يعد التقرير المرتقب لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان واحدًا من أكثر التقييمات تدقيقاً ومتابعةً لمسار الصراع منذ اندلاع الحرب الأهلية السودانية في أبريل 2023، حيث ستؤثر نتائجه في سياسات العقوبات، وستسهم في توجيه النقاشات الدبلوماسية، وإعداد الخطط الإنسانية، كما ستشكل جزءاً من السجل الذي قد تعتمد عليه جهود المساءلة والمحاسبة في المستقبل.
تعتمد الحكومات والمنظمات الدولية والباحثون ووسائل الإعلام بصورة منتظمة على مثل هذه التقارير عند تقييم النزاعات المعقدة وسريعة التطور، ولا سيما في الحالات التي تكون فيها المعلومات المتاحة شحيحة أو يصعب التحقق منها.
لهذا السبب، ينبغي تقييم التقرير ليس فقط بناءً على الاستنتاجات التي يتوصل إليها، وإنما على مدى إمكانية إثبات أن هذه الاستنتاجات نتجت عن منهجية تحقيق شفافة ومتسقة ومطبقة وفق معايير مهنية، فالمهم ليس الاستنتاجات في حد ذاتها فحسب، بل العملية والمنهجية التي أُتبعت للوصول إليها.
ينبغي تقييم التقرير ليس فقط بناءً على الاستنتاجات التي يتوصل إليها بل على مدى إمكانية إثبات أنها نتجت عن منهجية تحقيق شفافة وفق معايير مهنية
وعلى الرغم من عدم وجود دليل واحد صادر عن الأمم المتحدة يضع منهجية تحقيق موحّدة وعالمية تنطبق على جميع فرق الخبراء، فقد تبلور إطار عام ومتسق إلى حد كبير من خلال توجيهات مجلس الأمن، والولايات التي تنشئ فرق الخبراء كلًّا على حدة، والممارسات التحقيقية التي عكستها تقارير الفرق المتعاقبة، وعليه، ينبغي تقييم تقرير السودان المرتقب في ضوء هذه المعايير الراسخة، وليس استنادًا إلى افتراضات أو توقعات ذاتية تحركها المصالح السياسية.
تقرير السودان في سياقه
وصفت تقارير حديثة لوكالة أنباء عالمية معروفة، تناولت أجزاء من المسودة غير المنشورة لتقرير فريق الخبراء، محققين وهم يبحثون في مزاعم بشأن دعم خارجي لقوات الدعم السريع، بما في ذلك طائرات يُزعم استخدامها لنقل الأسلحة والطائرات المسيّرة والمقاتلين الأجانب، فضلاً عن تجنيد المرتزقة، وبما أن التقرير لم يُنشر بعد، فإن نطاقه الكامل لا يزال مجهولاً.
ولذلك، سيكون من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات بشأن ما سيتضمنه في نهاية المطاف، ويجعل هذا الغموض من المناسب في هذه المرحلة النظر ليس فيما ينبغي أن يستنتجه التقرير، وإنما في المعايير التحقيقية التي ينبغي تقييم استنتاجاته على أساسها.
وتكتسب هذه المعايير أهمية لأن فريق الخبراء يعمل في بيئة تعج أصلاً بادعاءات متضاربة وتغطية إعلامية واسعة، فعلى مدى العامين الماضيين، وثّقت مجموعة كبيرة من التقارير المتاحة للعامة مزاعم بشأن دعم عسكري خارجي لأطراف متعددة في الصراع السوداني.
على سبيل المثال، اعتمد تحقيقان أجرتهما وسيلتا إعلام دوليتان معروفتان في فبراير 2026 على صور الأقمار الصناعية، وسجلات الرحلات الجوية، ومقابلات، وأدلة أخرى من المصادر المفتوحة، لوصف الدعم الخارجي المزعوم للقوات المسلحة السودانية، بما في ذلك ما أفيد عن نشر طائرات مسيّرة تركية الصنع تعمل انطلاقاً من الأراضي المصرية، كما نشرت حكومات ومنظمات بحثية ومجموعات رقابية أخرى تحليلات وصفت شبكات إمداد عابرة للحدود ومساعدات عسكرية أجنبية شملت أطرافاً مختلفة.

لكن اللافت أن أيّاً من النتائج القائمة على الأدلة التي خلص إليها تحقيقا هاتين الوسيلتين الإعلاميتين لا يبدو أنه موثَّق في التقرير المسرَّب لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي بشأن السودان.
هذه التقارير لا تثبت الوقائع أمام فريق خبراء الأمم المتحدة، كما لا ينبغي لها أن تملي استنتاجاته، فالفريق يعمل بموجب ولايته الخاصة الصادرة عن مجلس الأمن، ويطبق معاييره الخاصة للأدلة، وغالباً ما تكون لديه إمكانية الوصول إلى معلومات لا تتاح للصحفيين أو الباحثين المستقلين.
وتعكس توجيهات الأمم المتحدة والممارسات الراسخة لفرق الخبراء المتعاقبة منهجية تحقيق متسقة إلى حد كبير، تهدف إلى ضمان استناد النتائج إلى أدلة جرى تقييمها والتحقق منها بصورة مستقلة، بدلاً من أن تقوم على المناصرة أو التفضيلات السياسية أو الادعاءات غير المختبرة، ورغم أن كل فريق يعمل بموجب ولاية مصممة خصيصاً لنظام عقوبات معين، إلا أن المبادئ الأساسية للتحقيق الواردة في توجيهات الأمم المتحدة والممارسات الراسخة لفرق الخبراء تظل متسقة إلى حد كبير.
منهجية التحقيق في الأمم المتحدة
تبدأ منهجية التحقيق التي تعكسها توجيهات الأمم المتحدة بالتحقق المتقاطع من المعلومات، ومن المتوقع أن تخضع الادعاءات المهمة، حيثما أمكن، للاختبار من خلال مصادر متعددة ومستقلة فعلياً، بدلاً من الاعتماد على شاهد واحد أو وثيقة واحدة أو رواية واحدة، كما تتطلب الممارسات التحقيقية الراسخة في الأمم المتحدة من المحققين تقييم مدى موثوقية الشهود ومصداقيتهم والمصالح المحتملة لمقدمي المعلومات.
كما يجب أن تراعي هذه العملية أن أطراف النزاعات المسلحة قد تكون لديها دوافع سياسية أو عسكرية أو مؤسسية أو شخصية تؤثر في المعلومات التي تقدمها، ويتعين كذلك تقييم هذه العوامل، وينبغي أيضاً التحقق من صحة المواد الوثائقية والرقمية والمصادر المفتوحة ومقارنتها بمصادر أخرى قبل الاعتماد عليها في التوصل إلى النتائج.
ومن العناصر المهمة بالقدر نفسه في هذه المنهجية الانضباط التحليلي، فبدلاً من قبول رواية ما لمجرد أنها تبدو معقولة أو يتكرر تداولها على نطاق واسع، يُتوقع من فرق الخبراء التابعة للأمم المتحدة اختبار التفسيرات المتنافسة في ضوء الأدلة المتاحة، وقد يكون التحقق الظاهري من صحة المعلومات وهمياً عندما تكون روايات متعددة مستمدة في نهاية المطاف من المصدر الأساسي نفسه رغم تعدد الإحالات والمصادر.
التحقق الظاهري من صحة المعلومات قد يكون وهمياً عندما تكون روايات متعددة مستمدة في نهاية المطاف من المصدر الأساسي نفسه رغم تعدد الإحالات والمصادر
وتتطلب المنهجية كذلك من المحققين التمييز بدقة بين الوقائع التي تم التحقق منها وثبتت استناداً إلى الأدلة المتاحة، والاستنتاجات المعقولة المستخلصة من تلك الأدلة، والمعلومات المنقولة عن الغير، والادعاءات التي لا تزال قيد الفحص، والمزاعم التي لا يمكن التحقق منها بصورة مستقلة، حيث تتيح هذه التفضيلات للقراء فهم ليس فقط ما يعتقد الفريق أنه قد حدث، وإنما أيضاً ما خلص إلى إمكانية إثباته استناداً إلى الأدلة المتاحة.
كما تؤكد منهجية التحقيق في الأمم المتحدة على العدالة الإجرائية، وتنص الممارسات الراسخة لفرق الخبراء، حيثما كان ذلك مناسباً، على إتاحة فرص حقيقية للدول المعنية والأطراف الأخرى ذات الصلة للرد على الادعاءات المهمة قبل اعتماد النتائج بصورة نهائية.
ولا تحدد هذه الردود نتيجة التحقيق، لكنها قد توفر أدلة إضافية، أو تكشف عن أخطاء في الوقائع، أو تُظهر مواطن ضعف في المعلومات التي جرى الحصول عليها، وبالمثل، ينبغي توضيح آليات ضمان العدالة، حيث يتعين على المحققين تقديم أمثلة واضحة وشفافة على معيار الإثبات المطبق، إلى جانب القيود الرئيسية التي تؤثر في التحقيق، بما في ذلك القيود المفروضة على الوصول، أو الشهود غير المتاحين، أو الظروف الأمنية، أو أوجه القصور في الأدلة المتاحة، ويتيح ذلك للقراء فهم نقاط القوة والقيود في استنتاجات الفريق على حد سواء.
لماذا تهم معايير الأمم المتحدة؟
توجد هذه المعايير التحقيقية لسبب وجيه، فحسب توجيهات الأمم المتحدة والممارسات الراسخة لفرق الخبراء، فإنها تهدف إلى الحد من الانحياز التأكيدي، ومنع الإسناد الدائري للمصادر، وتقليل مخاطر الانتقائية في التحقيق، وضمان تطبيق معايير إثبات متطابقة بصرف النظر عن هوية الأشخاص أو الجهات الخاضعة للفحص، كما تساعد هذه المعايير على ضمان عدم الخلط بين تكرار الادعاءات والأدلة التي جرى التحقق منها بصورة مستقلة، وأن يتم التوصل إلى النتائج من خلال تحليل منضبط، وليس بناءً على التراكم الكمي لادعاءات لم يتم التحقق منها، ويضمن تطبيق المنهجية نفسها بصورة متسقة على جميع الأطراف حماية نزاهة التحقيق ومصداقية استنتاجاته.
قد تؤدي الادعاءات المختلفة، على نحو سليم، إلى استنتاجات مختلفة، لأن الأدلة المتاحة تختلف من حيث جودتها أو كميتها أو موثوقيتها، ونادراً ما تستفيد التحقيقات التي تُجرى في مناطق نزاع نشطة من معلومات كاملة، وغالباً ما يواجه المحققون صعوبة في الوصول إلى المناطق، وتضارباً في إفادات الشهود، وسجلات وثائقية غير مكتملة، وقيوداً أمنية، فضلاً عن عدم القدرة على الإشارة علناً إلى معلومات استخباراتية سرية قد تسهم في تقييماتهم.
الادعاءات المختلفة على نحو سليم قد تؤدي إلى استنتاجات مختلفة لأن الأدلة المتاحة تختلف من حيث جودتها أو كميتها أو موثوقيتها
لذلك، فإن عدم التوصل إلى نتيجة حاسمة لا يعني بالضرورة أن السلوك المزعوم لم يحدث، بل قد يعكس تقييم الفريق بأن الأدلة المتاحة لم تستوفِ معيار الإثبات اللازم لدعم استنتاج مستقل، ومن شأن توضيح كيفية التوصل إلى هذه التقييمات أن يعزز الثقة في عمل الفريق بدلًا من إضعافها.
وتعتمد سلطة أي آلية لرصد العقوبات ليس فقط على دقة نتائجها، وإنما أيضاً على الثقة في تطبيق هذه المنهجية التحقيقية بصورة متسقة على كل ادعاء، بصرف النظر عمن قد تثبت في نهاية المطاف مسؤوليته عنه، كما لا يعني الاتساق أن يؤدي كل ادعاء إلى الاستنتاج نفسه، بل يتطلب أن يخضع كل ادعاء للفحص وفق المعايير نفسها للتحقق المتقاطع من الأدلة، والتقييم نفسه لموثوقية الشهود، والتحقق نفسه من صحة الأدلة الوثائقية والرقمية والمصادر المفتوحة، والنظر نفسه في التفسيرات المتنافسة، ومعيار الإثبات نفسه.
ولا يمكن الحفاظ على الثقة بأن الاستنتاجات تعكس الأدلة، وليس مصالح الأطراف المعنية، إلا من خلال التطبيق المتسق لهذه المعايير التحقيقية.

المصداقية والمساءلة
تكتسب هذه المبادئ أهمية خاصة في السودان، حيث تسعى الروايات المتنافسة بصورة متزايدة إلى اكتساب الشرعية الدولية، حيث تسعى أطراف النزاع وداعموها الخارجيون بصورة منتظمة إلى تعزيز رواياتهم الخاصة، في الوقت الذي يعملون فيه على نزع المصداقية عن روايات خصومهم، وفي مثل هذه البيئة، تكون التقارير التي توضح بجلاء ليس فقط نتائجها، وإنما أيضاً المنهجية التحقيقية التي تم التوصل من خلالها إلى هذه النتائج، أقل عرضة للاتهامات بالمعاملة الانتقائية أو التحيز السياسي، ولذلك، تؤدي الشفافية غرضاً عملياً؛ فهي تثبت أن الاستنتاجات ناتجة عن التطبيق المتسق للمعايير التحقيقية التي تعكسها توجيهات الأمم المتحدة وممارسات فرق الخبراء، وليس عن تفضيل سياسي أو توجه مؤسسي مسبق.
وقد أنشأ مجلس الأمن فريق الخبراء لتقديم تقييمات مستقلة قائمة على الأدلة، وليس لإضفاء الشرعية على ادعاءات أي طرف في النزاع، ولذلك، فإن فعاليته تعتمد في نهاية المطاف ليس فقط على إجراء تحقيق صارم، وإنما أيضاً على ثقة الجمهور في أن جميع الادعاءات الموثوقة التي تندرج ضمن ولايته قد خضعت للفحص وفق المنهجية التحقيقية التي تعكسها توجيهات الأمم المتحدة والممارسات الراسخة لفرق الخبراء، حيث تُعد هذه الثقة أساسية للحفاظ على شرعية عملية العقوبات نفسها.
في المحصلة، عندما يصدر تقرير فريق الخبراء بشأن السودان، سيركز المجتمع الدولي بطبيعة الحال على نتائجه الموضوعية، حيث ينبغي له أن يولي القدر نفسه من الاهتمام للمنهجية التحقيقية التي تقف وراء هذه النتائج، ففي عصر أصبحت فيه المعلومات نفسها ساحة متنازعاً عليها في الصراع، لم تعد المنهجية مجرد مسألة فنية، بل إنها عنصر أساسي في مصداقية المساءلة الدولية، ولا يمكن الحفاظ على الثقة التي تعتمد عليها سلطة هذه النتائج في نهاية المطاف إلا من خلال إثبات أن الاستنتاجات قد تم التوصل إليها عبر التطبيق المتسق للمعايير التحقيقية التي تعكسها توجيهات الأمم المتحدة وممارسات فريق الخبراء.
في عصر أصبحت فيه المعلومات نفسها ساحة متنازعاً عليها لم تعد المنهجية مجرد مسألة فنية بل إنها عنصر أساسي في مصداقية المساءلة الدولية



