المادة 42.7 تصطدم بقيود “الناتو”

تقرير
الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، خلال اجتماعاً للجنة الأمن والدفاع في بروكسل(أ ف ب)
الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، خلال اجتماعاً للجنة الأمن والدفاع في بروكسل(أ ف ب)
ﺷﺎرك

السؤال الحاسم في أزمة الأمن الأوروبية المقبلة لا يتمثل في ما إذا كان بإمكان حلف شمال الأطلسي”الناتو” ردع خصم خارجي، بل في مدى قدرة الاتحاد الأوروبي على الدفاع عن دولة عضو عندما تكون الأزمة نفسها متعلقة بحليف داخل الحلف، ففي ظل الحرب الروسية في أوكرانيا، والتصعيد في الشرق الأوسط، وعدم اليقين بشأن الالتزامات الأمريكية طويلة الأمد، تتعمّق أزمة خفية داخل أوروبا. ولم تعد التناقضات في بنية الأمن الأوروبية لم تعد نظرية فحسب، بل باتت تعكس فجوة متزايدة بين الالتزامات السياسية والجاهزية العملياتية الفعلية.

وهذا هو جوهر الجدل المتجدد حول المادة 42 (7) من معاهدة الاتحاد الأوروبي، التي تلزم الدول الأعضاء بتقديم العون والمساعدة إذا تعرضت إحداها لهجوم. وقد كشف هذا النقاش عن نقاط ضعف في الوضع الأمني الأوروبي، ما يعزز الرأي القائل إن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لم يعد طموحاً بعيد المدى، بل ضرورة استراتيجية ملحّة. ويعود ذلك إلى أن أوروبا طوّرت التزاماتها السياسية في مجال الدفاع المتبادل بوتيرة أسرع من تطوير الآليات العملية اللازمة لتطبيقها في أوقات الأزمات. وفي هذا السياق، برز شرق البحر المتوسط باعتباره الساحة التي تتقاطع فيها هذه الضغوط بشكل واضح.

لم يعد الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي طموحاً بعيد المدى بل ضرورة استراتيجية ملحّة حيث طوّرت أوروبا التزاماتها السياسية في مجال الدفاع المتبادل بوتيرة أسرع من تطوير الآليات العملية اللازمة لتطبيقها في أوقات الأزمات

تركيا بين الناتو والاتحاد الأوروبي

تصدرت هذه القضية الواجهة خلال رئاسة قبرص لمجلس الاتحاد الأوروبي، ما حوّل النقاش من لغة المعاهدات إلى آليات التطبيق العملي. وذلك حين دعا الرئيس القبرصي نيكوس خريستودوليدس إلى دراسة أكثر عمقاً لكيفية تطبيق المادة 42(7) فعلياً، ما دفع مسؤولي الاتحاد الأوروبي إلى بحث مسائل تنسيق الأزمات، والدعم العسكري، وإدارة التصعيد.

ويأتي هذا التصاعد في النقاش المؤسسي في ظل تحولات عميقة شهدتها البيئة الأمنية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة. فقد أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 إحياء المخاوف بشأن اعتماد أوروبا على الضمانات الأمنية الأمريكية، وكذلك التداعيات الاستراتيجية للاعتماد السابق على الطاقة الروسية. كما زادت الحروب الإسرائيلية في غزة ولبنان، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي أعقبتها، من المخاوف بشأن امتداد تداعيات أزمات الشرق الأوسط إلى شرق البحر المتوسط. إذ كشفت الهجمات الصاروخية، ونشاط الطائرات المسيّرة، وتعطّل المسارات البحرية، عن تزايد مظاهر عدم الاستقرار في الجناح الجنوبي لأوروبا.

من موقع سقوط مسيرة روسية في شرق رومانيا (أ ف ب)
من موقع سقوط مسيرة روسية في شرق رومانيا (أ ف ب)

وبات المسؤولون الأوروبيون يدرسون سيناريوهات قد يعجز فيها “الناتو” عن الاستجابة بصورة موحدة بسبب الانقسامات بين الحلفاء وحالة عدم اليقين المرتبطة بالقيادة الأمريكية. وقد عزز ذلك مساعي الاتحاد الأوروبي نحو تحقيق الاستقلالية الاستراتيجية، وهو مفهوم رفعته الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي لعام 2016 إلى مستوى الهدف المعلن. ويقوم هذا المفهوم على تقليص الاعتماد على الأطراف الخارجية وتعزيز قدرة الاتحاد على التحرك في بيئة دولية تتسم بالتنافس والاضطراب. ومن الناحية الدفاعية، يعني ذلك تنسيق الاستجابة للأزمات وتقديم الدعم المتبادل حتى في ظل عدم اليقين بشأن تماسك “الناتو” أو القيادة الأمريكية.

في هذا السياق، تُعد المادة 42(7) محور هذه المعضلة. غير أن النقاش الدائر حولها كشف عن تناقض بنيوي داخل الهيكل الأمني الأوروبي؛ إذ قد تصبح التزامات الدفاع المتبادل في الاتحاد الأوروبي أكثر أهمية تحديداً في أزمة يكون فيها “الناتو” نفسه مقيّداً سياسياً وغير قادر على التحرك بفعالية. ويبرز هذا التناقض بشكل خاص في شرق البحر المتوسط، حيث تُعد تركيا حليفاً في الناتو، وفي الوقت نفسه منافساً مباشراً لدولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي، هما اليونان وقبرص.

ويُولّد ذلك تحدياً استراتيجياً أوسع نطاقاً، يتمثل في ما إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي قادرة على تنسيق تحرك جماعي خلال أزمة تشمل دولة عضواً في “الناتو” دون تقويض تماسك الحلف أو تأجيج التوترات في شرق البحر المتوسط. والأهم من ذلك، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت المادة 42(7) تمثل آلية تشغيلية حقيقية للاستجابة للأزمات أم أنها لا تزال في جوهرها التزاماً سياسياً.

يتمثل التحدي الاستراتيجي في ما إذا كانت دول الاتحاد الأوروبي قادرة على تنسيق تحرك جماعي خلال أزمة تشمل دولة عضواً في “الناتو” دون تقويض تماسك الحلف أو تأجيج التوترات في شرق المتوسط

 التزام سياسي أم أداة تنفيذية؟

يتزايد الجدل حول المادة 42(7) ليركّز بصورة متزايدة على كيفية تطبيقها عملياً. فهي تُلزم دول الاتحاد الأوروبي بتقديم “العون والمساعدة بكل الوسائل المتاحة لها” إذا تعرضت إحدى الدول الأعضاء لهجوم. لكنّها، بخلاف المادة 5 من معاهدة حلف الناتو، لا تنشئ قيادة عسكرية موحدة، ولا قوة تدخل دائمة، ولا خطة عمليات محددة مسبقاً، ولا آلية واضحة لإدارة التصعيد. وفي الواقع، فإن وجود آلية تنفيذية فعّالة يتطلب أكثر من مجرد نص قانوني في معاهدة. إذ يحتاج إلى إجراءات تنسيق معدّة مسبقاً، وهياكل لإدارة وقيادة الأزمات، وترتيبات لتبادل المعلومات الاستخباراتية، وقدرات لوجستية، وأنظمة عملية تتيح الاستجابة العسكرية والسياسية.

وقد أصبحت هذه الثغرات محوراً أساسياً للنقاشات التي بادرت إليها قبرص خلال الاجتماع غير الرسمي لقادة دول وحكومات الاتحاد الأوروبي في أبريل الماضي. وبحث المسؤولون، وفق التقارير، آليات تنفيذ المادة، بما في ذلك أساليب التنسيق بين الدول الأعضاء، ووضع سيناريوهات محتملة للأزمات، وإجراء تدريبات ومحاكاة لكيفية التعامل معها. ويعكس هذا تحولاً أوسع من الاكتفاء بالتأكيد على مبدأ التضامن الأوروبي إلى التركيز على كيفية تطبيق هذا التضامن عملياً عند وقوع أزمة حقيقية.

وتُظهر المداولات الدائرة حول نماذج دفاعية أوروبية بديلة المشكلة نفسها بوضوح أكبر. فـالقوة الاستكشافية المشتركة ” JEF”، التي أُنشئت عام 2014 بقيادة المملكة المتحدة، تُعد مثالاً على كيفية سعي بعض الدول الأوروبية إلى بناء أطر دفاعية أسرع في الاستجابة، خارج نظام “الناتو” الذي يعتمد على توافق جميع الأعضاء لاتخاذ القرار.

وتتميز هذه القوة بقدرتها على التواصل السريع وبدرجة من الاستقلال عن هياكل القيادة المباشرة للولايات المتحدة، ما يجعلها مفيدة في التخطيط لمواجهة الأزمات المحتملة. لكن في المقابل، تُظهر أيضاً حدود هذه النماذج الدفاعية المجزأة داخل أوروبا. فهي تركز بشكل أساسي على شمال أوروبا، ولا تضم دولاً أوروبية كبرى مثل فرنسا وألمانيا وبولندا.

وبينما توفر هذه الصيغة سرعة ومرونة للدول المشاركة، فإنها لا تصلح لتكون نظام دفاع جماعي على مستوى الاتحاد الأوروبي، ولا تعالج التعقيد القائم بين دور حلف الناتو ودور الاتحاد الأوروبي. لذلك، تبقى المادة 42(7) مهمة من الناحية القانونية، لكنها غير مكتملة عملياً. فهي تُلزم الدول الأعضاء بتقديم المساعدة عند تعرض أي منها لهجوم، لكن الاتحاد الأوروبي لا يملك حتى الآن الآليات والإجراءات التي تسمح بتحويل هذا الالتزام إلى استجابة منسقة وفعالة خلال الأزمات الكبرى.

تبقى المادة 42(7) مهمة من الناحية القانونية لكنها غير مكتملة عملياً فهي تُلزم الدول الأعضاء بتقديم المساعدة عند تعرض أي منها لهجوم لكن الاتحاد الأوروبي لا يملك الآليات والإجراءات التي تسمح بتحويل هذا الالتزام إلى استجابة منسقة وفعالة

تتجلى هذه الفجوة بشكل خاص في شرق البحر المتوسط. فأي مواجهة تشمل تركيا أو اليونان أو قبرص ستثير فوراً تساؤلات لا يقدّم نص المعاهدة إجابات واضحة عنها. فهل ستشمل المساعدة نشر قوات بحرية، أو تبادل المعلومات الاستخباراتية، أو الدفاع السيبراني، أو الدعم اللوجستي، أو تنسيقاً عسكرياً مباشراً؟ وأي الدول ستتولى قيادة الاستجابة؟ وهل ستبقى هياكل حلف الناتو مركزية إذا كانت الأزمة نفسها تتضمن توتراً مع دولة عضو في الحلف؟

هذه الأسئلة العالقة تكشف حدود الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية الحالية. فقد طوّر الاتحاد الأوروبي التزامات سياسية بشأن الدفاع المشترك بوتيرة أسرع بكثير من تطوير الهياكل المؤسسية والعسكرية اللازمة لتنفيذها في سياق أزمة داخل تحالف منقسم سياسياً.

ولا تقتصر المشكلة على البعد المؤسسي، بل تمتد إلى البعد السياسي أيضاً. إذ لا تتشارك دول الاتحاد الأوروبي التصورات نفسها للتهديدات. فـقبرص واليونان، على سبيل المثال، ستنظران على الأرجح إلى أي أزمة في شرق المتوسط من زاوية الأمن الإقليمي والتضامن الأوروبي، بينما قد تعطي حكومات أوروبية أخرى الأولوية لتماسك “الناتو”، أو لخفض التصعيد مع تركيا، أو لتجنب الانخراط العسكري المباشر.

ومن شأن هذه التباينات أن تعقد تفعيل المادة 42(7) حتى قبل الوصول إلى مسائل القيادة أو اللوجستيات أو القدرات العسكرية. ولهذا تُعد تركيا حالة الاختبار المركزية. فهي ليست مجرد فاعل إقليمي آخر، بل الموقع الذي يكشف بوضوح التناقض بين تضامن الاتحاد الأوروبي وتماسك “الناتو”.

تركيا كحالة اختبار هيكلية

بصفتها عضواً في “الناتو” وقوة عسكرية إقليمية كبرى، تشارك تركيا في المنظومة الأمنية الغربية، رغم استمرار خلافاتها الطويلة مع دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي. ويتشكل حضورها في شرق البحر المتوسط وفق رؤية استراتيجية أوسع تُعبّر عنها محطات ومفاهيم مثل “قرن تركيا”، و”رؤية العالم التركي 2040″، إضافة إلى أهداف 2053 و2071. وتعكس هذه الأطر مجتمعة طموح أنقرة إلى ترسيخ موقعها كمركز قوة مستقل إقليمياً وجيوسياسياً، و”قطباً ثالثاً” معززاً ومستقلاً استراتيجياً بين المعسكر الصيني–الروسي والتحالف الغربي.

ويمزج هذا النهج بين الحزم الإقليمي، والقومية، والتأطير الأيديولوجي الانتقائي، وموازنة القوى البراغماتية. وفي شرق المتوسط، يترجم هذا المسار إلى جهود لتوسيع النفوذ البحري، ومنع استبعاد تركيا من ترتيبات الطاقة الإقليمية، وتعزيز دورها كفاعل إقليمي حاسم.

فاستراتيجية تركيا تُحوّل النزاعات العالقة إلى نقاط ضغط متكررة. فأنشطة التنقيب التركية قرب المناطق التي منحتها قبرص تراخيص استكشاف فيها، والخلافات حول المناطق الاقتصادية الخالصة، والتحركات العسكرية حول جزيرة “كاستيلوريزو”، إضافة إلى الاشتباكات الجوية والبحرية المتكررة بين اليونان وتركيا في بحر إيجه، تُظهر كيف يمكن للمقاربة الإقليمية لأنقرة أن تُسهم في خلق ظروف قابلة للتصعيد.

تظهر أنشطة التنقيب التركية في قبرص والخلافات الاقتصادية والتحركات العسكرية واشتباكات بحر إيجه كيف يمكن للمقاربة الإقليمية لأنقرة أن تُسهم في خلق ظروف قابلة للتصعيد

وقد أبقت التطورات الأخيرة هذه النزاعات مُشتعلة. ففي عام 2025، ربطت اليونان مجدداً حصول تركيا على أدوات الدفاع التابعة للاتحاد الأوروبي بإزالة أنقرة لتهديدها التاريخي بإعلان الحرب على أي توسع يوناني للمياه الإقليمية في بحر إيجة. وفي العام نفسه، اعترضت تركيا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وقبرص، بحجة أنها تتجاهل حقوق القبارصة الأتراك وتقوض مصالح أنقرة في شرق المتوسط.

وتمتد هذه النزاعات لتشمل الحدود البحرية، واستكشاف الطاقة، والمجال الجوي، والتعاون الدفاعي داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى قضية قبرص غير المحسومة. وتعزّز عقيدة “الوطن الأزرق” لدى أنقرة هذا التوجه، إذ تنظر إلى الولاية البحرية، والقوة البحرية، والسيطرة على البحار المحيطة باعتبارها عناصر أساسية في النفوذ الاستراتيجي التركي. وتُؤطّر هذه العقيدة شرق البحر المتوسط وبحر إيجه والبحر الأسود كمجالات حيوية لحماية أمن تركيا ومصالحها في الطاقة واستقلالها الجيوسياسي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المادة 42(7) في اللحظة التي يكون فيها حلف الناتو مقيداً سياسياً. ويتعزز هذا الإشكال بفعل الطبيعة الجغرافية العملياتية لشرق البحر المتوسط، ما يجعل المنطقة ساحة عملية لاختبار ما إذا كان تضامن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتحول فعلياً إلى تنسيق عملي في أوقات الأزمات.

الواقع العملياتي في شرق المتوسط

يتحوّل شرق البحر المتوسط بشكل متزايد إلى منطقة ضغط جيوسياسي تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية، وتوترات التحالفات، والمنافسة على الطاقة، والمصالح الأمنية الأوروبية. وتعزز البنية العسكرية في المنطقة هذا الواقع. فقاعدتا السيادة البريطانية في أكروتيري وديكيليا تظلان محوريتين في عمليات المراقبة والدعم اللوجستي والعمليات المرتبطة بالشرق الأوسط. كما وسّعت فرنسا بشكل ملحوظ انتشارها البحري وتنسيقها الدفاعي مع اليونان وقبرص، في حين تحتفظ الولايات المتحدة بحضور عملياتي مهم من خلال منشآت إقليمية وأنشطة بحرية متواصلة.

وفي هذا السياق، أصبحت قبرص أيضاً أكثر أهمية في إدارة الأزمات الإقليمية، فمنذ بداية حروب إسرائيل على غزة ولبنان، والعملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لعبت الجزيرة دور محوري في مجال الخدمات اللوجستية والمساعدات الإنسانية وعمليات الإجلاء. ما عزز من قيمتها الاستراتيجية، بينما عرّضها في الوقت نفسه بشكل مباشر لعدم الاستقرار الإقليمي.

 كما تُظهر حوادث الطائرات المسيّرة مدى سرعة امتداد التصعيد في الشرق الأوسط إلى شرق البحر المتوسط. ففي مارس 2026، تحطمت طائرة مسيّرة يُشتبه بأنها تابعة لجهة مدعومة من إيران بالقرب من قاعدة أكروتيري التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص، ما أثار مخاوف بشأن هشاشة البنية التحتية الحيوية وقرب الصراع الإقليمي من أراضي الاتحاد الأوروبي.

ولا يشترط أن يبدأ التصعيد باشتباك عسكري تقليدي. فقد تؤدي حادثة بحرية، أو هجوم بطائرة مسيّرة، أو انتهاك للمجال الجوي، أو هجوم سيبراني، أو أزمة تتعلق بالبنية التحتية إلى إشراك دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، وفاعلين في “الناتو”، وقوى إقليمية في الوقت نفسه. كما أن غموض الجهة المسؤولة واستخدام الأنظمة غير المأهولة يزيدان من تعقيد تنسيق الرد.

وتجمع المنطقة بين نزاعات بحرية غير محسومة، وانتشار بحري عسكري، وبنية تحتية للطاقة، وقواعد عسكرية، وتداعيات صراع الشرق الأوسط. ولذلك فإن حادثاً محلياً قد يتحول بسهولة نسبياً إلى أزمة لإدارة التحالفات تشمل كلاً من “الناتو” والاتحاد الأوروبي.

مخاطر التصعيد والتناقضات الاستراتيجية

 لا يتطلب التصعيد في شرق البحر المتوسط اندلاع صدام مباشر بين اليونان وتركيا، إذ أن المنطقة معرضة لتداعيات النزاعات التي تتجاوز حدودها المباشرة. وقد أظهرت حادثة ليفكادا، التي وقعت في مايو 2026 قبالة الساحل الغربي لليونان، نوعاً مختلفاً من المخاطر. إذ عثرت السلطات اليونانية على زورق مسيّر غير مأهول قرب ليفكادا، قيل إنه كان يحمل متفجرات ويشبه الطائرات المسيّرة البحرية من طراز “ماغورا” التي تستخدمها القوات الأوكرانية في البحر الأسود. وأثارت الحادثة مخاوف في أثينا، ليس لأنها كانت مرتبطة بتركيا، بل لأنها أوحت بإمكانية انتقال حرب المسيّرات المرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية إلى المجال البحري في البحر المتوسط، بما قد يهدد حركة الشحن المدني أو مسارات الطاقة.

وفي الواقع، لا تنبع هشاشة شرق البحر المتوسط من التوترات التركية اليونانية فحسب، بل أيضاً من تداخل عدة منظومات صراعية في المنطقة. فالمواجهة بين إيران والتحالف الأمريكي الإسرائيلي، والحرب الروسية الأوكرانية، والتنافس على موارد الطاقة البحرية، والبنية التحتية التابعة لـ”الناتو”، والقواعد السيادية البريطانية، إلى جانب النزاعات المعلقة بين تركيا واليونان وقبرص، كلها عوامل تزيد من تعقيد المشهد.

سفينة حربية يونانية قبالة جزيرة كاستيلوريزو (أ ف ب)
سفينة حربية يونانية قبالة جزيرة كاستيلوريزو (أ ف ب)

في هذا السياق، فإن أي اصطدام بين سفن يونانية وتركية، أو تعطيل لأنشطة الطاقة البحرية، أو حادثة جوية في بحر إيجه قد يؤدي إلى نوع مختلف من الأزمات. وقد يتعارض التزام الاتحاد الأوروبي بالدفاع المتبادل بشكل مباشر مع حاجة “الناتو” إلى الحفاظ على تماسك الحلف. وبالتالي، تطرح المادة 42(7) سؤالاً عملياً: هل يمكن لأوروبا أن تحلّ التناقض بين الدفاع المتبادل داخل الاتحاد الأوروبي وتماسك “الناتو”؟ وهل تمتلك القدرة التنسيقية والوضوح العملياتي اللازمين للاستجابة الجماعية عندما تتداخل الأزمة بين الإطارين؟ وعليه، فإن المادة 42(7) لا تحل هذا التناقض، بل تكشفه.

حدود الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي

تكشف هذه الضغوط مجتمعة عن تزايد الضغط على منظومة الدفاع الجماعي في أوروبا. فقد تطوّرت البنية الدفاعية الأوروبية بعد الحرب الباردة على افتراض وجود قيادة أمريكية مستقرة، وتماسك موثوق داخل “الناتو”، وإمكانية إدارة الخلافات داخل التحالف. غير أن هذه الافتراضات باتت اليوم تُواجه بتحديات.

تطوّرت البنية الدفاعية الأوروبية بعد الحرب الباردة على افتراض وجود قيادة أمريكية مستقرة وتماسك موثوق داخل “الناتو” وإمكانية إدارة الخلافات داخل التحالف غير أن هذه الافتراضات باتت اليوم تُواجه بتحديات

وقد ساهمت مبادرة قبرص خلال رئاستها لمجلس الاتحاد الأوروبي في نقل النقاش حول المادة 42(7) من مستوى التضامن الرمزي إلى مستوى التنفيذ العملي. ولم يعد السؤال المركزي يقتصر على ما تعد به هذه المادة، بل أصبح يتعلق بكيفية تنسيق المساعدات وقيادتها واستدامتها خلال الأزمات. كما أن أي أزمة تشمل تركيا ستختبر ليس فقط مدى استعداد دول الاتحاد الأوروبي لدعم بعضها البعض، بل أيضاً قدرتها على القيام بذلك دون إحداث شرخ داخل “الناتو”.

وعليه، تظل المادة 42(7) ذات أهمية سياسية، لكنها غير مكتملة من الناحية العملياتية. وإذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يتجاوز بها مجرد كونها تعبيراً رمزياً عن الالتزام، فسيكون بحاجة إلى إجراءات أوضح لإدارة الأزمات، وخطط طوارئ، وآليات تنسيق، وأطر قادرة على العمل حتى في الحالات التي يصبح فيها تماسك التحالف نفسه جزءاً من المشكلة.

ومن المرجح أن تدفع أزمة في شرق البحر المتوسط هذه التساؤلات من المجال النظري إلى الواقع العملي. وسواء أدت مثل هذه الأزمة إلى تقليص الفجوة المؤسسية بين جاهزية “الناتو” وتضامن الاتحاد الأوروبي، أو إلى مزيد من التناقضات داخل البنية الأمنية الأوروبية، فإن ذلك سؤال لم يعد بإمكان الحكومات الأوروبية تجاهله. وإذا أُريد للدفاع المتبادل والتضامن الأوروبي أن يظلا ذوي مصداقية، فيجب أن يتجاوزا مستوى الالتزام السياسي ليكتسبا مضموناً عملياتياً فعلياً.

ثمة سؤال لم تعد الحكومات الأوروبية قادرة على تجاهله: هل ستؤدي أزمة في شرق المتوسط إلى تقليص الفجوة بين “الناتو” والاتحاد الأوروبي، أم إلى تعميق التناقضات داخل البنية الأمنية الأوروبية؟

نيكوليتا كوروشي، محللة سياسية قبرصية، عملت مع عدد من مراكز الأبحاث الأجنبية، أبرزها منتدى الشرق الأوسط، كما نشرت مقالات في وسائل إعلام دولية مثل ذا يوروبين كونسرفاتيف، مستعرضة التطورات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وعملت كمحللة سياسية في "فيللفيثيروس"، الصحيفة الرائدة في قبرص، وكصحفية في مجال الإعلام الرقمي لأكثر من ثماني سنوات. نيكوليتا، تحمل درجة الماجستير في الدراسات الدولية والأوروبية مع تخصّص في العلاقات الدولية.
نيكوليتا كوروشي

نيكوليتا كوروشي، صحفية ومحللة سياسية قبرصية، عملت مع عدد من مراكز الأبحاث، أبرزها منتدى الشرق الأوسط، كما نشرت مقالات في وسائل إعلام دولية، وتركز على التطورات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير ضيف مشارك
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.