تصاعد التنافس وتزايد انعدام الثقة بين القوى العالمية الكبرى، الذي يظهر جلياً في الحروب الإقليمية وتعثر جهود الحد من التسلح، أدى إلى رفع احتمالات استئناف التجارب النووية، حيث تفيد بعض المؤشرات بأن الصين وروسيا والولايات المتحدة قد تعود لإجراء اختبارات لأسلحتها النووية، أو ربما تكون قد قامت بذلك بالفعل، رغم الالتزام غير الرسمي بوقف هذه التجارب.
يعكس تزايد احتمال العودة إلى الاختبارات النووية تحولات هيكلية في النظام الدولي، إذ أسهم تراجع منظومة الحد من التسلح التي تشكلت خلال الحرب الباردة في إضعاف القيود المؤسسية وكذلك الأعراف التي كانت تقيّد إجراء التجارب النووية، وفي الوقت نفسه، يدفع التوسع السريع للصين في ترسانتها النووية وبرامج تحديثها إلى الحاجة لاختبار التصاميم الجديدة والتأكد من فعاليتها.
اليوم، تتعزز هذه العوامل بسبب التفاوت في سجل الاختبارات النووية بين الدول، فالدول التي أجرت عدداً كبيراً من التجارب في الماضي غالباً ما تتمتع بثقة أكبر في موثوقية ترساناتها.
أما القوى الصاعدة التي تمتلك عدداً أقل من التصاميم التي خضعت للاختبار، فقد تجد نفسها أكثر ميلاً إلى تعديل الوضع القائم المرتبط بوقف التجارب النووية.
على سبيل المثال، تنخرط الصين في توسع متسارع لقدراتها النووية، لكنها أجرت تاريخياً عدداً أقل بكثير من الاختبارات النووية مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، ومن شأن استئناف هذه الاختبارات أن يمنح المجمع العسكري-الصناعي الصيني فرصة أكبر للتحقق من موثوقية تصاميم الأسلحة الجديدة قبل إنتاجها على نطاق واسع، كما سيعزز ثقة جيش التحرير الشعبي في أن الرؤوس الحربية ستعمل وفق الخصائص التقنية والتدميرية المخطط لها.
استئناف الاختبارات النووية يمنح الصين فرصة أكبر للتحقق من موثوقية تصاميم الأسلحة الجديدة
كما ستسعى بكين إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى مكافئة لواشنطن وموسكو في النظام النووي العالمي، ولذلك فإن تخفيف القيود المفروضة على تجميد الاختبارات في هذه المرحلة من التحول التكنولوجي قد يشكّل خطوة داعمة لهذا الطموح.
وعلى النقيض من ذلك، كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تميل إلى الاعتقاد بأن الإبقاء على الوضع القائم يخدم مصالح الولايات المتحدة، لأنه يكرّس التفوق التقني الذي راكمته خلال الحرب الباردة، إلا أن الإدارة الأمريكية الحالية تسعى إلى إرسال رسالة حازمة عبر إبداء الرئيس دونالد ترامب استعداداً للنظر في استئناف الاختبارات النووية، في إشارة إلى عزم واشنطن الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في مواجهة التقدم الصيني المتسارع.
ويرى ترامب أن التلويح بإمكانية العودة إلى الاختبارات يمكن أن يعزز مصداقية الردع الأمريكي، وفي الوقت نفسه يشكل أداة ضغط لدفع بكين إلى الانخراط في إطار أوسع لمفاوضات الحد من الأسلحة الاستراتيجية إلى جانب واشنطن وموسكو.
ضمن هذا الإطار، يمكن القول إن روسيا ستكون الأقل استفادةً من استئناف التجارب النووية، إذ تحافظ المؤسسة النووية الروسية على ثقتها في ترسانتها من خلال التحديث المستمر لمخزونها من الرؤوس الحربية المستمدة من تصاميم سوفيتية خضعت لاختبارات مكثفة، ومع ذلك، فإن الهدف الاستراتيجي الرئيسي لموسكو هو الحفاظ على التكافؤ النووي مع واشنطن، فإذا استأنفت الولايات المتحدة التجارب، فمن شبه المؤكد أن تحذو روسيا حذوها للحفاظ على هذا التكافؤ.
أنواع الاختبارات والمعاهدات النووية
اعتمدت الدول الخمس المالكة للأسلحة النووية والمعترف بها بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، وهي الصين وروسيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا، وقفاً أحادياً لإجراء المزيد من الاختبارات النووية خلال تسعينيات القرن الماضي.
ومنذ ذلك الحين، اقتصر نشاطها على التجارب غير الحرجة، وهي تجارب لا تنتج سلسلة تفاعلات انشطار نووي ذاتية الاستدامة، حيث تتيح هذه التجارب للخبراء دراسة سلوك مكونات الأسلحة النووية، ومعرفة ما إذا كان الانشطار النووي للمواد، مثل البلوتونيوم، يتغير مع مرور الوقت بطريقة قد تؤثر على أداء الرؤوس الحربية.
في الوقت نفسه، تفاوضت هذه الدول مع دول أخرى على صياغة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)، التي تمنع جميع الانفجارات النووية، سواء لأغراض عسكرية أو سلمية، في أي بيئة، حيث بُنيت هذه المعاهدة على اتفاقيات سابقة كانت تحدد حجم ومكان التجارب النووية، بهدف إقامة حظر شامل على المستوى العالمي.

وفي عام 1996، أنشأت الدول الموقعة لجنة تحضيرية في فيينا لتقديم الدعم المؤسسي لتنفيذ المعاهدة، والتي طورت منذ ذلك الحين نظام مراقبة عالمي يتألف من مئات المحطات الزلزالية، والهيدروصوتية، والموجات تحت الصوتية، والنويدات المشعة، إلى جانب محطات إضافية، مصممة للكشف عن الاختبارات النووية وتمييزها عن الزلازل والانفجارات التقليدية مثل أعمال التعدين، وغيرها من الأحداث غير النووية.
ومع ذلك، لم تدخل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية حيز التنفيذ بعد، لعدم تصديق جميع الدول الـ 44 التي تمتلك مفاعلات بحثية أو نووية عليها عند فتح باب التوقيع في سبتمبر 1996، حيث وقّعت الصين وروسيا والولايات المتحدة على المعاهدة، لكنها لم تصادق عليها.
ونتيجة لذلك، يعتمد الوقف العالمي للتجارب النووية إلى حد كبير على ضبط النفس الطوعي بدلاً من الالتزامات القانونية الملزمة، وفي غياب معاهدة رسمية، لجأت بعض الحكومات والمنظمات غير الحكومية إلى مناهج غير مباشرة، منها: تعزيز القدرات التقنية وجاهزية نظام الرصد الدولي، وتدعيم التطبيق المؤقت للمعاهدة بين الدول المصادقة عليها، وبناء تحالفات دبلوماسية لتعزيز الوقف والمعايير المناهضة للتجارب النووية، وتسليط الضوء على العلاقة بين الامتناع عن التجارب ونظام معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، ووضع خيارات استجابة دبلوماسية وقانونية وجماعية لتفعيلها في حال استئناف التجارب.
يعتمد الوقف العالمي للتجارب النووية إلى حد كبير على ضبط النفس الطوعي بدلاً من الالتزامات القانونية الملزمة
الاستعداد لإجراء الاختبارات؟
الصين
في فبراير الماضي اتهم وكيل وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون الحد من التسلح والأمن الدولي، توماس دينانو، أمام مؤتمر نزع السلاح في جنيف، الصين باستخدام تقنية تُعرف باسم “فكّ الارتباط” وهي إجراء اختبارات نووية داخل تجاويف كبيرة تحت الأرض بهدف إضعاف الإشارة الزلزالية الناتجة عن التفجير، وبالتالي إخفاء الاختبارات النووية منخفضة القدرة.
وفي وقت لاحق، أكد كريستوفر يو، مساعد وزير الخارجية لشؤون الحد من التسلح ومنع الانتشار، التقدير التقريبي لقوة الاختبار وموقعه، حيث نفت الحكومة الصينية هذه الاتهامات، التي جاءت بعد تقارير سابقة تحدثت عن أعمال بناء جديدة ونشاط حفر أنفاق في موقع “لوب نور” للاختبارات النووية في إقليم شينجيانغ، وهو الموقع الذي يُعد تاريخياً المركز الرئيسي لتجارب الصين النووية.
ويُرجَّح أن تكون بكين من أكثر الدول استفادة من استئناف الاختبارات النووية، فقبل فرض وقف اختبارات الأسلحة النووية، لم تُجرِ الصين سوى بضع عشرات من التفجيرات النووية، مقارنة بالمئات التي نفذتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة في الغلاف الجوي وتحت الأرض وتحت الماء.
ونظراً لأن الصين أجرت عدداً أقل بكثير من التجارب النووية، فقد تسعى إلى اختبار رؤوس نووية جديدة مخصَّصة لأنظمة الانزلاق فرط الصوتية بعيدة المدى، والتي ترى بكين أنها ضرورية لاختراق أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، كما قد يستفيد مصممو الأسلحة النووية الصينيون من تطوير أساليب أكثر كفاءة لاستخدام مخزونهم المحدود من المواد الانشطارية، مما يتيح لهم إنتاج ترسانات نووية أكبر باستخدام الكميات نفسها من تلك المواد.
الولايات المتحدة
منذ عام 1992، اقتصرت أنشطة الولايات المتحدة النووية على إجراء تجارب غير نووية غير الحرجة، أي ذات قوة انفجارية معدومة، في موقع نيفادا للأمن الوطني، حيث تهدف هذه التجارب إلى دعم برنامج الإشراف على المخزون النووي الأمريكي القائم على العلم، الذي يضمن الحفاظ على موثوقية وكفاءة الرؤوس الحربية النووية الأمريكية.
بعد الحرب الباردة، اعتقد المسؤولون الأمريكيون أن تجميد الوضع النووي العالمي سيعزز التفوق النووي للولايات المتحدة ويزيد من فعالية قواتها التقليدية المتقدمة، ومع ذلك، حرصت واشنطن على الحفاظ على القدرة على استئناف الاختبارات عند الحاجة، ففي تسعينيات القرن الماضي، وُضعت خطط لضمان إمكانية استئناف الاختبارات التفجيرية النووية خلال ثلاث سنوات من اتخاذ القرار، ثم قامت إدارة جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر بتقليص فترة الاستعداد إلى ثمانية عشر شهراً.
ومع ذلك، لا يزال الجدل مستمراً في واشنطن حول ما إذا كان الوقف الطويل الأمد للاختبارات النووية يخدم مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية بشكل كامل، إذ يرى بعض أعضاء الكونغرس وخبراء الأسلحة النووية أن استئناف الاختبارات قد يكون ضرورياً لضمان موثوقية المخزون النووي الأمريكي القديم، فضلاً عن تطوير رؤوس حربية جديدة، حيث أعربت إدارة ترامب عن استعدادها للنظر في هذا الاحتمال، إذ صرح الرئيس علناً في أكتوبر الماضي بأن توجيهه وزارة الحرب لبدء اختبارات الأسلحة النووية جاء استجابة لبرامج الاختبارات النووية في دول أخرى.
لا يزال الجدل مستمراً في واشنطن حول ما إذا كان الوقف الطويل الأمد للاختبارات النووية يخدم مصالح أمريكا الاستراتيجية بشكل كامل
روسيا
تقدّر وزارة الخارجية الأمريكية أن روسيا قد تلجأ إلى إجراء تجارب نووية “فوق حرجة”، تشمل تفاعلات انشطار قصيرة الأمد ذاتية الاستدامة، في مجمع نوفايا زيمليا وقد سعت موسكو، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، إلى تعزيز الشفافية بشأن بنيتها التحتية النووية من خلال التعاون مع شركاء أجانب.، غير أن هذا التعاون تراجع تدريجياً، لتتبنى روسيا موقفاً نووياً أكثر استقلالاً وتنافسية، ولا سيما بعد وصول فلاديمير بوتين إلى الرئاسة عام 2000، ومنذ ذلك الحين، شرعت روسيا في تنفيذ برنامج تحديث شامل لقدراتها النووية، تضمن تجديداً مستمراً للرؤوس الحربية من خلال إعادة تصنيع المكونات الحرجة استناداً إلى تصاميم سوفيتية خضعت لاختبارات موسعة.
كما حذر بوتين مؤخراً من أن موسكو ستستأنف اختبارات الأسلحة النووية إذا قامت الولايات المتحدة بذلك أولاً، وفي أكتوبر 2023، سحبت روسيا تصديقها على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية ” CTBT”، لتلتحق ببكين وواشنطن ضمن الدول الكبرى الموقعة على المعاهدة التي لم تصادق عليها.
وعلى النقيض من ذلك، تركز السياسة النووية الروسية على الحفاظ على التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وهو ما يجعل استئناف الاختبارات من جانب روسيا أمراً شبه مؤكد إذا عادت واشنطن إلى إجراء هذه الاختبارات، ولن يكون ذلك مجرد خطوة تقنية فحسب، بل سيحمل دلالة سياسية واضحة؛ إذ إن استئناف الاختبارات سيمثل رسالة حاسمة إلى واشنطن والعالم، تؤكد أن الردع النووي الروسي لا يزال راسخاً وموثوقاً، رغم الضغوط الكبيرة التي تواجهها قواتها التقليدية جراء الحرب المستمرة في أوكرانيا.

السيناريوهات
ضمن هذا الإطار، سيكون هناك مسارات محتملة عدة قد تؤدي إلى استئناف الاختبارات النووية التفجيرية:
الأول، كوريا الشمالية تدفع نحو نقطة التحول:
منذ عام 2006، أجرت كوريا الشمالية ستة اختبارات نووية تحت الأرض، كان آخرها في عام 2017، حيث منح هذا التوقف العالم أطول فترة خالية من الاختبارات النووية التفجيرية منذ أول قنبلة ذرية في عام 1945، حيث امتدت هذه الفترة لنحو عقد كامل.
ومع ذلك، هناك عدة عوامل قد تضعف هذا الالتزام بالوقف، فكوريا الشمالية تطور أنظمة نووية جديدة لم تختبر رؤوسها الحربية تفجيرياً بعد، ومن المؤكد أن العلماء النوويين في البلاد حريصون على التحقق من التصاميم الجديدة وتحسينها عبر الاختبارات، كما أن الضغوط الروسية والصينية وحتى الأمريكية على كوريا الشمالية للحد من برنامجها النووي قد تراجعت في السنوات الأخيرة.
حتى الآن، لم تؤثر الانفجارات النووية الكورية الشمالية بشكل كبير على حسابات الدول النووية الأخرى بشأن الاختبارات، لكن البيئة الأمنية في آسيا وعلى الصعيد العالمي قد تدهورت بشكل ملحوظ منذ عام 2017، وإذا عادت كوريا الشمالية إلى استئناف الاختبارات النووية بشكل مستمر، فقد تشكل نقطة تحول، وربما تدفع إدارة ترامب إلى إعادة النظر في موقفها من الاختبارات، لتعزيز الردع وإطلاع الحلفاء مثل كوريا الجنوبية على ضمانات الأمن النووي الأمريكي.
إذا عادت بيونغ يانغ إلى استئناف الاختبارات النووية فقد تشكل نقطة تحول وربما تدفع إدارة ترامب إلى إعادة النظر في موقفها من الاختبارات
الثاني، تفاعل متسلسل محتمل في جنوب آسيا:
تمثل جنوب آسيا واحدة من أكثر مناطق المنافسة النووية ترابطاً في النظام الدولي؛ حيث طوّرت الصين خلال الحرب الباردة أسلحة نووية لردع كلٍّ من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، وردّاً على ذلك، سعت الهند إلى بناء رادع نووي في مواجهة الصين، فيما سعت باكستان إلى مجاراة تقدّم الهند، وعندما أجرت نيودلهي سلسلة من الاختبارات النووية في مايو 1998، تبعتها إسلام آباد في الشهر نفسه، ما شكّل نموذجاً للتفاعلات النووية التسلسلية.
وقد يتكرر هذا النمط في المستقبل، فباكستان لا تزال تعتمد بشكل أساسي على الردع النووي لتعويض التفوق العسكري الهندي، بينما تركز الهند ترسانتها النووية على الحماية من باكستان وبكين، وفي الوقت نفسه، يشعر المسؤولون الصينيون بالقلق من أن القدرات النووية المتنامية للهند قد تعقّد حسابات الردع الصيني تجاه الولايات المتحدة.
كما أدت الاشتباكات الأخيرة بين الهند وباكستان إلى تعزيز التزام كلا البلدين بتوسيع وتحديث ترساناتهما الصاروخية النووية، حيث شهدت هذه المواجهات خرقاً للسوابق من خلال شن ضربات جوية وصاروخية وطائرات مسيرة داخل أراضي الطرف الآخر.
وفي أزمة مستقبلية، لا سيما إذا تسببت في خسائر تقليدية كبيرة، قد تفكر أيٌّ من الدولتين في استئناف الاختبارات النووية لإظهار العزم أو لتعزيز قدراتها التكنولوجية، حيث تُجرى الاختبارات أيضاً لرفع مستوى القلق الدولي حول النزاع ودفع الحكومات الأخرى إلى التدخل لحل الأزمة، وأخيراً، قد تلجأ بكين إلى استئناف اختباراتها النووية الخاصة كوسيلة لدعم باكستان بشكل غير مباشر وإظهار قوتها الإقليمية.
الثالث، استعادة التوازن النووي:
قد يكون التوازن في الاختبارات النووية أكثر مرونة ومتانة مما يُعتقد عادة، حيث حذّر الخبير النووي جيفري لويس مؤخراً قائلاً: “لا توجد نقطة توقف حقيقية بمجرد أن نبدأ جميعاً في إجراء اختبارات أكبر وأكبر. في النهاية، سيبدو الوضع تماماً كما كان في الحرب الباردة”.
ومع ذلك، يكشف التاريخ أن الأحداث الاستراتيجية المزعزعة قد تؤدي أيضاً، أحياناً بطرق غير مباشرة، إلى إرساء وضع مستقر جديد بعد انهيار التوازن السابق.
وعلى سبيل المثال، في الثمانينيات، بعد نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية متوسطة المدى محدثة في أوروبا الشرقية، أجبرت الولايات المتحدة موسكو على سحبها عبر نشر صواريخ باليستية وكروز مماثلة في أوروبا الغربية، حيث أسفر هذا التصعيد عن ضغوط هائلة على الجانبين، ما دفع موسكو وواشنطن إلى توقيع معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى عام 1987 لإلغاء هذه الأنظمة الأرضية.
وعلى مدى العقدين الماضيين، اختبرت الصين والولايات المتحدة ثم روسيا أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، قبل أن تعود لاحقاً إلى الوقف الضمني لاختبارات الأسلحة الموجهة لتدمير الأقمار الصناعية، ما يوضح قدرة القوى النووية على استعادة توازنها بعد صدمات استراتيجية.
كما تُسلّط الحرب في إيران الضوء على استمرار دور القضايا النووية في تشكيل استراتيجيات القوى العظمى، فالحوافز التي تحافظ على وقف الاختبارات النووية لا تزال متفاوتة وتزداد هشاشة مع مرور الوقت، ومع سعي الصين لتحقيق تكافؤ نووي، يزداد الضغط على الدول الأخرى لتحديث ترساناتها والابتكار في أسلحتها.
حرب إيران الحالية تسلط الضوء على استمرار دور القضايا النووية في تشكيل استراتيجيات لقوى العظمى
في المحصلة، يعكس احتمال استئناف الاختبارات النووية تحولات أوسع في ميزان القوى العالمي، حيث ستعتمد التوقعات بشأن الاختبارات النووية على التوازن بين التزام واشنطن بالحفاظ على الوضع الدولي الراهن وعزم بكين على تحقيق أهدافها النووية.



