ضغط التصعيد والمخاطر في إيران

تقرير
سحابة من الدخان عقب ضربة صاروخية في طهران (أ ف ب)
سحابة من الدخان عقب ضربة صاروخية في طهران (أ ف ب)
ﺷﺎرك

تُمثّل الضربة الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية قطيعة هيكلية في إطار الردع بين إسرائيل وإيران، فعلى مدى أكثر من عقد، جرى احتواء المواجهة جغرافياً وتخفيف حدّتها مؤسسياً عبر شبكات الوكلاء، والعمليات السرّية، والرسائل المحسوبة، بشكل حافظ على سقف التصعيد، غير أنّ الانكشاف المباشر على مستوى الدولة يضيّق هامش الردّ المنضبط.

ويكتسب التوقيت أهمية استراتيجية بالغة، إذ تتزامن الضربة مع وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، وبذلك يواجه النظام انتقالاً في القيادة في اللحظة نفسها التي تتغير فيها عتبات الردع، ما يضغط الجداول الزمنية للتصعيد، ويرفع القيمة الرمزية لأي رد، ويزيد من خطر سوء تفسير الرسائل، ومع تضاؤل هامش الزمن وانكماش حيّز الاستجابة الاستراتيجية، يزداد نفوذ الفاعلين العسكريين.

لذلك ينبغي الآن تقييم هذه المرحلة من المواجهة من خلال محركات بنيوية متداخلة، تتمثل في انهيار الردع الموزّع، وإعادة التوازن المؤسسي داخل الحرس الثوري الإيراني، وانضغاط الجداول الزمنية النووية، ومخاطر التفعيل الأفقي للوكلاء، ورسائل المصداقية الأمريكية، وهشاشة منظومة الطاقة على المستوى النظامي.

وتتفاعل هذه المتغيرات فيما بينها على نحوٍ يعزّز بعضها بعضاً، فتُنتج بيئة يطغى عليها الانضغاط الاستراتيجي أكثر ما يميّزها التدبير التدريجي للتصعيد.

الانهيار الهيكلي للشبكة الوكيلة

على مدى أكثر من عقد، دارت المنافسة بين إسرائيل وإيران ضمن نظام مُعايَر من الردع الموزّع، فقد ركّزت إسرائيل عملياتها إلى حدّ كبير خارج الأراضي الإيرانية ذات السيادة، مستهدِفةً بنى تحتية مرتبطة بالحرس الثوري في سوريا، ومعطِّلة نقل الذخائر الموجّهة بدقة إلى حزب الله، ومنفِّذةً عمليات تخريب وهجمات سيبرانية ضد منشآت نووية.

وعلى النقيض من ذلك، ردّت إيران بصورة غير مباشرة عبر بنية وكلاء متعددة الطبقات امتدت عبر لبنان والعراق وسوريا واليمن، حيث عملت هذه البنية كنظام غير رسمي لإدارة التصعيد؛ إذ امتصّ الفاعلون الوكلاء الاحتكاك العملياتي، ما أتاح للطرفين إرسال إشارات حاسمة من دون الانزلاق إلى مواجهة علنية مباشرة بين دولتين، إذ وُجدت سقوف تصعيد شفهية، لم تُقنَّن رسمياً لكنها ترسّخت بفعل التكرار، وكانت مفهومة على نطاق واسع، وبذلك جرى تمرير الردع عبر الشبكات، لا من خلال القوة السيادية المباشرة.

وهذا يشير إلى أن التحرّك الإسرائيلي المباشر ضد أصول مرتبطة بالدولة الإيرانية يُحدث تغييراً جوهرياً في هذا التوازن، فعندما تُستهدف أراض ذات سيادة أو بنى تحتية يمكن نسبتها وطنياً بشكل واضح، ينتقل التصعيد من نمط الإشارات الموزّعة إلى انكشاف مباشر على مستوى السمعة السياسية للنظام، وتصبح مصداقية الردع متمحورة حول النظام ذاته، لا حول الشبكات الوسيطة، وبالتوازي تتراجع الفائدة الاستراتيجية للغموض.

عندما تُستهدف أراض ذات سيادة أو بنى تحتية يمكن نسبتها وطنياً بشكل واضح ينتقل التصعيد من نمط الرسائل الموزّعة إلى انكشاف مباشر على مستوى السمعة  

ولكن في ظل نموذج الوكلاء، كان بإمكان طهران معايرة ردّها عبر حزب الله، أو الميليشيات العراقية، أو الانتشار في الساحة السورية، من دون التسبب في تصعيد نظاميّ فوري، أما في ظل الردع المكشوف، فإن الإخفاق في الرد بصورة متناسبة يهدّد بتآكل مصداقية النظام، ليس فقط في مواجهة إسرائيل، بل أيضاً عبر شبكة الردع الإيرانية الأوسع، التي يعتمد تماسكها على تصوّرات قوة السلطة المركزية.

وبالتالي، تقلصت مرونة التصعيد، فمع تلاشي الغموض وانضغاط نطاق الاستجابة، تتسارع دورات الرسائل الاستراتيجية؛ إذ يجب اتخاذ القرارات وتفسيرها بسرعة أكبر، ما يقلل الوقت المتاح للمعايرة ويزيد من خطر سوء فهم النوايا، وفي هذا الهيكل المكشوف، يصبح انتقال القيادة ذا أهمية جوهرية.

امرأة ترفع صورة لخامنئي خلال جنازة رمزية أقيمت في اليوم التالي لاغتياله (أ ف ب)
 انتقال القيادة وإعادة التوازن المؤسسي

يمثل رحيل علي خامنئي نهاية للسلطة المركزية المنسقة للنظام السياسي والعسكري الإيراني في وقت تشهد فيه البلاد ضغوطاً خارجية متزايدة، إذ تجاوز دوره القيادة الأيديولوجية ليكون المنسق للعقيدة النووية، وحدود التدخل الإقليمي، وسياسة الصواريخ، وسقوف التصعيد، حيث وفرت سلطته التماسك بين المؤسسات الدينية، والهيئات المنتخبة، والحرس الثوري الإيراني.

ورغم أن مجلس الخبراء يتولى رسمياً إدارة عملية الخلافة، إلا أن فترات الانتقال غالباً ما تميل إلى إعادة ترجيح موازين النفوذ لصالح المؤسسات القسرية، إذ يسيطر الحرس الثوري الإيراني على قوات الصواريخ الباليستية، ويشرف على تطوير الأسلحة الاستراتيجية، ويدير شبكات الوكلاء الإقليميين، كما يتحكّم بأصول اقتصادية كبيرة من خلال التكتلات التابعة له.

وفي ظل ظروف عدم اليقين، يكتسب الفاعلون العملياتيون نفوذاً بنيوياً أكبر من نظرائهم الدينيين، إذ يُعيد هذا الخلل في التوازن تشكيل حسابات التصعيد؛ فالحرس الثوري يسيطر على أدوات الردّ، وبالتالي يحدد خيارات الاستجابة، كما يمكن تأطير أي رد داخلياً باعتباره دفاعاً عن بقاء النظام، بما يعزز الشرعية المؤسسية خلال مرحلة الانتقال.

وفي الوقت نفسه، تكون الأنظمة الانتقالية شديدة الحساسية تجاه تصوّرات الضعف؛ ومن ثم يصبح منع تآكل السمعة أولوية استراتيجية مركزية.

تبرز هنا نزعتان استراتيجيتان متنافستان: فبينما يقتضي منطق إسقاط القوة وإظهارها تنفيذ ردّ واضح يبعث برسالة استمرارية ويُثبّت الردع ضد النزعات الانتهازية، يدفع منطق الاستقرار الداخلي نحو ضبط النفس والمعايرة الدقيقة، لتفادي أن يؤدي التصعيد إلى إرباك عملية التماسك الداخلي والمساومات بين النخب.

ويتوقف التوازن بين هذين المنطقين على سرعة إتمام الخلافة، ودرجة اصطفاف الفصائل، ومستوى تماسك النخبة؛ فانتقال سريع وغير متنازع عليه يقلل من التصورات المتعلقة بالهشاشة، بينما يؤدي انتقال مطول أو محل نزاع إلى تعميق شعور بعدم الأمان، وزيادة احتمال أن تصبح إشارات التصعيد أكثر حدة وإظهاراً للقوة.

انتقال سريع وغير متنازع عليه يقلل من التصورات المتعلقة بالهشاشة بينما يؤدي انتقال مطول أو محل نزاع إلى تعميق شعور بعدم الأمان

الجدول الزمني النووي والحوافز الوقائية

يظل الملف النووي المحرك الهيكلي الأساسي الذي يشكل منطق التدخل الوقائي الإسرائيلي، فمسار تخصيب إيران، وتوسعها في استخدام أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وتكديس مخزونات اليورانيوم المخصب، أدى إلى تقليص الفترات الزمنية المحتملة للوصول إلى القدرة النووية، وعلى الرغم من أن التحويل إلى أسلحة يتطلب خطوات تقنية إضافية تتجاوز التخصيب، إلا أن تقصير فترة الاختراق المحتملة يغير من آفاق التحذير الاستراتيجي ويزيد الإلحاح على اتخاذ إجراءات وقائية.

من منظور إسرائيل، يُعرَّف الردع ليس فقط بالنوايا المعلنة، بل بعتبات القدرات الفعلية، ومع ارتفاع مستويات التخصيب وتحسُّن كفاءة أجهزة الطرد المركزي، تضيق نافذة الفرص للإجراءات الوقائية، وبناء عليه، يصبح منطق التدخل الوقائي أكثر اعتماداً على الجدول الزمني؛ فكلما قصرت فترة الاختراق المحتملة، زاد الإلحاح الظاهر للتدخل، ويزيد انتقال القيادة من شدة هذا المنطق، إذ قد يرى المخططون الإسرائيليون خلال إعادة التوازن المؤسسي أن هناك فرصة ضيقة لتعطيل القدرات قبل أن تتماسك السلطة الجديدة.

وعلى النقيض من ذلك، قد تفسر النخب الانتقالية في طهران الضغط العسكري الخارجي كمبرر لتسريع تطوير القدرات النووية كوسيلة لبقاء النظام، حيث تُصوّر العناصر المتشددة تطوير هذه القدرات على أنه تعزيز للردع وتوطيد للسلطة الداخلية، أما الفصائل الأكثر حذراً، فقد تسعى لتجنب التصعيد النووي العلني للحد من التعرض للعقوبات والعزلة الدبلوماسية.

يكمن الخطر الهيكلي في عدم تماثل الجداول الزمنية، فقد ترى إسرائيل فترة الخلافة على أنها لحظة تستدعي اتخاذ إجراء وقائي حاسم، بينما قد يفسّر الفاعلون الإيرانيون نفس اللحظة على أنها تتطلب إظهار القدرات بشكل حازم لتجنب الانكشاف أو الشعور بالضعف، وعندما تتزامن الضرورة الوقائية مع ضرورة الحفاظ على النظام، تنضغط عتبات التصعيد بشكل أكبر.

وهذا يشير إلى أن التفاعل بين تقصير الجدول الزمني النووي، والتحوّل المؤسسي، والانكشاف في الردع يزيد من احتمالية اتخاذ القرارات بسرعة دون معلومات كاملة أو توافق استراتيجي.

موقف الولايات المتحدة ومعايرة الردع  

يوسع هذا الديناميك نطاق الصراع الخارجي، لا سيما من خلال الولايات المتحدة، حيث تعتمد قدرة الاحتواء بشكل كبير على الموقف الأمريكي، إذ تحتفظ الولايات المتحدة ببنية عسكرية متعددة الطبقات في أنحاء الشرق الأوسط، تشمل حاملات الطائرات البحرية، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والأصول الجوية المتقدمة، ومراكز الإمداد واللوجستيات، كما تؤدي هذه الترتيبات وظائف دفاعية وردعية وإرسال إشارات استراتيجية في الوقت نفسه.

ولكن بينما يزيد التوافق الأمريكي مع إسرائيل من التكلفة المتصورة لتصعيد إيران، فإن التورط المباشر يرفع مستوى الانكشاف، إذ تظل المنشآت الأمريكية في العراق وسوريا والخليج عرضة للرد من قبل الميليشيات الموالية لإيران، وكلما كان الدور الأمريكي أكثر وضوحًا، اتسع نطاق الرد المحتمل.

وعلى النقيض من ذلك، يقلل الابتعاد الاستراتيجي من الانكشاف الفوري، لكنه يحمل تكلفة على مستوى السمعة، إذ يقيم الحلفاء والخصوم معايرة الموقف الأمريكي كمؤشر على موثوقية ضمانات الأمن، وستفسر موسكو وبكين أي تعديلات في الموقف الأمريكي كبيانات ذات صلة بالتقييمات الأوسع لمصداقية الردع خارج منطقة الشرق الأوسط.

كما يزيد انتقال القيادة من تعقيد الإشارات الأمريكية، فالأنظمة الانتقالية تفسر الانتشارات العسكرية الخارجية من منظور بقاء النظام، إذ يُقرأ الوضع الدفاعي للقوات على أنه تحضير للتدخل، بينما يُفسَّر الامتناع عن التصعيد على أنه فرصة، وبذلك، يعمل الموقف الأمريكي عبر طبقات متداخلة: ضمان الردع لإسرائيل، واحتواء التصعيد تجاه إيران، وإرسال إشارات لمصداقية عالمية، وأي أخطاء في المعايرة ضمن أي طبقة قد تُسرّع ديناميات التصعيد بدل احتوائها.

يعمل الموقف الأمريكي عبر طبقات متداخلة من ضمان الردع لإسرائيل واحتواء التصعيد تجاه إيران وإرسال إشارات لمصداقية عالمية

في ظلّ بيئة تتسم بضيق وقت التداول، تصبح الإشارات الأمريكية متغيراً ديناميكياً بدلاً من كونها ثابتة مستقرة، حيث ستؤثر دقتها بشكل كبير على ما إذا كانت المواجهة ستبقى محصورة جغرافياً أم ستنتشر عبر ساحات قتال بالوكالة.

 ديناميكيات التصعيد الأفقي وتفعيل الوكلاء

بعيدًا عن لبنان، تحتفظ الميليشيات الموالية لإيران في العراق بقدرة مثبتة على استهداف المنشآت الأمريكية، حيث يؤدي تفعيلها إلى توسيع نطاق المواجهة خارج حدود إسرائيل، ما يوسع محيط التصعيد ويضع واشنطن تحت ضغط مباشر، كما تستمر سوريا في أداء دور ممر عبور وأرضية عملياتية، حيث ستكون الشبكات المرتبطة بالحرس الثوري عرضة لدورات الاعتراض، ما يحافظ على نمط متكرر من الضربات والردود، أما في اليمن، فتدخل القدرات البحرية للحوثيين كعامل يضاعف هشاشة الاقتصاد الإقليمي؛ إذ يؤدي أي اضطراب في البحر الأحمر إلى توسيع نطاق التصعيد ليشمل طرق التجارة العالمية.

وهذا يشير إلى أن انتقال القيادة يغير منطق تفعيل الوكلاء، فقد تُصرّح السلطات المركزية بتفعيل محسوب لإظهار الاستمرارية والحزم، بينما قد يؤدي عدم اليقين خلال مرحلة الانتقال إلى إضعاف انضباط القيادة، ما يزيد احتمالية حدوث ردود فعل تصعيدية غير متزامنة تتجاوز الحدود المرسومة.

يغير انتقال القيادة منطق تفعيل الوكلاء فقد تُصرّح السلطات المركزية بتفعيل محسوب لإظهار الاستمرارية والحزم بينما قد يؤدي عدم اليقين خلال مرحلة الانتقال إلى إضعاف انضباط القيادة

ولكن مع امتداد المواجهة عبر جبهات القتال، يتسع خطر التصعيد بشكل هندسي بفعل تأثيرات التفاعل بدلاً من التراكم الخطي البسيط، وتزيد العقد الإضافية من عدد نقاط اتخاذ القرار وتقلص الجداول الزمنية، وفي نظام يعمل أصلاً ضمن مساحة محدودة للمداولات، يؤدي التفعيل الأفقي إلى ارتفاع كبير في احتمالية سوء التقدير أو عدم التوافق بين الجهات الفاعلة.

 نقل الطاقة والإشارات الاستراتيجية

يمسّ هذا التشتت هشاشة منظومة الطاقة بشكل مباشر، إذ يظلّ مرور الطاقة الآلية الأساسية لنقل عدم الاستقرار الإقليمي إلى المستوى العالمي، حيث يمر نحو خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وحتى الإشارات البحرية المحدودة، مثل: توقيف مؤقت للسفن، أو إطلاق صواريخ، أو تعديل الوضعية البحرية، يمكن أن تُحدث تقلبات فورية في الأسعار، مع الإشارة إلى أن إيران استخدمت تاريخياً هذه الإشارات البحرية المحسوبة كأداة استراتيجية، وفي ظل ضغوط انتقال القيادة، توفّر هذه الإجراءات واقعاً حقيقياً للحزم مع البقاء دون تجاوز عتبات الحرب الرسمية.

ومع ذلك، تتفاعل الأسواق مع عدم الاستقرار المُتصوَّر أكثر من تفاعلها مع الاضطرابات المؤكَّدة، إذ يؤدي تزامن الضربات الإسرائيلية المباشرة مع انتقال النظام إلى زيادة علاوات عدم اليقين المضمَّنة في آليات تسعير الطاقة.

كما يمثل عبور البحر الأحمر نقطة ضعف إضافية، فإذا امتدت شبكات الوكلاء لتشمل الاضطرابات البحرية في هذا الممر، ستتفاقم العواقب الاقتصادية، لذلك، يعمل التعرض للطاقة في آنٍ واحد كقيد ومُضخِّم؛ فهو يردع الحرب الشاملة نظراً لتداعياتها النظامية، ولكنه يُضخِّم في الوقت نفسه الأثر الاستراتيجي لعمليات الإشارة المحدودة.

مدمرة صواريخ موجهة من فئة “أرلي بيرك” تطلق صاروخ توماهوك باتجاه إيران (أ ف ب)
 المبادئ القانونية وشرعية التصعيد

يتداخل هذا الديناميك مع مسائل المبادئ القانونية وشرعية التصعيد، إذ لا يزال اللجوء إلى الدفاع الاستباقي عن النفس بموجب المادة 51 محل جدل، لا سيما عندما يمتد المنطق الوقائي من الهجوم الوشيك إلى عتبات القدرات الناشئة، حيث يعيد هذا التفسير تشكيل الحدود المعيارية التي تحكم الاستخدام المشروع للقوة.

ومع ذلك، فإن الصياغة القانونية ليست مجرد خطاب؛ فهي تؤثر على تنسيق التحالفات وإدارة التصعيد، فسواء وصف الشركاء العمل بأنه دفاع استباقي مشروع أو إجراء وقائي غير قانوني، فإن ذلك يؤثر على التوافق الدبلوماسي، وهيكلة العقوبات، وتوافر قنوات الاحتواء، لذا يحمل التفسير المعياري تبعات عملية مباشرة.

وفي ظل ظروف انتقال السلطة السياسية، تكتسب هذه السرديات القانونية حساسية أكبر، فقد يُفسَّر أي إجراء يُتَّخذ خلال فترة انتقال القيادة على أنه استغلال انتهازي للضبابية أو استجابة ضرورية لضيق أطر اتخاذ القرار، وفي مثل هذه السياقات، تصبح مصداقية الردع والشرعية القانونية أكثر عرضة للطعن والمراجعة.

ضغط التصعيد كأساس هيكلي

تُحدد هذه الضغوط المتفاعلة مجتمعةً المرحلة الحالية من المواجهة باعتبارها مرحلة ضغط تصاعدي، حيث يتزامن الانكشاف المباشر للدولة الآن مع انتقال القيادة، وتقليص الجداول الزمنية النووية، وتشتت الوكلاء، وهشاشة منظومة الطاقة على المستوى النظامي، يؤدي تفاعل هذه المتغيرات إلى تقليص فرص رد الفعل، مع زيادة وضوح كل قرار وعواقبه الاستراتيجية،  لذلك، فإن ديناميكيات التصعيد لا تتشكل بفعل أحداث معزولة بقدر ما تتشكل بفعل التفاعل التراكمي للضغوط والقيود الهيكلية.

انتقال القيادة وتقليص الجداول الزمنية النووية وتشتت الوكلاء وهشاشة منظومة الطاقة يؤدي إلى تقليص فرص رد الفعل مع زيادة وضوح كل قرار وعواقبه الاستراتيجية  

يبقى التصعيد المُدار السيناريو الأكثر واقعية، من خلال ردّ فعل محسوب يُحتوى ضمن حدود لا تصل إلى عتبات الحرب النظامية، ولن يعتمد هذا الاحتواء بدرجة كبيرة على تخفيف التوتر الفعلي، بل على رسائل منضبطة، وخطوط حمراء موثوقة، وآليات تنسيق ضمنيي، ومن المرجح أن يكون الاستقرار إجرائياً وشكلياً أكثر منه تصالحياً، ويستمر من خلال إدارة المخاطر بدلاً من الوصول إلى حل نهائي للنزاع.

إذا استمر هذا النمط، فمن المرجح أن تعاد معايرة حدود الردع عند مستوى أعلى من الشدة،  وبمجرد أن يتحول الصدام من الحماية عبر وكلاء وسيطين إلى مواجهة مباشرة على مستوى الدولة، تصبح العودة إلى نظام الردع المخفف أو المؤسسي تحدياً هيكلياً،  وحتى إذا استؤنفت الوساطة عبر الوكلاء بشكل تكتيكي، فإن توقعات السمعة والقدرات المثبتة ستستمر في تحديد التوقعات والاستجابات على مستوى الدولة.

وبالتالي، فإن الأثر التراكمي يشكّل قاعدة هيكلية تُحددها حالة توتر مستمرة ضمن هوامش خطأ ضيقة، ومع تقلّص أفق التحذير، وتشديد دورات الإشارة، وزيادة تعقيد وتغير التفاعلات، ينكمش فضاء التداول وصنع القرار، وفي مثل هذه البيئة، قد لا يحدث التصعيد نتيجة خيار استراتيجي مدروس، بل كنتيجة تراكمية، مضغوطة زمنياً، وغير متوقعة لاستجابات الفاعلين المتعددين.

بالمحصلة، لقد تحوّل الصدام بين إسرائيل وإيران من نظام ردع موزّع إلى ردع مكشوف ومضغوط في ظل إعادة التوازن المؤسسي الإيراني والتدخل الأمريكي واسع النطاق، وقد لا يكون التصعيد محدداً سلفاً، لكن في هذا التكوين تضيق هوامش الخطأ بشكل ملحوظ وتزداد احتمالية سوء التقدير.

نيكوليتا كوروشي

نيكوليتا كوروشي

نيكوليتا كوروشي، صحفية ومحللة سياسية قبرصية، عملت مع عدد من مراكز الأبحاث، أبرزها منتدى الشرق الأوسط، كما نشرت مقالات في وسائل إعلام دولية، وتركز على التطورات في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط
موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.