قرارات هيغسيث: الخيول لا تُغير في منتصف النهر

تقرير
هيغسيث والجنرال جورج خلال مراسم عسكرية في البنتاغون(أ ف ب)
هيغسيث والجنرال جورج خلال مراسم عسكرية في البنتاغون(أ ف ب)
ﺷﺎرك

الحكمة الأمريكية القديمة المتداولة في الأوساط العسكرية، التي تقول: “الخيول لا تُغيّر في منتصف النهر”، تعكس المخاطر الناتجة عن تقديم الاعتبارات السياسية على الكفاءة العسكرية عند اختيار القادة أثناء الحروب، فالقرار الخاطئ لا يقتصر أثره على القيادة العليا، بل يمتد ليشمل جميع الصفوف، مسبباً اضطراباً يوازي أضرار بندقية أخطأت الهدف أو صاروخاً مُسيَّراً خرج عن مساره.

يوضح هذا المبدأ البسيط أن استقرار القيادة والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة في أوقات النزاع ليست ترفاً، بل شرط أساسي لنجاح العمليات العسكرية وحماية الأرواح والموارد من الأخطاء الكارثية.

لقد تجاهل وزير الدفاع بيت هيغسيث هذه الحكمة عندما أجبر الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش، على الاستقالة في خضم الحرب الدائرة في إيران، مع انتشار آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً في ساحات القتال قرب الخليج العربي، كما أقال أيضاً في اليوم نفسه الجنرال ديفيد هودن، قائد قيادة التحول والتدريب بالجيش، واللواء ويليام غرين، قائد سلاح القساوسة.

وكان هيغسيث قد أقال جورج قبل أن يوافق ترامب على هدنة لمدة أسبوعين مع إيران، غير أن خرق تقليد دعم القادة أثناء زمن الحرب كان لا يقل خطورة عن القرار نفسه، ولم يقدّم تفسيرًا جوهريًا لإقالة جورج، وهو محارب مخضرم يحظى باحترام واسع، ولا لإقالة الآخرين ضمن حملة ما يعرف خلال ما يُعرف بـ “التطهير البنتاغوني” المستمرة منذ عدة أشهر.

وبالفعل عرقل هيغسيث أيضًا ترقية أربعة عقداء إلى رتبة عميد، بدعوى ارتباطهم بسياسات الوعي الاجتماعي “ووك”، التي تأخذ بعين الاعتبار العرق والجنس عند تقييم المرشحين للترقية، ومن بين هؤلاء اثنان من السود، وامرأتان.

تغييرات قيادية غامضة

لم يقدّم مسؤولو البنتاغون سوى القليل من التوضيح عندما سألهم الصحفيون عن هذه الإجراءات، وخصوصاً إقالة الجنرال جورج، واكتفوا بالتصريحات الرسمية التقليدية التي غالباً ما تصاحب الإقالات القسرية، ومع ذلك، انتفدت مصادر من داخل البنتاغون، المعاملة التي وُجّهت لضابط بمستوى جورج، بأن هيغستث أراد شخصاً في هذا المنصب قادراً على تنفيذ الرؤية الشهيرة لـ “ترامب وهيغسيث” المناهضة لسياسات “ووك” داخل الجيش.

لكن كان لدى الجنرال جورج عقبة أخرى في نظر المسؤولين، إذ شغل منصب المساعد العسكري الأول للجنرال السابق لويد أوستن، وزير الدفاع في إدارة بايدن، الذي كان هدفاً متكرراً لهجمات الرئيس ترامب، أي بعبارة أخرى، كانت الإقالات مرتبطة أكثر بالاعتبارات السياسية منها بالخبرة أو الأداء في ميادين القتال.

لا يوجد خلاف تقريباً على أن الترقيات العسكرية يجب أن تُمنح على أساس الجدارة والكفاءة والأداء، لكن السؤال المطروح هو: هل يُطبق هذا المعيار بشكل متسق، أم يُستغل انتقائياً لتبرير قرارات متأثرة بالاعتبارات السياسية؟.

عندما يتم استبعاد الضباط بناءً على الانطباعات حول مواءمتهم لقضايا معينة يتحول المعيار المعلن للكفاءة إلى شعار أكثر من كونه مبدأً متبعاً

وعلى امتداد معظم النزاعات العسكرية في تاريخ الولايات المتحدة، حافظت البلاد على التزام مبدئي، وإن كان أحياناً هشاً، تجاه جيش يبتعد عن السياسة بقدر ما يبتعد الجنود عن الاستسلام، حيث لا يُعد هذا الالتزام مطلقاً؛ إذ يقوم الرؤساء بتعيين كبار القادة العسكريين الذين يتقاسمون رؤيتهم للدفاع عن الوطن، ويحتفظ القائد الأعلى للجيش بالسلطة لإقالة من يخرج عن هذه الرؤية أو يثبت ضعفاً في القتال، فالمخاطر الناتجة عن الفشل عالية جداً.

كبار المسؤولين خلال خطاب ترامب إلى الأمة بشأن الحرب في إيران (أ ف ب)

ومع ذلك، نادراً ما يقوم الرؤساء أو وزراء الدفاع بتغيير القادة الكبار أثناء النزاعات النشطة، إذ قد يفسّر الخصوم أي تغيير مفاجئ على أنه علامة على عدم الاستقرار أو فرصة لاستغلال الوضع.

إقالة بسبب العصيان

هناك بعض الاستثناءات للقاعدة التي تمنع تغييرات القيادة أثناء القتال، فعندما شعر الرئيس ليندون جونسون بالإحباط بسبب عدم إحراز تقدم في حرب فيتنام، قرر تغيير الجنرال ويليام ويستمورلاند، قائد القوات الأمريكية هناك، فمن الجانب التقني لم يقم جونسون بإقالة ويستمورلاند، بل نقله من منصبه عبر ترقيته إلى رئيس هيئة أركان الجيش وتعيين الجنرال كريغتون أبرامز قائداً للقوات في فيتنام.

كما تم استبدال القادة في الحرب العالمية الثانية، وغيّر الرئيس أبراهام لنكولن الجنرالات عدة مرات خلال الحرب الأهلية الأمريكية، لكن أقرب مقارنة لمعاملة الجنرال جورج هي إقالة الرئيس هاري ترومان للجنرال دوغلاس ماك آرثر في أبريل 1951.

رغم أن الرئيس هاري ترومان أقال الجنرال دوغلاس ماك آرثر أثناء حرب كوريا، إلا أن الظروف كانت مختلفة بشكل كبير، فإقالة ماك آرثر، كانت الحالة الوحيدة في التاريخ الأمريكي التي تُعدّ عصياناً عسكرياً من قبل قائد أثناء الحرب.

وكذلك، رغم أمر الرئيس ترومان باتباع استراتيجية حرب محدودة في كوريا، تحدى الجنرال ماك آرثر علناً خطة الإدارة الحربية، ودعا إلى توسيع الحرب لتشمل الصين عبر عبور نهر يالو.

في الواقع، لم يقم ترومان بإقالة ماك آرثر لفرض الولاء السياسي على الجيش؛ بل أقاله لإظهار العالم أن القيادة المدنية في أمريكا هي من تحدد السياسة العسكرية، والجنرالات ينفذونها، فقد أزال ترومان جنرالاً بدأ يتصرف كفاعل سياسي.

وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن هيغسيث يقوم بإزالة الجنرالات لأنهم لا يتماشون مع إطار سياسي محدد.

أُقيل جورج مع تصعيد ترامب للحرب  

حذّر والتر ليبمان، الكاتب والمعلق البارز آنذاك، من تسييس الجيش، واصفاً ذلك بأنه  “بداية لأمر غير مقبول في أي جمهورية، ألا وهو انقسام داخل القوات المسلحة بين جنرالات الحزب الديمقراطي والجمهوري”، وتشير تحركات هيغسيث إلى وجود توجه نحو هذا المناخ الذي كان ليبمان يخشاه.

فقد أجبر وزير الدفاع هيغسيث الجنرال جورج على الرحيل بعد يوم واحد من إعلان الرئيس ترامب للأمريكيين أن الولايات المتحدة ستكثّف الحرب بضربات جوية على إيران، رغم أن ترامب كان قد ألمح سابقاً إلى أن الصراع سينتهي خلال أسابيع، ومع وجود هدنة هشة لمدة أسبوعين الآن، تتجه الأنظار نحو البيت الأبيض والقادة الإيرانيين لمعرفة ما إذا كانت ستصمد.

لكن الأحاديث المتداولة في البنتاغون حول إقالة الجنرال جورج، الحليف السابق لوزير الجيش دانيال بي. دريسكول والذي اختلف معه هيغستث أيضاً، كانت تتردد منذ أسابيع، حيث أشارت تقارير إخبارية إلى أن هيغستث اتصل بجورج وطلب منه التقاعد نحو الساعة الرابعة مساءً، وهو الوقت نفسه تقريباً الذي تسربت فيه القصة إلى وسائل الإعلام.

وحتى في واشنطن، حيث تُعدّ تسريبات الأخبار الحساسة ممارسة معروفة، نادرًا ما يُعزل الجنرالات بهذه الطريقة، وسط ما يشبه كمينًا إعلاميًا. فقد علم كثيرون داخل البنتاغون بإقالة قائدهم عبر التقارير الإخبارية بدلًا من بيان رسمي، وهو ما يبعث برسالة سلبية داخل المؤسسة.

وإلى جانب الإحراج الشخصي غير المبرر لرجل كرّس حياته لخدمة بلاده، تكشف هذه الحادثة جانبًا من كيفية اتخاذ القرارات وآليات إيصالها داخل البنتاغون في عهد هيغسيث.

جورج جزء من تغيير أوسع  

منذ أن اختار ترامب هيغسيث لقيادة وزارة الدفاع، تحرك الأخير بسرعة لإحداث إصلاح شامل، فالترقيات والتنزيلات أمر روتيني في الجيش، لكن المعاملة الصادمة لضابط بمكانة الجنرال جورج تشير إلى غياب عملية اتخاذ قرار مدروسة ومستندة إلى المؤسسة.

وهذا ليس ما يُتوقع من وكالة حكومية قوية مسؤولة عن إدارة حرب جوية، في ظل اضطراب بحري محتمل حول مضيق هرمز، ونشر قوات برية نخبوية في الشرق الأوسط، حيث قال أحد مسؤولي البنتاغون لشبكة “سي ان ان”: “لا تبدو كقرار مدروس جيداً”، وهي ملاحظة استثنائية من داخل وزارة الدفاع عن إقالة أعلى ضابط في الجيش أثناء الحرب.

المعاملة الصادمة لضابط بمكانة الجنرال جورج تشير إلى غياب عملية اتخاذ قرار مدروسة مستندة إلى المؤسسية

كما لا تُعد إقالة جورج حادثة منفردة؛ فقد أزاح هيغسيث حتى الآن أكثر من 12 قائداً عسكرياً كبيراً عبر قيادات عدة للجيش، بمن فيهم  رئيسة العمليات البحرية، الأدميرال ليزا فرانشتي، أول امرأة تشغل هذا المنصب؛ والجنرال تشارلز كيو براون الابن، ثاني أفريقي أمريكي يرأس هيئة الأركان المشتركة؛ والجنرال جيمس سلايف، نائب رئيس هيئة أركان القوات الجوية.

وقد أدى غياب الشفافية في قرارات هيغسيث إلى خلق أجواء تزدهر فيها التكهنات والشائعات، كما أقال هيغسيث اللواء طيار جيفري كروز، رئيس وكالة استخبارات الدفاع، وهي الهيئة الداخلية التابعة للبنتاغون والمقابلة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، حيث أشار المطلعون في البنتاغون إلى توقيت الإقالة بالقول:  “تمّ إقالة كروز بعد أن أظهرت الوكالة التي كان يقودها أن الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر في يونيو 2025 كانت أقل فعالية مما ادّعى ترامب علناً”.

تتمثل مهمة وكالة استخبارات الدفاع في تقديم تقييمات دقيقة للعمليات العسكرية، حتى عندما تكون هذه التقييمات حساسة سياسياً، لكن إقالة رئيسها بعد صدور تقييمات غير مريحة سياسياً يبعث برسالة واضحة إلى كل محلل استخباراتي وكل ضابط مفادها: أن تقديم تقارير صادقة مستندة إلى الخبرة قد لا يكون خياراً ذكياً لمسارهم المهني.

كما تُعد السيطرة المدنية على الجيش مبدأً راسخاً في الديمقراطية الأمريكية، فالرئيس، بصفته القائد الأعلى، ووزير الدفاع يتمتعان بسلطة لا يُمكن المساس بها لإقالة الضباط العسكريين وفق إرادتهما، إلا أن هذه السلطة عادةً ما تخضع لبروتوكولات تهدف لتقليل الأضرار والحفاظ على استقرار المؤسسة.

بايدن يُرقّي جورج

ليس لزاماً على الجنرالات الاتفاق مع القادة المدنيين، فالكثير في الواقع غير ذلك، بيد أن ثمة مبدأً عسكرياً جوهرياً يقضي بوجوب امتثال الجميع من الجنود إلى الجنرالات للأوامر ضمن تسلسل قيادي واضح.

بموجب النظام الأمريكي، يتبع الجيش السياسات والأجندات الصادرة عن الحكومة المدنية المسؤولة أمام المواطنين الأمريكيين، ورغم الهرمية الصارمة، إلا أن الضباط ملزمون بتقديم تقييمات مهنية صريحة لرؤسائهم، حتى عندما تكون تلك الآراء غير مرغوب فيها، فالجنرال الذي لا ينقل للقادة المدنيين إلا ما يودون سماعه لا يُعد ذخراً، بل عبئاً عليه.

الضباط ملزمون بتقديم تقييمات مهنية صريحة لرؤسائهم حتى عندما تكون تلك الآراء غير مرغوب فيها

تولى الجنرال جورج رئاسة الأركان في عام 2023 خلال عهد بايدن، وكان من المقرر أن يستمر حتى عام 2027 متمّماً ولاية قياسية تمتد لأربع سنوات، حيث يُعد جورج ضابط مشاة متمرساً في المعارك، إذ خاض جولات قتالية عدة في العراق وأفغانستان.

كما عمل جورج عن كثب مع سكرتير الجيش “دريسكول”، للضغط على شركات الدفاع من أجل تسريع تطوير الأسلحة وخفض التكاليف، ولا يوجد في سجله ما يشير إلى أي إخفاق عملياتي؛ ومع ذلك، دخل الجنرال مؤخراً في صدام مع هيغسيث حول قائمة المرشحين للترقية إلى رتبة عميد.

أبدى هيغسيث الذي كان قائد فصيل في العراق وترقى إلى رتبة رائد خلال مسيرة عسكرية قصيرة عداء شديداً لما يصفه هو وحلفاؤه في حركة “ماغا” بسياسات الوعي الاجتماعي “واوك”.

وبموجب أجندته، يرى ضرورة ألا يدخل العرق أو الجنس ضمن معايير قرارات الترقية، على الرغم من أن 43% من قوام القوات المسلحة البالغ عددهم 1.3 مليون جندي هم من “الملونين”، ويتمسك هيغسيث بأن الترقية المهنية يجب أن تستند حصراً إلى الكفاءة الفردية والأداء المثبت، لا سيما في المناصب القيادية العليا، التي يشغلها حالياً بشكل أساسي الرجال البيض.

هيغسيث يرفض طلب جورج  

رغم أن معظم المرشحين البالغ عددهم 30 في قائمة الترقيات كانوا من الرجال البيض، وتم تزكيتهم من قِبَل نظرائهم، إلا أن القائمة تضمنت مرشحَيْن من ذوي البشرة السمراء وامرأتين، حيث أشار تقرير لصحيفة نيويورك تايمز إلى أن وزير الدفاع ضغط على كبار القادة في البنتاغون، بمن فيهم سكرتير الجيش دريسكول، لاستبعاد هذه الأسماء، بيد أن الأخير الذي عمل عن كثب مع الجنرال جورج، رفض ذلك مستشهداً بسجلات خدمتهم المثالية الممتدة لعقود.

وفي نهاية المطاف، شطب هيغسيث الأسماء الأربعة من القائمة، رغم عدم وضوح ما إذا كان يمتلك الصلاحية، وذلك قبل طلب الجنرال جورج عقد اجتماع لمناقشة الأمر الذي رفضه هيغسيث، ليعلن لاحقاً أن قائمته المفضلة قد نالت موافقة الرئيس ترامب.

اختيار بديل الجنرال جورج أثار جملة تساؤلات؛ إذ تولى الجنرال كريس لانييف، بصفته نائباً لرئيس الأركان، المنصب بصفة مؤقتة ولكي يتم تثبيته بشكل دائم، يتعين عليه الحصول على موافقة مجلس الشيوخ، لا سيما وأن مرشحين آخرين لا يزالون قيد الدراسة.

لانييف، وهو ضابط حائز على أوسمة رفيعة، لفت أنظار ترامب حينما سجل مقطع فيديو سياسياً أثناء قيادته للجيش الثامن في كوريا، هنأ فيه الرئيس بفوزه في الانتخابات، وخلال الأربعة عشر شهراً التالية، تدرج الجنرال لانييف سريعاً في المناصب العليا؛ حيث عمل مساعداً عسكرياً رفيعاً لهيغسيث، ثم نائباً لرئيس الأركان، وصولاً إلى منصبه الحالي رئيس الأركان بالإنابة.

دان كاين خلال إحاطة بحضور ترامب حول عملية إنقاذ طيار في إيران (أ ف ب)
إقالة جورج تثير تساؤلات أعمق

لا تقتصر تداعيات حقبة هيغسيث الاستراتيجية في البنتاغون على الديناميكيات الداخلية للجيش فحسب، بل تتعداها إلى ما هو أبعد، حيث تحوم شكوك على تحالفات أمريكا، فمع تزايد قلق الشركاء إزاء عدم الاستقرار السياسي والعسكري داخل دولة ضامنة للأمن القومي، فعندما تُقيّم دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية مدى موثوقية التزامات الولايات المتحدة الدفاعية، فإنها لا تكتفي بحصر عدد حاملات الطائرات، بل تُقيّم أيضاً كفاءة واستقرار المؤسسات الداعمة لها.

وعلى النقيض من ذلك، يراقب الخصوم الوضع عن كثب، فبينما تُقيّم إيران مدى عزم الولايات المتحدة خلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت أسبوعين، أو تحسب الصين خطواتها التالية في المحيط الهادئ، سيدقق كلاهما في هذا الاضطراب في القيادة العسكرية بحثاً عن معلومات استخباراتية قيّمة، وقد يُفسّران عملية التطهير على أنها عدم استقرار أو ضعف أو دليل على خلل سياسي، وكل ذلك لا يُعزز الردع الأمريكي.

تثير هذه الحادثة أيضاً تساؤلات طويلة الأمد: ما نوع الجيش الذي تريده الولايات المتحدة؟ فمنذ الحرب العالمية الثانية، حافظت القوات المسلحة على قوة مهنية غير سياسية تتعهد بحماية القيم الدستورية وتقديم المشورة الصريحة للقائد الأعلى، بيد أن هذا النموذج يتعرض الآن لضغوط من جيش يبدو أنه يختار قياداته العليا بناءً على توجهاته الأيديولوجية بدلاً من خبرته المهنية.

يثير هذا الوضع تساؤلات طويلة الأمد: أي نوع من الجيش تريده الولايات المتحدة؟

الثقافة العسكرية    

عندما أقال ترومان الجنرال ماك آرثر، حذّر هارولد إيكس، المسؤول السابق في عهد روزفلت والذي أصبح لاحقاً كاتب عمود، من أن خضوع سلطة الرئيس لجنرال ما قد يرسّخ سابقة خطيرة قد تتطور إلى قوة عسكرية غير منضبطة لا يمكن السيطرة عليها، حيث قاد قرار ترومان مبدأ ثابت وليس مجرد تفضيل شخصي، وهو ما حافظ على مدنية القرار العسكري، بيد أن هذا المنطق لا يبدو سائداً في بنتاغون هيغسيث.

لقد صمدت المؤسسة العسكرية سابقاً أمام أزمات سياسية معقّدة، بفضل مرونة متجذّرة في ثقافة مهنية عميقة وذاكرة مؤسسية طويلة، غير أن هذه الثقافة ليست منيعة، وللحفاظ عليها، يجب أن يؤمن من يخدمون من الجنود إلى الجنرالات بأن الرتب والترقيات تُكتسب عبر الأداء.

كما ينبغي على القادة السياسيين أن يثمّنوا المشورة الصريحة على حساب التوافق السهل. ومع وجود نحو 450  ألف جندي في الخدمة الفعلية، يُرسل آلاف منهم الآن حالياً إلى ساحات القتال، فإن السؤال الراهن حول ما إذا كان اختيار القادة يتم بناءً على كفاءتهم أم ولائهم السياسي ليس مجرد مسألة نظرية، بل هو أمر حاسم وملموس، وإنه نوع من الأسئلة الذي تُكتب إجابته، في زمن الحرب، بالدماء.

James O’Shea- Eagle Intelligence Reports
جيمس أوشيا

جيمس أوشيا، صحفي ومؤلف أمريكي حائز على عدة جوائز، وشغل سابقاً منصب رئيس التحرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز، ومدير التحرير لصحيفة شيكاغو تريبيون، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN). وهو مؤلف لثلاثة كتب، من بينها "الصفقة من الجحيم". يحمل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة ميسوري.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.