مع تحليق المروحيات الأميركية على علوّ منخفض فوق كراكاس في الساعات الأولى من فجر الثالث من يناير، وما أعقبه من انفجارات هزّت فويرتي تيونا وقاعدة لا كارلوتا الجوية، ارتسم مشهد يعيد إلى الأذهان سيناريو استراتيجي مألوف، عندما تم إخراج مانويل نورييغا جواً من بنما في الثالث من يناير 1990.
وبعد ساعات قليلة، خرج دونالد ترامب ليعلن أن قوات خاصة أمريكية نجحت في اعتقال نيكولاس مادورو ونقله جواً من فنزويلا لمواجهة اتهامات تتعلق بالإرهاب المرتبط بالمخدرات أمام القضاء الأمريكي، وذلك ضمن إطار عملية “الرمح الجنوبي”، وهي حملة لمكافحة المخدرات أُطلقت عام 2025، لكنها ما لبثت أن تحولت تدريجياً إلى أداة ضغط قسرية لتغيير النظام، مختتمةً أشهراً من الاعتراضات البحرية، والضرب بالطائرات المسيّرة ضد ما وُصف بقوارب التهريب، فضلاً عن فرض حصار نفطي بحكم الأمر الواقع.
غير أنّ عملية “الرمح الجنوبي”، من نظر واشنطن، لا تُقدَّم بوصفها تغييراً للنظام، بل باعتبارها تطبيقاً متأخراً للقانون، حيث أمضت إدارة ترامب سنوات وهي تصوّر مادورو لا كحاكم سلطوي فحسب، بل كرأسٍ لعصابة تدير الدولة، وتستخدم الكوكائين كسلاح موجّه ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
في هذا السياق، تُصوَّر الغارة على أنها امتداد ضروري لسياسة الأمن والنظام الداخلي، أما بالنسبة لترامب شخصياً، تُعدّ هذه العملية مسألة سلطة وإرث ورمزية في ظلّ نقاشات حادة حول الهجرة والجريمة، أما على الصعيد الدولي، فهي تُمكّنه من إظهار حزمه بعد سنواتٍ وصف فيها النقاد الولايات المتحدة بأنها مشتتة استراتيجياً ومتجنّبة للمخاطر.
تُعدّ العملية بالنسبة لترامب شخصياً مسألة سلطة وإرث ورمزية في ظلّ نقاشات حادة حول الهجرة والجريمة
ومن خلال إظهار استعداد واشنطن للتدخل في عاصمة معادية، يُرسل ترامب إشارةً إلى خصومه من بكين إلى طهران وبيونغ يانغ مفادها بأن مظلة السيادة لم تعد درعاً حصيناً كما كانت.
وباستهداف ترامب نظاماً يهيمن على احتياطيات نفطية ضخمة، يمنح ترامب نفسه غطاءً للادعاء بأنه يحمي الأمن الأمريكي واستقرار أسواق الطاقة العالمية في آن واحد، وفي مؤتمره الصحفي عقب الغارة، أعلن أن الولايات المتحدة ستدير شؤون فنزويلا حتى يتم «انتقال آمن وسليم وعقلاني»، متعهداً بأن تدخل «شركات النفط الأمريكية الكبرى» البلاد، وتستثمر مليارات الدولارات لإصلاح البنية التحتية النفطية «المتضررة بشكل بالغ»، وتبدأ في تحقيق أرباح لصالح الدولة.
أُعدّت العملية ضمن دائرة محدودة، مع تدخل بيروقراطي ضئيل، والاعتماد على عنصر المفاجأة، وهو ما يعكس نمط صنع القرار المركزي حول القائد في نظام عالمي يزداد فوضوية، حيث تشكّل «كاراكاس 2026» في جوهرها ضربة تصفية نموذجية على طريقة الحرب الباردة، إلا أن الفرق أن هذه الضربة تحدث في عالم تآكلت فيه إلى حد كبير الكتل الهرمية وروتين إدارة الأزمات التقليدية للحرب الباردة، فنحن لا نعود إلى مواجهة ثنائية القطب؛ بل نواجه اضطراباً متعدد الأقطاب، وعالماً يتميز بتنافسات غير منظمة وبقواعد قليلة متبقية.
من بنما إلى كاراكاس
أقرب مقارنة تاريخية تأتي من غزو الولايات المتحدة لبنما عام 1989، حين أطلقت واشنطن “عملية السبب العادل” للإطاحة بمانويل نورييغا، مستندة إلى حجج حماية المواطنين الأمريكيين، وحقوق المعاهدة المتعلقة بالقناة، والدفاع عن الديمقراطية، واتهامه بتجارة المخدرات، حيث أُلقي القبض على نورييغا، ونُقل جواً إلى ميامي، وحُكم عليه بالسجن لعقود طويلة، فقانونياً، كان الحكم واضحاً، غير أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة الدول الأمريكية اعتبرتا الغزو “انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي” وخرقاً لسيادة بنما وسلامتها الإقليمية وفق المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة.

ومع حلول عام 2026، تتكرر الحالة نفسها، حيث يُقبض على زعيم دولة متهم في الولايات المتحدة بجرائم مخدرات بواسطة قوة عابرة للحدود، ولا يوجد تفويض من مجلس الأمن، ولا أي حجة معقولة بوقوع هجوم مسلح يستدعي الدفاع عن النفس التقليدي، وتعتمد التبريرات القانونية هذه المرة على ما يُسمّى بمبدأ «العجز أو الامتناع»، وهو القول بأن الدول قد تستخدم القوة على أراضي دولة أخرى إذا كانت هذه الدولة تؤوي تهديدات غير حكومية وتفشل في اتخاذ إجراءات، وهو تفسير جدلي للدفاع عن النفس يتميز بممارسة دولية محدودة وإجماع ضئيل جداً على نطاقه.
كانت تلك العقيدة مثيرة للجدل بالفعل عند تطبيقها على الجماعات الجهادية، أما توسيع نطاقها ليشمل حكومة بأكملها أُعيد تصنيفها كمنظمة إرهابية فيُعدّ تصعيداً خطيراً.
وعلى المستوى المعياري، فإن المسار واضح بنفس القدر، يبقى حظر استخدام القوة في المادة 2(4) سارياً رسمياً، لكنه يُعامل بشكل متزايد كلعبة لغوية، حيث تُغلّف روسيا غزوها لأوكرانيا بخطاب “الدفاع عن النفس” و”منع الإبادة الجماعية”، وتُبرّر إسرائيل وتركيا وإيران وغيرها ضرباتها واسعة النطاق تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، والآن، تُوسّع الولايات المتحدة نطاق قوانين مكافحة المخدرات والإرهاب لتشمل اعتقال رئيس دولة أجنبية.
يبقى حظر استخدام القوة في المادة 2(4) سارياً رسمياً لكنه يُعامل بشكل متزايد كلعبة لغوية
الأثر يكون تراكمياً، فكل عملية “ابتكارية قانونياً”، سواء في دونباس أو غزة أو سوريا أو كاراكاس، تُسهم في جعل فكرة تبرير القوة أكثر طبيعية، شريطة أن يكون السرد مقنعاً بالنسبة للتحالف الخاص بالدولة المنفذة، وبالنسبة للدول والشركات الواقعة خارج مراكز القوة الرئيسة، فإن القدرة على التنبؤ التي كان يوفرها إطار قانوني مشترك تتضاءل تدريجياً.
ومع ذلك، فإن الاختلافات بين بنما عام 1989 وفنزويلا عام 2026 لا تقل أهمية عن أوجه التشابه، فقد كانت بنما عملية عسكرية في أواخر الحرب الباردة، نفذتها القوات الأمريكية المهيمنة فعلياً على مستوى العالم ضد دولة صغيرة تابعة لها، حيث استولت القوات الأمريكية على أراضٍ وحافظت عليها في غزو تقليدي.
تتموضع فنزويلا في سياق عالمي مزدحم ومتعدد الأقطاب، تواجه فيه واشنطن معارضة مفتوحة من روسيا والصين، ومراقبة أشد من حكومات أمريكا اللاتينية، وأسواق عالمية تدرج فوراً أي اضطراب جيوسياسي في تقييماتها، بينما اعتمدت عملية بنما على غزو واسع واحتلال مؤقت، تعتمد عملية كاراكاس على قوات العمليات الخاصة، والضربات الدقيقة، والعقوبات، والأدوات القانونية؛ أي على مجموعة أدوات أخف وأكثر توجّهاً نحو إنفاذ القانون، تهدف إلى إحداث تغيير في النظام دون تحمل تبعات ما بعده.
لكن على الصعيد السياسي، لن يكون رد الفعل الدولي مماثلاً لموقف بنما، فالحلفاء الغربيون يتوخون الحذر والنقد بدلاً من الإدانة الصريحة، وفي باريس، أعرب قصر الإليزيه عن قلقه إزاء غياب تفويض قانوني واضح، وحذر من أن الانتهاكات المتكررة لهذا المعيار من قبل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ستكون لها عواقب وخيمة على الأمن العالمي، ومع ذلك، لم تصدر أي إدانة صريحة للغارة.
جددت الحكومة البريطانية موقفها الذي طالما اعتبرت فيه مادورو رئيساً غير شرعي ولم تكترث لنهاية نظامه، مع التأكيد على أن المملكة المتحدة لم تشارك في الغارة، وإصرارها على أن أي خطوات لاحقة يجب أن تتوافق مع القانون الدولي وتتم بتنسيق وثيق مع الحلفاء.
وفي برلين، شدّدت السلطات على تمسكها بالقانون الدولي وأولوية إدارة الأزمات متعددة الأطراف، مع الإشارة إلى قلقها إزاء غياب تفويض من الأمم المتحدة وسابقة تغيير النظام خارج الحدود، لكنها تجنبت المواجهة المباشرة مع واشنطن، مؤكدة بدلاً من ذلك ضرورة الحفاظ على وحدة الغرب بشأن أوكرانيا والقضايا الأمنية الأوسع.
في بروكسل، جمعت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، بين دعم محاسبة مادورو والسعي إلى انتقال سلمي، مع تذكير واضح بأن أي إجراء يجب أن يلتزم بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فمن منظور أوروبي، تنطوي تحذيراتها حول ضبط النفس والتمسك بالأطر متعددة الأطراف، على قلق مستتر من أن تجاوز الأمم المتحدة وإبرام صفقات ثنائية بشأن مستقبل فنزويلا السياسي والنفطي قد يقوّض النظام القائم على القواعد، الذي يعاني من الهشاشة، ويهمش شركاء الاتحاد الأوروبي في العملية.
رحبت بعض حكومات أمريكا اللاتينية، ولا سيما حكومة ميلّي في الأرجنتين، بإزاحة مادورو، في حين دانت روسيا وإيران ودول أخرى ما وصفته بـ«العدوان الإمبريالي»، وبالنسبة لموسكو، تضع كاراكاس الكرملين أمام معضلة استراتيجية، فهي مضطرة لإدانة الغارة باعتبارها استخداماً غير قانوني للقوة ضد شريك استراتيجي، بينما تعتمد هي نفسها على تفسيرات مرنة للسيادة وعدم التدخل لتبرير حربها في أوكرانيا ومطالبها الإقليمية، وبالطبع، لا تستطيع روسيا المخاطرة بالدخول في مواجهة مع دونالد ترامب.
تشكل كاراكاس معضلة استراتيجية بالنسبة لموسكو إذ يضطر الكرملين لإدانة الغارة بينما يستند هو نفسه إلى تفسيرات مرنة لمفهوم السيادة
لن تؤدي ردود الفعل الدولية إلى تحديد خط قانوني واضح، بل إلى شرعية مجزأة وغير متماسكة، حيث يمكن للآخرين الاستفادة من هذا النموذج، من القوى الإقليمية التي تستهدف خصومها في المنفى، إلى القوى الكبرى التي تبرر ضربات ضد «أنظمة إجرامية» في محيطها الإقليمي، وتغذي هذه الشرعية المجزأة الفوضى الاستراتيجية التي تحدد سلوك القوى العالمية في الوقت الراهن.
بالنسبة للعديد من الحكومات خارج نطاق التحالف عبر الأطلسي، تؤكد كاراكاس وجهة نظر راسخة بالفعل، وهي أن القانون الدولي يُطبق بصرامة عندما يخدم المصالح الغربية، وبمرونة عندما لا يخدمها، وستجد العواصم نفسها التي تدين الغزو الروسي لأوكرانيا صعوبة في تبرير اختلاف عملية قطع الرؤوس في فنزويلا من الناحية القانونية، إذ لا يدفعها هذا التصور تلقائياً إلى الانضمام إلى معسكر موسكو أو بكين، ولكنه يعزز غريزتها في التحوط، وتنويع العلاقات الأمنية، ومقاومة تشكيل تحالفات وفق الشروط الغربية.
سلوك الحرب الباردة بدون هيكلها
لا تكمن أهمية كاراكاس كحدث منفرد بقدر ما تكون عرضة لاتجاه أوسع، حيث تتصرف القوى الكبرى بشكل متزايد كما كانت عليه الحال في أواخر الحرب الباردة، لكن القيود الهيكلية التي كانت توجه هذا السلوك وتكبحه قد تآكلت، واليوم تشن الولايات المتحدة حرباً هجينة على المخدرات والإرهاب في منطقة الكاريبي، مستخدمةً مجموعات حاملات الطائرات الضاربة، وأصول وكالة المخابرات المركزية، وغارات العمليات الخاصة لضرب أهداف تمتد من قوارب تهريب المخدرات في شرق المحيط الهادئ إلى سواحل فنزويلا.
تشن روسيا حرباً شاملة في أوكرانيا، بينما تقوم في الوقت نفسه بأعمال تخريب واغتيالات خارج حدودها، وتمارس الصين حملة مستمرة في المنطقة الرمادية حول تايوان وفي بحر الصين الجنوبي، وتضرب إيران وشركاؤها عبر الحدود باستخدام الصواريخ، حيث لم يعد استخدام القوة أداة استثنائية، بل أصبح مرة أخرى امتداداً روتينياً للسياسة.
خلال الحرب الباردة، كان الصراع الثنائي القطب عنيفاً، لكنه كان منظماً بواسطة أنظمة مراقبة الأسلحة، وخطوط الاتصال الطارئة، وانضباط الحلفاء، بالإضافة إلى المصلحة المشتركة في تجنب المواجهة المباشرة، واليوم، تآكلت معظم هذه الضوابط، فقد أُفرغت معاهدات الأسلحة الاستراتيجية من محتواها، وتوفيت عملياً مراقبة الأسلحة التقليدية في أوروبا، وأصبح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشلولاً بسبب سياسة النقض، كما أن آليات الاتصال أثناء الأزمات شحيحة، والنظام اليوم أكثر ازدحاماً وأقل تنظيماً من أي شيء شهده القرن العشرون.
لا تزال القوى الكبرى تمارس نفوذها، لكنها لم تعد تتربع على كتل مطيعة كاملة، حيث تتأرجح دول الخليج بين واشنطن وبكين، وتسعى الهند لاستقلالية كبيرة، وتلعب تركيا على جبهات عدة، فيما تنقسم أمريكا اللاتينية بين معسكرات أيديولوجية وشراكات تبادلية، وستزيد أحداث كاراكاس من حدة هذه الانقسامات، فبعض الحكومات سترى في إسقاط نظام مزعزع للاستقرار أمراً مرغوباً، بينما سيراه آخرون دليلاً على أن النظام القائم على القواعد ليس سوى غطاء لترخيص القوى الكبرى.
وبالتالي، تُطبَّق أساليب الحرب الباردة في مشهد ما بعد الحرب الباردة الذي يفتقر إلى التحالفات المستقرة وإشارات التوجه المتوقعة، حيث يختلف ملف المخاطر من كتل أقل صلابة، وعناصر متحركة أكثر، وقدرة أقل على احتواء التصعيد بمجرد أن يبدأ.

من النظام الليبرالي إلى الفوضى
على مدى ثلاثة عقود تقريباً بعد انتهاء الحرب الباردة، تحدثت العواصم الغربية عن نظام قائم على القواعد، حتى وهي تتجاهل أو تتنازل عن بعض قيوده على الأقل في البلقان والعراق وليبيا وغيرها، لكن في الواقع، كان النظام القائم على القواعد دائماً يتعايش مع سياسة القوة والتطبيق الانتقائي، وتغير الآن إلى كثافة التصادمات وتزامنها، وغياب منطق تنظيمي واحد، فهذه الفوضى متعددة الأقطاب في بنيتها، مع وجود مراكز قوة عدة تتنافس عبر طبقات متداخلة من الأمن والاقتصاد والمعايير، بدلاً من التنافس ضمن هرمية واحدة مهيمنة.
الفوضى الحالية متعددة الأقطاب في بنيتها إذ تتنافس مراكز قوة عدة عبر طبقات متداخلة من الأمن والاقتصاد والمعايير بدلاً من التنافس ضمن هرمية واحدة مهيمنة
على الصعيد الأمني، تتزايد الروابط بين جبهات متعددة، من منطقة البحر الكاريبي والبحر الأسود إلى البحر الأحمر ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، على الصعيدين العملياتي والسياسي؛ إذ تُفسَّر التحركات في إحدى هذه الجبهات على أنها إشارات في جبهات أخرى، أما اقتصادياً، فتُستخدم العقوبات، وضوابط التصدير، ومصادرة السفن، والهجمات الإلكترونية كأسلحة في مختلف الأزمات.
في حالة فنزويلا، يشكل النفط عاملاً أساسياً في الحسابات الخارجية، فقد انهار الإنتاج في شركة النفط والغاز المملوكة للدولة (PDVSA) نتيجة سنوات من سوء الإدارة والعقوبات، ومع ذلك تظل البلاد تمتلك بعضاً من أكبر الاحتياطيات المؤكدة في العالم.
بالنسبة لواشنطن، فإن الجمع بين النفط الخام الثقيل الذي تحتاجه بعض قطاعات التكرير الأمريكية، والرغبة في الحد من مجال المناورة أمام روسيا وإيران في أسواق الطاقة العالمية، وفرصة إعادة توجيه الكميات الخاضعة للعقوبات تحت قيادة سياسية مختلفة، كلها تندرج ضمن منطق الضغط، وما هو معرّض للخطر ليس فقط عودة فنزويلا إلى أسواق النفط العالمية، بل أيضاً من الذي يسيطر على هذه العودة.
سيتعين على أي حكومة ما بعد مادورو إعادة هيكلة ديون شركة النفط الفنزويلية (PDVSA)، وتسوية دعاوى التحكيم، وإعادة التفاوض على العقود في ظل بيئة تتنافس فيها كبرى الشركات الأمريكية والأوروبية، والشركات الحكومية الصينية والروسية، بالإضافة إلى حاملي السندات، على النفوذ.
وسيؤدي الاعتراف السياسي سريعاً إلى السيطرة على تراخيص التصدير، واتفاقيات الشراء، والاستثمارات الجديدة في قطاع التنقيب والإنتاج، وبالنسبة للمستثمرين، تُصبح كاراكاس بمثابة اختبار لمعرفة ما إذا كان تغيير النظام سيُتيح الوصول إلى الفرص ويُوفر وضوحاً قانونياً، أم أنه سيُضاعف المخاطر السياسية والتعاقدية.
من الناحية المعيارية، لم يتخلَّ أي طرف عن المفردات القانونية لميثاق الأمم المتحدة، لكن المبادئ الأساسية أُفرغت من محتواها بفعل تناقضات بين عقائد الدفاع عن النفس، ومكافحة الإرهاب، و”المسؤولية” المعلنة ذاتياً للتصرف خارج الحدود، وما يظهر ليس عودة بسيطة إلى مناطق النفوذ الكلاسيكية ذات الخطوط الثابتة على الخريطة، بل أنظمة نفوذ جديدة ما بعد الحرب الباردة، فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، برز نظام جديد لمناطق النفوذ وهي مناطق متداخلة من النفوذ والضغط السياسي والاقتصادي.
تمتد هذه المناطق عبر الأسواق والبنية التحتية وتدفقات البيانات والتكنولوجيا ومسارات الطاقة والمساعدات الأمنية وما إلى ذلك، ويمكن للدول أن تنتمي في الوقت نفسه إلى عدة من هذه المناطق، فتشتري الأسلحة من قوة معينة، والطاقة من أخرى، والبنية التحتية التكنولوجية من ثالثة، وتتعرض لضغوط للإشارة إلى التوافق دون أن تحصل أبداً على حماية كاملة بالمقابل، حيث لم يعد النفوذ محصوراً أساساً في الأرض، بل أصبح وظيفياً وشبكياً، وبالتالي أكثر سيولة، وأكثر قابلية للانعكاس، وأكثر تنافسية.
تقع كاراكاس 2026 عند تقاطع جميع هذه الطبقات الثلاث وهذه المناطق الجديدة من النفوذ، فهي عملية أمنية متنكّرة في شكل تطبيق للقانون، ولها آثار فورية على تدفقات النفط، ومخاطر الشحن، والتحالفات الإقليمية، فضلاً عن آثار طويلة المدى على ما يمكن لأي دولة أن تدّعيه كسبَّق قانوني معقول، وبالنسبة لصانعي السياسات والأسواق، ستشكل كاراكاس 2026 اختبار ضغط للفوضى الناشئة.
ستدرس القوى الكبرى الأخرى مدى قدرة واشنطن على توسيع نطاق استخدام القوة دون دفع ثمن باهظ، وستعدّل استراتيجياتها وفقاً لذلك، وستعيد بعض القوى المتوسطة الرئيسية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا قراءة التزامات الغرب بالقانون الدولي بهدوء، وسيتعين على المتعاملين في الطاقة، وشركات التأمين، والشركات العاملة في المناطق المتقلبة أن يأخذوا في الحسبان أن الضربات الاستباقية، والاستيلاء المستهدف، وحملات العقوبات المتتالية لم تعد استثناءات، بل أصبحت جزءاً من الترسانة الطبيعية لممارسة السياسة الدولية.
بهذا المعنى، لا يكمن السؤال في إمكانية إعادة النظام الليبرالي، بل في كيفية تنقّل الدول والشركات في عالم يُمارس فيه النفوذ عبر طبقات متداخلة ومتزايدة التقلّب من الضغوط، فإذا أصبحت عمليات مثل كاراكاس نموذجاً يُحتذى به بدل أن تكون استثناءً، فستصبح السيادة أكثر ارتباطاً بالشروط، والقانون الدولي أكثر مرونة، وأسواق الطاقة العالمية أكثر سياسية، وسيتوقف الاستقرار النظامي بدرجة أكبر على كيفية تفسير القادة في عدد قليل من العواصم لمخاطر ومكافآت استخدام الضغط.
إذا أصبحت عمليات مثل كاراكاس نموذجاً يُحتذى به بدل أن تكون استثناءً فستصبح السيادة أكثر ارتباطاً بالشروط والقانون الدولي أكثر مرونة وأسواق الطاقة العالمية أكثر سياسية




