رهان ألمانيا على تعزيز قدرة أوروبا الدفاعية

تقرير
لواء في الجيش الألماني يتسلم قيادة وحدة القتال التابعة لحلف الناتو في ليتوانيا (أ ف ب)
لواء في الجيش الألماني يتسلم قيادة وحدة القتال التابعة لحلف الناتو في ليتوانيا (أ ف ب)
ﺷﺎرك

لا تكتفي ألمانيا بإعادة التسلح، ولا تسعى إلى ترسيخ مكانتها كقوة عظمى مستقلة، بل تعمل على إعادة صياغة دور جيشها ليكون أداة فاعلة في تعزيز الردع الأوروبي ضمن إطار حلف شمال الأطلسي “الناتو”، إذ لا تُقاس القوة العسكرية بحجمها فحسب، وإنما بقدرتها على تفعيل منظومة الدفاع الجماعي من خلال كفاءة الخدمات اللوجستية، وتطور البنية التحتية، وارتفاع مستوى الجاهزية، وفعالية القيادة.

كما لا تقتصر الاستراتيجية العسكرية الألمانية لعام 2026، وهي أول وثيقة مستقلة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية، على توسيع نطاق الدور العسكري فحسب، بل تعيد تعريف الغاية الوطنية من استخدام القوة العسكرية، فهي لا تنظر إلى الجيش الألماني بوصفه قوة عسكرية مستقلة، بل باعتباره الركيزة الهيكلية للدفاع الجماعي الأوروبي، بحيث يتركز دوره بدرجة أقل على حجم القوة، وبدرجة أكبر على تمكين المنظومة القتالية للحلف.

الاستراتيجية العسكرية الألمانية لعام 2026 لا تنظر إلى الجيش بوصفه قوة عسكرية مستقلة بل باعتباره الركيزة الهيكلية للدفاع الجماعي الأوروبي

المنطق العسكري الألماني الجديد

تمثل الاستراتيجية العسكرية الألمانية، التي أعلنها وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس في الثاني والعشرين من أبريل، تحولاً جوهرياً في النهج الأمني الذي تبنّته ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث طرحت برلين هذا الإطار بالتزامن مع خطة جديدة لتطوير القدرات العسكرية، وبرنامج لزيادة أعداد الأفراد، واستراتيجية معدّلة لقوات الاحتياط، إضافة إلى حزمة إصلاحات إدارية واسعة، ولكن رغم أن جزءاً كبيراً من الاستراتيجية الأساسية لا يزال سرياً، إلا أن المواد المتاحة للعامة تكفي لتوضيح اتجاه هذا التحول والمنطق الداخلي الذي يستند إليه.

في هذا السياق، تتضح الدوافع المباشرة لهذا التحول بجلاء، إذ يربط المسؤولون الألمان هذه الاستراتيجية بالحرب الروسية ضد أوكرانيا، وتدهور الوضع الأمني في أوروبا، وعودة مخاطر الحروب التقليدية واسعة النطاق إلى القارة، كما يتم تحديد روسيا بوصفها التهديد الرئيسي، وإلى جانب التهديدات العسكرية التقليدية، تولي الاستراتيجية اهتماماً متزايداً بأشكال الضغط الهجين، مثل أعمال التخريب، والهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي.

على المستوى العام، يُعدّ هذا رداً على بيئة استراتيجية أكثر قسوة، وهذا التوصيف دقيق لكنه غير مكتمل، فالتطور الأكثر أهمية ذو طابع مفاهيمي: إذ تُعبّر ألمانيا الآن، بصياغة عسكرية صريحة، عن الدور المؤسسي الذي تنوي الاضطلاع به داخل “الناتو”، الذي يركز على الجاهزية، والتعزيز، وحماية البنية التحتية، والدعم العملياتي على مستوى الحلف بأكمله، حيث تمثل هذه العناصر مجموعة محددة من الوظائف العسكرية، وبالتالي، فإن الاستراتيجية ليست مجرد بيان يتعلق بالميزانية، بل هي إعادة تعريف وظيفية للغرض الوطني من استخدام القوة العسكرية.

التمييز بين إعادة التسلح وإعادة التعريف الوظيفي ليس تمييزاً لغوياً أو شكلياً، فإعادة التسلح التقليدية تركز على التوسع الكمي من زيادة الميزانيات، والمنصات العسكرية، ورفع أعداد الأفراد، أما إعادة التعريف الوظيفي، فتحدد الدور الذي يُفترض أن تؤديه هذه الموارد.

وفي هذا السياق، تبدو المؤشرات واضحة: اعتماد نموذج تخطيط قائم على النتائج، وتحديد مساهمة ألمانيا من خلال مخرجات على مستوى الحلف، وإعادة هيكلة قوات الاحتياط لتتمحور حول مهام الدفاع عن الأمن الداخلي، وهذه كلها خيارات هيكلية تتعلق بتصميم المنظومة العسكرية، وليست مجرد قرارات إنفاق.

اليوم، السؤال المحوري ليس ما إذا كان ينبغي لألمانيا بناء جيش أكبر، إذ إن هذا النقاش السياسي قد حُسم فعلياً، بل يتمثل في طبيعة الجيش الذي تختاره ألمانيا، ومدى توافق هذا الخيار مع المتطلبات الهيكلية للردع الأوروبي، ومن هذا المنظور، تشير الاستراتيجية إلى تحول من التركيز على حجم القوة بوصفه غاية في حد ذاته، إلى التركيز على القدرة على الانتشار السريع، والاستعداد الفوري، والتكامل اللوجستي، والتأثير العملياتي على مستوى التحالف.

الوظيفة قبل الحجم

تعد أهداف هيكل القوات المعلنة طموحة، حيث وضعت ألمانيا هدفاً يصل إلى 260,000 جندي في الخدمة الفعلية، و200,000 من قوات الاحتياط على الأقل، بما مجموعه 460,000 فرد قابلين للتعبئة، حيث تمتد عملية التوسع عبر ثلاث مراحل: بناء سريع للجاهزية حتى عام 2029، يليه توسيع أكبر للقدرات حتى منتصف ثلاثينيات هذا القرن، ثم برنامج قائم على التكثيف التكنولوجي يمتد حتى عام 2039 وما بعده، حيث وصف بيستوريوس هذا المسار بأنه محاولة لبناء أكثر قوة برية تقليدية في أوروبا على المدى الطويل.

في الظاهر، يبدو ذلك شبيهاً بإعادة التسلح التقليدية، من خلال زيادة أعداد الأفراد، وتوسيع الميزانيات، وتكثيف عمليات الشراء العسكري، إلا أن هذا التفسير يُغفل أهم ما يميز هذه المنظومة، فالدول التي تسعى إلى تعظيم قوتها العسكرية بالأسلوب التقليدي تركز عادةً على حجم القوات الوطنية وتكديس المنظومات القتالية، بحيث تصبح كميات المعدات وأعداد الأفراد مؤشرات أساسية للمصداقية الاستراتيجية، أما المنظومة الألمانية فتقوم على منطق مختلف؛ إذ إن عناصرها الأكثر أهمية من الناحية العملياتية لا تتعلق بالحجم، بل بالوظيفة.

ينصبّ التركيز الأساسي على كيفية تمكين الجيش الألماني “البوندسفير” من الحركة في مسرح العمليات، وتعزيز مواقع الحلفاء، واستدامة العمليات على المدى الطويل، ودعم قدرة “الناتو” على الصمود، حيث يكتسب هذا الأمر أهمية بالغة، إذ إن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لألمانيا يمنحها دوراً عسكرياً متميزاً لا يمكن الاستغناء عنه.

تحتل ألمانيا الممر العملياتي المركزي الذي يتعين على قوات الحلفاء وإمداداتهم ومعداتهم المرور عبره في أي طارئ أوروبي خطير، فهذه الجغرافيا تجعل البنية التحتية الألمانية، من شبكات السكك الحديدية والموانئ ومرافق التخزين ومراكز الاتصالات وتغطية الدفاع الجوي، شرطاً أساسياً للردع، وليس مجرد رصيد عسكري وطني.

لكن يبقى من المهم التمييز بين ما إذا كان هذا التوجه يعكس خياراً استراتيجياً متعمداً من جانب برلين، أم أنه نتيجة قيود هيكلية فرضت نفسها، فالجغرافيا، والثقافة السياسية لما بعد الحرب، والقيود الداخلية المستمرة على الطموح العسكري، جميعها تحدّ من نطاق الأدوار الممكنة، ومن هذا المنظور، فإن الدور التمكيني هو الأكثر اتساقاً مع الموقع الهيكلي لألمانيا، إذ تعترف الاستراتيجية الجديدة بهذه الوظيفة بدرجة من الوضوح تفوق أي وثيقة دفاعية ألمانية سابقة.

وهذا يشير إلى أن السؤال الأساسي لا يتمثل فيما إذا كانت ألمانيا توسّع مخزونها العسكري، بل فيما إذا كانت تعيد تنظيم هذا المخزون فعلياً حول متطلبات العمليات على مستوى الحلف، فالدولة التي تؤمّن ممرات التعزيز، وتدعم لوجستيات الحلف تحت الضغط، وتوفّر استمرارية القيادة، يمكنها أن تؤثر في التوازن العملياتي بدرجة تفوق دولة تكتفي بتكديس المنظومات العسكرية.

من المخزون إلى التأثير

في هذا الإطار، يُعدّ الخطاب العقائدي للاستراتيجية بالغ الدلالة، إذ يشير المسؤولون الألمان إلى أن الجيش الألماني “البوندسفير” سينتقل من نظام الحصص الجامدة للمعدات العسكرية إلى نموذج تخطيط يركز على التأثير، فلم يعد معيار الكفاءة يتمثل في عدد الدبابات أو السفن أو الطائرات التي ينبغي أن تمتلكها ألمانيا نظرياً، بل أصبح السؤال هو: ما هي التأثيرات العسكرية التي يجب أن تكون القوات قادرة على تحقيقها في الأزمات والحروب؟، حيث ينطوي هذا التوجه الجديد على تبعات بالغة الأهمية على عمليات التوريد وتصميم القوات.

لم يعد معيار الكفاءة يتمثل في عدد الدبابات أو السفن أو الطائرات التي ينبغي أن تمتلكها ألمانيا بل التأثيرات العسكرية التي يجب أن تكون القوات قادرة على تحقيقها في الأزمات والحروب

في نموذج التخطيط القائم على المخزون، تُعامل المنظومات العسكرية بوصفها المعيار الأساسي للتقدم، فتتحول جداول القوات ونِسَب التجهيز وأهداف التوريد إلى المؤشرات المهيمنة على الجاهزية، أما في نموذج التخطيط القائم على التأثير، فإن أهمية المنظومة العسكرية لا تُقاس بذاتها، بل بمدى إسهامها في تحقيق نتيجة عملياتية محددة، فلا يكمن الاعتبار في الوجود الشكلي للواء أو لبطارية صواريخ ضمن تشكيل القتال، بل في قدرة تلك الوحدة على تنفيذ ضربات عميقة، أو دعم الدفاع الجوي، أو تمكين المناورة، أو الحفاظ على استمرارية القيادة تحت ضغط العمليات.

بمجرد أن يصبح التأثير العملياتي هو معيار الكفاءة، يصبح من الصعب بدرجة أكبر إهمال الأسس الأقل ظهوراً للقوة القتالية بصورة منهجية، إذ تكتسب مسارات الصيانة، وعمق الذخائر، وسلاسل الإمداد اللوجستي، وقابلية التشغيل البيني الرقمي وزناً تحليلياً أكبر، وفي هذا الإطار، تُقاس الجاهزية بقدرة القوة على إنتاج مخرجات قتالية مستدامة عبر مسرح عملياتي محدد وعلى مدى زمني ممتد.

تُعد فجوات القدرات المعترف بها لدى ألمانيا مؤشراً مهماً في هذا السياق، إذ أقرّ المسؤولون بوضوح بأن قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى لا تزال غير متطورة بالشكل الكافي، كما تُعد صواريخ كروز من طراز تاوروس، التي يتجاوز مداها 500 كم، النظام الرئيسي الحالي للضربات بعيدة المدى، إلا أنها تقع في الطرف الأدنى من طيف قدرات الضربات العميقة، كما يتطلب تطوير قدرة أوسع على تنفيذ ضربات على مستوى مسرح العمليات استثمارات إضافية كبيرة.

كما تخطط ألمانيا لاقتناء صواريخ كروز من طراز JASSM-ER لاستخدامها مع مقاتلات F-35، وهو ما من شأنه أن يوسّع مدى العمليات إلى نحو 1000 كم،  إلا أن هذه القدرة لا تزال في مرحلة التوريد والاعتماد، ولم تدخل الخدمة التشغيلية بعد.

يكتسب هذا القدر من الصراحة أهمية كبيرة، فالإستراتيجية لا تكتفي بإعادة توزيع الأولويات داخل قوة عسكرية ناضجة بالفعل، بل تحدد فجوات هيكلية في القدرة القتالية وتتعامل مع معالجتها بوصفها متطلبات ملحّة، حيث ينطبق المنطق نفسه على منظومات الدفاع الجوي والصاروخي متعددة الطبقات، وحرب الطائرات المسيّرة، وهياكل القيادة المعتمدة على البيانات، وهي جميعاً مجالات تشكّلت بفعل الدروس العملياتية المستخلصة من الحرب في أوكرانيا.

يمكن فهم هذه الاستراتيجية على أفضل وجه باعتبارها ترسيخاً وتسريعاً للاتجاهات التي بدأت بعد الغزو الروسي في فبراير 2022، حيث شكّل إعلان “التحول الزمني” في ذلك العام نقطة انطلاق للتحول السياسي، كما يضيف هذا المستند بُعداً مؤسسياً أكثر وضوحاً: وظائف محددة للقوة، ودوراً محدداً داخل حلف شمال الأطلسي، ومنطقاً تخطيطياً قائماً على النتائج لا على المخزونات.

وبناءً على ذلك، لا يُعد هذا التحول قطيعة مفاجئة بقدر ما هو تقنين وتعميق لمسار كان قائماً بالفعل، حيث تكمن أهميته في مستوى الالتزام الهيكلي الذي أُلحق بهذا المسار في المرحلة الراهنة.

عقيدة المسرح الواحد

تقدّم الاستراتيجية العسكرية الألمانية ما تصفه بـ”نهج المسرح الواحد”، وهو إطار مفاهيمي يتعامل مع أراضي حلف شمال الأطلسي، والشرق الأوسط، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها فضاءات أمنية مترابطة، بدلاً من كونها مسارح منفصلة تتطلب أطر تخطيط مستقلة، كما تظل روسيا هي التهديد الرئيسي، ويبقى الدفاع الجماعي الأوروبي هو الإطار المنظِّم لتخطيط القوة العسكرية الألمانية، غير أن هذا الإطار، وعلى الرغم من مركزية أوروبا فيه، يُلمّح إلى إيران والصين باعتبارهما تهديدين أمنيين ثانويين، وهو تطور لافت في وثيقة عسكرية تأسيسية لألمانيا.

تقدّم الاستراتيجية ما تصفه بـ”نهج المسرح الواحد” وهو إطار مفاهيمي يتعامل مع أراضي الناتو والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ باعتبارها فضاءات أمنية مترابطة بدلاً من كونها مسارح منفصلة

يتأثر الأمن الأوروبي بعوامل تتجاوز حدود القارة، مثل سلاسل التوريد الصناعية لأنظمة الدفاع الجوي، وتوزيع الاهتمام الاستراتيجي للولايات المتحدة، وإمكانية الوصول إلى التقنيات الحيوية، والتداعيات المتسلسلة للأزمات المجاورة على تماسك الحلف وتوافر الموارد، فقد تؤدي أزمة في الشرق الأوسط إلى تقليص إنتاج أنظمة الدفاع الجوي عالمياً وإعادة توجيه اهتمام الحلف، كما يمكن أن تؤدي التوترات المستمرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى تغيير أولويات الولايات المتحدة الاستراتيجية وإعادة تشكيل الافتراضات التي يقوم عليها الردع الممتد في أوروبا.

ومن خلال دمج هذه الديناميكيات في عمليات التخطيط بدلاً من التعامل معها كعوامل هامشية، تعتمد ألمانيا منظوراً استراتيجياً أوسع مما كانت تفترضه الوثائق الدفاعية السابقة.

وبناءً على ذلك، تتعامل الاستراتيجية مع البنية التحتية الألمانية، من الموانئ والسكك الحديدية وشبكات الاتصالات ومرافق تخزين الوقود، لا بوصفها دعماً خلفياً، بل كعنصر فاعل ضمن مسرح العمليات نفسه، حيث يمثل هذا إدراكاً هيكلياً له انعكاسات مباشرة على كيفية تعريف ألمانيا لمتطلباتها الأمنية.

كما يُعد هذا الإطار خروجاً عن التعامل مع الدفاع الأوروبي باعتباره مسألة قارية مغلقة إلى حد كبير، فهو لا يعكس ادعاءً بتوسيع نطاق القدرات العملياتية الألمانية خارج أوروبا، بقدر ما يعكس اتساع نطاق المتغيرات التي يتعين على التخطيط الاستراتيجي الألماني أخذها في الحسبان.

 الاحتياط كعمق استراتيجي

قد تكون استراتيجية الاحتياط العنصر الأكثر أهمية في مجمل المنظومة، رغم أنها حظيت باهتمام محدود نسبياً، إذ وصفها بيستوريوس بأنها الحلقة الواصلة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع المدني، حيث تُسند الخطوط العريضة المعلنة إلى قوات الاحتياط دوراً أساسياً في الدفاع عن الوطن وحماية البنية التحتية، وهو تحول واضح عن التصورات السابقة التي كانت تنظر إلى قوات الاحتياط باعتبارها قدرة ثانوية.

هنا يستند المنطق الاستراتيجي إلى اعتبار بسيط، فالحرب التقليدية الكبرى في أوروبا لن تُحسم حصرياً عند خطوط التماس، بل ستتأثر بسلامة سلاسل الإمداد اللوجستي، واستمرارية الخدمات الطبية وشبكات الاتصالات، وحماية الأنظمة المُمكِّنة من أعمال التخريب المنهجي.

في مثل هذا النوع من الصراع، لا تُعدّ حماية المناطق الخلفية مجرد تفصيل لوجستي ثانوي، بل شرطاً هيكلياً لاستدامة العمليات القتالية، ويعكس رفع ألمانيا لمكانة قوات الاحتياط إدراكاً رسمياً متزايداً بأن إسهام الجيش الألماني في ردع الحلف يمتد عبر كامل العمق العملياتي لمسرح العمليات، وقد جرى وضع قوات الاحتياط، رسمياً، في مرتبة موازية للقوات العاملة، وهو ترقية عقائدية مقصودة وليست مجرد تعديل إداري بسيط.

يعزز البعد التشريعي هذا التوجه الاستراتيجي، إذ دخل قانون الخدمة العسكرية المُحدَّث في ألمانيا حيز التنفيذ في الأول من يناير 2026، وما تزال الخدمة طوعية، إلا أن المواطنين الذكور الذين يبلغون سن 18 عاماً باتوا ملزمين بتقديم معلومات حول لياقتهم واستعدادهم للخدمة، إذ لم تُعد الخدمة الإلزامية بشكل كامل، كما أن إعادة تفعيلها تتطلب إجراءً برلمانياً منفصلاً، ومع ذلك، يحتفظ الإطار القانوني بإمكانية أوسع للتعبئة في حال ثبت أن التجنيد الطوعي غير كافٍ من الناحية الهيكلية.

السؤال المهم هو: ما إذا كان بإمكان ألمانيا ترسيخ وضع دفاعي مستدام داخل مجتمعها في زمن السلم؟، فحماية البنية التحتية، ودعم التعبئة، وتعزيز الصمود الإقليمي تتطلب ثقافة سياسية وإدارية أوسع نطاقاً، وهي ثقافة لم تحافظ عليها ألمانيا لعقود، ولذلك تُعدّ استراتيجية الاحتياط اختباراً للتكيف المؤسسي: هل تم استيعاب إعادة التوجيه الاستراتيجي في الممارسات التنظيمية للدولة، أم أنها لا تزال في طور التصريح؟.

أولوية الناتو والبعد الأوروبي

تُعرَّف الفئات الوظيفية في الاستراتيجية وفقاً لمصطلحات التحالف، وهذا التوجه واضح وصريح، إذ تُبقي الاستراتيجية ألمانيا ضمن الإطار الأطلسي بشكل جلي، مع اعتبار حلف شمال الأطلسي الأداة المؤسسية الأساسية لتخطيط الدفاع الألماني، وفي المقابل، يحظى البعد الدفاعي للاتحاد الأوروبي بمعالجة أقل تفصيلاً في المواد المتاحة للعامة، ويتطلب هذا الغياب قراءة متأنية، لكنه لا يعني أن ألمانيا تنسحب من هياكل الدفاع الأوروبية.

في يناير، وقّع المستشار فريدريش ميرتس بروتوكول تعاون استراتيجي مع إيطاليا، التزمت بموجبه الدولتان بالعمل المشترك على تحقيق الجاهزية الدفاعية الأوروبية وتعزيز الركيزة الأوروبية داخل “الناتو”، كما اقترحت ألمانيا نموذجاً دفاعياً أوروبياً بسرعتين، يهدف إلى تسريع تطوير القدرات بين الدول الأعضاء الراغبة في ذلك.

تعكس الاستراتيجية أيضاً أولوية واضحة من حيث التخطيط، فعندما تحدد ألمانيا دورها العسكري بدقة، فإنها تفعل ذلك ضمن إطار “الناتو”، أما البعد الأوروبي فيُفعَّل بطريقة مختلفة، ليس من خلال عقيدة تخطيط موحدة، بل عبر اتفاقات ثنائية، وتنسيق القدرات، وجهود إصلاح هياكل اتخاذ القرار داخل الاتحاد الأوروبي، وهذه مسارات متكاملة وليست متنافسة، إلا أن حلف الناتو يظل يتمتع بأولوية واضحة في البنية الاستراتيجية الألمانية.

تعكس الاستراتيجية أولوية واضحة من حيث التخطيط فعندما تحدد ألمانيا دورها العسكري بدقة فإنها تفعل ذلك ضمن إطار “الناتو” أما البعد الأوروبي فيُفعَّل بطريقة مختلفة  

يترتب على هذا الفارق آثار عملية، إذ قد تعمل ألمانيا في الوقت نفسه على تعزيز القلب العملياتي لحلف شمال الأطلسي، بينما تسهم في خلق توترات بشأن كيفية تنظيم الدفاع الأوروبي وتمويله ودمجه صناعياً، حيث تُجسّد الخلافات حول وتيرة برنامجي FCAS وMGCSالمقاتلة والدبابة من الجيل الجديد اللذين تطورهما فرنسا وألمانيا استمرار التحديات في التعاون الدفاعي الأوروبي.

وتكون الاستراتيجية واضحة بشأن دور ألمانيا داخل حلف الناتو، لكن الأسلوب السياسي الذي سيتم من خلاله تنسيق هذا الدور مع الشركاء الأوروبيين لا يزال أقل نضجاً وتطوراً.

الطموح وقيوده

القيود الواقعية لا تقل أهمية، وهي مرتبطة بشكل مباشر بمدى قدرة ألمانيا على أداء الدور التمكيني الذي حدّدته لنفسها عملياً.

ترتبط كل فئة من فئات القيود بمكون محدد من مكونات الوظيفة التمكينية، إذ يُهدد نقص الأفراد نموذج الاحتياط ومهام الأمن في المناطق الخلفية التي يعتمد عليها الردع على مستوى المسرح العملياتي، كما تُقيد تأخيرات التوريد قدرة القوة على تحقيق التأثيرات المطلوبة لنموذج التخطيط الموجه نحو النتائج، ويُبطئ عدم الكفاءة الإدارية تحويل القرارات السياسية إلى قدرة عملياتية، وكذلك يُحدد الاستقرار السياسي ما إذا كان من الممكن استدامة استثمارات البنية التحتية وتوسيع الاحتياط اللازمين للدور التمكيني على مدى الإطار الزمني المطلوب.

فيما يتعلق بالأفراد، فأن لدى ألمانيا حاليًا نحو 185,420 جندياً في الخدمة الفعلية، حيث ارتفعت طلبات الالتحاق بنسبة تُقدَّر بـ20%، كما يجري التجنيد بوتيرة تزيد بنحو 10% عن العام السابق، وتمثل هذه مؤشرات إيجابية، لكنها لا تعالج مشكلة هيكلية أساسية، فبلوغ هدف 260,000 فرد في الخدمة الفعلية سيتطلب تجنيداً مستداماً، وتوسيعاً في قدرات التدريب، وتحسيناً في الاحتفاظ بالأفراد، إضافة إلى كفاءة كافية في العمليات الإدارية، وعلى مدى زمني يمتد لقرابة عقد من الزمن.

أما القيود الصناعية والمشتريات فقد تكون أكثر تعقيداً وصعوبة في المعالجة، فميزانية الدفاع لعام 2026 إلى جانب الصندوق الخاص تتجاوز 108 مليارات يورو، إلا أن التمويل وحده لا يزيل اختناقات الإنتاج، أو قيود سلاسل الإمداد، أو ضغوط الطلب العالمي، كما أن المنافسة الشديدة على أنظمة الدفاع الجوي، المدفوعة جزئياً بالطلب الناتج عن النزاعات الجارية في الشرق الأوسط وأوكرانيا، تؤدي بالفعل إلى تقليص المعروض المتاح.

أقرّ بيستوريوس بذلك بشكل مباشر، إذ أوضح أن التمويل قد تم الالتزام به وأن عمليات التوريد قد بدأت، لكن ألمانيا لا تتحكم في جميع المتغيرات ذات الصلة، ويتمثل القيد الحاسم في قدرة النظام الصناعي على تحويل الموارد إلى قدرات عسكرية منتشرة ميدانياً بالوتيرة المطلوبة، ولذلك يُعد الإصلاح الإداري مسألة جوهرية تتعلق بالجاهزية من الدرجة الأولى، حيث تتضمن منظومة EMA26 ما مجموعه 153 إجراءً و580 خطوة تنفيذية تهدف إلى تبسيط عمليات الشراء، ورقمنة سير العمل، وإدراج آليات انتهاء صلاحية تلقائية داخل القواعد الداخلية.

كما يمتلك جهاز الدفاع الألماني سجلاً طويلاً من تحديد أوجه القصور الهيكلية دون معالجتها بالسرعة المطلوبة، والسؤال المهم هو ما إذا كان هذا الجيل من الإصلاحات سيؤدي إلى تحقيق نتائج عملياتية أسرع بشكل ملموس.

يمثل الاستقرار السياسي قيداً واضحاً أيضاً، إذ تشير استطلاعات الرأي في أوائل عام 2026 إلى تأييد شعبي واسع النطاق لتعزيز الجيش الألماني وتوسيع قدراته الدفاعية، ومع ذلك، لا يُترجم هذا الدعم للمبدأ العام تلقائياً إلى قبول دائم لآثاره العملية، مثل استمرار الإنفاق بمعدلات أعلى من المعتاد، والعسكرة الواضحة لتخطيط البنية التحتية، وتوسيع جهاز الاحتياط، وتجدد النقاش حول التجنيد الانتقائي.

فريدريش ميرز يحيي جنود ألمان (أ ف ب)
 دور ألمانيا المتنامي

اتخذت ألمانيا قراراً مدروساً بعدم السعي إلى اكتساب مكانة عسكرية تقليدية كقوة عظمى، والتفسير الأكثر اتساقاً هو أن برلين تسعى لأن تصبح القوة المحورية الأساسية للدفاع التقليدي الأوروبي ضمن حلف شمال الأطلسي، وهذا يعني أنها تهدف إلى أن تكون الدولة التي تجعل بنيتها التحتية، وعمقها اللوجستي، وقدراتها الاحتياطية، وموقعها الجغرافي المركزي، عناصر تجعل ردع الحلف قوة عملية متكاملة بدلاً من مجرد مفهوم نظري، إنه شكل من أشكال الطموح الاستراتيجي الذي لا يركز على المكانة العسكرية المستقلة بقدر ما يركز على ضمان فعالية النظام الجماعي.

تطمح ألمانيا إلى أن تكون الدولة التي تجعل بنيتها التحتية وعمقها اللوجستي وقدرتها الاحتياطية وموقعها الجغرافي عناصر تجعل ردع الحلف قوة عملية متكاملة  

يتشكل هذا الطموح بفعل كل من الإرادة المقصودة والقيود الهيكلية، وهما عاملان لا يتعارضان في هذه الحالة؛ إذ تختار ألمانيا دوراً تفرضه جغرافيتها وتاريخها السياسي، ويكون في الوقت نفسه متاحًا وضروريًا لها.

كما أن رؤية ألمانيا تُفهم على نحو أفضل باعتبارها عملية ترسيخ وتكثيف أكثر منها قطيعة كاملة، فهي تُضفي طابعاً رسمياً وتعمّق مساراً بدأ مع “نقطة التحول التاريخي”، وتكمن أهميتها لا في حداثة الاتجاه ذاته، بل في مستوى الالتزام المؤسسي الذي أصبح مرتبطاً به، من خلال تحديد وظائف واضحة، وأدوار محددة، ومنطق تخطيط قائم على التأثير بدلاً من الاعتماد على المخزون.

ستقدم السنوات القادمة مؤشرات واضحة نسبياً حول ما إذا كان هذا الالتزام سيتحول إلى واقع عملياتي فعلي، والمعايير ذات الصلة ملموسة، فعلى صعيد الجاهزية، يتمثل المعيار فيما إذا كانت المرحلة الأولى الممتدة حتى عام 2029 ستُنتج تحسينات ملموسة في جاهزية القوات ودمج قوات الاحتياط على النطاق المطلوب، بدلاً من مجرد مكاسب تدريجية أو اتجاهات مؤقتة، أما على صعيد المشتريات، فيتمثل السؤال فيما إذا كان سيتم نشر أنظمة الدفاع الجوي، وقدرات الضربات بعيدة المدى، وعناصر التمكين اللوجستي ضمن الجداول الزمنية المعلنة، بدلًا من تأجيلها بشكل متكرر.

أما على صعيد البنية التحتية، فيتعلق المعيار بما إذا كان سيتم تعزيز شبكات السكك الحديدية والموانئ والاتصالات وتأهيلها للاستخدام ضمن الحلف بالقدر اللازم لاستقبال القوات المعززة ونقلها إلى الأمام.

وعلى الصعيد العملياتي، يتمثل السؤال فيما إذا كانت ألمانيا قادرة على إثبات قدرتها على استقبال القوات الحليفة ودعمها وتسهيل حركتها عبر أراضيها في ظل ظروف ضغط مُحاكاة، وذلك من خلال مناورات حلف شمال الأطلسي وعمليات التخطيط.

إذا تم استيفاء هذه المعايير بحلول نهاية العقد، فإن موقع ألمانيا داخل حلف شمال الأطلسي سيتغير على نحو يؤثر بشكل ملموس في الأمن الأوروبي، أما إذا لم تتحقق، فستبقى الاستراتيجية علامة مهمة على تحول مفاهيمي تجاوز القدرة المؤسسية الفعلية.

في المحصلة، تعكس الاستراتيجية العسكرية الألمانية التزاماً جاداً بالمتطلبات الهيكلية للردع الأوروبي، ويبقى السؤال المحوري الذي لم يُحسم بعد هو: هل تستطيع مؤسساتها أن تُواكب هذا الالتزام على مستوى التنفيذ؟.

توماس فالك - ايجل
توماس فالك

توماس فالك، صحفي ومحلل مقيم في لندن، يركّز على العلاقات عبر الأطلسي، والشؤون الأمريكية، والأمن الأوروبي. وبخبرته الطويلة في التقارير السياسية والتحليل الاستراتيجي، يعتمد على أبحاث معمّقة، ورؤى تاريخية، وتطورات ميدانية لاستكشاف القوى التي تُشكّل المشهد الجيوسياسي الحالي.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.