لا تعاني الولايات المتحدة من نقص في القوة، بل من عجز متنامٍ عن تحويل تفوقها العسكري إلى مصداقية مستدامة عبر جبهات متعددة في آن واحد، حيث أصبحت الفجوة بين القدرة على تنفيذ الضربات والقدرة على تحقيق النتائج السياسية هيكلية، تتضح أكثر كلما تعرضت الالتزامات الأمريكية لضغوط مستمرة.
اليوم، تُجسّد إيران وأوكرانيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ هذا القيد بطرق مختلفة؛ ففي الشرق الأوسط، يتمثل التساؤل في مدى إمكانية تحقيق نجاح عسكري يؤدي إلى استقرار سياسي، أما في أوكرانيا، فيتمحور حول إمكانية استدامة الدعم طويل الأمد في غياب هدف نهائي واضح، وفي شرق آسيا، يكمن في مدى مصداقية الردع في ظلّ استنزاف النفوذ الأمريكي في مناطق أخرى، حيث تشكّل هذه الجبهات اختباراً لمدى تماسك الاستراتيجية الأمريكية.
ولكن، لا تقوم المصداقية على القوة وحدها، بل تعتمد على القدرة على ربط الفعل بنتيجة سياسية مستدامة، وتحمل كلفة الالتزامات، ورسم حدود واضحة قبل أن يتحوّل التصعيد إلى تجاوز مفرط، حيث يُعدّ تقاسم الأعباء والضغط عبر الساحات المختلفة من القيود الأساسية في هذا الإطار.
لا تقوم المصداقية على القوة وحدها، بل تعتمد على القدرة على ربط الفعل بنتيجة سياسية مستدامة
يجب على الولايات المتحدة أن تبقى قادرة على التحرك بحسم، لكنها لا تستطيع الحفاظ على التزامات مفتوحة بلا أفق محدد في جميع الجبهات دون أن تُضعف المصداقية نفسها التي تسعى إلى ترسيخها، وتشكّل هذه المعضلة الجوهرية محور الوضع الاستراتيجي الأمريكي الراهن.
البحث عن حل سياسي في إيران
تكشف حالة إيران، بوضوح أكبر، حدود التفوق العسكري عندما لا يكون مصحوباً باستراتيجية سياسية قابلة للتطبيق، فحتى حملة ضربات ناجحة تستهدف المنشآت النووية أو مراكز القيادة أو البنية التحتية الصاروخية لن تكون كافية بحد ذاتها لحل المشكلة الأساسية أو لضمان تحقيق نتيجة استراتيجية مستقرة.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة، إذ تحتفظ طهران بأدوات عدة للرد غير المتكافئ يصعب كبحها عبر القوة الجوية وحدها فقدرتها على تهديد حركة الملاحة البحرية، ورفع تكاليف التأمين والنقل، وتفعيل الوكلاء الإقليميين، وفرض حالة من عدم الاستقرار المستمر في منطقة الخليج، تعني أن المكاسب التكتيكية يمكن أن تتلاشى سريعاً بفعل احتكاك استراتيجي أوسع.
يُعدّ مضيق هرمز أبرز نقاط الضغط، أما المشكلة الأوسع، فهي أن إيران لا تحتاج إلى الانتصار في مواجهة تقليدية لفرض تكاليف على خصومها، بل يكفيها أن تُبقي المنطقة في حالة من عدم الاستقرار بما يكفي لحرمان الولايات المتحدة من تحقيق نتيجة قابلة للتحويل سياسياً.
ولهذا، فإن الخطر الحقيقي على المصداقية في حالة إيران لا يكمن في ضبط النفس، بل في تفعيل الوكلاء الإقليميين، فالولايات المتحدة، التي تستطيع تدمير الأهداف لكنها تعجز عن تحقيق الاستقرار في البيئة السياسية والاستراتيجية التي تلي ذلك، لا تُظهر سيطرة حقيقية وعلى العكس، فإن تكرار العمل العسكري من دون تحقيق نتيجة سياسية مستدامة ينطوي على خطر تعزيز الانطباع بأن واشنطن غير قادرة استراتيجياً على ترجمة قوتها العسكرية إلى نظام مستقر لما بعد الحرب.

الحرب في أوكرانيا
وعلى النقيض من ذلك، تكشف أوكرانيا عن مشكلة هيكلية مماثلة تتعلق بما إذا كان يمكن ترجمة الالتزام طويل الأمد إلى نتيجة سياسية نهائية ذات مصداقية، حيث أظهرت الولايات المتحدة قدرتها على حشد دعم واسع النطاق والحفاظ عليه مع مرور الوقت، مالياً وعسكرياً ومؤسساتياً، لكن دون حسم، ما ييثير السؤال الأصعب: دعم أي نتيجة، وتحت أي شروط، وفي أي إطار زمني؟.
الآن، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب، لم تتبلور بعد نظرية مقنعة لإنهائها، حيث ساعدت واشنطن أوكرانيا على تجنب الهزيمة، واستعادة المبادرة في لحظات حاسمة، ورفعت تكاليف العدوان الروسي، غير أن منع الانهيار ليس هو نفسه تحديد تسوية دائمة، إذ أصبحت الفجوة بين القدرة على الحفاظ على المقاومة وبلورة نهاية ممكنة تشكل ضعفاً مركزياً في الاستراتيجية الغربية.
أما بالنسبة للحلفاء الأوروبيين، فإن هذا يخلق حالة من عدم اليقين المزدوج؛ فهم يواصلون الاعتماد على القوة الأمريكية، لكن لا يمكنهم التأكد من مدة استمرارها، أو مستوى الدعم، أو الهدف السياسي الذي تسعى واشنطن لتحقيقه، حيث يزيد هذا الوضع من صعوبة التخطيط الأوروبي ويضعف الردع، إذ يجعل الدعم الأمريكي يبدو مشروطاً، وتفاعلياً، وقابلاً للتراجع سياسياً.
وعلى النقيض من ذلك، يمثل هذا الغموض فرصة لموسكو، فالكرملين لا يحتاج إلى نصر حاسم في ساحة المعركة لإعلان تفوقه الاستراتيجي، بل يكفيه الصمود أمام تحالف تتجاوز مساعداته العسكرية ما يحدده سياسياً كنجاح، وبناءً على هذا المنطق، يصبح الوقت نفسه سلاحاً؛ فالاستنزاف ليس مجرد أسلوب عسكري، بل استراتيجية سياسية تهدف إلى استنفاد صبر الغرب، واختبار تماسك الحلفاء، واستغلال حالة عدم اليقين التي تعجز عنها الهجمات الروسية.
ولهذا السبب، تتآكل المصداقية في أوكرانيا نتيجة حالة عدم اليقين، فحتى الدعم الحقيقي، المكلف، والهام عملياً قد يفقد أثره الاستراتيجي إذا ظل أفقه السياسي غير واضح، وهذا بالضبط ما يُرجح أن يفسره خصم استنزافي مثل روسيا على أنه فرصة استراتيجية.
تتآكل المصداقية في أوكرانيا نتيجة حالة عدم اليقين فحتى الدعم الحقيقي المكلف والهام عملياً قد يفقد أثره الاستراتيجي إذا ظل أفقه السياسي غير واضح
منطقة المحيطين الهندي والهادئ
تمثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ الساحة التي تتقاطع فيها الضغوط المرئية في إيران وأوكرانيا، لتشكل اختباراً أوسع للاستراتيجية الأمريكية، ففي شرق آسيا، لا يقوم الردع على تفوق القوات العسكرية وحده، بل يستند إلى الاعتقاد بأن واشنطن قادرة على التحرك بانضباط استراتيجي عبر عدة ساحات في الوقت نفسه، مميزة بين الأولويات الأساسية والثانوية، محددة للحدود قبل تصاعد الأزمات بشكل غير قابل للسيطرة، وقادرة على الحفاظ على الالتزامات دون أن يبدو الأمر امتداداً سياسيًا مفرطاً.
ولهذا، تكتسب إيران وأوكرانيا أهمية تتجاوز جغرافيتهما المباشرة، إذ يُنظر إليهما في أنحاء آسيا كمؤشرات على كيفية إدارة واشنطن للضغط والمخاطر وتسلسل الإجراءات الاستراتيجية، ففي تايبيه وطوكيو وسيؤول، لا يقتصر السؤال على ما إذا كانت الولايات المتحدة تحتفظ بالقوة الساحقة فحسب، بل على ما إذا كانت هذه القوة متجذرة في منطق استراتيجي واضح يمكن التعرف عليه.
وهذا يشير إلى أنه إذا بدا سلوك الولايات المتحدة منسقاً ومنضبطاً، فإن الردع في شرق آسيا يُعزز حتى قبل اندلاع أي أزمة، أما إذا أشارت الأوضاع في إيران إلى عمل دون تحويل سياسي، والحرب في أوكرانيا إلى التزام دون تحديد نهاية واضحة، فإن التأثير يكون أكبر من كل حالة على حدة، حيث لم تعد المشكلة محصورة في حرب واحدة أو منطقة واحدة، بل تصبح مسألة تتعلق بموثوقية الحكم الاستراتيجي الأمريكي نفسه.
أما في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، فإن هذا التمييز بالغ الأهمية للردع، فحلفاء شرق آسيا لا يقيمون القوة الأمريكية بمجرد حصر السفن والصواريخ والقواعد، بل يقيمون قدرة واشنطن على تحديد الأولويات، وممارسة ضبط النفس، وتنفيذ السياسات تحت ضغط متزامن، فإذا ترسخ الانطباع بأن التحركات الأمريكية في مختلف الساحات رد فعلية، أو غير منسقة، أو مفتوحة سياسياً، يبدأ الردع بالتآكل عند المستوى الأهم، وهو ليس القدرة المادية، بل الثقة في كيفية استخدام هذه القدرة.
وبهذا المعنى، ستكون منطقة المحيطين الهندي والهادئ هي الساحة التي سيُحكم فيها في نهاية المطاف على المعنى العالمي للسلوك الأمريكي في أماكن أخرى، فالردع ضد الصين لا يعتمد فقط على ما تقوله واشنطن أو تنشره في شرق آسيا، بل على ما يُوحي به سلوكها في إيران وأوكرانيا بشأن قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار استراتيجي دائم، وإذا بدا هذا النمط الأوسع غير مستقر، فلن يُعوّض حتى التفوق العسكري الساحق بشكل كامل.
منطقة المحيطين الهندي والهادئ ستكون الساحة التي سيُحكم فيها على المعنى العالمي للسلوك الأمريكي في أماكن أخرى
ردود فعل الحلفاء والخصوم
تستخلص الأطراف الفاعلة استنتاجات متنوعة من نفس نمط السلوك الأمريكي، لكنهم جميعاً يركزون على المتغير الأساسي نفسه: ما إذا كانت القوة الأمريكية تعمل ضمن منطق متماسك، ففي أوروبا، يتمثل السؤال المركزي فيما إذا كانت الالتزامات الأمريكية تظل مستقرة سياسياً بما يكفي لدعم التخطيط الأمني طويل الأمد، والنتيجة هي البحث التدريجي عن خيارات تحوطية، وزيادة القدرة المستقلة، ووضع ترتيبات بديلة في حال تغيّر اهتمام واشنطن أو أولوياتها أو إرادتها السياسية الداخلية.
في الشرق الأوسط، يبرز القلق بشكل مباشر وعملي، فالشركاء الإقليميون أقل اهتماماً بالنقاشات النظرية حول الاستراتيجية الكبرى، وأكثر اهتماماً بقدرة واشنطن على فرض قيود على التصعيد دون إشعال صراع أوسع قد يصعب احتواؤه.
تستخلص روسيا والصين درساً مختلفاً، فهما لا تقيسان القوة الأمريكية بالدرجة الأولى، بل تختبران ما إذا كان التدخل المتزامن في جبهات متعددة يؤدي إلى تفتيت استراتيجي بدلاً من تحقيق السيطرة الفعّالة، فبالنسبة لموسكو، يعني هذا اختبار إمكانية إضعاف الوحدة الغربية من خلال الاستنزاف والتأخير والإرهاق السياسي، أما بالنسبة لبكين، فيعني مراقبة ما إذا كانت التزامات الولايات المتحدة في أماكن أخرى تقلل من قدرة واشنطن على تحديد الأولويات، وترتيب العمليات، والحفاظ على استدامة الردع في شرق آسيا.
كم ويتمحور القلق في الشرق الأوسط أيضاً حول الجوانب الفورية والعملياتية أكثر، فالشركاء الإقليميون أقل اهتماماً بالنقاشات المجردة حول الاستراتيجية الكبرى، وأكثر اهتماماً بما إذا كانت واشنطن قادرة على فرض حدود للتصعيد دون إشعال صراع أوسع قد تجد صعوبة في السيطرة عليه بعد ذلك.
عبر هؤلاء الفاعلين جميعاً، تكمن المسألة الجوهرية في التماسك: ما إذا كانت القوة الأمريكية تُوظف ضمن منطق استراتيجي واضح يمكن التعرف عليه، وما إذا كانت الالتزامات محدودة بأولويات ذات مصداقية، وما إذا كانت الأفعال في ساحة واحدة تعزز المصداقية في ساحات أخرى بدلًا من تقويضها؟.
المرونة الاستراتيجية كقوة
ومع ذلك، ثمة قراءة مضادة وجيهة للأدلة نفسها، فمن وجهة نظر واشنطن، لا يُعدّ غياب استراتيجية شاملة واحدة مُعلنة على امتداد جبهات القتال بالضرورة دليلاً على عدم التماسك، بل قد يعكس تفضيلاً مُتعمّداً للمرونة الاستراتيجية، أي القدرة على معايرة الالتزامات، وإعادة توجيه الموارد، وتعديل الأهداف السياسية تبعاً لتطور الظروف، دون التقيد بأطر جامدة.
وما يفسره المراقبون الخارجيون على أنه تشتت أو تجزئة قد يكون في الواقع موقفاً تكيفياً ملائماً لعالم تتسم فيه التهديدات بالتزامن والتغير المستمر، وتقاوم الحلول العقائدية، حيث يجادل صانعو القرار الأمريكيون بأن الحفاظ على هامش للمناورة في إيران وأوكرانيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ يمثل بحد ذاته شكلاً من أشكال الانضباط الاستراتيجي، فالمرونة، من هذا المنظور، تساعد على تجنب الالتزامات المفرطة قبل الأوان، وتحافظ على خيارات التصعيد.”
هذه الحجة قوية، لكنها تحمل أيضاً خطراً هيكلياً، فالمرونة التي لا يتم توصيلها على أنها مقصودة تصبح، في أعين الحلفاء والخصوم على حد سواء، غير قابلة للتمييز عن التردد، ولكي تكون هذه الحجة صالحة، سيتعين على الولايات المتحدة القيام بعدة أمور عجزت حتى الآن عن تنفيذها بفعالية، منها: التمييز بوضوح بين المصالح الحيوية والثانوية، وتوصيل مدى التزاماتها وحدودها، وتحديد النتائج السياسية النهائية بشكل أوضح، وتنظيم ترتيبات تقاسم الأعباء مسبقاً بدلاً من تحت ضغط الأزمات، ودون هذه الخطوات، فإن المرونة الاستراتيجية قد تتحول إلى مبرر بأثر رجعي لما هو، في الواقع، سياسة متفاعلة، وستستمر فجوة المصداقية الأمريكية في التوسع.
المرونة الاستراتيجية قد تتحول إلى مبرر بأثر رجعي لما هو في الواقع سياسة متفاعلة وستستمر فجوة المصداقية الأمريكية في التوسع
سيناريوهات مستقبلية
هناك أربعة سيناريوهات تبدو محتملة، لا يكمن التفريق بينها في القدرات العسكرية، بل في مدى وضوحها الاستراتيجي:
الأول، التماسك المنضبط:
في هذا السيناريو، توائم الولايات المتحدة قوتها العسكرية مع أهداف سياسية محددة بوضوح عبر الساحات المختلفة، فلا يؤدي العمل في ساحة واحدة إلى تقويض المصداقية في أخرى، لأن الأولويات محددة، والحدود موصولة، والتصعيد يُدار ضمن إطار يمكن التعرف عليه، حيث يتم احتواء إيران دون الانزلاق إلى حالة فوضى إقليمية مفتوحة بلا نهاية.
ويرتبط الدعم لأوكرانيا بهدف نهائي أكثر وضوحاً، ويستفيد الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من الانطباع بأن واشنطن لا تزال تعرف كيفية ترتيب استخدام القوة بدلاً من مجرد ممارستها، وفي ظل هذه الظروف، تتعزز المصداقية الأمريكية، إذ يرى الحلفاء والخصوم على حد سواء أن القوة الأمريكية لا تزال متجذرة في الانضباط الاستراتيجي بدلاً من النشاط التفاعلي.
يمثل هذا السيناريو النتيجة المثالية، لكنه الأقل احتمالاً، إذ يتطلب مستوى من التنسيق الاستراتيجي عبر الساحات لم تظهره واشنطن مؤخراً، وتكمن قيمته ليس في احتماليته، بل في المعيار الذي يقدمه، فهو يحدد كيف ستبدو الاستراتيجية الكبرى الأمريكية الفعّالة إذا كانت الإرادة السياسية، والقدرة المؤسسية، وتنسيق الحلفاء جميعها تعمل على أعلى مستوى لها.

الثاني، الكفاءة التكتيكية دون التكامل:
هذا هو المسار الأقرب للحدوث على المدى القريب، حيث تواصل الولايات المتحدة العمل بفعالية داخل الجبهات الفردية، من خلال الضرب عند الضرورة، ودعم الشركاء على نطاق واسع، والحفاظ على مواقف ردع في آسيا، ومع ذلك، تظل هذه الإجراءات غير متكاملة بشكل كافٍ ضمن منطق استراتيجي موحد.
والنتيجة ليست الفشل، بل الغموض التراكمي، حيث تبدو واشنطن قادرة، لكنها ليست دائمًا موجهة سياسيًا بوضوح، ولا تزال قادرة على إدارة الأزمات، لكنها تواجه صعوبة في تحويل الجهود المنفصلة إلى نظام متماسك.
وفي مثل هذا السيناريو، لا تنهار المصداقية، لكنها أيضاً لا تتعزز، فتظل قوتها غير متكافئة: فهي ثابتة في المجال العسكري المحدود، لكنها تصبح أكثر ضعفاً في الساحة السياسية الأوسع، حيث يظل الشركاء معتمدين على واشنطن، لكن القلق بشأن قدرتها على الاستمرار يتزايد، فيما يظل المنافسون حذرين، دون أن يمتنعوا عن اختبار نقاط الضعف بالكامل.
يتوافق هذا السيناريو أكثر مع الاتجاهات الحالية، ولذلك يُعدّ الأساس الأكثر فائدة للتخطيط، ففيه لا تُفقد المصداقية بشكل حاسم، ولا تُستعاد بقوة، والنتيجة هي فترة مطوّلة يلتجئ فيها الحلفاء إلى التحوط، ويختبر فيها الخصوم نقاط الضعف، وتصبح النفوذ الأمريكي أكثر عرضة للنقاش والمنافسة، حتى مع استمرار الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة.
الثالث، التآكل التدريجي:
في هذا السيناريو، يستغل خصوم الولايات المتحدة بشكل متزايد طبيعة التزامن نفسه كسلاح استراتيجي، فالمشكلة ليست أن تصبح الولايات المتحدة ضعيفة فجأة، بل أن التدخل المستمر عبر ساحات عدة يؤدي إلى الإرهاق السياسي، والضغط المالي، والاحتكاك بين الحلفاء، وتراجع وضوح الهدف.
تستمر روسيا في المراهنة على الصمود بدل الهزيمة، وتختبر الصين حدود القدرة الأمريكية على إدارة الأولويات، فيما تستهلك الأزمات الإقليمية في الشرق الأوسط الانتباه دون تحقيق حل دائم، حيث يصبح تراكم هذه العوامل ضاراً، إذ تتجاوز التكاليف السياسية الفوائد، ويبدأ الإرهاق الاستراتيجي في التأثير على القرارات، وتتآكل المصداقية ليس بسبب فشل واحد، بل نتيجة التعرض المتكرر دون تحقيق نتيجة حاسمة.
وفي هذا السيناريو، تظل القوة الأمريكية قوية، لكنها تصبح أقل قدرة على طمأنة الحلفاء، واحتواء الخصوم، وإدارة التوقعات عبر المناطق المختلفة.
يكمن الخطر في طبيعته التدريجية: فلا يوجد لحظة واحدة يصبح فيها التآكل واضحاً بشكل لا لبس فيه، ما يصعّب على صانعي القرار إدراك الاتجاه أو عكسه في الوقت المناسب، حيث يُعد هذا السيناريو الأكثر ملاءمة للخصوم الذين يتبعون استراتيجيات استنزاف، إذ يكافئ الصبر ويعاقب النوع من الالتزام المستمر والمكلف سياسياً الذي تجد التحالفات الديمقراطية أصعب ما تحافظ عليه.
الرابع، الانسحاب المُدبر:
لا يعني هذا السيناريو بالضرورة التراجع بالمعنى الحرفي، بل يفترض أن واشنطن تُقلل من وجودها في جبهات قتال مُحددة، مُقدمةً هذا التخفيض كعمل مُتعمد من أعمال تحديد الأولويات الاستراتيجية، وليس كرد فعل قسري على التوسع المُفرط، إذا نُفذ هذا الانسحاب بشكل جيد، فإنه يُمكن أن يُحافظ على المصداقية من خلال إظهار الانضباط، والتسلسل الهرمي، والاستعداد للتمييز بين الالتزامات الأساسية والثانوية، أما إذا نُفذ بشكل سيئ، فسيبدو كتقليص للقدرات تحت الضغط، ويُزيد من الشكوك حول موثوقية الولايات المتحدة.
ولذلك، فإن نجاحه لا يعتمد على حقيقة تقليل الوجود بقدر ما يعتمد على المعنى السياسي المُرتبط به، فإذا اعتبر كل من الحلفاء والخصوم هذه القيود مُتعمدة، يُمكن الحفاظ على المصداقية، أما إذا فسروها على أنها رد فعل، فإن المصداقية تتآكل حتى بدون هزيمة رسمية.
هنا تبرز أهمية السيطرة على السرد أكثر من أي وقت مضى، فالفرق بين الانسحاب المدبر والأولوية الاستراتيجية يعتمد إلى حد كبير على الإطار الدبلوماسي وموافقة الحلفاء، وبالنسبة للشركاء الأوروبيين وشركاء منطقة المحيطين الهندي والهادئ، سيكون السؤال الحاسم هو ما إذا كان الانسحاب في أماكن أخرى مصحوباً بتعزيز موثوق للالتزامات المتبقية، أم أنه يشير إلى نمط أوسع من التراجع.
الخط الفاصل عبر جميع السيناريوهات الأربعة واضح: فمستقبل المصداقية الأمريكية سيتحدد أقل بوجود القوة الأمريكية، وأكثر بما إذا كانت هذه القوة تعمل ضمن منطق متماسك من الأولويات، والحدود، والتحويل السياسي.
مستقبل المصداقية الأمريكية سيتحدد أقل بوجود القوة وأكثر إذا كانت هذه القوة تعمل ضمن منطق متماسك من الأولويات والحدود والتحويل السياسي
عبر إيران وأوكرانيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، يظهر نفس النمط بوضوح، فواشنطن قادرة على التحرك وغالباً بفعالية لكن ما يظل أقل وضوحاً هو ما إذا كان بالإمكان تحويل تلك الأعمال إلى نتائج سياسية مستقرة تعزز المصداقية الاستراتيجية بدلاً من إضعافها.
في المحصلة، من غير المرجح أن تفشل القوة الأمريكية بشكل دراماتيكي في أي ساحة واحدة، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في استمرار الفعالية التكتيكية دون دمجها ضمن إطار استراتيجي متماسك، ففي هذه الحالة، لا تنهار المصداقية فجأة عند نقطة واحدة، بل تتآكل تدريجياً من خلال التناقض التراكمي، والأولويات غير الواضحة، والفجوة المتسعة بين ما تستطيع الولايات المتحدة فعله عسكرياً وما يمكنها تحويله إلى نتيجة سياسية مستدامة.



