يُنظر إلى الاتحاد الأوروبي في الغالب باعتباره كياناً مُجزّأً، إلا أن هذا التوصيف لا يعكس سوى جانب من الحقيقة، فالمشكلة الأعمق تكمن في تداخل أزمات متعددة داخل هياكل صنع القرار ذاتها، بما يفرض خيارات صعبة ويُبرز حدود قدرة الاتحاد على تحويل الأولويات المشتركة إلى سياسات منسقة وفعّالة، ونتيجة لذلك، يظل الاتحاد متماسكاً على المستوى النظري، لكنه يعاني من تباين واضح في الممارسة العملية.
اليوم، لا تزال الحرب الروسية ضد أوكرانيا تهيمن على تفكير الاتحاد الأوروبي في مجال الأمن، لكنها باتت جزءاً من نطاق أوسع من الضغوط، يشمل الاضطرابات المستمرة حول إيران ومضيق هرمز، وموجة جديدة من تقلبات أسواق الطاقة، وهشاشة ديناميكيات التضخم، والضغوط المالية العميقة، واستمرار تدفقات الهجرة، فضلاً عن واقع سياسي يشهد تحولات حتى في دول كانت تُعدّ سابقاً ركائز للاستقرار، ولا تُعالج هذه الضغوط بصورة منفصلة، بل تتفاعل وتتراكم، وتؤدي في النهاية إلى تقييد عملية صنع القرار ضمن هوامش ضيقة متزايدة.
لا تزال الحرب الروسية تهيمن على تفكير الاتحاد الأوروبي لكنها باتت جزءاً من نطاق أوسع من الضغوط ولا تُعالجها بصورة منفصلة بل تتفاعل وتتراكم
من حيث المبدأ، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتحرك بشكل متماسك عندما تتوافر ثلاثة شروط: أولاً، أن تتقاسم الدول الأعضاء تقييماً مشتركاً لطبيعة التهديد؛ وثانياً، أن تمتلك قدرة مالية وسياسية كافية لتعبئة الموارد بما يتوافق مع ذلك التقييم؛ وثالثاً، أن تملك القدرة المؤسسية على ترجمة التوافق إلى تنفيذ سريع وواسع النطاق، وفي الوقت الراهن، تتعرض هذه الشروط لضغوط متزايدة.
لا يزال لدى الاتحاد الأوروبي إجماع واسع على أن روسيا تمثل التهديد العسكري الرئيسي، كما لا يزال يحتفظ بالتزام عملي بدعم أوكرانيا وتعزيز قدرته الردعية، غير أن تكاليف التحرك لم تعد موزعة بالتساوي، بل باتت مقسمة داخل الاتحاد على نحو يفاقم التباينات الوطنية بدلاً من أن يخففها، وهذه جوهر الإشكالية التي يواجهها.
روسيا كمرجعية استراتيجية
في هذا السياق، لا تزال المواجهة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا تمثل المرجعية الأساسية التي تُقاس على أساسها مختلف القرارات الأخرى، حيث أدت الحرب في أوكرانيا إلى إغلاق أي احتمال جدي للعودة إلى نظام أمني منخفض الكثافة، كما شهدت نفقات الدفاع في دول الاتحاد الأوروبي ارتفاعاً حاداً منذ اندلاع الحرب عام 2022، وأصبحت الدول الأوروبية تنفق أكثر، وتخطط على نطاق أوسع، وتتعامل مع الجاهزية الأمنية بدرجة أكبر من الإلحاح مقارنة بأي مرحلة منذ نهاية الحرب الباردة.
ومع ذلك، لم يحلّ الإنفاق المتزايد المشكلة الأساسية، فمن جهة، ساهمت روسيا في تعزيز وحدة الاتحاد الأوروبي عبر ترسيخ إدراك مشترك بأن الردع لم يعد ممكناً الاعتماد فيه على الولايات المتحدة بتكلفة محدودة، ومن جهة أخرى، كشفت هذه المواجهة عن تفاوت كبير في قدرة الدول الأعضاء على ترجمة هذا الإدراك إلى قدرات فعلية، إذ لا تزال هناك فجوة واسعة بين الإقرار والتنفيذ.
وفي هذا الإطار، تظل الجغرافيا عاملاً حاسماً في تحديد كيفية تجلّي هذه الفجوة، فبولندا ودول البلطيق تنظر إلى الإلحاح الأمني من زاوية التعرّض المباشر للتهديد، في حين تبقى دول جنوب أوروبا منقسمة بين متطلبات الردع في الشرق ومصادر عدم الاستقرار في الجنوب، أما الاقتصادات الغربية الكبرى، فتقرّ بضرورة تعزيز القدرات العسكرية، لكنها تتحرك بسرعات متفاوتة، مقيدةً بضغوط مالية، وقيود على الصناعات الدفاعية، واعتبارات سياسية داخلية.

إعادة التسلح دون قدرة مكتملة
يتضح هذا التباين بين النية الاستراتيجية والتنفيذ العملي بأكبر قدر في القاعدة الصناعية الدفاعية للاتحاد الأوروبي، حيث استجابت بروكسل بتوسيع خطاب الجاهزية، والمشتريات المشتركة، والتعبئة الصناعية، إذ يهدف كل من الكتاب الأبيض حول الجاهزية الدفاعية الأوروبية 2030 وأداة SAFE لدعم الاستثمار الدفاعي الأوروبي إلى تسريع الاستثمار المشترك ورفع مستويات الإنتاج، ومع ذلك، لا تزال التقييمات الرسمية والبرلمانية تشير إلى اختناقات، وتجزؤ في الطلب، وضعف في سلاسل الإمداد، ومحدودية في المشتريات المشتركة.
كما لا تزال المشكلة القديمة قائمة، إذ تحاول دول الاتحاد الأوروبي بناء نظام أمني أكثر صلابة استناداً إلى قاعدة صناعية وثقافة مشتريات تشكّلتا خلال عقود من أنماط السلم، غير أن تدفق الأموال بات أسرع من تطور القدرات الفعلية، ما يكشف عن فجوة متنامية بين التمويل والإنتاج الحقيقي.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية خاصة لأن عامل الزمن أصبح متغيراً استراتيجياً بحد ذاته، فالقارة لا تملك ترف إعادة بناء الردع في ظروف هادئة، بل يتعين عليها القيام بذلك في وقت تستمر فيه الحرب في أوكرانيا، وفي ظل تحوّل الشكوك بشأن موثوقية الولايات المتحدة على المدى الطويل إلى سمة هيكلية في التخطيط الأوروبي.
عامل الزمن أصبح متغيراً استراتيجياً بحد ذاته فالقارة لا تملك ترف إعادة بناء الردع في ظروف هادئة بل يتعين عليها القيام بذلك في وقت تستمر فيه الحرب في أوكرانيا وتتحوّل الشكوك بشأن موثوقية الولايات المتحدة إلى سمة هيكلية
وقد خلص كثير من الأوروبيين، انطلاقاً من تجربة الولاية الأولى لترامب، إلى أن التوتر عبر الأطلسي يمكن احتواؤه، غير أن الولاية الثانية قوّضت هذا الافتراض، ورغم استمرار اعتماد دول الاتحاد الأوروبي على الولايات المتحدة في مجالات الردع والاستخبارات والقدرات اللوجستية الاستراتيجية، إلا أن تراجع مستوى هذا الاعتماد نسبياً يفرض تكاليف اقتصادية وسياسية فورية، وهذه هي حقيقة البيئة الأمنية الأوروبية الراهنة.
هرمز وعودة صدمة الطاقة
تُجسّد أحدث بؤر التوتر في مضيق هرمز هذا الاختلال بوضوح لافت، فبعد تعثر المحادثات مع إيران، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستفرض حصاراً على المضيق اعتباراً من 14 أبريل، وردّت إيران بتهديدات بالانتقام، ما جعل الحكومات الأوروبية مجدداً عرضة لاحتمال أن تتحول أي أزمة في الخليج سريعاً إلى أزمة تمس اقتصاداتها مباشرة.
تتجلى أهمية مضيق هرمز كنقطة اختناق للطاقة بوضوح، لكن بالنسبة إلى أوروبا، لا يكمن جوهر المسألة في الانقطاع المادي بقدر ما يتمثل في انتقال أثر الأسعار، إذ يكفي حدوث اضطراب طفيف، أو حتى مجرد التهديد الجدي بالانقطاع، لرفع علاوات المخاطر، وزعزعة استقرار أسواق الوقود، وإحياء مخاوف التضخم في مختلف أنحاء القارة.
هنا تكمن أهمية فهم وضع الطاقة في الاتحاد الأوروبي منذ عام 2022، حيث نجحت الدول الأعضاء في الحد من أحد مواطن الضعف الهيكلية عبر تقليل الاعتماد على الغاز الروسي المنقول عبر خطوط الأنابيب، ورغم التداعيات الاقتصادية، فقد مثّل ذلك إنجازاً استراتيجياً مهما، إلا أن هذا التنويع أدى إلى نوع آخر من المخاطر، إذ باتت أوروبا تعتمد بشكل أكبر على الطاقة المتداولة عالمياً، وعلى أسواق الغاز الطبيعي المسال، وعلى التدفقات البحرية التي تتأثر بأحداث بعيدة عن سواحلها، وبعبارة أخرى، خفّض الاتحاد الأوروبي أحد مواطن الضعف الاستراتيجية، لكنه أوجد في المقابل مواطن ضعف جديدة.
التضخم كقيد سياسي
يعمل التضخم في أوروبا اليوم بوصفه قيداً سياسياً بقدر ما هو عائق اقتصادي، حيث رفعت توقّعات خبراء البنك المركزي الأوروبي في مارس 2026 تقديرات التضخّم العام لهذا العام بصورة حادّة، مدفوعة بدرجة كبيرة بتكاليف الطاقة.
ومن المرجح أن يكون لصدَمات الطاقة الكبيرة والمستمرة آثار قوية وغير متناسبة، وأن تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من مكوّن الطاقة نفسه، وعندما يحدث ذلك، لا تعود المسألة مقتصرة على فواتير الأسر، بل تمتد إلى مفاوضات الأجور، وتكاليف الاقتراض، وخيارات الموازنات العامة، وحتى الديناميات الانتخابية.
وبناءً على ذلك، تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى إجراء مفاضلات صعبة، إذ يتعين عليها الاختيار بين دعم المستهلكين، والحفاظ على مصداقية السياسات المالية، أو إعادة توجيه الموارد المحدودة نحو الدفاع والدعم الصناعي، وعملياً، لا يمكنها تحقيق هذه الأهداف الثلاثة بصورة كاملة في الوقت نفسه.
وهنا تبدأ أزمات أوروبا في التداخل، ما يرفع مستوى الضغط داخل النظام، فالتقلبات في قطاع الطاقة لا تجعل دول الاتحاد الأوروبي أفقر فحسب، بل تجعل استراتيجيتها المشتركة أكثر صعوبة، فالحكومة التي تواجه ضغوط أسعار متجددة وسخطاً شعبياً متزايداً تمتلك هامشاً أقل للاستمرار في دعم أوكرانيا بالمستويات السابقة، ورغبة أضعف في تمويل سياسات صناعية طموحة لكنها مكلفة، واستعداداً أقل لتحمل الأعباء الجماعية التي تترتب عليها تكاليف سياسية داخلية فورية.
تظل الأولويات الاستراتيجية المشتركة قائمة من حيث الشكل، غير أن درجة تنفيذها داخل الاتحاد تختلف من دولة إلى أخرى، وتحدد السياسة الداخلية مدى قدرتها على تحقيقها عملياً، ونتيجة لذلك، يتراجع التماسك عندما تؤدي صدمة خارجية واحدة إلى إنتاج استجابات سياسية متباينة داخل الدول الأعضاء.
المجر بعد أوربان
تُبرز انتخابات المجر آفاق التغيير السياسي داخل الاتحاد الأوروبي، كما تُسلّط الضوء على حدوده، فهزيمة فيكتور أوربان أمام حزب تيسا بزعامة بيتر ماغيار تُقصي لاعباً كان يتمتع بحق النقض “الفيتو” داخل السياسة الأوروبية، خصوصاً فيما يتعلق بروسيا وأوكرانيا وقضايا سيادة القانون.
ويعني ذلك على الأرجح زوال أحد العوائق المتكررة أمام تجديد العقوبات، وتمويل أوكرانيا، وتعزيز التنسيق الأوسع مع شركاء الناتو، ومن منظور بروكسل، يُعدّ هذا مكسباً إجرائياً حقيقياً، إذ سيصبح من الأسهل إدارة الاتحاد الأوروبي في غياب أوربان عن السلطة.
غير أن تقليل عدد حالات استخدام حق النقض لا ينبغي أن يُخلط بينه وبين تحقيق وحدة استراتيجية فعلية، فخروج أوربان يخفف من حدة الاحتكاك، لكنه لا يُزيل الظروف التي أنتجته أصلاً، ولا التباينات البنيوية العميقة داخل الاتحاد، إذ لا تزال الدول الأعضاء تختلف على نطاق واسع في القدرة المالية، والثقل الصناعي، والتعرض لضغوط الهجرة، ومستوى تحملها لمواصلة المواجهة الطويلة مع روسيا.
كما أن المجر لن تتحول فوراً إلى فاعل منسجم بالكامل مع التوجه الأوروبي، فالحكومة الجديدة سترث مؤسسات تشكّلت بعمق خلال أكثر من 15 عاماً من حكم فيدس.
ورغم أن أوربان كان يُنظر إليه بوصفه رمزاً للممانعة داخل الاتحاد، إلا أن مشكلة تماسك أوروبا لم تكن يوماً مرتبطة بشخص واحد في بودابست، بل تكمن في أن المصالح والحوافز الوطنية داخل اتحاد أوسع لا تزال متباينة، حتى عندما يضعف مستوى العرقلة الرسمية، لذا فإن التغيير في المجر قد يحسّن القدرة الإجرائية على اتخاذ القرار، لكنه لا يحسم الجدل الأوسع الذي تخوضه أوروبا مع ذاتها.
رغم أن أوربان كان يُنظر إليه بوصفه رمزاً للممانعة إلا أن مشكلة تماسك أوروبا لم تكن يوماً مرتبطة بشخص واحد بل تكمن في أن المصالح والحوافز الوطنية لا تزال متباينة
ألمانيا كمشكلة تنفيذية
تظل ألمانيا محوراً أساسياً في ذلك الجدل الأوسع، فما تزال قدرة الاتحاد على التحرك تعتمد بدرجة غير متناسبة على ما إذا كانت برلين قادرة على تحويل التوافقات العامة إلى سياسات قابلة للتنفيذ، إذ إن وصول فريدريش ميرتس إلى منصبه رفع التوقعات في العديد من العواصم الأوروبية بأن حكومة ألمانية أكثر حزماً قد تعيد قدراً أكبر من الوضوح، بعد سنوات من التذبذب الاستراتيجي.
غير أن الحصيلة حتى الآن تبقى متباينة، فميرتس يمتلك الخطاب السياسي الذي يوحي بألمانيا أكثر صرامة، لكنه يحكم ضمن نظام مقيد بتوازنات الائتلاف، والحذر المالي، والقلق الصناعي، واستمرار صعود حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، كما أن الانتكاسات السياسية الأخيرة لشركائه من الحزب الاشتراكي الديمقراطي لم تؤدِّ إلا إلى تعميق هذه الضغوط، وبذلك، تظل ألمانيا عنصراً لا غنى عنه في تحرك الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تبدو بعد قادرة بالكامل على قيادته ودفعه إلى الأمام.
غير أن ألمانيا تحتل موقعاً خاصاً داخل النظام الأوروبي، ففرنسا قادرة على توفير المفردات الاستراتيجية، وبولندا على إضفاء الشعور بالإلحاح، بينما تتولى المفوضية الأوروبية صياغة الأدوات وتطبيق القواعد، لكن ألمانيا هي التي تحدد في الغالب ما إذا كان بالإمكان تمويل الالتزامات الأوروبية واسعة النطاق، وإضفاء الشرعية عليها، وتنفيذها فعلياً.
وعندما تتردد ألمانيا، يتباطأ إيقاع أوروبا، وعندما تواجه قيوداً مالية، تُخفَّض طموحات الاتحاد لتتوافق مع أدنى سقف سياسي مقبول، ومن ثم، لا تكمن مشكلة الاتحاد الأوروبي في الخلاف بين الدول الأعضاء فحسب، بل أيضاً في تراجع القدرة التنفيذية للدولة التي تُحدث قراراتها أثراً شاملاً على مستوى النظام بأكمله.
الهجرة وسياسة الندرة
تضيف الهجرة طبقة أخرى من الضغط، إذ تُعد من القضايا القليلة التي تجمع بين التكلفة المالية، والعبء الإداري، والأهمية الانتخابية المباشرة. فبحلول نهاية ديسمبر 2025، كان 4.35 مليون شخص قد فرّوا من أوكرانيا ويتمتعون بوضع الحماية المؤقتة داخل الاتحاد الأوروبي، مع تحمّل ألمانيا وبولندا وجمهورية التشيك حصصاً كبيرة بشكل خاص.
وفي الوقت نفسه، لا يزال نظام اللجوء الأوسع غير متوازن، حيث تستقبل قلة من الدول معظم الطلبات، بينما يواصل ميثاق الهجرة واللجوء انتقاله من مرحلة التشريع إلى مرحلة التنفيذ، وينتج عن ذلك نمط مألوف يتمثل في تأييد الدول الأعضاء لمبدأ التضامن من حيث المبدأ، مقابل خلافات حادة حول توزيع الأعباء في التطبيق العملي، والنتيجة ليست شللاً سياسياً، بل توتراً مستمراً داخل الاتحاد.
فالهجرة تعمل على تقويض قدرة الاتحاد الأوروبي على التحرك، وذلك من خلال تشويه الحيّز السياسي الذي تُتخذ فيه القرارات الاستراتيجية الأخرى، فهي لا تعرقل العمل بشكل مباشر، لكنها تغيّر طبيعة المفاضلات، فالأموال المخصصة للاستقبال والإسكان والبنية التحتية الحدودية وعمليات الإدماج هي أموال لا يمكن توجيهها بسهولة إلى مجالات أخرى.
والأهم من ذلك أن الهجرة تظل أحد أسرع القنوات التي تنتقل عبرها حالة عدم الاستقرار الخارجي إلى داخل التنافس السياسي الداخلي.
تظل الهجرة أحد أسرع القنوات التي تنتقل عبرها حالة عدم الاستقرار الخارجي إلى داخل التنافس السياسي الداخلي
في ظل هذه الظروف، تميل الحكومات التي تتعرض لضغوط من اليمين السياسي إلى تبني قدر أكبر من الحذر إزاء المخاطر في مختلف الملفات، فهي تصبح أقل استعداداً لقبول ترتيبات تقاسم الأعباء داخل الاتحاد، وأقل رغبة في دعم التزامات خارجية مفتوحة، وأكثر ميلاً إلى صياغة السياسات بلغة السيطرة الوطنية المباشرة، حيث لا تقتصر المسألة على سياسة الهجرة بحد ذاتها، بل تمتد لتشمل المناخ العام الذي يُفترض أن يُبنى فيه تماسك الاتحاد الأوروبي.
السياسة الصناعية والاختلال الداخلي
يتجلى التوتر نفسه في السياسة الصناعية، حيث تحركت دول الاتحاد الأوروبي بشكل حاسم نحو تبني نهج اقتصادي أكثر تدخلاً، سواء عبر قانون الصناعات ذات الانبعاثات الصفرية، أو إطار دعم الدولة ضمن الاتفاق الصناعي النظيف، أو من خلال الدفع الأوسع نحو تطوير قطاعات استراتيجية داخل الحدود الوطنية.
وتبدو المنطقية الخارجية لهذا التوجه مقنعة؛ إذ تسعى القارة إلى تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية في التقنيات النظيفة، وتجنب الإفراط في الاعتماد على الولايات المتحدة، وإعادة بناء قاعدة صناعية ودفاعية قادرة على دعم منافسة طويلة الأمد.
غير أن السياسة الداخلية أكثر تعقيداً، فالدول الأعضاء الأكبر تمتلك قدرة مالية أكبر وهامشاً أوسع للاستفادة من قواعد دعم الدولة المرنة، بينما تواجه الدول الأصغر قيوداً أشد، وتخشى أن تتحول الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي إلى ميزة استراتيجية لصالح الاقتصادات الأكبر داخل أوروبا.
يمثّل هذا التوتر الهيكلي سبباً إضافياً لصعوبة تحدث الاتحاد الأوروبي بصوت واحد، فكل خطوة باتجاه الاستقلالية الاستراتيجية تفتح نقاشاً جديداً حول العدالة الداخلية، إذ يسعى الاتحاد إلى التصرف ككتلة جيوسياسية، بينما لا يزال في الوقت نفسه سوقاً موحدة تحكمها حساسيات مستمرة بشأن سباقات الدعم، وتفاوت القدرات، وتشوهات المنافسة.
من منظور أمني، يبدو الحل واضحاً: بناء المزيد داخل الاتحاد، والشراء أكثر من داخله، والتنسيق بشكل أوسع داخله، غير أن هذه الخيارات، من ناحية سياسية، تنتج دائماً رابحين وخاسرين وشكوكاً متبادلة، وكل مرة يُضطر فيها الاتحاد للاختيار بين السرعة والتوازن الداخلي، يتراجع مستوى التماسك داخل أوروبا.

صامدة لكن أقل تماسكاً
ما الذي يمكن أن ينتهي إليه الاتحاد الأوروبي تحت هذه الضغوط؟، الجواب ليس قارة على وشك الانهيار، إذ لا تزال الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أكثر صموداً مما توقعه كثير من منتقديه، فقد تمكّن الاتحاد من استيعاب صدمة الحرب الروسية، وحافظ على دعمه لأوكرانيا، ورفع إنفاقه الدفاعي بشكل حاد، وخفّض اعتماده على الغاز الروسي، مع الحفاظ على موقعه كفاعل مؤثر في بروكسل، رغم استمرار صعود القوى القومية.
قد تخفف هزيمة أوربان بعض القيود الإجرائية على المدى القصير، غير أن القدرة على الصمود لا ينبغي أن تُخلط بالوضوح الاستراتيجي، فليس هناك مسار سهل إلى الأمام، إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي يحتفظ بقدرة على الاستجابة، لكنه يفعل ذلك بوتيرة أبطأ، وبشكل أكثر تفاوتاً، وضمن هوامش خطأ أكثر ضيقاً.
تكمن الحقيقة الأساسية في الوضع الراهن للاتحاد الأوروبي في أن أزماته لم تعد تحدث بشكل منفرد، بل تتراكم وتتفاعل وتتداخل فيما بينها، وتمر جميعها عبر الآلية ذاتها المثقلة بالأعباء، المتمثلة في الميزانيات والتحالفات والمؤسسات واللوائح والرأي العام.
تكمن الحقيقة الأساسية في الوضع الراهن للاتحاد الأوروبي في أن أزماته لم تعد تحدث بشكل منفرد، بل تتراكم وتتفاعل وتتداخل فيما بينها
والنتيجة هي تآكل مستمر في التماسك، الذي بات من الصعب تحقيقه، بل والأصعب الحفاظ عليه، لذا فإن التحدي الذي يواجه الاتحاد في عام 2026 وما بعده يتجاوز أي ملف منفرد، إذ يتمثل في قدرة التكتل على تحويل التعرض المشترك إلى استراتيجية مشتركة وعمل مستدام قبل وقوع الصدمة التالية، وفي هذا الصدد، يبقى الجواب حتى الآن غير محسوم.



