أمريكا وجنوب أفريقيا: غموض الثقة التجارية

تقرير
ترامب خلال لقاء سيريل رامافوزا في واشنطن (أ ف ب)
ترامب خلال لقاء سيريل رامافوزا في واشنطن (أ ف ب)
ﺷﺎرك

تشهد العلاقة الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا تدهوراً ملحوظاً، بدأت تتجلى آثاره بشكل واضح على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي، خلال الأشهر الثلاث الأخيرة، بعدما كانت تُوصَف يوماً بالتقارب العميق والقيم المشتركة والشراكة الاقتصادية.

بدأ الخلاف بسوء فهم دبلوماسي، قبل أن يتحول إلى مواجهة حول سياسات تجارية غير منحازة، ورهانات اقتصادية عالية، ونزاع دبلوماسي متصاعد.

اتبعت واشنطن نهجاً حذراً في ظل تنامي دور جنوب أفريقيا داخل مجموعة “بريكس” وتصاعد تقاربها مع الصين، فيما زادت التوترات حدّة بفعل القرارات الثنائية التي اتخذتها إدارة الرئيس سيريل رامافوزا في بريتوريا.

  واشنطن انتهجت مساراً حذراً في ظل تنامي دور جنوب أفريقيا داخل مجموعة
“بريكس” وتقاربها مع الصين

ومع ذلك، فإن جوهر هذا الخلاف لا يرتكز على القرارات السياسية؛ بل على سلسلة متعاقبة في العلاقات التجارية لجنوب إفريقيا، ما يثير تساؤلات حول توجهها الاستراتيجي بالنسبة للإدارة التي يقودها دونالد ترامب ومدى موثوقية الولايات المتحدة كشريك اقتصادي مستدام.

التجارة والتعاون الأمني

فيما يتعلق بوجهات صادرات جنوب أفريقيا، تحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية بعد الصين التي تتصدر القائمة، ما يجعلها الشريك التجاري الأكثر تفضيلاً لجنوب أفريقيا بفارق واضح، وفقاً للإحصاءات.

وتؤكد بيانات الحكومة الأمريكية أن حجم التبادل التجاري الثنائي بين العملاقين الآسيوي والأفريقي بلغ 21 مليار دولار في عام 2023، مرتفعاً من نحو 18 مليار دولار في عام 2022، كما تُظهر البيانات نفسها أن جنوب أفريقيا صدّرت نحو 14 مليار دولار من السلع إلى الولايات المتحدة، دخل نحو نصفها كصادرات معفاة، وهو ما منح بريتوريا فائضاً في الميزان التجاري.

ويُعزى هذا المستوى الصحي من العلاقات التجارية إلى قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) الأمريكية، التي توفر وصولاً سلساً ومعفياً من الرسوم الجمركية إلى الأسواق الأمريكية، وقد استفادت جنوب أفريقيا بشكل كبير من هذه القانون، لا سيما في تصدير المنتجات الزراعية والمركبات وغيرها من السلع ذات القيمة العالية.

وبحسب التقارير، يُعد قطاع صناعة السيارات في جنوب أفريقيا المستفيد الأكبر من «أغوا»، إذ بلغت مبيعات السيارات في السوق الأمريكية نحو 2.5 مليار دولار في عام 2023، وهو ما أسهم أيضاً في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

وإلى جانب التجارة، حافظت الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا على علاقة متينة على مرّ السنوات من خلال مبادرات تنموية في مجالات الصحة، والأمن والمساعدات الإنسانية وغيرها، كما تبقى الولايات المتحدة أكبر مستثمر مباشر في جنوب أفريقيا، إذ يعمل أكثر من 150 ألف جنوب أفريقي في قطاعات متعددة بفضل الاستثمارات الأمريكية.

وفي ضوء هذه الخلفية الاقتصادية الراسخة بين البلدين، يتضح أن الخلاف القائم قد تكون له تداعيات ضارة، وقد يتحول إلى أزمة ذات آثار مزدوجة يصعب احتواؤها.

فرقاطة روسية في ميناء ريتشاردز باي في جنوب إفريقيا ضمن مناورة عسكرية مشتركة مع الصين (أ ف ب)
مسار التصعيد

يمكن تتبّع جذور هذا الخلاف إلى عام 2023، حين أجرت جنوب أفريقيا، إلى جانب الصين وروسيا، مناورة بحرية مشتركة قيل إنها نُظّمت إحياءً للذكرى الأولى لغزو روسيا لأوكرانيا، ولم يلقَ هذا التحرك قبولاً لدى الولايات المتحدة، التي أعربت عن قلق بالغ، رغم تأكيد جنوب أفريقيا الحازم أن المناورة كانت روتينية ولا تهدف إلى إثارة أي نزاع دبلوماسي.

وتصاعدت التوترات أكثر في مايو 2023، عندما اتهمت الولايات المتحدة، عبر سفيرها لدى جنوب أفريقيا آنذاك روبن بريغيتي، حكومة بريتوريا بأن سفينة شحن روسية رست في القاعدة البحرية بسيمونز تاون كانت محمّلة بالأسلحة، في إيحاء بأن جنوب أفريقيا زوّدت روسيا بالسلاح.

وسارعت الحكومة الجنوب أفريقية إلى نفي هذه الاتهامات بشكل قاطع، وأصدرت تقريراً عن لجنة تحقيق مستقلة خلص إلى عدم وجود أي أدلة تدعم المزاعم الأمريكية.

مع اندلاع الخلاف الدبلوماسي بين البلدين، اهتزت الأسواق التجارية، ما تسبب في تراجع حاد للراند مقابل الدولار، وفي الوقت نفسه، تصاعدت مخاوف المستثمرين من احتمال تعرض جنوب أفريقيا لعقوبات شديدة.

وفي نهاية عام 2023 وبداية 2024، انصبّ الاهتمام بالكامل على التجارة، حيث ناقش أعضاء الكونغرس الأمريكي ما إذا كانت جنوب أفريقيا تستحق الاستفادة من مزايا قانون النمو والفرص في أفريقيا وأبدوا قلقهم بشأن موقف جنوب أفريقيا في السياسة الخارجية ورفضها إدانة روسيا وقضيتها ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية.

وبحلول النصف الأول من عام 2024، اشتدت المناقشات حول مكانة جنوب أفريقيا في القانون، فيما أعلنت إدارة جو بايدن السابقة أن أهلية العملاق الأفريقي للاستفادة من البرنامج قيد المراجعة، ورداً على ذلك، أطلقت جنوب أفريقيا تحذيرات، مدركة تماماً للعواقب المحتملة، محذرة من أن مصداقية الولايات المتحدة في أفريقيا قد تكون معرضة للخطر.

بريكس والصين  

لا تُعد الروابط التجارية لجنوب أفريقيا مع الصين وانتماؤها لمجموعة بريكس السبب الرئيسي في خلافها مع الولايات المتحدة، لكنها توفر خلفية ضرورية لفهم القلق في واشنطن، فمنذ عام 2009، أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لجنوب أفريقيا، حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية 56 مليار دولار في عام 2023، وفقاً لبيانات الجمارك الصينية، وتشمل هذه الشراكات عدة قطاعات، من الطاقة والبنية التحتية إلى التعدين وغيرها.

الروابط التجارية لجنوب أفريقيا مع الصين وانتماؤها لـ “بريكس” لا تُعد السبب الرئيسي في الخلاف مع أمريكا لكنها توفر خلفية ضرورية لفهم قلق بريتوريا

ترى واشنطن في تشكيل مجموعة بريكس ثقلاً موازناً لقيمها التي يقودها الغرب، في ظل توسع الصين وروسيا التدريجي لنطاق تأثيرهما عبر الحدود.

من جهة أخرى، أبدت جنوب أفريقيا دعمها القوي لتوسع بريكس، لا سيما دورها كبديل مالي، ما أثار مخاوف في الغرب من أن بريتوريا تنحرف تدريجياً عن مسارها الموالي للولايات المتحدة.

أكدت حكومة سيريل رامافوزا باستمرار أن عضوية جنوب أفريقيا في مجموعة بريكس تقوم على أساس التنويع الاقتصادي فقط، وليس على توافق في الأيديولوجيات السياسية.

 وقال الرئيس رامافوزا في خطاب له: “جنوب أفريقيا لا تختار أطرافاً”، مؤكداً أن سياستها الخارجية تقوم على الاستقلالية الاستراتيجية والانخراط البنّاء مع جميع القوى الكبرى.

وفي الوقت الحالي، تساعد هذه الصياغة في رسم صورة أوضح لفهم دور “بريكس” والصين من منظور سياقي، كما توضح بشكل أكبر سبب حساسية الولايات المتحدة تجاه تصرفات جنوب أفريقيا في الوقت الراهن، إذ تنبع الاحتكاكات المباشرة من التوقعات الثنائية والانتهاكات المزعومة للثقة.

التعرض الاقتصادي والتأثير الواقعي

سلط الخلاف الدبلوماسي المستمر الضوء بشكل أكبر على نفوذ الولايات المتحدة في اقتصاد جنوب أفريقيا عبر قطاعات عدة، حيث يبلغ حجم التجارة الثنائية عشرات المليارات من الدولارات سنوياً.

وكانت القوة الكبرى لجنوب أفريقيا دائماً تكمن في الصادرات، لا سيما صناعة السيارات، التي استفادت منها الولايات المتحدة، ما خلق آلاف الوظائف للجنوب أفريقيين، ويواجه قطاع السيارات حالياً تهديداً، إذ تراجع الطلب الأمريكي على المنتجات السيارات الجنوب أفريقية منذ اندلاع الخلاف.

رغم أن تصدير المنتجات الزراعية مثل الحمضيات والمكسرات والأطعمة المصنعة إلى الولايات المتحدة قد عزز الإيرادات بشكل كبير، إلا أن سوق العمل في جنوب أفريقيا لا يزال متأثراً، ما يهدد أمن الوظائف لدى العمال المحليين، ويتوقع البنك المركزي لجنوب أفريقيا وقادة الصناعة أن يؤثر هذا الخلاف على وظائف ما لا يقل عن 100 ألف عامل، بشكل مباشر أو غير مباشر، على مستوى البلاد.

وبعد رفع التحديات الناتجة عن ارتفاع الرسوم الجمركية ومزايا قانون النمو والفرص، يجد المصدرون أنفسهم في موقف صعب، يواجهون قيوداً حادة على سلاسل الإمداد، وارتفاعاً في التضخم، وانخفاضاً في الطلب على منتجاتهم، وفي ظل كل هذه الضغوط، تمكنت إدارة رامافوزا من التعامل بمرونة من خلال إصلاحات تصديرية مؤقتة، وتوفير تسهيلات ائتمانية، والمساعدة في تنويع الأسواق.

ومع ذلك، اعترفت بريتوريا بأن هذه الحلول المؤقتة لا يمكن مقارنتها بالمزايا الاقتصادية التي توفرها علاقة تجارية جيدة مع الولايات المتحدة.

 مواقف بريتوريا وواشنطن

استند موقف إدارة رامافوزا في هذا الخلاف الدبلوماسي مع الولايات المتحدة إلى السيادة والاستقلال الاقتصادي، لا إلى الانحياز الإيديولوجي، وقد أكدت مراراً أن علاقاتها مع الصين والدول الأعضاء الأخرى في مجموعة بريكس تقوم على أساس التنويع الاقتصادي فقط، وليس على توافق استراتيجي كما يُنظر إليه في واشنطن.

وأوضح رونالد لامولا، وزير العلاقات الدولية في جنوب أفريقيا، أن البلاد “لن تُجبر على الاختيار بين القوى العالمية”، وأن سياستها الخارجية تُوجَّه وفق المصلحة الوطنية، وعدم الانحياز، والتنوع الاقتصادي.

كما شددت الدولة الأفريقية على أن جميع علاقاتها التجارية مع الولايات المتحدة كانت ضرورية من أجل الاستدامة الاقتصادية، بما يتماشى مع المصالح المشتركة للمواطنين.

وأكدت بريتوريا أن الخلاف الحالي يمكن حله ودياً من خلال المفاوضات الدبلوماسية بدلاً من اللجوء إلى الإكراه، وهو ما أدى إلى تعزيز الدعوات لتحديث المعاهدات الثنائية بين الولايات المتحدة وجنوب أفريقيا.

لولا دا سيلفا وسيريل رامافوزا وبرابوو سوبيانتو خلال جلسة عامة لقمة بريكس في ريو دي جانيرو (أ ف ب)
وجهة نظر واشنطن

بالنسبة لإدارة ترامب في واشنطن، تبدو لغة الجسد مختلفة، إذ أعرب المسؤولون عن استيائهم من القرارات الدبلوماسية لجنوب أفريقيا، وقد وصفوا هذه التحركات بأنها انحراف عن المعايير الغربية وانحياز مخادع نحو الخصم اللدود للولايات المتحدة، الصين، ومن جانبها، لم تتمكن بريتوريا، أو لم ترغب، في إقناع واشنطن بعكس ذلك.

وأكدت تقارير سابقة أن واشنطن هددت بفرض عقوبات تجارية إضافية على أعضاء مجموعة بريكس إذا نظروا في اعتماد عملة موحدة، وهو ما قد يكون أكثر خطورة على جنوب أفريقيا.

 وكتب ترامب عبر حسابه في “تروث سوشال” قائلاً: “فكرة أن دول بريكس تحاول الابتعاد عن الدولار بينما نقف مكتوفي الأيدي قد انتهت”، في إشارة إلى جنوب أفريقيا وأعضاء “بريكس” الآخرين.

وتُعد تصريحات الرئيس ترامب مؤشراً واضحاً على أن التنويع الاقتصادي وتفضيلات جنوب أفريقيا ليست تلقائية، وأن استمرارها يعتمد على ما تراه الولايات المتحدة مفيداً للأعمال وتدفق الأموال.

نقاط الخلاف والمبررات

يقوم هذا الخلاف على ثلاثة محاور رئيسية: التجارة، والدبلوماسية، والتحالفات.

فيما يخص التجارة، ترى الولايات المتحدة أن منح جنوب أفريقيا وصولاً تفضيلياً إلى أسواقها على مدى سنوات طويلة يجب أن يعكس مستوى أعمق من الانحياز، ويرتبط هذا أيضاً بالجوانب الدبلوماسية، لا سيما العلاقات الاقتصادية لجنوب أفريقيا مع روسيا في ظل الحرب الجارية في أوكرانيا.

أما فيما يتعلق بالتحالفات، فيتساءل صناع القرار الأمريكيون عما إذا كانت جنوب أفريقيا قادرة على أن تكون شريكاً استراتيجياً وفي الوقت نفسه صوتاً قيادياً داخل تكتلات يُنظر إليها على أنها خصومية، وتبرر جنوب أفريقيا موقفها بالاستناد إلى سياسة عدم الانحياز، والتضامن التاريخي مع حركات التحرر، والالتزام بالمبادئ متعددة الأطراف، حيث تبرر الولايات المتحدة ضغوطها بالإشارة إلى القوانين الداخلية، وسياسات التحالفات، والحاجة لضمان أن المزايا التجارية لا تدعم بشكل غير مباشر جهات معادية لمصالح الولايات المتحدة.

تبرر الولايات المتحدة ضغوطها بالقوانين الداخلية وسياسات التحالفات والحاجة لضمان أن المزايا التجارية لا تدعم بشكل غير مباشر جهات معادية لمصالحها

ماذا بعد؟

المخاطر عالية، حيث تتكتم جميع الأطراف على نواياها، ومع ذلك، يبقى التوصل إلى حل قريب ممكناً إذا تضافرت الجهود لتكثيف الحوار والتوصل إلى أرضية مشتركة لإنهاء النزاع.

في المقابل، يتعين على جنوب أفريقيا استخدام الاستراتيجية والدبلوماسية لتقديم ضمانات للولايات المتحدة بشأن موقفها، وقد يُعاد النظر في أهلية جنوب أفريقيا لقانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA) إذا فضّلت واشنطن الواقعية على العقاب.

ما هي النتيجة المحتملة؟، هل هي انفراج مفاجئ أم إعادة تقييم للموقف؟، قد تُجبر بريتوريا على تعديل مسارها وتوضيح مواقفها في السياسة الخارجية، وفتح حوار مع المشرعين الأمريكيين، في الوقت نفسه، قد تكتفي واشنطن بممارسة ضغوط محددة الأهداف بدلاً من فرض عقوبات تجارية شاملة.

في الوقت الراهن، يتضح جلياً ثمن سوء التقدير في الحسابات، ويكمن التحدي أمام الطرفين في رسم خط فاصل دقيق بين الغموض الاستراتيجي وعرقلة شراكة طويلة الأمد قد تُكبّد آلاف الأشخاص خسائر فادحة.

موضوعات أخرى
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
تقرير
ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.