دور بيونغ يانغ في محادثات السلام بشأن أوكرانيا

تقرير
فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون يغادران بعد اجتماعهما في بكين في سبتمبر 2025 (أ ف ب)
فلاديمير بوتين وكيم جونغ أون يغادران بعد اجتماعهما في بكين في سبتمبر 2025 (أ ف ب)
ﺷﺎرك

سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ تولّيه منصبه في يناير 2025، إلى الوفاء بوعده الانتخابي بإنهاء الحرب الروسية-الأوكرانية، لكن لا تزال المفاوضات متعثرة بسبب الخلافات حول إقليم دونباس ومحطة زابوريجيا النووية التي تحتلها روسيا، وذلك رغم التقدّم الملموس الذي أحرزته إدارته نحو التوصل إلى تسوية.

اليوم لم تعد آفاق السلام أيضاً مرتبطة حصراً بحل النزاعات داخل أوكرانيا، إذ أدت العلاقة المتينة بين روسيا وكوريا الشمالية إلى تحويل الصراع من حرب إقليمية إلى نقطة ارتكاز استراتيجية ذات أبعاد عالمية، وبناء على ذلك، فإن أي تسوية سلام لا تعالج محور موسكو-بيونغ يانغ تُخاطر بتفاقم الانتشار النووي وزعزعة الاستقرار الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

أي تسوية سلام لا تعالج محور موسكو-بيونغ يانغ تُخاطر بتفاقم الانتشار النووي وزعزعة الاستقرار الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ

تحوّلت كوريا الشمالية، منذ توقيع معاهدة الدفاع المشترك في يونيو 2024، من مجرد مورّد للذخائر إلى شريك قتالي فاعل للكرملين، فبعد نشر أولي لنحو 11 ألف جندي في منطقة كورسك أواخر عام 2024، توسّع هذا الوجود، ليصل إلى نحو 30 ألف عنصر، وفقاً لتقديرات استخباراتية حديثة.

كما أن هذا التحالف الذي وصفه الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون في خطابه بمناسبة رأس السنة بأنه “لا يُقهر”، قد أتاح لروسيا مواصلة حرب الاستنزاف الطويلة دون اللجوء إلى تعبئة داخلية تنطوي على مخاطر سياسية، الأمر الذي عزّز بدوره أوراق الضغط التي يمتلكها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على طاولة المفاوضات.

تضمن كوريا الشمالية، مقابل توفير قوة بشرية حيوية، الحصول على نقل واسع النطاق للتكنولوجيا العسكرية الروسية، متجاوزة بذلك عقوداً من العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، حيث تشير التقارير إلى أن موسكو تقدّم دعماً تقنياً في عدد من مجالات تكنولوجيا الأسلحة المتقدمة، بما في ذلك أقمار الاستطلاع الاصطناعية، وأنظمة توجيه الصواريخ المتطورة، وتصميم الغواصات النووية.

وهذا يشير إلى أن هذا التبادل القائم على “التكنولوجيا مقابل القوات” يؤدي إلى تحديث فعلي للترسانة التقليدية والاستراتيجية لبيونغ يانغ، ما يخلق تهديداً أشد فتكاً لكل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

في ظل المعطيات السابقة، أصبح التوصل إلى تسوية مستدامة في أوكرانيا غير ممكن من دون مفاوضات مباشرة ومتزامنة مع كوريا الشمالية، حيث أدى نشر قوات كورية شمالية على الأراضي الأوروبية إلى إضفاء طابع عالمي على الصراع، بحيث إن أي وقف لإطلاق النار يُبقي تحالف روسيا-كوريا الشمالية قائماً، ما يشكّل عملياً دعماً غير مباشر لاستمرار التوسع العسكري لبيونغ يانغ، وفي ظل غياب إطار يُلزم أو يُحفّز سحب القوات الكورية الشمالية، تُخاطر واشنطن بسيناريو يتحقق فيه السلام في أوروبا على حساب ترسيخ نظام كوري شمالي أقل عزلة، وأكثر تمكيناً، وأكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية.

كيم جونغ أون يستقبل جنوداً عائدين من مهمة خارجية خلال حرب روسيا مع أوكرانيا (أ ف ب)
فشل مقترح ترامب مع كيم

أبدى البيت الأبيض استعداده لإعادة التواصل مع كيم بهدف استعادة العلاقات الشخصية بين ترامب والزعيم الكوري الشمالي، لكن بيونغ يانغ لا تزال متشبثة بموقفها، مطالبة بشرطين أساسيين لبدء المحادثات، أولاً، إلغاء السياسات العدائية الأمريكية بالكامل تجاهها، وثانياً، الاعتراف بها كقوة نووية.

بيونغ يانغ لا تزال متشبثة بموقفها، مطالبة بشرطين لبدء المحادثات، أولاً، إلغاء السياسات العدائية الأمريكية بالكامل تجاهها، وثانياً، الاعتراف بها كقوة نووية

بمعنى آخر، يعكس هذا المأزق الدبلوماسي لأمريكا اليوم تحولاً جوهرياً في الموقف الاستراتيجي لبيونغ يانغ، إذ أدى خروجها من عزلتها الاقتصادية وتعميق شراكتها العسكرية مع موسكو إلى تقليص نفوذ واشنطن على طاولة المفاوضات.

 على مدى العقود الماضية، تمثّلت أداة الضغط الأساسية التي امتلكتها واشنطن تجاه بيونغ يانغ في العزلة الاقتصادية المفروضة عبر عقوبات مدعومة من الأمم المتحدة، غير أن معاهدة الدفاع المشترك التي أُبرمت في يونيو 2024 بين كيم جونغ أون وفلاديمير بوتين جعلت هذه الأداة شبه عديمة الجدوى، وغير نافعة، فبفضل تزويد كوريا الشمالية لروسيا بملايين القطع من العتاد العسكري ونحو 30 ألف جندي لدعم حربها في أوكرانيا، ضمنت بيون يانغ شرياناً بديلاً يتمثل في الغذاء والوقود والعملات الصعبة، وإلى أن تتمكن واشنطن من التفاوض على شروط تُثني كيم عن هذه الشراكة، يظل لدى الزعيم الكوري الشمالي حافز عقلاني ضئيل للدخول في محادثات حول تجميد البرنامج النووي، بعد أن خفّف بدرجة كبيرة من اعتماده على تخفيف العقوبات الغربية كشرط لبقاء نظامه.

في الوقت الحالي، تكمن إحدى المخاطر الجوهرية في السعي إلى إبرام اتفاق سلام في أوكرانيا مع تأجيل الانخراط مع بيونغ يانغ، وذلك بسبب احتمال تطوير أنظمة إيصال الأسلحة النووية الكورية الشمالية بشكل دائم عبر نقل التكنولوجيا الروسية، فإذا بادرت إدارة ترامب إلى إطلاق محادثات نووية من دون معالجة مسبقة لصفقة “التكنولوجيا مقابل القوات”، فقد تجد نفسها قريباً في مواجهة مع دولة حققت بالفعل نقلة نوعية في قدرتها على توجيه ضربة نووية ثانية.

ومع ذلك، فإن نشر القوات الكورية الشمالية على الأراضي الأوروبية قد حوّل بيونغ يانغ فعلياً إلى طرف فاعل في الأمن الأوروبي، وإذا تجاهلت واشنطن العلاقة بين موسكو وبيونغ يانغ، فقد يسمح وقف إطلاق النار في أوكرانيا لروسيا بمواصلة دعم التوسع العسكري لكوريا الشمالية في زمن السلم، وبالتالي، فإن أي تنازلات أمريكية في أوروبا ستُمكّن بشكل مباشر من انتشار الأسلحة النووية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

وعلى النقيض من ذلك، إذا أصرت إدارة ترامب على نزع السلاح النووي كنقطة انطلاق دون معالجة العامل الروسي أولاً، فمن المرجح أن تواجه رفضاً قاطعاً من كيم، فأي استراتيجية دبلوماسية ناجحة يجب أن تبدأ بفصل المفاوضات مع كيم عن حرب أوكرانيا بشكل استراتيجي.

 وقبل السعي إلى نزع السلاح النووي أو حتى تجميده، تحتاج واشنطن إلى وضع إطار عمل يضمن انسحاب القوات الكورية الشمالية من أوروبا ووقف نقل تكنولوجيا الصواريخ الروسية، فمن شأن كسر هذه الحلقة المفرغة أن يعيد للولايات المتحدة نفوذاً اقتصادياً وأمنياً فعّالاً للحصول على تنازلات نووية، وإلا ستواصل كوريا الشمالية استخدام حرب أوكرانيا لاكتساب الخبرة القتالية وتمويل برنامجها النووي.

قبل السعي إلى نزع السلاح النووي أو حتى تجميده تحتاج واشنطن إلى وضع إطار عمل يضمن انسحاب القوات الكورية الشمالية من أوروبا

خيارات إدارة ترامب

المشهد الاستراتيجي الذي يواجه ترامب بشأن كوريا الشمالية في عام 2026 يختلف اختلافاً كبيراً عن ذلك الذي كان عليه في فترته الرئاسية الأولى، ففي عام 2018، عندما التقى الاثنان، كان كيم زعيماً معزولاً يسعى للحصول على تخفيف الضغوط الأمريكية من خلال الدبلوماسية الشخصية مع ترامب، أما اليوم، فقد تغيّر توازن القوى بشكل حاسم، فكوريا الشمالية لم تعد مجرد متوسّلة، بل أصبحت شريكاً حيوياً في زمن الحرب مع قوى نووية كبرى مثل روسيا والصين.

من المرجح أن يتجه ترامب نحو إطار احتواء قائم على المصالح المتبادلة أو تعايش مُدار، استجابةً لهذا الواقع الاستراتيجي الجديد، متخلياً عن الهدف الأقصى المتمثل في التفكيك الكامل والقابل للتحقق وغير القابل للعكس الذي ميّز دبلوماسيته في عام 2018، وقد يشمل ذلك تقديم حوافز قائمة على المصالح، مثل إعفاءات محدودة من العقوبات، مقابل انسحاب مُوثّق للقوات الكورية الشمالية من أوروبا وتجميد تجارب الصواريخ بعيدة المدى، فمن خلال تحويل التركيز من القضاء على الأسلحة النووية إلى الحد من انتشارها، تهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان اتفاق محدود يُحقق الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مع تمكين واشنطن من التركيز على إغلاق مسرح العمليات الأوروبي.

قدّمت الاستخبارات الكورية الجنوبية جدولاً زمنياً محدداً لإعادة الانخراط الدبلوماسي، حيث خلص تقييم أجرته دائرة الاستخبارات الوطنية في نوفمبر 2025 إلى وجود احتمال كبير لعقد قمة ثالثة بين ترامب وكيم في وقت مبكر من أبريل 2026، كما يتوقع التقرير أن يسعى كيم إلى لقاء ترامب عقب انتهاء المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في مارس المقبل، مستغلاً زيارة ترامب الرسمية المزمعة إلى بكين في أبريل كركيزة لوجستية لإجراء محادثات على هامش الزيارة أو أثناءها.

إذا انعقدت قمة في أبريل 2026، فإن النتيجة الأكثر احتمالاً لن تكون خارطة طريق لنزع السلاح النووي، بل اتفاقاً لإدارة الأمن قد يتضمن إعلان سلام يحل محل هدنة عام 1953.

بالنسبة لكيم، سيكون الهدف الأساسي هو الاعتراف بحكم الواقع بكوريا الشمالية كدولة نووية وتحقيق تطبيع جزئي مع واشنطن لتعويض اعتماده المتزايد على بكين وموسكو، أما بالنسبة لترامب، فسيُقاس النجاح بتجميد برنامج الصواريخ الباليستية العابرة للقارات لكوريا الشمالية، وبالتزامها بوقف المساعدات العسكرية لروسيا، إذ سيتيح له ذلك الادعاء بأنه قد خنق أخطر طرف ثانوي في صراع أوكرانيا.

ولكن بعد انهيار قمة هانوي عام 2019 بسبب اختلاف تعريفات نزع السلاح النووي، من المرجح أن يتجاوز اجتماع عام 2026 هذه المسألة تماماً لصالح الحد من التسلح وتحقيق الاستقرار الاستراتيجي، فلن يُقاس نجاح هذه القمة بتفكيك الرؤوس الحربية، بل بمدى قدرتها على فصل بيونغ يانغ عن آلة بوتين الحربية، وإذا استطاع ترامب إقناع كيم بأن بقائه على المدى الطويل مضمون بشكل أفضل من خلال علاقة طبيعية مع واشنطن بدلاً من استمرار اعتماده على موسكو، فقد يحقق الاختراق الذي أفلت منه في ولايته الأولى.

رد فعل كوريا الجنوبية

اليوم، مع سعي إدارة ترامب إلى إنهاء حرب أوكرانيا بسرعة ودعوتها لإجراء محادثات ثنائية مع كوريا الشمالية، ازدادت ضغوط واشنطن على سيؤول لتحمل مسؤولية أكبر في دفاعها التقليدي ضد كوريا الشمالية، إذ يُعد مصدر القلق الأكبر في سيؤول شبحاً محتملاً لتقليص قوات الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية، التي قد تُستخدم كورقة ضغط في مفاوضات ترامب مع كيم.

ورغم أن مجلس الشيوخ الأميركي أقرّ تشريعاً في أواخر 2025 للحفاظ على وجود عسكري يبلغ 28,500 جندي،  إلا أن أي تخفيض طفيف، مثل الإشاعات حول إلغاء كتيبة مروحيات هجومية من طراز أباتشي، قد يشير إلى تراجع التزام الولايات المتحدة بالردع الموسّع.

لقد دفع تراجع الثقة في مظلة الردع النووي الأمريكي النقاش الداخلي حول تسليح كوريا الجنوبية نووياً إلى صدارة الاهتمام السياسي، حيث يجادل المؤيدون بأنه إذا أسفرت دبلوماسية ترامب في 2026 عن تجميد نووي، يقبل بكوريا الشمالية كدولة نووية بحكم الواقع، فستحتاج كوريا الجنوبية إلى ضمان استراتيجي خاص بها، فبينما تلتزم حكومة لي جاي ميونغ رسمياً بنظام عدم الانتشار النووي، فإنها سعت أيضاً لإعادة التفاوض بشأن اتفاقية الطاقة الذرية، المعروفة باسم اتفاقية 123، وطالبت واشنطن بالموافقة على غواصات تعمل بالطاقة النووية كقدرة وسيطة قبل الوصول إلى امتلاك أسلحة نووية.

في النهاية، من المرجح أن يتخذ رد فعل كوريا الجنوبية على استراتيجية ترامب لعام 2026 شكل “الاعتماد العملي على الذات”، فإذا أسفرت القمة المحتملة في أبريل عن خفض مستدام للقوات الأميركية دون وضع حد قابل للتحقق للبرنامج النووي لكوريا الشمالية، قد تشعر سيؤول بأنها مضطرة لعبور العتبة النووية لضمان بقاءها القومي.

ويتمثل التحدي الذي تواجهه حكومة لي في إقناع واشنطن بأن استقرار منطقة آسيا والمحيط الهادئ لا ينفصل عن شروط أي اتفاق سلام في أوكرانيا، وبالنسبة لسيؤول، فإن أي اتفاق يسمح لكيم بالاحتفاظ بترسانة نووية مطوّرة روسياً في الوقت الذي تقلّ فيه الولايات المتحدة من وجودها البري، ليس اتفاق سلام، بل تمهيد لصراع إقليمي أكثر خطورة.

أي اتفاق يسمح لكيم بالاحتفاظ بترسانة نووية مطوّرة روسياً مع تقليل أمريكا من وجودها البري ليس اتفاق سلام بالنسبة لسيؤول بل تمهيد لصراع إقليمي

الصين واليابان

على النقيض من ذلك، أي محاولة من قبل إدارة ترامب لفصل بيونغ يانغ عن موسكو ستتطلب بالضرورة إشراك الصين، اللاعب الحيوي الذي غالباً ما يُقلّل من أهميته، فبينما تجنبت بكين التحالف الرسمي للحفاظ على استقلالها الاستراتيجي، أصبحت الآن قلقة بشكل متزايد من أن العلاقة العسكرية بين روسيا وكوريا الشمالية التي قد تُشرّع تطوير الأسلحة النووية في كل من كوريا الجنوبية واليابان، ونتيجة لذلك، فإن أي إطار تفاوضي أمريكي سيتطلب الموافقة الضمنية للصين، إذ لا تستطيع بكين وحدها تقديم التطبيع الاقتصادي طويل الأمد القادر على تقليل اعتماد بيونغ يانغ على روسيا أو استبداله.

فلاديمير بوتين يستقبل وزيرة خارجية كوريا الشمالية في موسكو (أ ف ب)

ومع ذلك، فإن أي محاولة يقودها ترامب لإعادة تشكيل المفاوضات ستواجه مقاومة سواء في الخارج أو داخلياً، حيث عبّرت اليابان، الطرف المهم الذي تم تهميشه عن الحوارات رفيعة المستوى، عن معارضتها القوية لتجميد الأسلحة النووية، خشية أن يترك ذلك طوكيو أكثر عرضة للتهديدات الصاروخية الإقليمية، كما أشارت رئيسة الوزراء سناي تاكايتشي إلى عدم قبولها بأي تغييرات أحادية الجانب.

على الصعيد الداخلي، تتقيد القدرة التنفيذية لترامب بشدة من قبل الكونغرس الأمريكي المتشكك، فَقانون تفويض الدفاع الوطني، الذي أُقر في ديسمبر، يقيد أي تخفيض في مستويات القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية دون تحقيق معايير أمنية مصدّقة، وبالنظر إلى هذه القيود مجتمعة، فإن أي “صفقة كبرى” قد تُبرم في قمة محتملة في أبريل ستواجه رقابة صارمة ومعارضة شديدة من أجهزة الأمن، التي تحذر من شرعنة مبدأ بيونغ يانغ المتمثل في “الدولتين العدائيتين”.

أخيراً، يتطلب تحقيق سلام دائم مواجهة الحافز طويل الأمد لروسيا للحفاظ على شراكتها مع كوريا الشمالية، فروسيا ترى اليوم كوريا الشمالية ليس كحل مؤقت لحرب أوكرانيا، بل كأصل استراتيجي دائم في مواجهتها الأوسع مع الغرب.

روسيا ترى اليوم كوريا الشمالية ليس كحل مؤقت لحرب أوكرانيا بل أصل استراتيجي دائم في مواجهتها الأوسع مع الغرب

من جانب أخر، يؤدي نقل التقنيات المتقدمة، مثل تصميم الغواصات النووية والأقمار الصناعية المتطورة، إلى ترقية الجيش الكوري الشمالي بشكل جوهري وغير قابل للعكس، ما يضيق نافذة الدبلوماسية الوقائية، فإذا فشلت واشنطن في كسر هذا النمط التبادلي قبل المؤتمر التاسع للحزب في أوائل 2026، فإن القدرة القتالية المتطورة لبيونغ يانغ، والمضمنة عبر الهندسة الروسية، ستجعل جهود مراقبة الأسلحة المستقبلية أكثر صعوبة بمراحل، وهذا ما يضع الأمر القائم أمام سيناريوهات عدة:

السيناريو الأول، “فك الارتباط الشامل” والاحتواء الطبيعي:

قد تُسفر قمة ناجحة في أبريل 2026 عن اتفاقية لإدارة الأمن، تُقابل بتجميد مُوثَّق لبرنامج كوريا الشمالية للصواريخ الباليستية العابرة للقارات وسحب 30 ألف جندي كوري شمالي من روسيا، مقابل إعفاءات محدودة من العقوبات وتعليق المناورات العسكرية واسعة النطاق بالذخيرة الحية بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية.

من شأن هذه النتيجة أن تُزيل العامل الكوري الشمالي من الصراع الأوكراني، ما يُسهِّل التوصل إلى اتفاق سلام بقيادة ترامب، وفي الوقت نفسه، ستواجه كوريا الجنوبية تهديداً متزايداً من كوريا الشمالية النووية بحكم الواقع، والتي دمجت قدرات روسية متطورة، بما في ذلك أنظمة فرط صوتية وأنظمة غير مأهولة.

السيناريو الثاني، التحوّل نحو «الاستقلال النووي» في سيؤول:

قد يؤدي النهج التبادلي لترامب إلى خفض كبير في قوات الولايات المتحدة في كوريا كجزء من صفقة سلام مع كيم، فرؤية سيؤول لتآكل مظلة الردع النووي الأمريكية في ظل تهديد كوري شمالي أكثر قدرة على أنه تخلي استراتيجي قد تدفعها إلى تطوير رادع نووي مستقل باستخدام برنامج الغواصات العاملة بالطاقة النووية، حيث سيؤدي هذا التحوّل إلى تعقيد أهداف الولايات المتحدة في مجال منع الانتشار النووي، ويخاطر بإشعال سباق تسلح إقليمي يشمل اليابان وتايوان.

السيناريو الثالث، تعزيز العلاقات بين كوريا الشمالية وروسيا:

تنهار قمة أبريل 2026 بسبب مطالب كيم بإلغاء كامل لما تصفه واشنطن بـ”السياسات العدائية”، ورفض روسيا وقف نقل التكنولوجيا، وبهذا، تعمّق بيونغ يانغ وموسكو شراكتهما الاستراتيجية الشاملة، أما بالنسبة لواشنطن، فإن هذا المأزق الاستراتيجي يعني بقاء صراع أوكرانيا مجمّداً، ولكنه معرض بشكل مستمر لتصعيد كوري شمالي، ما يستلزم توسيعاً مكلفاً للالتزامات العسكرية الأمريكية في كل من الساحتين الأوروبية وآسيا والمحيط الهادئ في الوقت نفسه.

سونغ هيون تشوي

سونغ هيون تشوي

باحث في المعهد المركزي الأوروبي للدراسات الآسيوية (CEIAS)، ومتخصص في الشؤون العسكرية الصينية، والسياسة الخارجية والنووية لكوريا الشمالية، والتعاون الدفاعي بين كوريا الجنوبية وأوروبا.
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.