سيناريو الكارثة: فخ التصعيد الأمريكي-الإيراني

تقرير
ترامب خلال خطاب الاتحاد في الكونغرس (أ ف ب)
ترامب خلال خطاب الاتحاد في الكونغرس (أ ف ب)
ﺷﺎرك

كشفت تقارير عديدة أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين حذّر، في مداولات داخلية، من مخاطر تنفيذ عملية عسكرية كبرى ضد إيران، وعلى رأسها الانزلاق إلى نزاع طويل الأمد يصعب احتواؤه، ورغم أن الرئيس الأمريكي خرج لينفي صحة هذه التقارير، إلا أن حالة التردد الظاهرة في اتخاذ قرار توجيه ضربات ضد إيران تعكس حجم الجدل داخل دوائر صنع القرار.

في المقابل، ينشغل النقاش السياسي في العالم بتوقيت الضربة المحتملة وحدودها: هل ستكون عملية خاطفة لإعادة طهران إلى طاولة التفاوض، أم خطوة أولى على طريق مواجهة أوسع؟، ما يكاد يغيب عن هذا النقاش هو الفرضية الأخطر: ماذا لو تحوّل التصعيد الذي يُفترض أنه قابل للضبط إلى مسار إجباري لا يملك صانعوه القدرة على التراجع عنه؟.

في السياسة الدولية، لا تبدأ الكوارث الكبرى عادةً بقرارٍ صريح بالحرب، بل بسلسلة إجراءات متدرجة يُفترض أنها خاضعة للضبط، وتحيط بها كوابح تمنع الانفلات، ومع ذلك، يُظهر التاريخ مراراً أن السيناريوهات المصمَّمة بعناية على الورق قد تنهار بفعل خطوة صغيرة واحدة لم يُحسب حسابها.

يُظهر التاريخ مراراً أن السيناريوهات المصمَّمة بعناية على الورق قد تنهار بفعل خطوة صغيرة واحدة لم يُحسب حسابها

في الأزمة الأمريكية-الإيرانية، لا يكمن الخطر الجوهري في نية الحرب بحد ذاتها، بل في طبيعة النهج الذي اتبعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعامل مع إيران: تصعيد نفسي عالي السقف، بلا تصور واضح لنقطة التوقف أو لما يليها، فمنذ البداية، لم تُصمَّم هذه السياسة لخوض حرب شاملة، بل لممارسة ضغط أقصى يقوم على حشد عسكري بحري وجوي واسع، وخطاب تهديد علني، ورسائل متناقضة تجمع بين التلويح بالقوة والدعوة إلى التفاوض.

الهدف من هذا النهج هو انتزاع تنازلات سياسية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، غير أن هذا النوع من التصعيد، حين يُدار في العلن ويُربط بصورة القائد وهيبة الدولة، يحمل خطراً بنيوياً معروفاً: أن يتحول من أداة ضغط إلى فخّ.

حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جيرالد فورد” راسية في اليونان (أ ف ب)
عندما يصبح التصعيد التزاماً

المشكلة لا تكمن في القوة العسكرية بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُستخدم بها، فالتصعيد، حين يُقدَّم كاختبار للإرادة والهيبة، لا يعود مجرد وسيلة سياسية قابلة للتعديل، بل يتحول إلى التزام نفسي، خاصة مع رئيس مثل دونالد ترامب، الذي يرى أن الولايات المتحدة تمتلك من القوة ما يتيح لها تنفيذ ما تريد، وقتما وأينما تشاء، وعند هذه النقطة، يصبح التراجع   -ولو كان عقلانياً- أكثر كلفة سياسياً من المضي قدماً، وهنا تتغير طبيعة القرار، فلا تُستخدم القوة لأنها تحقق هدفاً محدداً، بل لأنها تمنع الظهور بمظهر الضعف.

هذا النمط ليس جديداً، فالتاريخ يُظهر مراراً كيف قادت ديناميكيات “حفظ المصداقية” إلى قرارات لم تكن جزءاً من استراتيجية متكاملة، بل محاولات لتجنّب خسارة السمعة، والخطر في الحالة الراهنة أن هذا المنطق يُطبَّق في إقليم هش، حيث لا تبقى أخطاء الحساب محصورة بين طرفين، بل تتدحرج خارج السيطرة.

الضربة ليست المشكلة… ما بعدها هو المشكلة

لا يختلف اثنان على أن الولايات المتحدة تمتلك من القوة العسكرية والتكنولوجية ما يجعلها قادرة على إلحاق ضرر حاسم بالنظام الإيراني والخروج بتفوق عسكري واضح، غير أن السؤال الجوهري يظل بلا إجابة: ماذا بعد؟.

لا يختلف اثنان على أن الولايات المتحدة تمتلك من القوة العسكرية والتكنولوجية ما يجعلها قادرة على إلحاق ضرر حاسم بالنظام الإيراني غير أن السؤال الجوهري يظل بلا إجابة: ماذا بعد؟


ماذا لو لم تتصرف طهران وفق السيناريو المتوقع، وماذا لو رأت الضربة عدواناً مفتوحاً يستوجب رداً يتجاوز الحسابات الرمزية؟، عندها ستجد واشنطن نفسها أمام معضلة كلاسيكية، فالرد يعني تورطاً أعمق في صراع لم تُخطط له، وعدم الرد يعني خسارة الردع والمصداقية، وعند هذه اللحظة، يتحول التصعيد من خيار سياسي إلى مسار إجباري، وتصبح القرارات اللاحقة ردود أفعال، لا عناصر في استراتيجية متماسكة.

من الدولة إلى الفراغ

هنا تظهر المعضلة الأعمق، فإيران ليست كياناً صغيراً أو متجانساً يمكن تحييده ثم تجاوز آثاره، بل دولة كبيرة متعددة الهويات، يقوم تماسكها على مركز سياسي-أمني شديد التركيز، وأي إضعاف حاد لهذا المركز، من دون تصور واقعي لبديل قابل للحياة، لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال منظم، بل يفتح الباب أمام فراغ تنافسي.

في مثل هذه الحالات، لا يحتاج التفكك إلى انهيار شامل، بل يكفي إنهاك السلطة المركزية، وتنازع النخب والأجهزة، واضطرابات داخلية منخفضة الشدة لكنها طويلة الأمد.

تُظهر التجربة الحديثة أن تحطيم الدولة أسهل بكثير من إدارة الفراغ الذي يلي ذلك، ولعل ما أعقب انهيار الدولة العراقية مثال واضح على هذه المعضلة، فحين يتشكل هذا الفراغ في دولة بحجم إيران، لا يبقى محلياً، بل يبدأ بالتسرّب إلى الجوار.

تُظهر التجربة الحديثة أن تحطيم الدولة أسهل بكثير من إدارة الفراغ الذي يلي ذلك ولعل ما أعقب انهيار الدولة العراقية مثال واضح على هذه المعضلة

سيناريو الكارثة: حين يتوسّع الانزلاق

هنا نصل إلى ما يمكن تسميته “سيناريو الكارثة”، وهذا السيناريو لا يفترض نية حرب شاملة، ولا قراراً مركزياً بتدمير دولة، بل يقوم على تفاعل أخطاء محسوبة داخل بيئة إقليمية هشّة أصلاً، بحيث يبدأ التصعيد كأداة ضغط نفسية، ثم يتحول إلى فعل لحفظ المصداقية، قبل أن يُطلق سلسلة من الردود المتبادلة التي لا يملك أي طرف السيطرة عليها.

خطورة هذا السيناريو أنه لا يتوقف عند إيران، فاضطراب واسع فيها سيُضاف إلى عراق لم يستعد بعد تماسك دولته بالكامل، وسوريا ما زالت تفتقر إلى استقرار سياسي فعلي، وعند هذه النقطة لا نكون أمام أزمة دولتين، بل أمام حلقة إقليمية هشّة بالكامل تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، أي بمساحة تعادل نحو نصف مساحة الاتحاد الأوروبي.

في هذا السياق، لا تنتقل العدوى بشكل تدريجي، بل بشكل متزامن، فحدود طويلة ضعيفة الضبط، وشبكات مسلحة عابرة للحدود، واقتصادات حرب قائمة أصلاً، تجعل أي هزة في دولة مركزية عامل تفجير، لا مجرد عنصر ضغط، فما كان يُدار سابقاً عبر عواصم مركزية يتحول إلى صراعات شبكية بلا غرفة تحكم، حيث يصبح الردع أصعب، والاحتواء شبه مستحيل.

عراقجي بعد إلقاء كلمة خلال جلسة لمؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح (أ ف ب)
الاستقرار والطاقة: كلفة لا يمكن احتواؤها

الذهاب بعيداً في التصعيد ضد إيران من دون سيناريو واضح لليوم التالي يشكّل الخطر الأكبر على المنطقة بدولها كافة، فهي أصلاً فضاء يعاني من عدم استقرار مزمن، ورخاوة في الحدود أمام شبكات تهريب السلاح، ووجود مليشيات ومنظمات ذات تنظيم وتسليح أشبه بالجيوش، إلى جانب انقسامات مذهبية وطائفية وحركات انفصالية، وكل ذلك يجعل إضعاف الدولة المركزية في إيران عامل تفجير إقليمي يصيب الجميع.

ويتجاوز “سيناريو الكارثة” حدود الأمن ليطال الاقتصاد العالمي، فاضطراب مزمن في فضاء متصل بالخليج يعني ارتفاعاً دائماً في كلفة التأمين والشحن، وتهديداً مستمراً لمنشآت الطاقة ومساراتها، وتحول “علاوة المخاطر” إلى قاعدة تسعير، وهذا النوع من الأثر تراكمي ولا يمكن احتواؤه بضربة واحدة أو تهدئة مؤقتة، بل يخلق بيئة عدم استقرار طويلة الأمد تُدار بالعجز لا بالحلول.

المحصلة، لا يتمثل الخطر في نهج التصعيد الأمريكي تجاه إيران في نية الحرب بحد ذاتها، بل في احتمال الانزلاق إليها دفاعاً عن المصداقية، وحين تُستخدم القوة لحفظ الصورة لا لتحقيق هدف سياسي محدد، تتحول السياسة إلى مخاطرة مفتوحة، وفي شرق أوسط مثقل بالأزمات، قد لا تكون نتيجة هذا الانزلاق حرباً قصيرة، بل “سيناريو الكارثة”: انهياراً إقليمياً متدرجاً، بلا مركز ضبط، وبكلفة إنسانية وأمنية واقتصادية لا يتحملها الإقليم ولا العالم.

المحصلة لا يتمثل الخطر في نهج التصعيد الأمريكي تجاه إيران في نية الحرب بحد ذاتها بل في احتمال الانزلاق إليها دفاعاً عن المصداقية

أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض عن قناعة، بل تلك التي يبدأها الجميع وهم يعتقدون أنها قابلة للتحكم، ثم يكتشفون متأخرين أن السؤال الذي لم يُجب عنه كان الأهم: متى نتوقف، وكيف سيكون شكل اليوم التالي؟.

عمر القاسم

عمر القاسم

المؤسس ورئيس تحرير منصة إيغل إنتيلجنس ريبورتس، المتخصصة في التحليل السياسي والاستراتيجي المعمّق. يمتلك خبرة طويلة في العمل الإعلامي، ويقدّم قراءات تحليلية تغطي قضايا الجغرافيا السياسية، الصراعات الدولية، والتحولات في موازين القوى العالمية.
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.