حذّر الجنرال البريطاني ريتشارد شيريف، نائب القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الأسبق، من أن القارة تقف على حافة الحرب، وأنها غير مستعدة بشكل خطير للدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا من دون دعم أمريكي.
وقال في مقابلة خاصة مع “إيغل إنتليجنس ريبورتس”: “إن دول الناتو، رغم امتلاكها قدرات عسكرية كبيرة، تعاني من التردد السياسي ونقص المعدات وعدم كفاية الإنفاق الدفاعي، وهي عوامل تقوّض مجتمعة قدرة أوروبا على التصدي لأي هجوم”.
وتابع شيريف: “إن أوروبا تمتلك، بإمكاناتها العسكرية مجتمعة، القوة الكافية للدفاع عن أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، شريطة أن تنسّق حكوماتها جهودها”.
وحدّد الدفاع الجوي، والقدرات الاستخباراتية، وأنظمة المراقبة، والإمكانات المعتمدة على الأقمار الاصطناعية، بوصفها مجالات حيوية لا تزال أوروبا تعتمد فيها على الولايات المتحدة.
وأضاف: “إن الحكومات الأوروبية أخفقت في ترجمة تعهداتها تجاه أوكرانيا إلى مساعدات عسكرية فعلية وضرورية لهزيمة روسيا”، مؤكداً أن ذلك يعكس فجوة واسعة بين التصريحات والالتزامات السياسية من جهة، ومستوى الجاهزية الدفاعية الفعلية من جهة أخرى.
وحذّر من أن روسيا قد تلجأ، على الأرجح، إلى اختبار تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) من خلال استفزاز محدود أو عملية هجينة، بدلاً من شنّ غزو واسع النطاق لأراضي دول الحلف.
ولفت إلى أن تدخلاً روسياً محتملاً في أرخبيل سفالبارد، التابع للنرويج والواقع في منطقة القطب الشمالي، قد يشكّل أحد السيناريوهات التي من شأنها كشف الخلافات بين أعضاء الناتو بشأن التزاماتهم المتعلقة بالدفاع الجماعي.
وأوضح أن مثل هذه العملية قد تستهدف تقويض الوحدة السياسية للحلف وإثارة الانقسامات بين أعضائه، بدلاً من هزيمة قواته العسكرية.
وفي معرض حديثه عن الساعات الـ72 الأولى من أي مواجهة محتملة، حذّر شيريف من أن الهجمات السيبرانية، وأعمال التخريب، وحملات التضليل الإعلامي، والاستفزازات التي قد تشمل الأقليات الناطقة بالروسية، يمكن أن تؤدي إلى حالة من الارتباك وتؤخر استجابة حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وتساءل عما إذا كانت الدول الأعضاء الـ32 قادرة على التوصل إلى توافق سريع يتيح لها اتخاذ رد حاسم، مشدداً على أن سرعة اتخاذ القرار السياسي قد تكون بأهمية الجاهزية العسكرية ذاتها.
وشكّك شيريف في قدرة أوروبا على خوض حرب تقليدية طويلة الأمد والاستمرار فيها، ما لم تعمل على توسيع قوات الاحتياط بصورة كبيرة أو اعتماد شكل من أشكال الخدمة العسكرية الإلزامية.
ورأى أن الحكومات الأوروبية لم تدرك بعد حجم التهديد وخطورته، ولا مدى إلحاح الاستعداد لمواجهته.
وحذّر من أن الصراع الدائر بالفعل عبر أساليب الحرب الهجينة قد يتصاعد سريعاً ويتحول إلى مواجهة عسكرية تقليدية، الأمر الذي يجعل استمرار التقاعس السياسي أكثر خطورة مع مرور الوقت.
فيما يلي الجزء الأول من المقابلة الخاصة التي أجراها الزميلان جوناثان شيري وأندرا متشوكا مع ريتشارد شيريف.
جوناثان شيري:
أهلاً بكم في مقابلات “إيغل إنتليجنس ريبورتس” الخاصة، حيث ينضم إلينا اليوم ريتشارد شيريف، نائب القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أوروبا الأسبق.
سيادة الجنرال، شكراً لانضمامك إلينا.
ريتشارد شيريف:
شكراً على استضافتي، ويسعدني كثيراً أن أكون معكم.
جوناثان شيري:
دعني أبدأ بالسؤال الذي كان في صميم مسؤولياتكم القيادية السابقة، وربما يشكّل اليوم أحد أكثر الأسئلة الأمنية إلحاحاً وإثارة للقلق في أوروبا: إذا هاجمت روسيا إحدى دول الناتو غداً، فهل تستطيع أوروبا الدفاع عنها من دون مساعدة أمريكية؟
ريتشارد شيريف:
هذا هو السؤال الجوهري الذي تتوقف عليه أمور كثيرة، إذ أعتقد أن أوروبا، من حيث المبدأ، تمتلك بقدراتها العسكرية مجتمعة الإمكانات اللازمة للدفاع عن أي دولة تتعرض لهجوم روسي.
لكنها ستفتقر بلا شك إلى قدرات أساسية ومهمة للغاية، تتولى الولايات المتحدة توفيرها حالياً، حيث يتضح ذلك جلياً من خلال ما شهدناه من تراجع أو توقف خدمات منظومة “ستارلينك”، على سبيل المثال، في أوكرانيا، وما ترتب على ذلك من تداعيات على المدن الأوكرانية.
ومع ذلك، تمتلك أوروبا قدرات عسكرية كبيرة بالفعل، ولا سيما قدراتها على اعتراض التهديدات وعرقلة تحركات العدو، شريطة أن توحّد جهودها وتُركّز إمكاناتها في اتجاه واحد.
المشكلة، بطبيعة الحال، سياسية بالدرجة الأولى، وأعترف بأنني أشعر بتضارب حقيقي حيال هذه المسألة، لأنني أدرك أن أوروبا قادرة على القيام بذلك إذا عقدت العزم عليه.
لكن ما نشهده هو أن أوروبا، وعلى مدى السنوات الأربع الماضية على وجه الخصوص، تكتفي بإطلاق التصريحات والوعود، من دون أن تكون مستعدة لترجمتها إلى خطوات عملية حقيقية.
فقد تكررت التصريحات التي تؤكد الوقوف بقوة إلى جانب أوكرانيا، لكن السؤال هو: ما الذي يُقدَّم فعلياً لتمكين أوكرانيا من امتلاك الوسائل العسكرية اللازمة لهزيمة روسيا، وليس مجرد الدفاع عن نفسها؟، وسأكتفي بهذا القدر، وأترك لك المجال لطرح مزيد من الأسئلة.
جوناثان شيري:
ما أول قدرة عسكرية ستكتشف أوروبا أنها لا تستطيع الاستغناء عنها؟
ريتشارد شيريف:
أعتقد أن هناك قدرتين أساسيتين، في الواقع، الأولى هي الدفاع الجوي، والثانية هي الدعم الاستخباراتي وقدرات المراقبة والاستطلاع، من النوع الذي توفره منظومة “ستارلينك”.
فهذه الإمكانات المعتمدة على الأقمار الصناعية، التي تربط مختلف عناصر ساحة المعركة بعضها ببعض، تتيح للدولة التي تتعرض للهجوم، سواء كانت أوكرانيا في الحالة الراهنة أو أي دولة أوروبية أخرى، الحصول على الإنذارات والتحذيرات اللازمة، وبالتالي امتلاك القدرة على الرد واستهداف مصادر التهديد.
لذلك، أرى أن القدرات الاستخباراتية والدفاع الجوي هما العنصران الأساسيان اللذان لا تستطيع أوروبا الاستغناء عنهما.
جوناثان شيري:
قدّم القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا التابع لحلف الناتو مفهوم “الصدّ والاحتواء والتفكيك”، بهدف إحباط أي هجوم يستهدف الحلف، وبحكم خبرتك داخل هيكل القيادة في الناتو، فأنت تدرك الفارق بين التخطيط والجاهزية الفعلية، إلى أي مدى اقترب الناتو اليوم من الوفاء بهذا التعهّد؟.
ريتشارد شيريف:
إذا اضطر الناتو إلى الدفاع عن نفسه، فسيكون، أشبه بمن يحضر إلى المعركة بما هو متاح لديه في تلك اللحظة، أي بالقدرات الموجودة هنا والآن، وهذا لن يكون كافياً، إذ ستظل هناك أوجه قصور.
الجاهزية العسكرية تقوم على أربعة عناصر: القوى البشرية، والمعدات، والخدمات اللوجستية والقدرة على الاستدامة، ثم التدريب، وإذا قيّمنا الناتو في ضوء هذه العناصر الأربعة، فربما لا يكون أداؤه سيئاً إلى هذا الحد.
وعلى سبيل المثال، إذا نظرنا إلى التحول في نهج التدريب، نجد أن قوات الناتو باتت تجري تدريبات عسكرية بصورة منتظمة ونشطة في أنحاء أوروبا الشرقية، بما في ذلك تنفيذ طلعات جوية حول كالينينغراد، لإظهار قدراتها الفعلية.
كما نشهد مناورات أوروبية كبرى برّاً وبحراً وجواً، تهدف إلى استعراض القدرة على الاستجابة ونشر التعزيزات العسكرية عند الحاجة.
لكن عندما أنظر إلى التجهيزات العسكرية، أجد أن بعض الدول قد طوّرت قدراتها بصورة كبيرة، ولا سيما دول أوروبا الشرقية والشمالية، مثل فنلندا ودول البلطيق وبولندا والسويد ودول الشمال الأوروبي، وفي المقابل، عندما أنظر إلى المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، أجد ثغرات كبيرة في قدراتها، وهذا سيمثل تحدياً حقيقياً.
وينطبق الأمر نفسه على القوى البشرية، وهنا تكمن المفاضلة بين السعي إلى الأفضل، الذي قد يصبح عدوّاً لما هو جيد ومتاح، بطبيعة الحال، سأختار الأفضل، لكنني سأكون مستعداً لقبول المستوى الجيد، غير أنني أخشى أن أخلص إلى أن أوروبا لم تبلغ بعد حتى هذا المستوى، ومع ذلك، ما زلت أعتقد أن أوروبا قادرة على الاستجابة.
وهناك نقطة أخرى، وهي: ما طبيعة الهجوم الذي نتحدث عنه؟، فمن الضروري النظر إلى قدرات القوات المعادية في هذا السياق.
والواقع أن روسيا لا تزال مستنزفة ومنشغلة بالحرب في أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، بعد أربع سنوات ونصف من القتال، خلّفت نحو مليون ونصف المليون ضحية، بينهم مئات الآلاف من القتلى، كما أن الهجوم الصيفي الروسي لم يحقق تقدماً، بل شهد تراجعاً.
ولا ينبغي الاستهانة بالروس أبداً، لكن قدراتهم ليست بالمستوى الذي قد يُتصوَّر، حيث سيكون من الصعب للغاية عليهم شنّ غزو واسع ومستدام، يتسم بالالتزام والحسم، ضد دولة عضو في حلف الناتو، بما يشكّل تهديداً حقيقياً لتلك الدولة.
ومع ذلك، فإن ما تستطيع روسيا القيام به هو تنفيذ عملية محدودة ومباغتة، أو تحرّك يحرج الناتو ويُربك حساباته، ويستهدف جوهر قوته ومركز ثقله، المتمثل في تماسك التحالف ووحدة صفوفه.
دعوني أضرب مثالاً على ذلك: يوجد عمال مناجم روس في أرخبيل سفالبارد، وهو أرخبيل صغير في القطب الشمالي، يقع شمال النرويج بكثير، وتقطنه الدببة القطبية بصورة رئيسية، وللروس وجود في مناجم الفحم هناك منذ سنوات طويلة، بل منذ عقود.
اليوم، هل يمكن لروسيا أن تشنّ هجوماً على سفالبارد، وتزعم أن عمال المناجم الروس يتعرضون للمضايقة والترهيب على أيدي النرويجيين، وأنهم بحاجة إلى الحماية، ثم تستنجد بـ”روسيا الأم” للدفاع عنهم؟، بالتأكيد، يمكنها فعل ذلك.
سيُشكّل ذلك مبرراً للمطالبة بتفعيل المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، باعتبار أن روسيا شنّت هجوماً على أراضٍ نرويجية، لكن كيف سيُستقبل مثل هذا الطلب داخل مجلس شمال الأطلسي؟، وهل ستكون دول الناتو مستعدة فعلاً لخوض حرب عالمية ثالثة من أجل جزيرة صغيرة نائية في القطب الشمالي، تقع على مسافة بعيدة جداً من البرّ الأوروبي؟، هذا أمر يثير التساؤل.
لذلك، أعتقد أن روسيا ستستهدف الجانب السياسي، أي تماسك الحلف ووحدة موقف أعضائه، وهنا تحديداً تكمن نقطة الضعف التي يواجهها الناتو.
أندرا متشيوكا:
ما تصورك لما قد يحدث خلال الساعات الـ72 الأولى من هجوم روسي على أراضي دول الناتو، وما العوامل الأهم التي ستحدد ما إذا كان نظام الدفاع الجماعي للحلف سيعمل على النحو المنشود؟.
ريتشارد شيريف:
ستكون الساعات الـ72 الأولى مربكة وغامضة، ولن يكون الأمر هجوماً عسكرياً واسع النطاق عبر حدود إحدى دول الناتو، كدول البلطيق أو بولندا أو رومانيا، على سبيل المثال.
سيكون تصعيداً للحرب التي تشنّها روسيا منذ 12 عاماً، بصراحة، وهي الحرب الهجينة والسرية، التي تهدف إلى تقويض تماسك خصوم روسيا، سواء كانوا دولاً منفردة أو حلفاء ضمن تحالفات.
كما ستُدار هذه الحرب عبر الهجمات السيبرانية، والتلاعب بالأقليات، وعمليات الاغتيال، والتخريب السياسي، وأعمال التخريب المادي، والتجسس، أما في المجال البحري، فسيكون قطع كابلات الاتصالات البحرية أحد أبرز أساليبها.
وسيكون المشهد ملتبساً ومربكاً، فعلى سبيل المثال، قد تنفّذ روسيا هجوماً زائفاً، أو تشهد إحدى دول البلطيق مظاهرات ينظمها متحدثون بالروسية، احتجاجاً على ما يزعمون أنه عنف تمارسه الشرطة بحقهم، وربما يُقتل اثنان من المتظاهرين بالرصاص، فتطالب الأقلية بتدخل روسي لمساعدتها.
وقد تستجيب روسيا بإعلان إرسال مساعدات إنسانية وقوات حفظ سلام، وقبل أن ندرك حقيقة ما يجري، وقبل أن ندرك حقيقة ما يجري، نكون قد وقعنا في فخ التصعيد التدريجي؛ إذ تتفاقم الأزمة خطوة بعد أخرى، من دون أن ينتبه المعنيون إلى خطورتها، حتى يجدوا أنفسهم أمام واقع يصعب تداركه.
وهكذا، قد يتصاعد الموقف تدريجياً، خطوة تلو الأخرى، إلى أن تجد الدول المعنية نفسها أمام أمر واقع يصعب تداركه.
وأعتقد أن هذه هي المعضلة الأساسية، وهذا، بطبيعة الحال، يضع الناتو أمام أحد أبرز تحدياته: كيف يمكنه اتخاذ القرارات بسرعة والتوصل إلى توافق في الآراء؟.
مجلس شمال الأطلسي، وهو الهيئة الحاكمة للحلف، يعتمد مبدأ الإجماع في اتخاذ قراراته، حيث لا يمكنه تجاوز اعتراض أي دولة عضو أو المضي في خيار عسكري إذا عارضته إحدى الدول؛ إذ يتطلب اتخاذ القرار موافقة الدول الأعضاء الـ32 جميعها.
لكن هل ستتفق الدول الـ32 على إطلاق عملية دفاع حاسمة لحماية إحدى دول الحلف إذا تعرضت لهجوم خلال الساعات الـ72 الأولى؟، إن التعامل مع مثل هذا السيناريو سيتطلب سرعة فائقة في اتخاذ القرارات.
أنا على يقين بأن الناتو يدرس هذه السيناريوهات المحتملة، وإذا لم يكن يفعل ذلك، فعليه أن يبدأ فوراً، بل ينبغي له، بصراحة، إجراء مناورات محاكاة حربية لهذه السيناريوهات، بهدف بناء خبرة ذهنية وعملياتية راسخة تمكّنه من الاستجابة السريعة عندما تحين اللحظة.
ومن شأن كل هذه التطورات أن تخلق حالة من الارتباك، حيث ستكون الساعات الـ72 الأولى مضطربة ومليئة بالغموض، وأخشى أن تشهد أيضاً تردداً في اتخاذ القرار.
ومع ذلك، فأنا من المؤيدين لحلف الناتو، وقد شهدت كيف يستطيع الحلف توحيد صفوفه واتخاذ القرارات بسرعة نسبية، لكن السؤال هو: هل سيتمكن من التحرك بالسرعة الكافية لاتخاذ الإجراءات اللازمة وامتلاك زمام المبادرة؟.
أندرا متشيوكا:
أشرتَ إلى سرعة الاستجابة، كما ذكرت رومانيا ودول البلطيق، وهذا يدفعني إلى التساؤل: هل تتوقع أن تكون استجابة الحلف بالسرعة والقوة نفسيهما إذا تعرضت رومانيا لهجوم، مقارنة بما لو كان الهجوم يستهدف إستونيا أو ليتوانيا مثلاً؟.
ريتشارد شيريف:
هذا سؤال وجيه جداً، للوهلة الأولى، أقول إن الإجابة هي نعم، لكن الأمر كله سيتوقف على مدى سرعة تفعيل خيارات إرسال التعزيزات العسكرية.
بطبيعة الحال، كما تعلمون، هذه مقابلة تستند إلى معلومات متاحة علناً، وأنا لست مطلعاً على الأسرار العسكرية العميقة لحلف الناتو، وحتى لو كنت مطلعاً عليها، فلن أفصح عما أعرفه أو أعلّق عليه.
لكن العامل الحاسم يتمثل في الجمع بين وجود قوات متمركزة بالفعل على الأرض، قادرة على الصمود والتصدي للهجوم، والقدرة على إرسال تعزيزات عسكرية بسرعة كبيرة.
ومن الناحية الجغرافية، تُعدّ رومانيا حالة أكثر تعقيداً، إذ تقع على مسافة أبعد بكثير من أوروبا الغربية مقارنةً بدول البلطيق أو دول الشمال الأوروبي، كما أنها أبعد عن الدول التي تمتلك قوات عسكرية كبيرة، وهذه المسألة ستكون عاملاً حاسماً.
وبطبيعة الحال، علينا أن نأخذ في الاعتبار أن أوروبا ستكون مضطرة إلى التعامل مع هذا الموقف بمفردها، لأننا نفترض هنا أن الولايات المتحدة لن تكون طرفاً في هذا السيناريو.
أندرا متشيوكا:
إذا تأخرت واشنطن في التحرك، فأين ستشعر أوروبا بتداعيات هذا التأخير أولاً؟
ريتشارد شيريف:
أعتقد أن علينا افتراض أن واشنطن ستتأخر في الاستجابة، فالواقع السياسي الراهن يفرض علينا أن نرى الأمور كما هي، لا كما نتمنى أن تكون.
ما نراه اليوم هو رئيس أمريكي يتحالف عملياً مع بوتين، ويتجلى ذلك في صفقة الديزل، وفي التراجع المفاجئ عن الموقف من مشروع قانون العقوبات، وكذلك في حقيقة أن رئيساً أمريكياً هدّد العام الماضي بمهاجمة أراضي دولة حليفة في حلف شمال الأطلسي.
لذلك، أعتقد أن على أوروبا أن تفترض أنها ستكون بمفردها في مواجهة أي تهديد، باستثناء كندا، بطبيعة الحال.
أندرا متشيوكا:
لكن أين تحديداً تعتقد أن أوروبا ستشعر بالتأثير الأكبر؟، وهل هناك دولة بعينها ستكون الأكثر تضرراً؟.
ريتشارد شيريف:
تتمثل الأولوية الأولى، بطبيعة الحال، في توفير القدرات الاستراتيجية الداعمة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية، والصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، فضلاً عن المعلومات الاستخباراتية التي توفرها الأصول العسكرية الأمريكية والأقمار الصناعية التابعة لها.
لكن الأمر يشمل أيضاً القوة الجوية والقوات البرية، في تقديري، وهذه مجالات تعاني فيها أوروبا من نقص في القدرات، ويمكنها البدء في سد هذه الفجوات.
لكن التحدي الذي تواجهه أوروبا يتمثل في أنها بدأت بالفعل في الابتكار وتطوير قدراتها الذاتية، غير أن ذلك سيستغرق وقتاً، إذ لم تتحول هذه الجهود إلى قدرات فعلية حتى الآن.
وبطبيعة الحال، تأخرت أوروبا كثيراً في إدراك حقيقة الموقف الأمريكي، حيث اتضحت هذه الحقيقة تماماً خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، عندما صرّح وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ونائب الرئيس جيه دي فانس، بوضوح، خلال اجتماعات ميونيخ والاجتماعات الوزارية لوزراء دفاع الناتو في بروكسل، بأن الولايات المتحدة لن تدعم الدفاع التقليدي لأوروبا.
لكن أوروبا ظلت متمسكة بالولايات المتحدة، وبذلت محاولات يائسة لتجنب مواجهة السؤال بالغ الصعوبة الذي بات يتعين عليها الإجابة عنه: كيف يمكنها الاعتماد على نفسها وتطوير الناتو ليصبح تحالفاً تقوده أوروبا؟.
لقد كان هناك إصرار يائس على إبقاء الولايات المتحدة داخل الحلف، وهذا ما وضع أوروبا، بطبيعة الحال، في موقف بالغ الصعوبة، وجعلها متأخرة في الاستعداد لمواجهة هذا الواقع.
جوناثان شيري:
تعهّد الحلفاء الأوروبيون، كما تعلم، برفع إنفاقهم على الدفاع والأمن إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، على أن يُخصَّص ما لا يقل عن 3.5 % منها للإنفاق الدفاعي الأساسي، فهل تسمح المخاطر العسكرية التي تواجهها أوروبا بالانتظار حتى ذلك الموعد؟.
ريتشارد شيريف:
لا، بالتأكيد لا، وبصراحة، دعوني أرى الجداول الحسابية التي توضح كيف ستتمكن الدول من تحقيق هذه الأهداف، ولن أقول جميعها، بل دعونا نبدأ بالنظر إلى الجوانب الإيجابية.
هناك إنجازات إيجابية حقيقية في دول مثل بولندا وفنلندا ودول البلطيق، أي إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، إلى جانب الدنمارك ودول الشمال الأوروبي، مثل النرويج والسويد، فهذه الدول تأخذ الأمر على محمل الجد، وتعمل بجدية على تعزيز قدراتها العسكرية وتحويل التزاماتها إلى إمكانات فعلية.
أما ألمانيا، على سبيل المثال، فقد التزمت بالفعل بتخصيص 5 % من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي والأمني، وهي نسبة تمثل مبلغاً ضخماً بالنظر إلى حجم الاقتصاد الألماني.
لكن ماذا عن المملكة المتحدة؟ الواقع أننا سمعنا، تحت قبة مجلس العموم البريطاني الشهر الماضي أو الذي سبقه، رئيساً للوزراء يعلن أنه غير مستعد لتمويل الأمن القومي على حساب الإنفاق على الضمان الاجتماعي.
ولا توجد خطة واضحة لرفع الإنفاق الدفاعي الأساسي إلى 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي، وتخصيص 1.5 % إضافية للبنية التحتية المرتبطة بالدفاع والأمن، بحلول عام 2035، كما لا توجد خطة واضحة لزيادة الإنفاق الدفاعي بشكل ملموس فوق مستواه الحالي، الذي يبلغ نحو 2.7 %.
وينطبق الأمر نفسه على فرنسا، التي تعاني من اضطرابات سياسية وديون ضخمة، إذ إن هناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية، وللأسف، تتركز الجوانب السلبية في أوروبا الغربية، حيث لا توجد مؤشرات تُذكر على أن إسبانيا أو إيطاليا تعتزمان زيادة إنفاقهما الدفاعي بصورة كبيرة.
وللإجابة عن سؤالك، أقول أولاً إن افتراض أن أمامنا عشر سنوات لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5 % هو افتراض ينطوي على قدر كبير من التراخي والاطمئنان الزائد، فمن الخطير أيضاً افتراض وجود خطة واضحة لتحقيق هذا الهدف، في حين أن الواقع لا يؤكد ذلك.
وكل ما سبق يؤكد لي أن هناك فجوة حقيقية في القدرات الدفاعية في الوقت الراهن، وهذا يعيدنا إلى النقطة التي بدأنا منها: فإذا اندلعت هذه المواجهة خلال العام المقبل، فسنكون أمام وضع بالغ الصعوبة، أشبه بمحاولة خوض المعركة بالإمكانات المتاحة لحظة اندلاعها، وسط مساعٍ يائسة لسد النقص في القدرات والاستعدادات العسكرية.
قد تتساءلون: ما الذي يمكن أن يدفع الأمور إلى التغيير؟، أعتقد أن العامل الوحيد القادر على إحداث هذا التغيير هو الخوف بحد ذاته، فعندما تشعر دول أوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا، بخطر حقيقي يثير لديها الرعب، وتدرك أنها تقف بالفعل على حافة الحرب، عندها فقط قد تتحرك، لكننا لا نزال بعيدين عن بلوغ هذه المرحلة.
ومع ذلك، فإن الحقيقة، في تقديري، هي أننا نقف بالفعل على حافة الحرب، لكن ثمة قدراً من الإنكار المتهاون وقِصر النظر، يكاد يصل إلى حد التضليل المتعمد، لدى الطبقة السياسية، التي ترفض اتخاذ الإجراءات الضرورية، تغليباً للحسابات والمكاسب السياسية قصيرة الأجل.
جوناثان شيري:
ما القرار السياسي الوحيد الذي يمكن أن يسهم في تقليص الفجوة بين الطموحات والجاهزية العسكرية الفعلية؟.
ريتشارد شيريف:
القرار السياسي الوحيد الذي من شأنه تقليص هذه الفجوة هو أن يتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً بشنّ عملية هجومية واضحة ضد إحدى دول حلف الناتو، ولكن بحلول ذلك الوقت، قد يكون الأوان قد فات بالفعل.
أندرا متشيوكا:
هل تستطيع الحكومات الأوروبية نشر أعداد كافية من القوات والحفاظ على جاهزيتها وقدرتها على مواصلة القتال في صراع طويل الأمد، من دون اللجوء إلى تعبئة واسعة لقوات الاحتياط أو اعتماد شكل من أشكال الخدمة العسكرية الإلزامية؟
ريتشارد شيريف:
لا، لا يمكن تصور كيف يمكن أن يحدث ذلك، لنأخذ بريطانيا مثالاً؛ فالجيش البريطاني لا يتجاوز قوامه 70 ألف جندي، وأنا أعلم أن الجيش البريطاني سيقاتل ببسالة منقطعة النظير، لكنني أعتقد أن ما حدث في الحرب العالمية الأولى قد يتكرر، إذ قد يكون الجيش النظامي هو من يُستنزف خلال الشتاء الأول من الحرب، كما حدث في معركة إيبرس الأولى، وعندها ستقع على عاتق قوات الاحتياط مسؤولية مواصلة القتال، لكن بريطانيا لا تمتلك قوة احتياط فعّالة.
أما الجانب الإيجابي، فيتمثل في فنلندا، على سبيل المثال، فهذا البلد، الذي يقل عدد سكانه قليلاً عن ستة ملايين نسمة، يستطيع توفير قوة احتياط قوامها 900 ألف جندي، إلى جانب جيش مقاتل يبلغ قوامه 280 ألف جندي، يمكن تجهيزه خلال مهلة قصيرة، كما يمتلك 200 دبابة من أحدث طرازات “ليوبارد 2 “، يمكن نشرها للقتال في وقت وجيز للغاية، إذن، هناك تفاوت بين الدول في هذا المجال.
إلى أن تدرك دول مثل بريطانيا وغيرها من دول أوروبا الغربية حقيقة الحرب، وهو ما يرتبط أيضاً بما ناقشناه للتو بشأن التمويل، وتفهم، إذا جاز لي أن أُعيد صياغة مقولة كلاوزفيتس، أن من واجب رجال الدولة والسياسيين إدراك طبيعة الحرب التي يخوضون غمارها، فلن يتغير الوضع.
ولا أعتقد أن سياسيينا ورجال دولتنا وقادتنا يدركون حقاً طبيعة الحرب التي يشاركون فيها، لأنها حرب تدور رحاها الآن، ويمكن أن تتحول بسرعة كبيرة إلى مواجهة عسكرية تقليدية ومباشرة، وربما يكونون مدركين لذلك بالفعل، لكن إذا كانوا يدركون هذه الحقيقة ولا يتخذون أي إجراء حيالها، فإن ذلك يُعد إهمالاً جسيماً.




