تآكل القدرات الاستخباراتية وحدود القوة الأمريكية

تقرير
ترامب يستقبل رفات جنود أمريكيين قُتلوا في الهجوم الإيراني على الكويت (أ ف ب)
ترامب يستقبل رفات جنود أمريكيين قُتلوا في الهجوم الإيراني على الكويت (أ ف ب)
ﺷﺎرك

الخلاف العلني داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية حول إيران، يكشف عن أزمة عميقة في طريقة تفسير الولايات المتحدة للتهديدات وصياغتها لاستراتيجيات قائمة على تلك التقديرات.

اليوم، لم يعد تآكل الرؤية الاستراتيجية المشتركة داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي احتمالاً نظرياً، بل أصبح واقعاً موجوداً بالفعل، فاستقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، جو كينت، على خلفية تضارب التقديرات بشأن التهديد النووي الإيراني، لا تعكس مجرد توتر إداري عابر في واشنطن، بل تكشف عن تصدع هيكلي في قدرة النظام على إنتاج أساس استراتيجي موحد.

لم يعد تآكل الرؤية الاستراتيجية المشتركة داخل منظومة الأمن القومي الأمريكي احتمالاً نظرياً بل أصبح واقعاً موجوداً بالفعل

استقال كينت بعدما أكد أن إيران لا تشكّل “تهديداً وشيكاً” للولايات المتحدة، وهو ما يتعارض صراحة مع المبررات التي تسوّقها الإدارة للتحرك العسكري، إذ  تزامن ذلك مع تصاعد التدقيق العلني في إفادة مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، أمام مجلس الشيوخ، حيث أشارت إلى أن إيران لم تسعَ لإعادة تطوير قدراتها على تخصيب اليورانيوم منذ عملية “مطرقة منتصف الليل” في صيف 2025، رغم استمرار إدارة ترامب في تبرير الضربات المستمرة.

وعلى النقيض من ذلك، تنبع أهمية هذا الخلاف من أن الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالقوة العسكرية وحدها، بل بالمعلومات أيضاً، إذ يُقاس مدى فاعلية النظام للأمن القومي بقدرته على إعداد تصور عملي موحّد يحدد قدرات الخصم ونواياه وحدود تحمّله للتصعيد، وهنا يأتي دور الاستخبارات في توفير هذا الأساس المرجعي، عبر تحويل البيانات الأولية إلى رؤية استراتيجية متماسكة.

 عندما تعجز جهات الاستخبارات الـ 18عن التوصل إلى توافق راسخ، فإن الخطر لا يقتصر على فوضى إجرائية فحسب، بل يتمثل في انفصال القوة العسكرية عن الحقائق والواقع، لتبدأ في العمل ضمن مزيج غير واضح من المعلومات الاستخباراتية والافتراضات والسرديات المُسيّسة، وهو ما يفسّر الأهمية الخاصة لاستقالة كينت.

وهذا يشير إلى أن الخطر الحقيقي يكمن عندما تتحول النقاشات حول التهديد إلى جدل علني مُسيّس إلى درجة تفقد معها المنظومة الاستخباراتية مكانتها كمصدر موثوق، في تكرار لتجارب الإخفاقات التي سبقت حرب العراق وما أعقبها من عجز عن العثور على أسلحة دمار شامل.

وبمجرد أن تصبح مصداقية الولايات المتحدة موضع تشكيك علني، فإنها تخسر أحد أسس قوتها غير المرئية، المتمثل في قدرتها على إقناع نفسها والآخرين بأن سلوكها قائم على فهم مستقر للواقع، فعند هذه النقطة، يبرز خطر تحول القوة المهيمنة من نموذج قائم على القواعد إلى سلوك تحكمه الاعتبارات الضيقة للمصلحة بالدرجة الأولى.

في عصر وسائل التواصل الاجتماعي وتدفّق المعلومات الرقمي المكثف، لا يظل هذا الخلاف محصوراً في القنوات السرية، بل يتحوّل إلى سمة من سمات العصر الرقمي، ما يقوّض المصداقية أثناء النزاعات، وبالفعل، يعني ذلك تقويض المصالح الوطنية الأمريكية وتآكل النظام العالمي تدريجياً.

استقالة جو كينت جاءت على خلفية تضارب التقديرات بشأن التهديد النووي الإيراني (أ ف ب)
تحليل الخلاف

في هذا السياق، ولفهم المخاطر المتزايدة، لا بد من تحليل الخلاف الاستخباراتي المفتوح بدقة، فالنزاعات الاستخباراتية ليست ثنائية، بل تدور حول قدرات الخصم، ونواياه، وتوقيت التهديد، وهذه التصنيفات غير قابلة للتبادل، إذ إن الخلاف حول القدرات يُخلّ بالأسس التحليلية للعملية الاستخباراتية.

النزاعات الاستخباراتية ليست ثنائية بل تدور حول قدرات الخصم ونواياه وتوقيت التهديد

إلى ذلك، يُعطي الخلاف حول النوايا الأولوية للرسائل والدبلوماسية، أما الخلاف حول التوقيت فيُجبر صانعي القرار على الاختيار بين العمل الاستباقي أو الانتظار، وفي حالة الحرب مع إيران، يصبح هذا التمييز أكثر أهمية، إذ إن النقاش حول ما إذا كانت طهران قادرة على بناء سلاح نووي يختلف جوهرياً عن النقاش حول نواياها الفعلية، ويختلف عن أي ادعاء بأنها تُشكّل تهديداً وشيكاً، وهو تمييز قد يحدد ما إذا كان صانعو السياسات سيختارون ضبط النفس أو العمل العسكري المستمر.

غير أن السياسات نادراً ما تتبع التوصيات الاستخباراتية بشكل مباشر، فصانعو القرار يتعاملون مع الواقع المعقد، ويوازنون بين المعلومات الجزئية، وضغوط الحلفاء، ومخاوف الرأي العام، فاليقين الكامل ليس متاحاً أبداً، لذا تصبح الاستراتيجية عملاً دقيقاً من التوازن، أي اختبار للفصل بين الواقع والخداع، مقابل تقييمات الردع والمخاطر والتكاليف والمنافع المتوقعة لعدم التحرك، وهذا يضع على عاتق القادة السياسيين مسؤولية تحديد ما إذا كانت الاستخبارات أداة لإدارة حالة عدم اليقين أم أداة لصياغة سردية تُبرّر النتيجة المرغوبة.

ونتيجةً لهذا الغموض، تفسر الدول المختلفة هذه الإشارات بطرق متباينة، فإسرائيل، التي تعتمد على الدعم الأمريكي، قد ترى في هذا الانقسام الداخلي دليلاً على عدم المصداقية في وقت يعتمد فيه الردع على الاتساق والمصداقية، أما الحلفاء الأوروبيون، المتخوفون أصلاً من تقلبات الموقف الأمريكي، فمن المرجح أن ينظروا إليه كدليل إضافي على فوضى العملية السياسية.

أما بالنسبة لإيران، فإن الفرصة واضحة، فواشنطن المنقسمة تشجّع طهران على اختبار الحدود وامتصاص الضربات، مع التأكيد على أن التماسك السياسي الأمريكي، أو على الأقل وحدة تحالفاته، سيضعف أولاً، أما بالنسبة للصين وروسيا، فالدرس أوسع نطاقاً: “تظل الولايات المتحدة قوة عسكرية عملاقة، لكن عمليتها السياسية لتحويل المعلومات الاستخباراتية إلى استراتيجية تفتقر إلى التماسك بشكل متزايد”.

تظل الولايات المتحدة قوة عسكرية عملاقة لكن عمليتها السياسية لتحويل المعلومات الاستخباراتية إلى استراتيجية تفتقر للتماسك

ليست هذه مجرد رسالة إقليمية، بل هي مؤشر عالمي على مدى موثوقية الولايات المتحدة في تحويل الاستخبارات إلى استراتيجية تحت ظروف الضغط، وسبب كون هذا الغموض ضاراً للردع، فالاستعراض الاستراتيجي يبدأ بالقدرات العسكرية، لكنه في جوهره يسعى لإقناع الآخرين بأن هناك آلية منظمة ومتوقعة تتحكم في استخدام هذه القوة، وعندما تنحرف الاستخبارات والخطاب والفعل عن بعضهم البعض علناً، تصبح واشنطن مصدراً لرسائل متناقضة.

قد يفسر بعض المراقبين ذلك على أنه تهور، في حين يراه آخرون تردّداً يختبئ خلف ستار من الحزم، ولا يمنح أي من هذين التفسيرين الاحترام أو المصداقية، وفي الواقع، كلاهما يزيد من احتمال وقوع أخطاء تقديرية كارثية، لأنه يجعل من الصعب على الحلفاء والخصوم على حد سواء تحديد وفهم الخطوط الحمراء الأمريكية بدقة.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف يدلي بشهادته أمام لجنة في مجلس النواب (أ ف ب)
التداعيات المؤسسية

وسط هذه المعطيات، يتجاوز السؤال الأكبر مجرد معرفة كيفية انتهاء الحرب مع إيران، فهناك احتمال لتجديد التنسيق بين القيادة السياسية والاستخبارات للحفاظ على الهيبة الأمريكية، من خلال توحيد الصفوف واستعادة صورة تشغيلية مشتركة متماسكة، وهذا هو السيناريو المثالي، لكن في ظل الانقسامات الحادة في واشنطن والانقسام السياسي الكبير، يبدو أن التطورات الراهنة تدفع بعيداً عن هذا المسار.

هناك احتمال ثانٍ يتمثل في إدارة التوتر داخل أجهزة الاستخبارات، بحيث يستمر الخلاف لكنه يبقى ضمن حدود مؤسسية مقبولة، أما السيناريو الأكثر تأثيراً، فهو إعادة ضبط المؤسسات تحت الضغط، ففي هذا السيناريو تصبح وكالات الاستخبارات أكثر حذراً، ويعتمد القادة السياسيون بشكل متزايد على القنوات غير الرسمية والحدس والسرديات المدفوعة بالإعلام.

“في مثل هذا السيناريو، تتآكل الثقة بين التحليل الاستخباراتي وصنع القرار السياسي بشكل أكبر، وإذا حدث ذلك، فلن يقتصر الضرر على إيران وحدها، إذ إن الاستخدام السياسي للمعلومات الاستخباراتية سيحدد الطريقة التي تستجيب بها الولايات المتحدة للأزمات المستقبلية.

من المرجح أن يكون لهذا البُعد المؤسسي أهمية أكبر من النتائج العسكرية للعمليات ضد إيران، حيث تستطيع الولايات المتحدة استيعاب الأخطاء التكتيكية كما فعلت في أفغانستان والعراق وفيتنام، لكن الخطر الأكبر يكمن في التآكل طويل الأمد للعلاقة بين الاستخبارات والقيادة السياسية.

اليوم، عندما تفقد القيادة السياسية، والجمهور بشكل عام، الثقة في الاستخبارات كمصدر تحليلي موثوق، أو عندما يعتقد العاملون في أجهزة الاستخبارات أن نتائجهم ستُستغل بشكل انتقائي، يبدأ الهيكل المؤسسي نفسه في الانهيار، ما يضعف اتساق الاستراتيجية الأمريكية، وعندها، لا يصبح الخلاف مجرد اختلاف في تقييم التهديد الإيراني، بل يتحوّل إلى خلل هيكلي في ممارسة الولايات المتحدة لقوتها.

يبدأ الهيكل المؤسسي بالانهيار عندما تفقد القيادة السياسية والجمهور الثقة في الاستخبارات كمصدر تحليلي موثوق

علاوة على ذلك، فإن هذا التآكل في الثقة له تأثير مدمر على الأفراد العاملين في الأمن القومي، فعندما يُنظر إلى التحليل الموضوعي على أنه تحدٍ سياسي، تنشأ داخل الاستخبارات ثقافة النفور من المخاطرة، وقد يختار الموظفون الموهوبون ترك الخدمة العامة بدلاً من مواجهة هذا الحقل السياسي المليء بالألغام، بينما قد يقوم من يبقون بالرقابة الذاتية، منتجين تحليلات آمنة سياسياً لكنها غير كافية استراتيجياص، كما أن هذه الدينامية تزيد من احتمال حدوث أزمة مؤسسية صامتة كنتيجة للحرب مع إيران، وتُضعف قدرة الولايات المتحدة على التنبؤ بالتهديدات المستقبلية والاستجابة لها.

القضية الأساسية التي أثارها النقاش حول الاستخبارات واستقالة كينت ليست مجرد صراع داخلي روتيني في واشنطن، بل هي مسألة جوهرية تتعلق بالكفاءة، فهل لا يزال بإمكان نظام الأمن القومي الأمريكي دمج الاستخبارات والسياسة والعمل العسكري في استراتيجية متماسكة؟.

في المحصلة، إذا ضعفت القدرة على الدمج بين الاستخبارات والسياسة والعمل العسكري، فإن ذلك سيضر بقدرة الولايات المتحدة على الاستجابة الفعّالة للأزمات أو الحروب المستقبلية، كما سيؤثر على تقييم الحلفاء لمصداقية أمريكا، وعلى اختبار الخصوم لحدود ردعها، وعلى كيفية اتخاذ الرؤساء المستقبليين للقرارات في ظل عدم اليقين، فالقوة العسكرية الأمريكية باقية، لكنها تفقد الكثير من قيمتها إذا بدأت المؤسسات المسؤولة عن تفسير التهديدات ومطابقة الوسائل مع الأهداف في الانهيار، وهذا هو التحذير الحقيقي لهذه اللحظة، لأنه يتجاوز إيران ليصل إلى تآكل الأسس المؤسسية للاستخبارات، التي ستحدد في النهاية نطاق القوة الأمريكية.

جهارا فرانكي ماتيسِك، طيّار قائد في القوات الجوية الأمريكية
جهارا ماتيسك

المقدم جهارا فرانكي ماتيسِك، طيّار قائد في القوات الجوية الأمريكية، ومتخصص في شؤون النزاعات والاستراتيجية والمساعدة الأمنية، درّس في أكاديمية القوات الجوية الأمريكية وكلية الحرب البحرية الأمريكية، ومؤلف كتابين.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.