامل مع وقف إطلاق النار بوصفه إنهاء دائماً للصراع، وليس مجرد توقف مشروط للأعمال القتالية.

وتتمثل الأولوية الثالثة في جمع المعلومات الاستخباراتية، إذ إن وقف إطلاق النار يرفع بشكل كبير من قيمة عمليات المراقبة المستمرة، حيث تعمل قدرات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات (ISR) الأمريكية وحلفائها على متابعة مكثفة للقواعد الصاروخية الإيرانية، والأنفاق، ومنشآت الطائرات المسيّرة، والنشاط البحري، وأنظمة الدفاع الجوي، وتحركات الوكلاء، والمواقع النووية، وبالمثل، وبالنظر إلى الأضرار الجسيمة التي تسببت بها إيران فيما لا يقل عن 20 قاعدة أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط، فإن هذه الفترة تمنح القوات الأمريكية أيضاً وقتاً لإصلاح المنشآت الحيوية وتقييم تموضع القوات في بنية تحتية جرى تحصينها حديثاً.

التنسيق بين الحلفاء

تواجه إسرائيل ودول الخليج المتحالفة معها مشكلة مماثلة في مجال إعادة بناء القدرات، حيث ستسعى إسرائيل إلى إضعاف حزب الله بشكل أكبر، وإصلاح شبكات الدفاع الجوي، وتجديد مخزون صواريخ آرو الاعتراضية، ووضع اللمسات الأخيرة على خطط الطوارئ في حال طوّرت إيران سلاحاً نووياً أو فعّلت وكلاءها ضد إسرائيل بشكل كامل.

ونظراً للهجمات الصاروخية الإيرانية في المنطقة، ستعطي دول الخليج الأولوية للدفاع الجوي والصاروخي متعدد الطبقات، وأمن الموانئ، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز القدرة البحرية، وبينما تختلف كل دولة خليجية في تصورها للتهديد ونهجها التفاوضي مع إيران، فإن جميعها تدرك أن حتى فتح مضيق هرمز بالكامل لن يقضي على قدرة إيران على إلحاق خسائر فادحة عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والأنشطة السيبرانية وتفعيل الوكلاء.

إن تنسيق هذه الجهود يعزز قوة الردع في مختلف أنحاء المنطقة، بينما يؤدي انقسامها إلى منح إيران مزايا غير متماثلة يمكن استغلالها، حيث ستعطي الولايات المتحدة الأولوية للحفاظ على الذخائر وتقليل المخاطر، أما إسرائيل فستسعى إلى تعظيم جاهزيتها لاحتمال استئناف العمليات، سواء بشكل أحادي أو متعدد الأطراف.

تنسيق جهود إعادة بناء القدرات بين الحلفاء يعزز قوة الردع في مختلف أنحاء المنطقة بينما يؤدي انقسامها إلى منح إيران مزايا غير متماثلة يمكن استغلالها

والأهم من ذلك، ستطالب دول الخليج بتهدئة التصعيد مقرونة بحماية مصادر إيراداتها، سواء تعلق الأمر بالبنية التحتية للطاقة أو الشحن البحري، وباختصار، فإن وقف إطلاق النار يختبر تنسيق التحالف بقدر ما اختبرته العمليات العسكرية نفسها، وربما أكثر.

إعادة بناء القدرات الإيرانية

تدرك طهران بدورها أن وقف إطلاق النار يمثل فرصة لإعادة بناء وتطوير قدراتها العسكرية وقدرات وكلائها بشكل مكثف، إذ تتيح هذه النافذة الزمنية الممتدة لـ60 يوماً فرصة للتعافي من الضربات، وتعزيز استقرار النظام وترسيخه، وإعادة بناء القدرات العسكرية.

وبالإضافة إلى هذه المسارات الثلاثة، يعتقد النظام الإيراني أن عامل الوقت يعمل لصالحه، كما تحتفظ إيران بثقة دبلوماسية في مسار المفاوضات، إدراكاً منها لقدرتها على امتصاص الضربات وتنفيذ ردود فعالة، مع إلحاق قدر أكبر من الضرر الاقتصادي بالتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

في أعقاب الضربات الأمريكية والإسرائيلية، من المرجح أن القوات الإيرانية قد قامت بتقييم مدى صلاحية المواقع الصاروخية المتبقية، والأنفاق، ومراكز القيادة، وأنظمة الدفاع الجوي، ومنشآت الطائرات المسيّرة، والمواقع ذات الصلة بالأنشطة النووية، مع إصلاح ما يمكن إصلاحه من قدراتها التشغيلية.

ورغم أن البنية التحتية تحت الأرض مصممة لتحمّل الضربات الكبرى، إلا أن بقاء المنشآت سليمة لا يعني بالضرورة قابليتها للاستخدام الفوري، وهذا يعني أن إزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل سهولة الوصول، وإصلاح أنظمة الطاقة، وإعادة ربط الوحدات المقسمة، تُعد جميعها أنشطة أساسية لتحقيق الجاهزية العسكرية.

يتمثل الشرط الثاني في إعادة بناء قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فإيران لا تحتاج سوى إلى قدر كافٍ من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة والمعدات الثقيلة ومنصات الإطلاق المتبقية، بما يتيح جعل أي تحرك أمريكي جديد لفرض الإنفاذ أكثر كلفة سياسياً وعسكرياً، وحتى مع تعرض قدراتها لتدهور كبير، يمكن للقوات الإيرانية أن تمنح طهران قدراً مهماً من النفوذ عبر تهديد القواعد المجاورة والموانئ والمدن وبنية الطاقة التحتية والسفن التجارية في البحر.

وبناءً على ذلك، ستواصل إيران تعبئة منصات الإطلاق، ومواقع التخزين المخفية، ووسائل التمويه والخداع، وخطوط تجميع الطائرات المسيّرة، وبنية القيادة والسيطرة المحصنة.

يتمثل الشرط الثالث في تعزيز الوكلاء الإقليميين، إذ يمنح حزب الله، والحوثيون، والميليشيات العراقية، وغيرها من الجماعات المرتبطة بإيران، طهران خيارات للعمل دون عتبة الحرب المباشرة، ولحسن الحظ بالنسبة لأنصار وقف إطلاق النار، فإن عملية إعادة بناء هذه الشبكات الوكيلة المدعومة من إيران ستُموَّل بشكل مباشر عبر بنود المذكرة ذاتها.

الأموال غير المجمّدة وعائدات النفط المستعادة ستتدفق مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، الذي سيقوم بدوره بتمويل هذه الشبكات وإعادة تسليحها وتعزيز قدراتها، ويمكن لطهران تحقيق امتثال اسمي للمذكرة، في الوقت الذي تواصل فيه تمكين عمليات الوكلاء عبر أنشطة مضايقة، واستطلاع حدود الردع من خلال تحركات هجينة، واختبار مدى استعداد واشنطن لاستئناف العمليات العسكرية من أجل إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً.

هذا الديناميك يجعل وقف إطلاق النار قائماً على أرضية هشة، إذ تستطيع إيران تحصين المواقع، وتشتيت الأصول، وإعادة تفعيل أنظمة القيادة والسيطرة، ونقل المكونات، وتجديد مخزونات الطائرات المسيّرة، وإعادة بناء شبكات الوكلاء، مع البقاء في الوقت نفسه ملتزمة رسميًا بالمسار الدبلوماسي.

كما تستفيد طهران بشكل إضافي من التدفقات المالية المفاجئة التي أتاحتها جولات التفاوض الأولية، حيث ستعتمد على أسلوب التدرّج في التحرك لاختبار قدرة التحالف على التحمل وحدود الرد، بالتوازي مع تعزيز موقعها الاستراتيجي.

يتمثل الهدف الإيراني خلال نافذة الستين يوماً في تحقيق تعافٍ غير متماثل، إذ تسعى طهران إلى الحفاظ على قدر كافٍ من القدرات العسكرية وقدرات الوكلاء بما يضمن أنه في حال فشل المفاوضات، فإن أي محاولة جديدة للضغط ستكون مكلفة إلى حد يصعب تحمّله بالنسبة لواشنطن وحلفائها في المنطقة.

دبابات الجيش الإسرائيلي متمركزة على طول الحدود الإسرائيلية-اللبنانية (أ ف ب)
دبابات الجيش الإسرائيلي متمركزة على طول الحدود الإسرائيلية-اللبنانية (أ ف ب)

ومن المرجح أن يتآكل وقف إطلاق النار تدريجياً عبر اختبارات صغيرة ومحدودة: دفعة صاروخية عشوائية، أو هجوم بطائرة مسيّرة من قبل ميليشيا، أو اختراق سيبراني، أو حادثة بحرية، أو خلاف حول عمليات التفتيش، ومع ذلك، إذا اكتملت فترة الستين يوماً، فإن السيناريوهات التالية ستكون الأكثر ترجيحاً.

من المرجح أن يتآكل وقف إطلاق النار تدريجياً عبر اختبارات صغيرة ومحدودة: دفعة صاروخية أو هجوم من قبل ميليشيا أو اختراق سيبراني أو حادثة بحرية

سيناريوهات نهاية المهلة

ينبغي تحليل فترة الستين يوماً القادمة عبر تتبع النشاط العسكري القابل للتحقق وتقييم سيناريوهات نهاية النافذة المحتملة، حيث يتعين على المراقبين تقييم الكيفية التي سيُشكّل بها توازن القوى العسكري المعدّل مسار الدبلوماسية عند انتهاء المهلة الزمنية.

السيناريو الأول: خفض التصعيد المُدار

يحافظ كل من الولايات المتحدة وشركاؤها على قدر كافٍ من القدرات العسكرية الإقليمية لردع أي محاولات التفاف أو خرق من جانب إيران، فيما تحدّ إيران من أنشطة الوكلاء، وتقبل بفرض قيود نووية قابلة للتحقق.

ويبقى مضيق هرمز مفتوحاً، وتستقر أسواق الطاقة، ويتحوّل وقف إطلاق النار إلى إطار أكثر استدامة، حيث يتطلب هذا السيناريو إنفاذاً منضبطاً، وتنسيقاً حليفاً عالي المستوى، واتفاقاً نهائياً يتضمن آليات تحقق صارمة ومكثفة.

السيناريو الثاني: توقف غير متماثل

يُسهم وقف إطلاق النار في تقليل القتال المباشر، لكنه يستمر في تحقيق فوائد غير متكافئة لصالح إيران، إذ تعمل طهران على استعادة الإيرادات، وإعادة بناء قدراتها العسكرية، وتحسين تحصين المواقع، وإعادة تنشيط شبكات الوكلاء، في الوقت الذي تتعثر فيه المفاوضات.

وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة الحفاظ على مخزون الذخائر، لكنها تخفف من مستوى الضغط الميداني، ومع نهاية النافذة الزمنية، تخرج إيران في موقع أقوى مما كانت عليه عند بدء وقف إطلاق النار.

ويمثل هذا السيناريو الخطر الأكثر ترجيحاً إذا ما تعاملت واشنطن مع التوقف بوصفه نجاحاً دبلوماسياً، بدلاً من اعتباره نافذة للتحضير العسكري وإعادة بناء القدرات.

السيناريو الثالث: استئناف الإنفاذ العسكري

تفشل المفاوضات، وتتجاوز إيران عتبة نووية أو عتبة تتعلق بوكلائها، لتستأنف الولايات المتحدة أو إسرائيل حملة عسكرية واسعة النطاق.

ويبدأ هذا الطور في ظل ظروف مغايرة بشكل كبير، فرغم أن الاستهداف سيعتمد على معلومات استخباراتية مُحدّثة، إلا أن الأصول الإيرانية المتبقية ستكون أكثر تمويهاً وتشتتاً وتحصينا، وبالتالي، يُعاد إشعال الصراع في ظل تكاليف أعلى بكثير على جميع الأطراف، سواء من حيث الموارد أو المخاطر العملياتية أو التداعيات الاستراتيجية.

السيناريو الرابع: تباين مواقف التحالف

رغم أن الولايات المتحدة تفضل تمديد المسار الدبلوماسي، إلا أن إسرائيل قد تصل إلى قناعة بأن ملف الوكلاء الإيرانيين مثل حزب الله أو مسألة التطوير النووي الإيراني يمثلان خطوطاً حمراء غير قابلة للتسوية، ما يدفعها إلى استئناف عمليات عسكرية واسعة النطاق على هذا الأساس.

في المقابل، تركز دول الخليج على استقرار الملاحة البحرية بوصفه عنصراً حاسماً في حماية الإيرادات، مع مطالبة متزايدة بتعزيز الدفاعات ضد تهديدات الصواريخ، ويكفي في هذا السيناريو أن تتباعد تصورات التهديد بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، بما يؤدي إلى تفكك تماسك التحالف وانقسامه.

مخاطر التراخي الاستراتيجي

حتى الآن، يسهم اتفاق وقف إطلاق النار عملياً في إتاحة مزيد من الوقت للقوات العسكرية وأجهزة الاستخبارات والصناعات الدفاعية وشبكات الوكلاء لإعادة الإصلاح وإعادة التزوّد بالقدرات والموارد.

لكن يتعين على واشنطن التعامل مع نافذة الستين يوماً باعتبارها فترة استعداد لفرض العقوبات والردع وينبغي لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) الحفاظ على التموضع العسكري الإقليمي ومستويات الجاهزية اللازمة لردع أي محاولات خرق، وتسريع عملية إعادة تزويد المخزونات من الذخائر، وتعميق تبادل المعلومات الاستخباراتية مع إسرائيل وشركاء الخليج، إلى جانب تحديد واضح ومحاكاة دقيقة للعواقب التي ستواجه إيران في حال حدوث انتهاكات تتعلق بالبرنامج النووي أو أنشطة الوكلاء أو الهجمات السيبرانية أو الحوادث البحرية.

ولا ينبغي الخلط بين خفض التصعيد وبين نزع الجاهزية أو التفكيك العملياتي، حيث يمكن للدبلوماسيين في الوقت الراهن التحكم بوتيرة الأحداث، إلا أن الجيوش تواصل فعلياً إعادة التزود بالقدرات والاستعداد لاحتمال انهيار المفاوضات، حيث سيتوقف نجاح وقف إطلاق النار على كيفية خروج الولايات المتحدة وشركائها من هذه المرحلة، وعلى ما سيقومون به في الفترة التي تسبق انتهاءه.

لكن في حال لم تكن إجراءات التحضير والجاهزية شاملة بما يكفي، فقد لا يقتصر فشل وقف إطلاق النار على عدم تحقيق هدفه في إحلال السلام، بل قد يؤدي أيضاُ إلى تمكين الخصم الأضعف من إعادة بناء قدراته وتعزيز موقعه الاستراتيجي.

في حال لم تكن إجراءات التحضير والجاهزية شاملة بما يكفي فقد لا يقتصر فشل وقف إطلاق النار على عدم تحقيق هدفه في إحلال السلام بل تمكين الخصم الأضعف من إعادة بناء قدراته

جهارا فرانكي ماتيسِك، طيّار قائد في القوات الجوية الأمريكية
جهارا ماتيسك

المقدم جهارا فرانكي ماتيسِك، طيّار قائد في القوات الجوية الأمريكية، ومتخصص في شؤون النزاعات والاستراتيجية والمساعدة الأمنية، درّس في أكاديمية القوات الجوية الأمريكية وكلية الحرب البحرية الأمريكية، ومؤلف كتابين.

*تنويه*
الآراء الواردة هنا هي آراء شخصية، ولا تعبّر عن الموقف الرسمي لكلية الحرب البحرية، أو القوات الجوية، أو وزارة الدفاع، أو أي جهة تابعة لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.