تسعى الولايات المتحدة إلى التأثير في النظام السياسي الداخلي لأوروبا، لأول مرة منذ الحرب الباردة، فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، التي أصدرتها إدارة ترامب، لا تكتفي بانتقاد السياسات أو المؤسسات الأوروبية، بل تُعلن صراحة دعمها للأحزاب القومية كشركاء مفضلين، ومن ثم، تعيد هذه الاستراتيجية تحديد الصراعات الديمقراطية الأوروبية باعتبارها مسائل تتعلق بالتوافق الاستراتيجي، والسؤال المطروح: إلى أين تتجه أوروبا، القارة التي تتسم بالفعل بالتقلب والانقسام السياسي؟.
رؤية إدارة ترامب تجاه أوروبا
يمثل الفصل الأوروبي في استراتيجية الأمن القومي (NSS) خروجاً ليس فقط في النبرة، بل وفي الأساس التحليلي أيضاً، ففي حين اعتبرت الوثائق الاستراتيجية الأمريكية السابقة صعوبات أوروبا مسائل وظيفية، كانخفاض الإنفاق الدفاعي، واعتماد الطاقة، وتجاوز الأطر التنظيمية، أما استراتيجية ترامب تقدّم تفسيراً ثقافياً للضعف الاستراتيجي، إذ ترى الوثيقة أن أوروبا لا تُقيَّد بالنقص في القدرات، بل بالمعتقدات والقناعات، وتكمن هشاشتها في تآكل السيادة، والهوية الوطنية، والثقة بالنفس السياسية.
تشير استراتيجية الأمن القومي الأمريكية إلى ثلاثة عوامل مترابطة وراء هذا التآكل، أولاً، اعتبار أن الحوكمة فوق الوطنية للاتحاد الأوروبي، يُضعف المساءلة الديمقراطية ويفرغ صانع القرار الوطني من فعاليته، وثانياً، تصوّر سياسات الهجرة على أنها مشاريع تحويلية تُفرض دون موافقة شعوب الدول، ما يهدد التماسك الاجتماعي والثقة السياسية، وثالثاً، تركز الوثيقة على الثقافة الإيديولوجية الأوسع في أوروبا، معتبرةً أن قيم العالمية الليبرالية، والتعددية الثقافية، والحكم التقني تُضعف التضامن الوطني وتقلل القدرة الاستراتيجية على اتخاذ القرارات الحاسمة.
لا يُصوّر هذا التحليل هذه المشكلات على أنها إخفاقات سياسية منفصلة قابلة للإصلاح، بل على أنها عيوب هيكلية متأصلة في تسوية أوروبا ما بعد الحرب الباردة، حيث لا يقتصر الأمر على ضعف أداء المؤسسات الأوروبية فحسب، بل يتعداه إلى تزايد عدم توافقها مع المجتمعات التي تحكمها، وبناءً على هذا الرأي، ينبع الضعف الاستراتيجي لأوروبا من أزمة شرعية لا من قصور في التنفيذ.
ومن اللافت أن استراتيجية الأمن القومي (NSS) لا تدعو أوروبا إلى محاكاة الولايات المتحدة، بل تحثها على استعادة نسخة «أصيلة» من نفسها، تُعرف من خلال التاريخ، والحضارة، والهوية الوطنية، ومن خلال ذلك، تُلغي الوثيقة الحدود بين التفسير الثقافي والتوجيه الاستراتيجي، ووفق هذا الإطار، لم تعد الشرعية السياسية تُعرف بالدرجة الأولى من خلال الشكل المؤسسي أو الإجراءات الديمقراطية، بل من خلال التوافق مع تصور محدد للتماسك الوطني والسيادة.
استراتيجية الأمن القومي الأمريكيلا تدعو أوروبا إلى محاكاة الولايات المتحدة بل تحثها على استعادة نسخة «أصيلة» من نفسها
تكتسب هذه النقلة أهميتها لأن وثائق الاستراتيجية لا تكتفي بتحديد التهديدات أو توزيع الموارد، بل تسهم كذلك في إنتاج الشرعية، ومن خلال الفصل بين قوى سياسية تُقدَّم باعتبارها ذات جذور حضارية وأخرى تُوصَف بأنها مُقوِّضة أيديولوجياً، تعيد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية ضمنياً تعريف شروط الشراكة، فالديمقراطية لم تعد شرطاً كافياً بحد ذاتها، بل بات التوجه الثقافي معياراً استراتيجياً إضافياً، وفي أوروبا، حيث تشكّل قضايا السيادة والهوية والتكامل محاور انقسام قائمة، فإن لهذا التحول آثاراً تتجاوز الطابع الخطابي إلى تداعيات سياسية أعمق.
يشكّل توجه ترامب انفصالاً واضحاً عن مقاربة إدارة بايدن، فانتقادات البيت الأبيض في عهد بايدن للحكومات الأوروبية -سواء في ما يتعلق بالإنفاق الدفاعي، أو السياسة تجاه الصين، أو مظاهر التراجع الديمقراطي في هنغاريا وبولندا- كانت تُقدَّم ضمن إطار تعددي وإجرائي، وقد فُهمت الشرعية الديمقراطية حينها باعتبارها قائمة على المؤسسات، والانتخابات، وحكم القانون، لا على الانتماء الثقافي أو التقارب الأيديولوجي، وعندما تدخلت واشنطن خطابياً، كان ذلك للدفاع عن سلامة العمليات الديمقراطية لا لتفضيل فاعلين سياسيين محددين، كما أن الالتزام بالمعايير الليبرالية كان متجسداً في بنى التحالفات والأطر القانونية والآليات الجماعية، وليس في علاقات تفضيلية مع تيارات سياسية بعينها.
وعلى النقيض من ذلك، تتخلى استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب عن هذه الوساطة المؤسسية، والجديد هنا ليس توجيه الولايات المتحدة انتقادات لأوروبا، بل في ترجمة التقارب الأيديولوجي بصورة علنية إلى أولوية استراتيجية.

التوافق الأيديولوجي كأداة جيوسياسية
لاستيعاب أهمية هذا التحول، ينبغي التذكير بكيفية إدارة الولايات المتحدة تاريخياً لاختلافات الأيديولوجيا بين حلفائها الأوروبيين، ففي سياق الحرب الباردة، اعتمدت واشنطن نهجاً براغماتياً سمح لها بالتعاون مع قوى سياسية متنوعة -من الاشتراكيين الديمقراطيين في شمال أوروبا، إلى الديمقراطيين المسيحيين في ألمانيا وإيطاليا، والديغوليين في فرنسا، وصولاً إلى أنظمة سلطوية في جنوب القارة، ولم يكن الانسجام الأيديولوجي أولوية، بقدر ما كان التوافق الاستراتيجي ضد خصم مشترك، والالتزام العام بقواعد إجرائية أساسية، حتى وإن شابها قدر من القصور.
وقد ظل هذا النهج التحفظي قائماً إلى حد كبير في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، فعلى الرغم من أن الديمقراطية الليبرالية أصبحت المرجعية المعيارية المعلنة للنظام عبر الأطلسي، امتنعت الولايات المتحدة عن تأييد تيارات سياسية محددة داخل الدول الحليفة، وتم السعي إلى تعزيز الديمقراطية في وسط وشرق أوروبا عبر آليات التوسّع، والاشتراط، والإصلاح المؤسسي، ضمن أطر متعددة الأطراف، لا من خلال علاقات رعاية ثنائية، وبذلك، اعتُبرت شرعية التنافس السياسي الداخلي في أوروبا مسألة داخلية بحتة.
تتعامل استراتيجية الأمن القومي الأمريكية مع التوجّه الأيديولوجي كعامل استراتيجي مستقل، فالحركات القومية و«الوطنية» لم تعد تُنظر إليها كظواهر داخلية في الديموقراطيات الأوروبية يُكتفى بإدارتها أو احتوائها، بل يُعاد تقديمها كقوى إصلاحية يُعوَّل عليها في استعادة السيادة الوطنية، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإعادة إحياء البوصلة الاستراتيجية لأوروبا.
لا يعني هذا التحول بأن الولايات المتحدة ستقيد تعاونها بالحكومات التي تقودها أحزاب قومية، لكنه يعكس إعادة تشكيل في أولويات التعاطف الاستراتيجي، فالقوى السياسية التي كانت تُصنَّف سابقاً باعتبارها عوامل اضطراب أو مخاطر ديمقراطية باتت تُقدَّم الآن كفاعلين شرعيين، بل وكقوى موازِنة ضرورية في مواجهة التسوية السياسية القائمة في أوروبا، وبهذا، تنتقل استراتيجية الأمن القومي الأمريكية من نهج الحياد الأيديولوجي تجاه الحلفاء الديمقراطيين إلى نهج يقوم على إضفاء الشرعية الانتقائية، مع ما يترتب على ذلك من آثار عميقة على الصراعات السياسية الداخلية في القارة الأوروبية.
تنتقل الاستراتيجية من نهج الحياد الأيديولوجي تجاه الحلفاء الديمقراطيين إلى نهج يقوم على إضفاء الشرعية الانتقائية
الحركات القومية كشركاء استراتيجيين
من خلال التعهد بدعم «مقاومة المسار الأوروبي الراهن» داخل الدول الأعضاء، توحي واشنطن بأنها تعيد توجيه انخراطها نحو قوى سياسية تطمح إلى تفكيك التسويات السياسية القائمة، لا إلى التعاون مع الحكومات كما هي قائمة، وبهذا المعنى، تتماهى الولايات المتحدة مع حركات تُؤسِّس مشروعها السياسي على معارضة المؤسسات الأوروبية السائدة، ومعاييرها، وتحالفاتها الحاكمة.
وقد ترتب على هذا التحول آثار دبلوماسية مباشرة، عكستها ردود فعل أوروبية اتسمت بقدر لافت من الصراحة، إذ اعتبرت رئاسة ألمانيا لمجلس الاتحاد الأوروبي أن بعض ما ورد في الوثيقة غير مقبول، بينما وجّه المستشار ميرتس انتقادات حادة لتصوير أوروبا كقارة تفتقر إلى العمق الثقافي وتعاني وهناً استراتيجياً، وما كان يُتعامل معه سابقاً باعتباره استفزازاً خطابياً عابراً، ضمن خطاب ترامب التقليدي تجاه أوروبا، أضحى اليوم جزءاً من عقيدة رسمية، وبالنسبة للعواصم الأوروبية، فإن هذا التحول يعد جوهرياً، فالإساءة التي كان يمكن تجاوزها تحولت إلى سياسة ذات تبعات عملية.
ولا تتجلى الأهمية الحقيقية في هوية الأحزاب التي جرى ذكرها بقدر ما تتجسد في السابقة التي تؤسس لها الوثيقة، إذ إن تصنيف الحركات القومية بوصفها شركاء مفضلين في الحوار يشكل خروجاً عن التقليد الأمريكي طويل الأمد القائم على التعامل مع السياسة الأوروبية من خلال المؤسسات لا التيارات، وبهذا المعنى، يُعاد تعريف التقارب الأيديولوجي باعتباره توافقاً استراتيجياً، وبالنسبة لأوروبا، يبدو هذا التحول قريباً من التدخل السياسي؛ فهو لا يؤثر مباشرة في المسارات الانتخابية، لكنه يضفي شرعية خارجية على قوى سياسية تُبنى أطروحتها الأساسية على التشكيك في سلامة النظم الديمقراطية القائمة.
قد يتساءل المرء عن سبب أهمية هذا التحول لإدارة ترامب، والإجابة واضحة: فالولايات المتحدة تسعى بشكل متزايد إلى شركاء خارجيين يتقاطع موقفهم السياسي مع توجه الإدارة داخلياً، وهؤلاء الفاعلون يمنحون الأولوية للسلطة والتماسك الوطني والولاء الأيديولوجي على حساب الليبرالية الإجرائية، وتُمثل الأحزاب القومية الأوروبية، التي تؤكد على السيادة، والتجانس الثقافي، ومقاومة القيود فوق الوطنية، نموذجاً مثالياً لهذا التحالف، وبفضل دعم قوى تتحدى المعايير الديمقراطية الليبرالية في أوروبا، تعزز إدارة ترامب شراكات دولية تعكس التحولات الداخلية في الولايات المتحدة نفسها، ومن هذا المنظور، يصبح إضفاء الشرعية على الحركات اليمينية المتطرفة الأوروبية امتداداً مباشراً لاستراتيجيات ترامب الداخلية، حيث تتقدم المصلحة السياسية والتماسك المبني على الهوية على الالتزام بالإجراءات الديمقراطية.
الشرعية الخارجية في مشهد سياسي مجزأ
تتسم الأمور بتعقيد إضافي بسبب تدخل استراتيجية الأمن القومي في بيئة سياسية أوروبية تواجه ضغوطاً متزايدة، حيث شهدت العقود الماضية نمواً ملحوظاً للأحزاب القومية واليمينية المتطرفة، وإن كان ذلك بشكل متفاوت ولأسباب متنوعة، ففي فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وإسكندنافيا، تحوّلت هذه الأحزاب من حركات احتجاجية إلى قوى انتخابية دائمة، وفي بعض الحالات شاركت في الحكومات أو أثّرت على برامجها من الخارج، وفي أماكن أخرى -خصوصاً ألمانيا- ظلّت هذه القوى مستبعدة رسمياً رغم امتلاكها قاعدة دعم واسعة ومركزة جغرافياً، ويُعزى صعودها إلى ظروف وطنية خاصة، بما في ذلك المؤسسات، والأنظمة الانتخابية، والثقافة السياسية، وليس إلى موجة أيديولوجية واحدة.
لا توحد هذه الحركات عقيدة واضحة بقدر ما توحدها مجموعة مشتركة من المظالم، ففي كل من التجمع الوطني في فرنسا، وحزب ليغا في إيطاليا، وحزب فوكس في إسبانيا، وحزب البديل لألمانيا، تتكرر ثيمات متشابهة، استياء من النخب السياسية، ومعارضة الحوكمة فوق الوطنية، والقلق من التغيرات الثقافية والديموغرافية، وقد باتت الهجرة أبرز محور تعبوي لها، لكنها في الغالب تمثل مؤشراً على مخاوف أعمق تشمل الركود الاقتصادي، وتراجع الثقة الاجتماعية، والشعور بفقدان القدرة الوطنية على التأثير والصوت السياسي.
تعكس ألمانيا هذا النموذج بوضوح خاص، رغم أنها ليست الحالة الوحيدة، فقد استطاع حزب البديل لألمانيا (AfD) تحويل الاستياء إلى قوة انتخابية دائمة، مع بقائه خارج الحكومة الوطنية، ويعتمد هذا الاستبعاد على شبكة مترابطة من القيود المؤسسية والقانونية والمعيارية، حيث كانت هناك حواجز مماثلة، بمدى نجاح متفاوت، في فرنسا وإسبانيا.
أما في إيطاليا، فقد تهاوت هذه الحواجز إلى حد كبير، بينما في هنغاريا وبولندا جرى تفكيكها من الداخل بشكل نشط، وتتميز تجربة ألمانيا ليس بكونها منعزلة، بل لأنها اعتمدت في استراتيجية احتواء حزب البديل على توافقات غير رسمية بشكل أكبر من الاعتماد على الحسابات التحالفية وحدها.
من خلال إضفاء الشرعية الخارجية على الأحزاب القومية، تُضعف استراتيجية الأمن القومي الأمريكية القيود غير الرسمية التي كانت تحدّ منها، ويظهر أثر هذا التوجه بطريقة دقيقة ولكن تراكمية في أنحاء أوروبا، فالأحزاب التي كانت تعتبر خارج دائرة المقبول، تكتسب اليوم اعترافاً من قوة خارجية مؤثرة، وتزداد مصداقية ادعاءاتها بتمثيل الإرادة الوطنية الأصيلة مع انخفاض التكلفة الرمزية للانخراط معها، ومن المرجح ألا يؤدي هذا إلى تطرف شامل، بل إلى تعديل تدريجي لما يُعَدّ مقبولاً سياسياً، خصوصاً في الأنظمة التي يستند استبعادها إلى المعايير والأعراف بقدر ما يستند إلى القانون.
الأحزاب التي كانت تعتبر خارج دائرة المقبول تكتسب اليوم اعترافاً من قوة خارجية مؤثرة وتزداد مصداقية ادعاءاتها
ألمانيا والنموذج الأوروبي
لطالما اعتمدت ألمانيا في التعامل مع السياسة المتطرفة على أكثر من القوانين وحدها، فآلية الاحتواء الديمقراطي لديها، القائمة على مفهوم “الديمقراطية الدفاعية”، تعمل ضمن سياق معياري أوسع، فالعتبات القانونية، والتقييمات الاستخباراتية، والضمانات الدستورية تستمد مشروعيتها ليس فقط من النصوص القانونية، بل من توافق سياسي واعتراف خارجي أيضاً، وقد اعتُبرت اليقظة تجاه القوى المناهضة للديمقراطية واجباً ديمقراطياً، لا مجرد أسلوب حزبي.
تتكرر ديناميكيات مماثلة في بلدان أخرى، لكنها متأثرة بسياقات تاريخية مختلفة، ففي فرنسا، تراجع الحاجز السياسي ضد اليمين المتطرف تدريجياً تحت تأثير ضغوط الانتخابات، أما في إسبانيا، فتمكنت المؤسسات من مقاومة حزب فوكس إلى حد ما، إلا أن موقفها السياسي ظل هشاً، وفي أوروبا الوسطى، تحوّل الاحتواء إلى استيلاء، حيث قامت الأحزاب الحاكمة بتقويض استقلال القضاء والإعلام من الداخل، وبذلك، تحتل ألمانيا موقعاً متوسطاً، فهي ليست محصنة تماماً من الضغوط القومية، لكنها ليست معرضة سريعاً للاستيلاء المؤسسي الكامل.
ويكمن العامل الحاسم في أن استقرار ألمانيا قد يعزز بفضل بيئتها الخارجية، فعندما قامت أجهزة الاستخبارات الوطنية بتصنيف أحزاب أو فصائل سياسية على أنها متطرفة، أو عندما ناقش المستشارون الدستوريون جدوى حظر حزب معين، تم ذلك في ظل سياق من الدعم الضمني من الشركاء الديمقراطيين، وقد اعتبرت الولايات المتحدة، بشكل خاص، حساسية ألمانيا تجاه التطرف أمراً مبرراً وحكيماً، نتيجة لتاريخ القرن العشرين المأساوي، وليس عيباً في النظام الديمقراطي.
حين تقوم الأجهزة الأمنية الوطنية بتدقيق أحزاب معينة في الوقت ذاته الذي تمنحها فيه قوة حليفة رئيسية شرعية خارجية، يتلاشى الوضوح الأخلاقي والسياسي، ويمتد هذا التأثير إلى أوروبا بأكملها، فتبرز توترات مماثلة في كل مكان تستند فيه الحركات القومية إلى الشرعية الدولية للتقويض من القيود المحلية، وتصبح الإجراءات التي كانت تُعتبر حماية ديمقراطية أكثر قابلية لإعادة تأطيرها كقمع أيديولوجي، ما يحد من قدرة المؤسسات على الرد الحازم.
تداعيات على الاحتواء الديمقراطي
لا تترك شرعية القوى الخارجية آثارها في نطاق محدود، بل تنتشر عبر البنى المؤسسية في أوروبا، خاصة في البلدان التي يقوم احتواؤها الديمقراطي على الأعراف غير الرسمية، ففي ألمانيا، يمتلك المكتب الفيدرالي لحماية الدستور سلطة قانونية كاملة لمراقبة الأحزاب وتصنيف الميول المتطرفة، لكن بيئة عمله العملية قد تغيرت، إذ إن القرارات التي كانت تُقيّم سابقاً عبر المنظور القانوني المحلي باتت الآن تتضمن بعداً دولياً يتعلق بالسمعة والمصداقية، حيث تواجه السلطات القضائية ضغوطاً مماثلة في فرنسا وإسبانيا وهولندا، حيث أصبحت الأحكام الصادرة ضد الأحزاب القومية تستدعي بشكل متزايد اتهامات بالتحيّز السياسي، تتسع تأثيراتها لتتجاوز الحدود الوطنية.
تظل المحاكم مُلزمة بالنصوص القانونية والمنطق الدستوري، إلا أن السياق السياسي يحتفظ بدوره البالغ الأهمية، فعندما يقدم الشركاء الخارجيون حزباً خاضعاً للمراجعة على أنه فاعل ديمقراطي مشروع، يصبح من السهل على النقاد تصوير أي عقوبة على أنها تعسفية أو ذات دوافع حزبية، ورغم أن ذلك لا يغيّر المعايير القانونية نفسها، فإنه يرفع العتبة السياسية لاتخاذ قرارات حاسمة، ويُجبر القضاة والهيئات التنظيمية على توقع ليس فقط الطعون القانونية، بل أيضاً السرديات السياسية المصاحبة، مما يقلص هامش المبادرة والقدرة على التصرف الحازم.
بالنسبة للأحزاب الرئيسة في أوروبا، سواء الاتحاد المسيحي الديمقراطي/الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الاشتراكي في ألمانيا، أو الوسطيون في فرنسا، أو الاشتراكيون والمحافظون في إسبانيا، تتبدل الحوافز بطرق مماثلة ومُقوِّضة، فالاحتواء العدواني يثير ردود فعل مضادة يُنظر إليها على أنها تحدٍ لإرادة الشعب مدعومة من الخارج، بينما يسمح الحذر بالتطبيع التدريجي عبر الجمود المؤسسي، والنتيجة ليست استسلاماً مفاجئاً، بل انجراف مؤسسي تدريجي، أي انتقال من ضبط النفس المبدئي إلى تكيّف محافظ ومراعي للمخاطر.
مع مرور الوقت، لا يؤدي هذا الوضع إلى إضعاف الحواجز الفردية فحسب، بل يضعف الأنظمة الديمقراطية نفسها التي تدعمها، فتبدو المؤسسات مترددة، ويبدو التنفيذ انتقائياً، وتُعاد صياغة اليقظة الدستورية على أنها تفضيل أيديولوجي، حيث يظل النظام الأوروبي قائماً، لكن قدرته على الدفاع الحاسم عن نفسه محدودة، ليس نتيجة هزيمة قانونية، بل نتيجة تراكم التردد على امتداد عدة سياقات وطنية.
انجراف الأحزاب الرئيسية وتقاربها
لا يعتمد استقرار الديمقراطية في أوروبا على الضمانات الدستورية أو آليات الرقابة فحسب، بل يعتمد أيضاً على سلوك واستراتيجية الأحزاب الرئيسية، التي لطالما لعبت دوراً محورياً في تحقيق الاستقرار، إلا أن صعود أحزاب مثل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) وحزب الإصلاح البريطاني (Reform UK)، وتزايد شرعيتها -المدعومة الآن بتأييد خارجي- قد أعاد تشكيل البيئة الاستراتيجية، وهذا التحول يشوه هياكل الحوافز التقليدية، ويشجع على التقارب البرامجي، وتصلب السياسات، والتآكل التدريجي للتعددية.
تُبرز سياسة الهجرة آليات تقارب السياسات بين الأحزاب، فقبل عام 2015، كانت النقاشات حول الهجرة تدور ضمن إطار ليبرالي-تقني، يركز على الالتزامات الدولية وحقوق الإنسان وقدرة المجتمعات على الاندماج، لكن السرديات اليمينية المتطرفة أعادت صياغة الموضوع حول السيادة، والبقاء الثقافي، والنظام الاجتماعي، ولتجنب فقدان الدعم الانتخابي، بدأت الأحزاب التقليدية تدريجياً بتبني عناصر من هذا الإطار، من خلال التأكيد على التحكم بالحدود، وتوقعات الاندماج الثقافي، والحجج الأمنية لتبرير سياسات التدخل.
من خلال تضييق نطاق الخطاب المشروع، تسرّع هذه الديناميكية عملية مؤسسية للاعتراف بالمطالب القومية، حتى عندما لا تصل الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى السلطة الرسمية، كما يستوعب الناخبون هذه المعايير الجديدة تدريجياً، ويتجه النقاش السياسي نحو مواقف محافظة ومترددة، ويصبح الابتكار في السياسات مقيداً بالحاجة إلى العمل ضمن حدود متزايدة الصرامة.
الآثار على الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو
تنبع التأثيرات الاستراتيجية لهذا التحول أساساً من سلوك المؤسسات أكثر من خطابها، ففي الاتحاد الأوروبي، يؤدي تمكين الأحزاب القومية إلى مزيد من استخدام الفيتو، وعرقلة الإجراءات، وعدم الامتثال الانتقائي، بدلاً من الانسحابات المفاجئة.
كما ستصبح عملية صنع القرار في المجالات التي تتطلب الإجماع، مثل العقوبات، وسياسة الهجرة، والتنسيق الأمني والدولي، أبطأ وأكثر هشاشة، إذ تميل الحكومات المتأثرة بالضغوط القومية إلى إعطاء الأولوية للإشارات الداخلية على المصالح المشتركة، ومن ثم، لن ينهار الاتحاد الأوروبي، بل سيتحول تدريجياً من نظام محكوم بالقواعد إلى ساحة تفاوض تتسم فيها الالتزامات بالتزايد في الشروط وإمكانية التراجع.

كما ستؤثر هذه الديناميكية على التوازن الداخلي للسلطة داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فمع تراجع الدعم السياسي من الدول الأعضاء، ستضعف قدرة المفوضية الأوروبية على ضمان الامتثال، وستظل الأطر القانونية قائمة، إلا أن تنفيذها سيصبح متردداً، ومتفاوتاً، ومعرّضاً للاتهامات بالتحيّز الأيديولوجي، ومع مرور الوقت، سيؤدي ذلك إلى تحفيز الانحراف الاستراتيجي، حيث قد تؤخر الحكومات تطبيق السياسات، أو تعترض على القرارات، أو تسعى للحصول على تنازلات عبر تهديدها بالعرقلة، مستندة إلى اعتقادها بأن التكلفة السياسية للإنفاذ قد ازدادت.
سيشهد حلف الناتو تعديلاً مختلفاً، لكنه ليس أقل اضطراباً، فالهياكل العسكرية ستستمر في العمل، بافتراض استمرار المشاركة الأمريكية، إلا أن التماسك السياسي سيضعف، وإذا أصبح الاصطفاف الأيديولوجي معياراً غير رسمي للموثوقية الاستراتيجية، فقد تصبح الالتزامات الأمنية مشروطة ضمنياً، وستتصاعد المناقشات حول تقاسم الأعباء، متجهة من مجرد مستويات الإنفاق نحو المسائل السياسية، ما يزيد تعقيد تخطيط القوات والمشتريات على المدى الطويل، وسيعمل الحلفاء على التحوط عبر تعزيز القدرات الوطنية أو إقامة ترتيبات ثنائية مؤقتة لمواجهة حالة عدم اليقين، ما يضعف بدوره التكامل الجماعي للحلف.
الأثر الأكثر خطورة سيكون في تآكل قابلية التنبؤ، فالقوة الردعية لحلف الناتو تقوم بدرجة أقل على التصريحات الرسمية، وبدرجة أكبر على الافتراضات المشتركة المتعلقة بالتشغيل التلقائي والثقة المتبادلة، وعندما تتفكك هذه الافتراضات، حتى في غياب تغييرات سياسية رسمية، يضعف الردع، فلا يحتاج الخصوم إلى دليل على الانقسام، إذ يستغلون الغموض، ومن هذا المنظور، لن يؤدي التمييز الأيديولوجي إلى تفكيك النظام الأطلسي، لكنه سيجعله أكثر هشاشة، وأكثر تبادلية، وأكثر عرضة للاختبار الاستراتيجي.
لن يؤدي التمييز الأيديولوجي إلى تفكيك النظام الأطلسي لكنه سيجعله أكثر هشاشة وتبادلية وعرضة للاختبار الاستراتيجي
مستقبل أوروبا: إلى أين؟
سيحدد التأثير طويل المدى لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية في عهد ترامب بدرجة أكبر كيفية تعامل الفاعلين الأوروبيين معها، وليس مجرد محتوى خطابها، وهناك عدد من السيناريوهات المحتملة التي يمكن تصورها:
السيناريو الأول: اضطراب محدود
تمتص المؤسسات الأوروبية والأحزاب التقليدية تأثير الصدمة، مع إعادة التأكيد على المعايير الديمقراطية والحفاظ على الحواجز غير الرسمية ضد الحركات المتطرفة، ويظل الانخراط الأمريكي في الغالب رمزياً، مع تأثير عملي محدود، وتكتسب الأحزاب القومية ظهوراً أكبر، لكنها لا تحكم فعلياً، وتزداد التوترات في العلاقات عبر الأطلسي، بينما يبقى التعاون المؤسسي مستقراً.
السيناريو الثاني: تطبيع تدريجي
تسهم الشرعية الأمريكية في تسريع عملية تطبيع الأحزاب القومية، وتتكيف الأحزاب التقليدية استراتيجياً، وتتغير حدود التحالفات، وتدخل المواقف التي كانت تعتبر سابقاً محرمة ضمن برامج الحكومة، حيث تستمر المؤسسات الديمقراطية في العمل، ولكن ضمن فهم محدود للتعددية السياسية، ويصبح الاتحاد الأوروبي أكثر توجهاً نحو التعاون بين الحكومات، في حين يتخذ حلف الناتو شكلاً أكثر وضوحاً من حيث الطابع التبادلي للالتزامات.
السيناريو الثالث: التفكك المؤسسي
تكتسب الحركات القومية نفوذاً حاسماً في العديد من الدول الأعضاء، ما يُضعف تماسك الاتحاد الأوروبي ويُعقّد العمل الجماعي، وتتآكل الحواجز القانونية والدستورية تحت وطأة الضغوط السياسية المستمرة، ويستمر التحالف عبر الأطلسي، لكنه يتحول تدريجياً إلى شبكة فضفاضة من الحكومات المتوافقة أيديولوجياً بدلاً من كونه كياناً قائماً على القواعد.
السيناريو الرابع: رد الفعل الديمقراطي
يثير التدخل الأيديولوجي الأمريكي الصريح مقاومة قوية، فتعيد الشعوب والمؤسسات الأوروبية تأكيد استقلاليتها، وتقوي الضمانات القانونية، وتجدد الالتزام بالمعايير الليبرالية، وتتوقف الأحزاب القومية عن التوسع أو تتجزأ، وتعاد صياغة العلاقة عبر الأطلسي لتقوم على ضبط النفس المتبادل بدلاً من التحالف الأيديولوجي.
ويعتمد السيناريو السائد على الخيارات التي تتخذ في العواصم الأوروبية بقدر ما يعتمد على واشنطن، فاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية لا تحدد النتائج، لكنها تعيد تشكيل الساحة التي تُتنازع فيها.
ومن الواضح أن عصر الحياد الأيديولوجي في العلاقات عبر الأطلسي قد انتهى، إذ تتدخل استراتيجية الأمن القومي الأمريكية في عهد ترامب في السياسة الأوروبية ليس كحكم محايد، بل كمصدر للشرعية الاستراتيجية والأيديولوجية، وستحدد تبعات هذا الاختيار مستقبل التحالف الغربي.




