عالم بلا قيود على التسلح النووي؟

تقرير
صواريخ جارس النووية بعيدة المدى خلال عرض النصر في الساحة الحمراء بموسكو (أ ف ب)
صواريخ جارس النووية بعيدة المدى خلال عرض النصر في الساحة الحمراء بموسكو (أ ف ب)
ﺷﺎرك

انتهت “نيو ستارت”، آخر معاهدة للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، فللمرة الأولى منذ عقود، لم تعد هناك حدود ملزمة قانونياً على الترسانات النووية للقوى الكبرى، في تطور يُمثّل انهياراً إضافياً لبنية ضبط التسلح النووي التي شُيّدت بشقّ الأنفس خلال الحرب الباردة.

وضمن هذا الإطار، حركت نشرة “علماء الذرة” مؤخراً عقارب “ساعة يوم القيامة” إلى أقرب نقطة من منتصف الليل في تاريخها (الرمز الذي يقيس مدى اقتراب البشرية من الدمار الذاتي منذ بدايات العصر النووي، حيث تم تقريبها 85 ثانية)، متسائلة: هل هذا الشعور بالتشاؤم والإنذار مبرَّر فعلاً، أم أن غياب المعاهدات لا يعني بالضرورة غياب القيود؟.

تُعيد أطر ضبط التسلح الآخذة في التآكل، إلى جانب ظهور تقنيات استراتيجية جديدة، تشكيل بيئة الأمن العالمي، في وقت يتجه فيه النظام النووي الدولي نحو تعددية الأقطاب، حيث تتمثل العوامل الرئيسة في هذا التحول نشر روسيا لأنظمة نووية غير تقليدية، وانكفاء الولايات المتحدة عسكرياً وإعادة هيكلة قواتها، والتوسع السريع في الترسانة النووية الصينية، ومساعي كوريا الشمالية المتسارعة للتسلح النووي، والأنشطة النووية الإيرانية غير الخاضعة لتنظيم واضح، فضلاً عن تراجع فاعلية المعاهدات الدولية وتآكل المعايير الاستراتيجية الناظمة.

تآكل أطر الحد من التسلح وظهور تقنيات استراتيجية جديدة يعيدان تشكيل بيئة الأمن العالمي مع تحول النظام النووي نحو التعددية القطبية

وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى طيف واسع من المسارات المحتملة، والمخاطر المتزايدة، والسيناريوهات المعقدة التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة من الأمن الدولي.

 آخر المعاهدات القائمة

كانت معاهدة “نيو ستارت” أحدثَ حلقة في سلسلة من اتفاقيات ضبط التسلّح النووي بين موسكو وواشنطن، تعود جذورها إلى محادثات الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، التي انطلقت عام 1969، فرغم اختلاف هذه الاتفاقيات من حيث النطاق والبنية، فإنها اشتركت في عدد من السمات الجوهرية.

المعاهدات كانت تهدف إلى تقييد وتوجيه وضبط البرامج النووية للطرفين، لا إلى القضاء عليها بالكامل؛ إذ سعت إلى تعزيز الشفافية وإرساء قدرٍ أكبر من القدرة على التنبؤ، بدلاً من الدفع نحو نزع شامل للأسلحة النووية.

وعلى النقيض من ذلك، اقتصرت القيود الأساسية في هذه المعاهدات على وسائل الإيصال ذات المدى العابر للقارات لدى الطرفين، أي ما يُعرف بـ”الثالوث النووي”، الذي يشمل الغواصات الاستراتيجية، والقاذفات الاستراتيجية، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، حيث حدّدت المعاهدات سقوفاً لعدد المنصّات المنتشرة والرؤوس النووية التي تحملها، ونظّمت عمليات تحديث هذه المنظومات واختبارها، كما تضمّنت آليات تحقق موسَّعة للحد من احتمالات عدم الامتثال، شملت عمليات تفتيش ميدانية إلزامية، وتبادلاً مفصّلاً للبيانات، وإنشاء لجان استشارية ثنائية لمعالجة القضايا المتعلقة بالتنفيذ.

التنافس وسباقات التسلح

أسهمت عدة عوامل في تقويض معاهدة “نيو ستارت”  وغيرها من اتفاقيات ضبط التسلح بين روسيا والولايات المتحدة، مثل معاهدة القوات النووية متوسطة المدى؛ إذ أدى تدهور العلاقات بين موسكو وواشنطن إلى إضعاف الدعم السياسي للاتفاقيات القائمة.

وفي هذا السياق، أشار مسؤولون روس إلى الدعم الأمريكي لأوكرانيا وغيرها من الخطوات التي وصفوها بالعدائية، مبرِّرين بذلك تعليق إجراءات التحقق المنصوص عليها في المعاهدة، والانسحاب من معاهدات أخرى لضبط التسلح، ورفض إجراء محادثات حول الاستقرار النووي مع الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.

وعلى النقيض من ذلك، اتخذت الحكومة الأميركية موقفاً أكثر تشدداً إزاء روسيا على خلفية ما تعتبره انتهاكات لاتفاقيات ضبط التسلح، وهو ما أسهم في تراجع الحماسة داخل واشنطن للتفاوض على معاهدات جديدة.

وفي التزامن مع ذلك، يشكّل الشرط الدستوري القاضي بوجوب مصادقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي على المعاهدات الدولية عائقاً مؤسسياً كبيراً أمام إبرام اتفاقياتٍ جديدة لضبط التسلح تكون ملزمةً قانونياً في المستقبل.

كما أدى تصاعد التنافس بين القوى الكبرى إلى جعل الفصل بين ملفات ضبط التسلح وغيرها من القضايا الاستراتيجية أمراً بالغ الصعوبة، وحدّ في الوقت نفسه من إمكانية التوصل إلى صفقات شاملة يقبل فيها أحد الأطراف بتحمّل خسارة نسبية في مجالٍ معيّن مقابل مكاسب أكبر في مجالٍ آخر.

في مراحل سابقة، على سبيل المثال، تغاضت الولايات المتحدة عن الترسانة الروسية الضخمة من الأسلحة النووية غير الاستراتيجية (المعروفة بالتكتيكية)، في حين كانت موسكو تتجاهل المطالب الداعية إلى فرض قيود على أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية، أما اليوم، فلم يعد هذا النهج قابلاً للاستمرار.

ومع ذلك، تتزايد الفجوة في القدرات بين القوات الاستراتيجية الروسية والأمريكية نتيجة نشر الكرملين لأنظمة نووية متقدمة وغير تقليدية، وسعي الولايات المتحدة إلى بناء بنى طموحة للدفاع الصاروخي، ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الأنظمة لم تكن مشمولة بإطار معاهدات “ستارت”.

ولكن قد يؤدي الأداء الضعيف للقوات التقليدية الروسية في أوكرانيا إلى زيادة اعتماد موسكو على التهديد النووي والقدرة على استخدام الحرب النووية كأداة للضغط، إذ يرى الكرملين في ترسانته النووية أحد العلامات القليلة على مكانته كقوة عظمى، فهي تبقى مجالاً نادراً تتساوى فيه روسيا مع الولايات المتحدة، وتتقدم فيه على الصين.

يرى الكرملين في ترسانته النووية أحد العلامات على مكانته كقوة عظمى فهي تبقى مجالاً نادراً تتساوى فيه روسيا مع أمريكا وتتقدم فيه على الصين

 تحدّي الصين

في الجانب الآخر، يمثل التوسع النووي الصيني تحدياً مميزاً في المشهد الاستراتيجي العالمي، فالتقديرات تشير إلى أن جيش التحرير الشعبي الصيني قد يمتلك خلال العقد المقبل ترسانة نووية نشطة تضاهي حجم ترسانات روسيا والولايات المتحدة، حيث دفع هذا إدارة ترامب، إلى جانب العديد من أعضاء الكونغرس، إلى تأكيد أن أي إطار مستقبلي لضبط التسلح يجب أن يشمل الصين.

بدورها، دعت الحكومة الروسية إلى أن تشمل المعاهدات النووية المستقبلية دولاً وأنظمة أسلحة إضافية، في إشارة إلى الحاجة لتوسيع نطاق اتفاقيات ضبط التسلح لمواجهة الواقع متعدد الأطراف.

لكن، حتى لو وافقت موسكو وواشنطن وبكين من حيث المبدأ على السعي لإبرام معاهدة جديدة لضبط التسلح الاستراتيجي ثلاثية الأطراف، إلا أن التوصل إلى توازن مناسب بين الأطراف الثلاثة سيستغرق سنوات من المفاوضات، فكل عاصمة ستنخرط في خطط سيناريو الأسوأ، بما في ذلك فرضيات تجمع فيها قوتان ضد الثالثة، ما يزيد من تعقيد إقامة مثل هذا التوازن، كما ستشكل إجراءات التحقق تحدياً إضافياً، نظراً لافتقار الصين لأي خبرة سابقة في التفتيش الميداني، أو تبادل البيانات الإلزامي، أو غيرها من آليات الشفافية.

مشاكل الانتشار النووي

تسهم التوترات بين القوى الكبرى في توسيع انتشار الأسلحة النووية، إذ تحولت الهند وباكستان وإسرائيل، ومؤخراً كوريا الشمالية، إلى دول مسلحة نووياً فعلياً، رغم عدم شرعية برامجها بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

بالتوازي مع ذلك، ستستغل إيران هذه التوترات بين القوى الكبرى للحفاظ على قدراتها في تخصيب اليورانيوم، فإذا سعت طهران إلى امتلاك أسلحة نووية، فمن المرجح أن تحذو السعودية وتركيا ودول أخرى في الشرق الأوسط حذوها، ما يزيد من تعقيد بيئة الأمن الإقليمي والدولي.

علاوة على ذلك، تصاعدت في السنوات الأخيرة المخاوف المتعلقة بما يُعرف بـ”الانتشار النووي الصديق” بين حلفاء الولايات المتحدة، فهؤلاء الحلفاء لا يواجهون تهديدات نووية متزايدة من روسيا والصين وكوريا الشمالية فحسب، بل إن تطورات العقد الماضي زادت من الشكوك حول مدى استعداد واشنطن للدفاع عنهم، حتى في ظل تصاعد التهديدات النووية للأراضي الأمريكية نفسها.

اليوم، أصبح الحديث عن إنشاء ردع نووي مستقل لأوروبا أو لكوريا الجنوبية أو لليابان أكثر انتشاراً وشرعية في الخطاب الاستراتيجي، ما يعكس مخاوف عميقة بشأن ثبات التحالفات والأمن الإقليمي.

 التعقيدات التقنية

في المقابل، قد يؤدي توسع نطاق التقنيات الناشئة إلى تغيير ميزان القوى الاستراتيجي، وتشمل هذه التقنيات القدرات المزعزعة المحتملة مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والمركبات فائقة السرعة، وأنظمة الضرب التقليدية عالية الدقة، والحوسبة الكمّية، والقدرات المضادة للفضاء، والأسلحة ذات الطاقة الموجهة.

بالإضافة إلى ذلك، تشكّل هذه التطورات معاً تحديات غير مسبوقة لعمليات ضبط التسلح الاستراتيجي، التي ركّزت تاريخياً على نطاق محدود من نظم الإيصال الجوية والصاروخية طويلة المدى.

على سبيل المثال، يمكن للقدرات السيبرانية الجديدة أن تقوّض شبكات القيادة والسيطرة النووية الحيوية وآليات التواصل في أوقات الأزمات، وبالمثل، إذا أدّت التطورات في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية إلى زيادة القدرة على رصد الغواصات الاستراتيجية والصواريخ المتنقلة وغيرها من أنظمة إيصال الأسلحة النووية، وما يرافق ذلك من زيادة في نقاط ضعفها، فمن المرجّح أن تتجه الدول نحو اعتماد استراتيجيات نووية تعتمد على الإطلاق المبكر عند الإنذار أو الاستخدام الوقائي للأسلحة قبل خسارتها.

انهيار المعاهدات

فرضت هذه التطورات السياسية والتقنية ضغوطاً متزايدة على المعاهدات والنظم والمعايير النووية القائمة، حيث أحدثت التقلبات قيوداً على الصلاحيات المؤسسية، وجعلت القضايا الفنية مسيسة، وأضعفت آليات التحقق والتنفيذ، إذ أثر ذلك بشكل خاص على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومجلس الأمن الدولي، وكذلك على المعاهدات العالمية والإقليمية لحظر التجارب النووية، ولكن من المفارقات أن إحدى القضايا القليلة التي تتفق عليها الدول النووية الراسخة تتمثل في معارضتها المشتركة لمعاهدة حظر الأسلحة النووية، التي تتطلب القضاء السريع على جميع أسلحتها النووية.

من المفارقات أن إحدى القضايا القليلة التي تتفق عليها الدول النووية الراسخة تتمثل في معارضتها المشتركة لمعاهدة حظر الأسلحة النووية

وهذا يشير إلى أن تجربة أوكرانيا بعد تخليها عن أسلحتها النووية، وانهيار الاتفاق النووي الإيراني، وفشل المحادثات النووية مع كوريا الشمالية، وغيرها من التطورات، حيث أضعفت مصداقية الحلول الإقليمية محدودة الأطراف لمواجهة تحديات انتشار الأسلحة النووية، ونتيجة لذلك، تراجع تأثير القوى المتوسطة والدول غير النووية في هذا المجال بشكل ملحوظ.

ومع ذلك، ستكون خيارات السياسة الأمريكية هي الأكثر تأثيراً على مستقبل النظام النووي الدولي، حيث حافظت إدارة ترامب على قدر كبير من الغموض والمرونة في هذا المجال، إذ لم تتضمن النصوص المنشورة علناً لكل من استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني أي مناقشة جوهرية لسياسة الولايات المتحدة النووية أو سياسة ضبط التسلح، وللمرة الأولى منذ بدء هذه الممارسة عام 1994، امتنعت الإدارة عن إصدار مراجعة الوضع النووي بشكل منفصل.

أعرب الرئيس ترامب عن دعمه من حيث المبدأ لزيادة كبيرة في ميزانية الدفاع الأمريكية، واستئناف التجارب النووية، وبناء قبة دفاع صاروخي منيعة فوق الولايات المتحدة، إلا أن البرامج الفعلية للإدارة وتخصيصاتها الميزانية تعكس سياسات أقل طموحاً، كما صرّح ترامب بأنه يسعى لتقليل التهديدات النووية، وتحسين العلاقات مع الخصوم النوويين المحتملين، وتحقيق إنجازات دبلوماسية، بما في ذلك الفوز بجائزة نوبل للسلام.

القوات الجوية الأمريكية تختبر صاروخ مينيوتمان 3 الباليستي العابر للقارات (أ ف ب)
سيناريوهات
أولاً، الانفلات النووي:

في غياب قيود المعاهدات، تصبح البيئة الاستراتيجية أقرب إلى تلك التي سادت في العصر النووي الأول (1945–1990)، ففي السنوات القليلة المقبلة، قد تعيد واشنطن وموسكو نشر رؤوس نووية كانت قد أُزيلت من ترساناتهما الفعالة على صواريخهما الاستراتيجية المطلقَة من القواعد والغواصات.

بعد ذلك، ستستمر كلتا الدولتين في إنتاج نظم إيصال استراتيجية إضافية، مع تركيز روسيا على نشر المزيد من الصواريخ، وتركيز الولايات المتحدة على تشغيل المزيد من القاذفات من طراز B-21  والغواصات من فئة كولومبيا بما يفوق الخطط الحالية، وفي الوقت نفسه، تستمر الصين في توسيع ترسانتها النووية بسرعة، سعياً لتحقيق التكافؤ مع روسيا والولايات المتحدة.

كما تقوم روسيا والصين والولايات المتحدة بمساعدة الدول الصديقة على امتلاك أسلحة نووية، في الوقت الذي تمارس فيه سياسات مضادة للانتشار بأسلوب عسكري لحرمان دول أخرى من هذه القدرات، إذ تفترض بعض الحكومات أنها تستطيع الاختباء وراء مظلاتها النووية لشن العدوان، ما يزيد من مخاطر المغامرة النووية، وسوء التقدير، والتصعيد، واحتمالية نشوب الحرب.

ثانياً، التعاون الاستراتيجي بين القوى الكبرى:

في هذا السيناريو، تحد القوى الكبرى من قدراتها النووية، وتتجنب التهديدات النووية والسلوكيات الخطرة الأخرى، وتتعاون لمنع انتشار الأسلحة النووية إلى دول أخرى أو إلى جهات غير حكومية مثل الجماعات الإرهابية، أي أنهم بالأساس، يعودون إلى نوع التعاون النووي المعزز الذي ميّز العصر النووي الثاني (1991 – 2014).

توصلت موسكو وواشنطن إلى اتفاق غير رسمي للامتناع عن تجاوز حدود معاهدة “نيو ستارت”، حيث تستمر هذه الترتيبات إلى أن يتم التفاوض على معاهدة جديدة أكثر شمولاً تضم دولاً وتقنيات إضافية، وفي الوقت نفسه، تتعاون الحكومات والجهات غير الحكومية لإزالة المسارات المحتملة التي قد تؤدي إلى التصعيد النووي والحرب.

ثالثاً، قيود ذاتية غير موجودة في المعاهدات:

في هذا السيناريو، تنخرط روسيا والولايات المتحدة ودول أخرى تمتلك أسلحة نووية في حوارات حول الاستقرار الاستراتيجي، وتدابير للشفافية وبناء الثقة، بالإضافة إلى قيود أحادية الجانب مثل تجنب التجارب النووية، وغيرها من الأدوات للحد من المخاطر النووية.

وفي غياب حدود معاهدة رسمية، تُشكّل قيود الموارد، وتضارب الأولويات، والاحتكاكات المؤسسية الأخرى سلوك الدول، فتصميم الأسلحة النووية وصيانتها وتحديثها مكلف، ويفضل العديد من الجمهور وصناع السياسات، بما في ذلك القادة العسكريون، إنفاق الأموال في مجالات أخرى، كما قد تحدّ القيود على القدرة الإنتاجية من سباقات التسلح المستقبلية، إذ تواجه كل من الولايات المتحدة وروسيا تحديات كبيرة في إعادة بناء مجمعات الإنتاج النووي التي تم تفكيكها بعد الحرب الباردة.

وقد تؤدي عدة تطورات تقنية إلى تقليل حافز الدول لامتلاك ترسانات نووية ضخمة؛ فمثلاً، يمكن أن يحقق التقدم في أنظمة الضرب التقليدية عالية الدقة تأثيرات استراتيجية تقارب تأثير الأسلحة النووية، ولكن بتكاليف مالية وبيئية ودبلوماسية أقل بكثير.

إشارات تجب مراقبتها

رغم أن هذا السيناريو الأخير أكثر تعقيداً من السيناريوهين السابقين، إلا أنه يبدو الأكثر احتمالاً، إذ يُظهر تحديثاً محدوداً للترسانات النووية الروسية والأمريكية، حتى في حال غياب معاهدة استراتيجية جديدة.
وعلى النقيض من ذلك، تشير علامات الانتقال نحو بيئة غير مقيدة إلى زيادات سريعة: أولاً في عدد الرؤوس النووية المنتشرة لدى روسيا والولايات المتحدة، ثم ثانياً في حجم وقدرات نظم الإيصال الخاصة بهما.

وعلى الرغم من أن دعاة نزع السلاح النووي سيرحبون بالسيناريو التعاوني، الذي يتضمن تخفيضات قوية ملزمة بالمعاهدات، وإجراءات تحقق صارمة، وتعاوناً لمواجهة التهديدات النووية المشتركة، إلا أن هذا الاحتمال يبدو الأقل واقعية بين السيناريوهات الثلاثة.

بالمحصلة، يمثّل انتهاء سريان معاهدة “نيو ستارت”أحدث مؤشر على تآكل نظم ضبط التسلح النووي، ومع ذلك، قد يُسهم ظهور عصر جديد يتميز بتعدد الدول المسلحة نووياً وظهور تقنيات استراتيجية ذات تأثير بالغ في تعزيز الاستقرار الاستراتيجي بصورة مفارقة، من خلال خلق مستوى من التعقيد وعدم اليقين يقلّل من ثقة القادة في إمكانية تحقيق النصر عبر التصعيد النووي أو الحرب.

يمثّل انتهاء سريان معاهدة “نيو ستارت” أحدث مؤشر على تآكل نظم ضبط التسلح النووي

ريتشارد وايتز

ريتشارد وايتز

ريتشارد وايتز زميل أول ومدير مركز التحليل السياسي العسكري في معهد هادسون، وهو متخصص في قضايا الأمن الدولي والعلاقات بين القوى الكبرى مثل روسيا، الصين، و الولايات المتحدة، وحصل وايتز على شهادات أكاديمية مرموقة من جامعتي هارفارد، وأكسفورد، وكلية لندن للاقتصاد، وقبل انضمامه إلى معهد هادسون في عام 2005، عمل في عدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية، بالإضافة إلى وزارة الدفاع الأمريكية، وله العديد من المؤلفات والكتب، والتقارير، والمقالات المتخصصة.
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.