يشكّل اعترافُ إسرائيل بأرض الصومال خطوةً بالغة الأهمية، وإن جاءت محسوبة بعناية، في إطار انخراطها في منطقة القرن الإفريقي وبيئة الأمن الأوسع للبحر الأحمر، ورغم أن هذه الخطوة لا تُحدث تغييراً فورياً في ميزان القوى الإقليمي، إلا أنها تُضفي طابعاً رسمياً على علاقات إسرائيل مع كيانٍ سياسي يتمتع بدرجة من الاستقرار، ويقع بالقرب من أحد أكثر الممرات البحرية حساسيةً من الناحية الاستراتيجية في العالم، وبذلك، تُرسّخ إسرائيل معايير جديدة لوصولها الإقليمي، ووضعها الاستخباراتي، ومرونتها الاستراتيجية طويلة الأمد.
يمنح الموقع الجغرافي لأرض الصومال على خليج عدن، وبالقرب من مضيق باب المندب، هذا الإقليم أهميةً استراتيجية تفوق حجمه ومكانته الدولية، وبالنسبة لإسرائيل، التي باتت هواجسها الأمنية تتجاوز محيطها الجغرافي المباشر لتشمل طرق الملاحة البحرية، وسلاسل الإمداد، والتهديدات العابرة للأقاليم، فقد برز البحر الأحمر بوصفه مجالاً استراتيجياً بالغ الأهمية، وعليه، ينبغي فهم هذا الاعتراف بوصفه أقلّ من كونه موقفاً دبلوماسياً، وأكثر من كونه تعديلاً براغماتياً ضمن إطار أمني آخذ في التشكل والتطور.
يحمل اعترافُ إسرائيل بأرض الصومال تداعياتٍ مباشرة وأخرى غير مباشرة تتصل بإمكانية الوصول العملياتي، والقدرات الاستخباراتية والأمن البحري، فضلاً عن ديناميكيات الأمن الإقليمي الأوسع، ورغم أن هذا الاعتراف لا يُعدّ تحولاً استراتيجياً جذرياً، إلا أنه يمثل خطوة تدريجية لكنها ذات دلالة، من شأنها تعزيز مرونة إسرائيل وتحسين موقعها في بيئة بحرية تشهد تنافساً متزايداً، ومن المرجح أن يتعامل الفاعلون الإقليميون الرئيسيون ذوو المصالح في استقرار البحر الأحمر-ولا سيما مصر والمملكة العربية السعودية- مع هذا التطور بحذر، مع تقييم انعكاساته على الأمن البحري وتوازن القوى الإقليمي.
الاعتراف لا يُعدّ تحولاً استراتيجياً جذرياً إلا أنه يمثل خطوة تدريجية تعزز مرونة إسرائيل وتحسن موقعها في بيئة بحرية تشهد تنافساً متزايداً
أرض الصومال وممر البحر الأحمر
إن أي تحول في الموقف الدبلوماسي أو الأمني في أرض الصومال يتقاطع بالضرورة مع الديناميكيات الاستراتيجية للبحر الأحمر وخليج عدن، إذ يشكّلان معاً فضاءً استراتيجياً واحداً مترابطاً يربط بين البحر المتوسط والشرق الأوسط وشرق أفريقيا والمحيط الهندي، حيث تمرّ نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات الطاقة عبر مضيق باب المندب، الذي يُعدّ نقطة اختناق حيوية وتاريخية، عُرضة للتعطيل من قبل دول وفاعلين من غير الدول، وخلال العقد الماضي، بات هذا الممر أكثر تنافسيةً واحتداماً.
أدت المنافسات الإقليمية، وعمليات الانتشار البحري لقوى من خارج الإقليم، وتكاثر الجماعات المسلحة من غير الحكومية، وتوسّع شبكات الاتجار غير المشروع، إلى رفع الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر، وفي الوقت نفسه، أبرزت التطورات في اليمن والصومال وعموم منطقة القرن الأفريقي هشاشة الترتيبات الأمنية على طول المداخل الجنوبية للبحر الأحمر.
أعلنت أرض الصومال استقلالها عن الصومال عام 1991، ومنذ ذلك الحين نجحت في ترسيخ مؤسسات سياسية مستقرة نسبياً، مع الحفاظ على قدر من الأمن الداخلي يُعد نادراً في المنطقة، وفي هذا السياق، تحتل موقعاً جيوستراتيجياً بالغ الأهمية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فقد ظلّ القرن الأفريقي تقليدياً على هامش اهتماماتها الإقليمية المباشرة، غير أن تنامي الوعي بالتهديدات البحرية، ومسارات تهريب السلاح، ونشاط الفاعلين المسلحين من غير الدول، أعاد تدريجياً تشكيل التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.
ونتيجة لذلك، بات يُنظر إلى البحر الأحمر على نحو متزايد لا بوصفه ساحة بعيدة، بل باعتباره امتداداً للبيئة الأمنية الإسرائيلية، الأمر الذي يجعل الانخراط مع الفاعلين الرئيسيين على سواحله مسألة ذات أهمية أمنية عملية.

الآثار المباشرة
على المستوى المباشر، يرسّخ قرار إسرائيل إطاراً سياسياً رسمياً للتفاعل المنظّم، فمن خلال تقليص الغموض المحيط بجهات الاتصال وأشكال التعاون، يتيح الاعتراف الدبلوماسي إجراء حوار ذي طابع أمني ضمن سياق مؤسسي منظّم، بدلاً من الاعتماد على قنوات مؤقتة أو غير رسمية، حيث يسهم هذا الطابع الرسمي في تسهيل التعاون في مجالات السلامة البحرية، وتبادل المعلومات، وتعزيز الوعي بالموقف، وحتى أشكال التنسيق المحدودة يمكن أن تعزز فهم إسرائيل لحركة الملاحة البحرية، ونشاط الموانئ، والاتجاهات الأمنية الأوسع نطاقاً على امتداد خليج عدن.
بالإضافة إلى تداعياته العملية، تحمل هذه الخطوة دلالة رمزية لا ينبغي التقليل من شأنها، فهي تشير إلى استعداد إسرائيل للانخراط البراغماتي مع الكيانات السياسية القائمة بحكم الأمر الواقع عندما تتقاطع المصالح الاستراتيجية، بما يعزز نمطاً أوسع من الدبلوماسية المرنة القائمة على المصالح.
الآثار غير المباشرة
على مستوى الآثار غير المباشرة، يسهم الاعتراف بأرض الصومال في إعادة ضبط أوسع للموقف الإقليمي لإسرائيل، فمن خلال توسيع شبكة علاقاتها على طول الساحل الإفريقي، تكتسب إسرائيل عمقاً استراتيجياً إضافياً وقدراً أكبر من التعددية والمرونة في انخراطها في البحر الأحمر، حيث يؤدي ذلك بدوره إلى زيادة المرونة العملياتية وتنويع خيارات الوصول في البحر الأحمر الجنوبي، كما أن تقليص الاعتماد على عدد محدود من الشركاء أو المسارات يربك تخطيط الخصوم، عبر إدخال متغيرات إضافية في معادلة الأمن الإقليمي.
قد يُفضي الاعتراف إلى إحداث آثار ردعية غير مباشرة، فحتى التحسينات المحدودة في التنسيق وتعزيز مستوى الرصد يمكن أن يرفع من المخاطر العملياتية المتصوَّرة لدى الفاعلين غير الدوليين المعادين الذين يسعون إلى استغلال الثغرات في حوكمة المجال البحري، ولا سيما على امتداد خليج عدن، وبالتوازي مع ذلك، تعكس هذه الخطوة استعداداً للانخراط المستدام، لا المؤقت أو المتقطع، في أمن الممر البحري، ومن ثمّ، قد تسهم بشكل غير مباشر في تشكيل تصورات الفاعلين الإقليميين والدوليين على حد سواء بشأن نوايا إسرائيل بعيدة المدى في حوض البحر الأحمر، ومع ذلك، فإن إرسال الإشارات السياسية لا يعني بالضرورة إحداث تغييرات فورية على أرض الواقع.
إرسال الإشارات السياسية لا يعني بالضرورة إحداث تغييرات فورية على أرض الواقع
السياق القانوني الدولي
تتقاطع هذه الديناميكيات من الدرجة الثانية مع الكيفية التي يُفهم ويُبرَّر بها الاعتراف خارج نطاق الاعتبارات الأمنية المباشرة، فمن منظور القانون الدولي، يمكن وضع اعتراف إسرائيل بأرض الصومال ضمن إطار أوسع من الانخراط البراغماتي مع الكيانات القائمة بحكم الأمر الواقع التي تمارس سيطرة إقليمية فعلية، مع بقائه في الوقت ذاته مقيّداً بالمبادئ الراسخة لسلامة الأراضي وعدم الاعتراف بالأوضاع غير المشروعة.
لطالما ميّزت الممارسة الدولية بين الانخراط الوظيفي والإقرار القانوني، فإنها في حالات مثل تايوان، حافظت الدول على أشكال منظّمة من التفاعل لأغراض عملية تتعلق بالتجارة، والتنسيق الأمني، والتعاون الفني، مع الامتناع الصريح عن إضفاء شرعية قانونية على القضايا الخلافية أو غير المحسومة المتعلقة بالوضع القانوني، وعادةً ما يُصاغ هذا النوع من الانخراط ضمن أطر مشروطة ومحدودة، بما يضمن الحفاظ على الالتزام بالقواعد الأساسية للقانون الدولي.
من هذا المنظور، يعكس قرار إسرائيل نهجاً لإدارة المخاطر قائماً على الواقع العملي، بدلاً من قبول عدم الشرعية أو الخروج عن المبادئ القانونية الراسخة، وبهذا الإطار، يقلل هذا التحرك من غرابة الموقف السياسي الإسرائيلي، ويضعه ضمن سياق سلوك الدول الذي يعطي الأولوية للاستقرار والقدرة على التنبؤ والنتائج الأمنية، دون تطبيع الأوضاع الإقليمية غير القانونية.
الوجود العملياتي واعتبارات الوصول
على الصعيد العملي، لا تُغيّر الاعتبارات القانونية والسياسية القيود العملياتية التي تُحدّد مشاركة إسرائيل على الأرض، لذا، من الضروري التمييز بين الاعتراف الدبلوماسي والعسكرة، فالاعتراف الرسمي لا يعني بالضرورة إنشاء قواعد عسكرية، أو نشر قوات دائمة، أو استعراض قوة علني، حيث لا تزال الحساسيات السياسية، والتوازنات الإقليمية، والواقع اللوجستي تفرض قيوداً واضحة على الوجود العملياتي الإسرائيلي في أرض الصومال.
ومع ذلك، يمكن لهذه الخطوة أن تفتح المجال أمام خيارات وصول تدريجية تعزّز المدى العملياتي من دون الحاجة إلى وجود دائم، وقد يشمل ذلك تنسيقاً لوجستياً، وترتيبات الوصول إلى الموانئ، والتعاون في مجال السلامة البحرية، إضافة إلى أنشطة تدريبية أو استشارية محدودة، حيث تنسجم هذه التدابير مع تفضيل إسرائيل لنماذج انخراط منخفضة الظهور وعالية الأثر في البيئات الحساسة.
لكن لا تزال القيود قائمة، فالاعتبارات الداخلية في أرض الصومال، والتصورات الإقليمية، وردود فعل الدول المجاورة، كلها عوامل تُحدد حدود ما هو ممكن، ونتيجة لذلك، من المرجح أن يكون أي توسع في الوصول العملياتي تدريجياً وانتقائياً ومدروساً بعناية، وفي ظل هذه القيود، من المرجح أن تظهر أهم آثار الاعتراف ليس من خلال وجود عسكري علني، بل من خلال التعاون الاستخباراتي وتنسيق الأمن البحري.
الاعتبارات الاقتصادية واللوجستية
يُثير قرب أرض الصومال من ممرات الشحن الرئيسية في خليج عدن مخاوف عملية تتعلق بالوصول إلى الموانئ، والخدمات اللوجستية البحرية، واستمرارية سلاسل التوريد، ورغم أن الاعتراف لا يُشير بالضرورة إلى اندماج تجاري أو استثمار اقتصادي واسع النطاق، إلا أنه يُمكن أن يُسهّل تنسيقاً محدوداً بشأن خدمات الموانئ، وموثوقية النقل، والتخطيط اللوجستي للطوارئ.
وبهذا المعنى، يعزز الاعتراف من منطق التنويع والتعددية الذي يكمل تركيز إسرائيل على تخفيف المخاطر بدلاً من العسكرة، فحتى التحسينات المحدودة في التنسيق اللوجستي يمكن أن تسهم في تعزيز القدرة على الصمود في بيئة بحرية متنازع عليها، حيث أصبحت الاضطرابات، أكثر من الحرمان أو المنع، عاملاً مؤثراً في الحسابات الاستراتيجية.
أبعاد الاستخبارات والأمن البحري
تتجلى هذه الديناميكيات بشكل خاص في خليج عدن والمياه المجاورة، حيث تتلاقى تحديات متداخلة مثل القرصنة والاتجار بالبشر والنشاط المسلح المرتبط بالجهاديين ضمن مساحة بحرية محدودة.
في هذا السياق، يكتسب التعاون الاستخباراتي وتنسيق الأمن البحري أهمية بالغة، فالعلاقات الرسمية تُهيئ الظروف لتعزيز الوعي بالمجال البحري من خلال تبادل المعلومات والتنسيق المنظمين، وهذا الوعي المُعزز بدوره يدعم الإنذار المبكر، وتخفيف المخاطر، وحماية طرق الشحن التجارية الحيوية للتجارة الإقليمية والعالمية.
في هذا السياق، لا تكمن قيمة أرض الصومال في قدرتها على بسط نفوذها بقدر ما تكمن في موقعها الجغرافي ومعرفتها المحلية، فهي قادرة على العمل كحلقة وصل مُيسّرة ضمن شبكة أمنية إقليمية أوسع، تدعم التنسيق بدلاً من أن تكون جهة أمنية مستقلة.
أرض الصومال قادرة على العمل كحلقة وصل مُيسّرة ضمن شبكة أمنية إقليمية أوسع تدعم التنسيق بدلاً من أن تكون جهة أمنية مستقلة
الاستجابات السياسية الإقليمية
لا شك أن هذه الديناميكيات تؤثر في كيفية تفسير أصحاب المصلحة الرئيسيين في البحر الأحمر لقرار إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال، لا سيما مصر والسعودية، اللتين تربطهما مصالح حيوية في استقرار الممر البحري.
وبخلاف الحسابات الاستراتيجية المباشرة لإسرائيل، فإن الاستجابات السياسية الإقليمية تشكّل مدى التأثير العملي للاعتراف، ومن المرجح أن تظل ردود فعل الحكومة الفيدرالية الصومالية والاتحاد الأفريقي أساساً شكلية وقانونية أكثر منها عملية، إذ تمتلك مقديشو وسائل عملية محدودة لمعارضة الانخراط الخارجي مع أرض الصومال، باستثناء الاحتجاج الدبلوماسي والمعارضة الخطابية، نظراً للقيود المتعلقة بحوكمتها وأمنها الداخلي.
وبالمثل، بينما يظل الاتحاد الأفريقي ملتزماً رسمياً بمبادئ سلامة الأراضي، فإن قدرته على تحويل المواقف الشكلية إلى تكاليف سياسية أو اقتصادية ملموسة على الفاعلين الخارجيين محدودة، وفي غياب عسكرة صريحة أو تصعيد يهدد الاستقرار، من المرجح أن تظل المعارضة رمزية في جوهرها، حيث تساعد هذه الديناميكية في تفسير سبب كون التكاليف السياسية المرتبطة بالاعتراف قابلة للإدارة، لا سيما عند تأطيرها ضمن منطق وظيفي وأمني.
مصر
تتشكل النظرة الاستراتيجية لمصر من خلال دورها كحامية لقناة السويس، ومن خلال مفهوم راسخ للبحر الأحمر باعتباره امتداداً لمحيطها الأمني الوطني، وفي هذا الإطار، تُراقَب التطورات التي تؤثر على المداخل الجنوبية للبحر الأحمر عن كثب في القاهرة.
ومن غير المرجح أن يُنظر إلى تعامل إسرائيل مع أرض الصومال علناً على أنه استفزاز صريح، لا سيما في ظل غياب أي تواجد عسكري واضح أو قواعد عسكرية دائمة، ونظراً لوجود قنوات تنسيق أمني راسخة بين مصر وإسرائيل.
ومع ذلك، وراء هذا التحفظ الظاهر، من المرجح أن تنظر القاهرة إلى دخول إسرائيل على الجانب الإفريقي من البحر الأحمر بقلق استراتيجي متزايد، فحتى الوصول الإسرائيلي المحدود، الذي يتيح جمع المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز الوعي بالمجال البحري، أو مراقبة حركة السفن قرب باب المندب، يتقاطع مع الحساسيات المصرية المتعلقة بالعمق الاستراتيجي والسيطرة على نقاط الاختناق الحيوية التي تربط البحر الأحمر بقناة السويس.
ومن هذا المنظور، قد يُنظر إلى انخراط إسرائيل في أرض الصومال على أنه يوسع تدريجياً وعي إسرائيل بالوضع وزيادة نفوذها في مناطق كانت تُعتبر تقليدياً من قبل مصر جزءاً من بيئتها الأمنية الممتدة.
لذلك من المرجح أن يوازن رد مصر بين التكيف العملي وسلوك التحوط الهادئ الذي يهدف إلى الحفاظ على مركزيتها في إدارة الأمن في البحر الأحمر والحد من أي تآكل لموقعها الاستراتيجي طويل الأجل.
المملكة العربية السعودية
بالنسبة للمملكة العربية السعودية، اكتسب البحر الأحمر أهمية متزايدة كمساحة أمنية واقتصادية، فهو عنصر أساسي لحماية طرق التجارة البحرية والبنية التحتية الساحلية ومشاريع التنمية الرئيسية على طول جبهتها الغربية.
ومع ذلك، من غير المرجح أن تفسر الرياض هذه الخطوة على أنها مجرد مسألة وظيفية، فوجود إسرائيل على الجانب الإفريقي من البحر الأحمر يتقاطع مع طموح السعودية طويل الأمد في ترسيخ نفوذها على ممر باب المندب وتشكيل هيكلية الأمن في حوض البحر الأحمر الأوسع.
ومن هذا المنظور، حتى الوجود الإسرائيلي المحدود الذي يتيح جمع المعلومات الاستخباراتية، أو المراقبة البحرية، أو القدرات على الإنذار المبكر، من المرجح أن يُفسَّر على أنه إدخال محور موازٍ للوصول والنفوذ في منطقة تعتبرها السعودية حيوية استراتيجيا، وبناءً عليه، من المرجح أن تعكس الاستجابة السعودية القلق ليس بشأن زعزعة الاستقرار الفورية، بل فيما يتعلق بالتداعيات طويلة المدى على الهيمنة، وسبل الوصول، والعمق الاستراتيجي في جنوب البحر الأحمر.
من المرجح أن تعكس الاستجابة السعودية القلق بشأن التداعيات طويلة المدى على الهيمنة والعمق الاستراتيجي في البحر الأحمر
سياق القوى العظمى
تندرج هذه الاستجابات الإقليمية ضمن سياق أوسع للقوى العظمى، فمن المرجح أن تنظر الصين وروسيا إلى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كتطور ثانوي، وإن كان جديراً بالملاحظة، ضمن المشهد التنافسي الأوسع في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ولا يُتوقع أن ترد أي منهما علناً، لا سيما مع تفضيلهما تجنب المواجهات العلنية والاكتفاء بمشاركات محدودة وغير بارزة.
وبدلاً من ذلك، من المرجح أن يأخذ كلا الطرفين الخطوة بعين الاعتبار بهدوء ضمن تقييماتهما طويلة الأمد بشأن الوصول والنفوذ والموقع البحري ويعكس هذا الموقف المتحفظ نمطاً أوسع يُراقب فيه التغير التدريجي بدلاً من مواجهته مباشرة، لا سيما عندما لا يهدد التغير على الفور المصالح الاستراتيجية القائمة أو نقاط الوجود العملياتية.
ومع ذلك، من المرجح أن تعقد حتى التغيرات التدريجية في انخراط إسرائيل في المنطقة تخطيط بكين الاستراتيجي، فاهتمام الصين بأمن البحر الأحمر مدفوع بحصتها الكبيرة من التجارة العابرة لقناة السويس والمتجهة إلى أسواق التصدير المتوسطية، ويستند إلى القاعدة العسكرية الوحيدة المعترف بها للقوات المسلحة الصينية في الخارج، الواقعة في جيبوتي، على بعد مئات الكيلومترات شمال بربرة.

التداعيات على الأمن الإقليمي وغير الحكومي
بعيداً عن حسابات الدول، يحمل اعتراف إسرائيل بأرض الصومال تداعيات على البيئة الأمنية الإقليمية الأوسع، فالفاعلون غير الدوليين الذين ينشطون على طول البحر الأحمر وقرن إفريقيا يستفيدون من ضعف الحوكمة، والرقابة المحدودة، وضعف التنسيق البحري كمصادر للميزة العملياتية.
يتفاقم هذا الوضع بسبب الصراع الدائر في اليمن، حيث أدى التضييق البحري الذي يمارسه الحوثيون على طول مضيق باب المندب إلى تفاقم المخاوف المشتركة بين إسرائيل والسعودية ومصر، كما تُولّد الشبكات الجهادية العاملة في الصومال والمنطقة ضغوطاً مماثلة، وبقدر ما يُسهّل اعتراف إسرائيل تبادل المعلومات والمراقبة البحرية بشكل أكثر انتظاماً، فإنه قد يُضيّق تدريجياً هذه المساحات المتساهلة.
على المدى القصير، من المرجح أن يرد هؤلاء الفاعلون أساساً على المستوى السردي، حيث يصوّرون التطور باعتباره دليلاً على التدخل الخارجي لتعزيز روايات التعبئة والتجنيد، أما على المدى المتوسط، فإن تعزيز التعاون الاستخباراتي والوعي بالمجال البحري من المرجح أن يفرض قيوداً عملية، ما يعقد اللوجستيات، والتنقل عبر الحدود، والوصول إلى التمويل.
وبالتالي، فإن التأثير الناتج على الديناميكيات الأمنية غير الحكومية يُفهم على أنه تطوري أكثر منه فوري، فهو يعكس تحولاً تدريجياً في بيئة العمل بدلاً من إحداث اضطراب مباشر أو حاسم في شبكات المسلحين، حيث وتوفر هذه التأثيرات التدريجية الخلفية التي يمكن من خلالها تقييم المسارات على المدى القصير والمتوسط.
المسارات قصيرة ومتوسطة المدى
يُعدّ المسار الأكثر ترجيحاً بعد الاعتراف الإسرائيلي هو مسار المشاركة الحذرة والتدريجية التي تركز على التنسيق الأمني بدلاً من التحول الاستراتيجي الصريح، ومن المرجح أن يظل التعاون محدوداً وذا طابع وظيفي، بما يتوافق مع الحساسيات السياسية والقيود العملياتية.
تعد المشاركة الإسرائيلية الحذرة والتدريجية التي تركز على التنسيق الأمني بدلاً من التحول الاستراتيجي الصريح المسار الأكثر ترجيحاً بعد الاعتراف
وتشمل مؤشرات تعميق المشاركة إنشاء آليات تنسيق منتظمة، وتوسيع نطاق ترتيبات تبادل المعلومات، وزيادة وضوح المبادرات البحرية المشتركة أو ذات الصلة، وفي المقابل، قد يؤدي ضعف المتابعة المؤسسية أو ازدياد الحساسيات الإقليمية إلى تقييد النتائج العملية والحد من عمق التعاون.
وبالتالي، ستكون مراقبة هذه المؤشرات ضرورية لتقييم ما إذا كان الاعتراف يتطور إلى علاقة استراتيجية أكثر جوهرية أم أنه يبقى رمزياً إلى حد كبير، مع اقتصار التأثيرات في المقام الأول على الإشارة بدلاً من التأثير التشغيلي المستدام.
التكيف التدريجي والتداعيات الاستراتيجية
يُفهم اعتراف إسرائيل بأرض الصومال على أنه إعادة تقييم مدروسة لبيئة الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ورغم أن هذه الخطوة لا تُغير موازين القوى الإقليمية الأساسية، إلا أنها تُوسع تدريجياً مرونة إسرائيل الاستراتيجية، وإدراكها للوضع، ونطاق مشاركتها في مسرح بحري ذي أهمية جيوسياسية متزايدة، ومن خلال إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات مع جهة فاعلة مستقرة نسبياً تقع على طول ممر بحري حيوي، تُعزز إسرائيل قدرتها على التعامل مع فضاء أمني أكثر تعقيداً وتنازعاً دون الالتزام بعسكرة صريحة.
ومع ذلك، فإن الأهمية طويلة الأمد لهذا التطور ستعتمد على مدى فعالية دمج الاعتراف في استراتيجية إسرائيل الأوسع نطاقاً في البحر الأحمر، كما ستعتمد على كيفية تفسير الجهات الفاعلة الإقليمية الرئيسية، مثل مصر والسعودية، لموقف إسرائيل المتطور واستيعابه بمرور الوقت.




