تركت الغارة العسكرية الأمريكية التي أطاحت بزعيم فنزويلا نيكولاس مادورو تأثيراً تكتيكياً كبيراً، خاصة مع وعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن الولايات المتحدة ستجني مليارات الدولارات من النفط الفنزويلي، لكن هذا الهدف اصطدم بواقع اقتصادي معقد، فعلى الرغم من امتلاك كراكاس لأكبر احتياطيات مؤكدة في العالم، إلا أن استخراج النفط فيها تراجع من 3.5 مليون برميل يومياً إلى نحو مليون برميل فقط بعد عقود من سوء الإدارة، وغياب أي تحديث حقيقي للبنية التحتية منذ نصف قرن.
واليوم، يشكّل جزء كبير من إنتاج فنزويلا نفطاً خاماً ثقيلاً يشبه القطران، يتميز بصعوبة استخراجه وتكريره وارتفاع تكلفته، إذ لم تُبدِ شركات النفط الكبرى أي حماس للعودة إلى بلد لا يزال مديناً لها بمليارات الدولارات من عمليات التأميم السابقة، مع وجود فرص أقل جاذبية مقارنة بدول مجاورة ومنتجة مثل: غيانا.
ومن جانب آخر، فاقمت الفوضى السياسية التي أعقبت الغارة العسكرية من حدة التحديات الاقتصادية القائمة، إذ لا تزال الدائرة الضيقة المحيطة بمادورو تسيطر فعلياً على الحكم، فبينما أدان الحلفاء الإقليميون العملية، يواصل ترامب إطلاق تصريحات غامضة بشأن إدارة الولايات المتحدة لفنزويلا، حيث يزداد المشهد تعقيداً مع استمرار انخفاض أسعار النفط، التي تقل حالياً عن 60 دولاراً للبرميل نتيجة فائض المعروض العالمي، بينما يحتاج النفط الفنزويلي إلى أسعار أعلى بكثير للوصول إلى نقطة التعادل في الوقت الحالي.
ولكن، بالنظر إلى مجمل المعطيات السابقة، يتضح للجميع أن إعادة إحياء قطاع النفط الفنزويلي لن تكون عملية ممكنة دون ضخ استثمارات كبيرة تتجاوز 100 مليار دولار، وكذلك من دون جهود تمتد إلى ما لا يقل عن عقد كامل، وذلك على افتراض توافر حد أدنى من الاستقرار السياسي المفقود حالياً، بالإضافة إلى مستوى من ثقة الشركات العالمية الذي جرى تقويضه بالكامل بفعل موجتي التأميم السابقتين.
وفي يوم الجمعة الماضي، استدعى ترامب كبار الرؤساء التنفيذيين في شركات النفط الكبرى إلى البيت الأبيض، للتعرف على مدى استعدادهم والاستماع لوجهات نظرهم لتوسيع عملية إنتاج النفط في فنزويلا، الذين طرحوا أفكاراً عدة، وأبرزها تقديم ضمانات من دافعي الضرائب الأمريكيين لعملهم، وهي فكرة يُرجَّح أن تلقى معارضة واسعة بين الناخبين، أما تعهّد ترامب بأن تحقق كلٌّ من الولايات المتحدة وفنزويلا مكاسب بمليارات الدولارات من عائدات النفط، فيواجه اليوم اختباراً أشد قسوة، وهو الواقع الاقتصادي المنهار.
تعهّد ترامب بأن تحقق كلٌّ من أمريكا وفنزويلا مكاسب بمليارات الدولارات من عائدات النفط يواجه اليوم اختباراً أشد قسوة وواقع واقتصادي منهار
نفط غير قابل للاستثمار
تتربع فنزويلا على أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، لكن هناك فرق جوهري بين امتلاك النفط والقدرة على استخراجه وتحقيق أرباح منه، فاستخراج النفط من باطن الأرض وضخه في الأسواق العالمية يتطلب استثمارات ضخمة ومستدامة ووقتاً طويلاً، وهذا الأمر قد يختبر صبر الرأي العام الأمريكي، الذي أبدى تشكيكاً واضحاً تجاه الانخراط الخارجي طويل الأمد لبلاده.
يحق للرئيس ترامب التباهي بعد تنفيذ عملية عسكرية مذهلة داخل فنزويلا، واعتقال مادورو وزوجته سيلا فلوريس، ونقلهما إلى سجن في نيويورك، مسلطاً الضوء على مهارة القوات الأمريكية المشاركة فيها وكفاءتها في التنفيذ، لكن تصريحاته بأن شركات النفط الأمريكية الكبرى جاهزة للعمل ومستعدة لاستثمار الموارد الهائلة اللازمة لإنعاش قطاع النفط الفنزويلي تبدو سابقة لأوانها وغير واقعية.
وعلى النقيض من ذلك، أبدى كبار التنفيذيين في قطاع النفط بشكل ملحوظ ردود فعل متحفظة إزاء دعوة ترامب إلى التحرك والعمل في فنزويلا، حيث صرّحت شركة كونوكو فيليبس لإحدى وسائل الإعلام في ولاية فلوريدا، أنها تتابع التطورات، وإنه من السابق لأوانه التكهن بأي أنشطة أو استثمارات تجارية مستقبلية.
أما الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل، دارن وودز، وصف فنزويلا بصراحة بأنها “غير قابلة للاستثمار” عقب لقائه ترامب، موضحاً أن شركته قد تكون مستعدة لإيفاد فريق ميداني لتقييم أوضاع قطاع النفط الفنزويلي، شريطة الحصول على ضمانات أمنية ودعوة رسمية من الحكومة الفنزويلية، ومع ذلك، لم يقدّم أي التزام فعلي بضخ استثمارات رأسمالية.

الفوضى السياسية قلق رئيسي
أصدرت شيفرون، شركة النفط الأمريكية الوحيدة العاملة في فنزويلا، بياناً يبدو أنه صيغ بعناية فائقة، مؤكداً أنها لا تزال تركز على سلامة ورفاه موظفيها، وكذلك على سلامة أصولها، بالإضافة إلى مواصلة العمل على الامتثال التام لجميع القوانين واللوائح ذات الصلة، فرغم إشارة الشركة إلى إمكانية زيادة الإنتاج بما يصل إلى 50 % خلال عامين، إلا أنها كباقي الشركات الأخرى لم تكشف عن التزام بضخ استثمارات جديدة.
وبينما أبدت بعض الشركات الصغيرة اهتماماً بالحصول على امتيازات نفطية في فنزويلا، جاء موقف معهد البترول الأميركي، الذي يعد أبرز رابطة تمثل القطاع النفطي، على القدر نفسه من التحفّظ، مشدداً على أن قرارات الاستثمار تبقى مرهونة بتوافر الاستقرار السياسي، وسيادة القانون، وظروف السوق.
وهذا يشير إلى أن ردّ الشركات يعكس تقييماً واقعياً، مفاده، بأن إنعاش قطاع النفط الفنزويلي يعد واحداً من أصعب فرص الاستثمار في قطاع الطاقة العالمي، فالتعقيدات التقنية، وعدم اليقين السياسي، وظروف السوق الهشة، والجداول الزمنية غير الواضحة، والنزاعات التاريخية غير المحلولة، تزيد من صعوبة الالتزام بحجم الاستثمارات اللازمة.
الشركات الأمريكية تؤكد أن إنعاش النفط الفنزويلي يعد واحداً من أصعب فرص الاستثمار في قطاع الطاقة العالمي
في الواقع، حتى بعد إعلان الرئيس ترامب أن السلطات الفنزويلية ستُسلّم ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط إلى الولايات المتحدة بشروط مناسبة للغاية، أفادت مصادر في قطاع النفط لشبكة “سي ان ان” بأن الشركات الكبرى لا تزال مترددة في العودة إلى سوق النفط الفنزويلية، لأن هذه المشتريات قد تُخفف الضغط مؤقتاً على شركة النفط الحكومية الفنزويلية فقط، التي يشاع أن طاقتها التخزينية تقترب من مستواها الأقصى.
ومع ذلك، يتساءل هنا بعض التجار عن ماهية شروط قد تفرضها واشنطن على صفقات ترامب المعلنة، حيث يقول أحدهم لـ”سي ان ان”: إن “مجرد وجود احتياطيات نفطية -حتى لو كانت الأكبر في العالم- لا يعني بالضرورة أنك ستنتج النفط هناك، فالأمر ليس مجرد إنشاء مشروع تجاري صغير”.
الولايات المتحدة ستُدير فنزويلا
فرانسيسكو مونالدي، مدير برنامج طاقة أمريكا اللاتينية في جامعة رايس وخبير بارز في شؤون النفط الفنزويلي، يقول لبرنامج “بي بي إس نيوز آور”: إن “العقبات تتجاوز بكثير مسألة تدهور البنية التحتية”، ويتساءل: كيف يُمكن إقناع الشركات الأجنبية بضخ الأموال قبل أن تتضح لديها الرؤية بشأن الاستقرار السياسي، ووضع العقود، وما شابه ذلك؟، مبيناً أن استعادة فنزويلا لقدرتها الإنتاجية يتطلب استثمارات تتجاوز 100 مليار دولار، وعلى الأقل عقداً من العمل المتواصل.
وعلى النقيض من ذلك، يظلّ ادّعاء ترامب المبهم، بأنّ الولايات المتحدة ستُدير فنزويلا، الشغل الشاغل للمستثمرين وصنّاع السياسات على حدّ سواء، حتى في ظلّ استمرار عدم الاستقرار السياسي، فكما كان متوقعاً، أدانت الصين وروسيا وكذلك الأمم المتحدة بقيادة أمين عامها أنطونيو غوتيريش، العملية الأمريكية، واعتبرتها حكومات عدّة في أمريكا اللاتينية، مثل كولومبيا والبرازيل والمكسيك وتشيلي، مخالفة صريحة للقانون الدولي، بينما رحّبت بها دول أخرى ذات ميول يمينية مثل الأرجنتين والسلفادور.
ومع ذلك، زاد ترامب من حدة التوتر، بعد العملية، مُلمحاً إلى أن الولايات المتحدة قد تسعى إلى ضم المزيد من الأراضي، بما في ذلك غرينلاند، الجزيرة الشاسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، والواقعة شمال شرق كندا، وتتمتع بالحكم الذاتي داخل الدنمارك العضو في حلف الناتو، لكن المسؤولين في غرينلاند، رفضوا بشكل قاطع أهداف ترامب ونددوا بتصريحاته.
تشكّل فنزويلا رأس الحربة في سعي إدارة ترامب إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، كجزء من إعادة بسط نفوذ أوسع للسياسة الخارجية الأمريكية، بدافع تزايد المخاوف من حضور خصوم بها مثل: الصين وروسيا في هذه المنطقة، التي تعتبرها الولايات المتحدة تقليدياً منطقة نفوذها الاستراتيجي.
وفي مقابلة واسعة مع نيويورك تايمز، أقرّ ترامب بأن استقرار فنزويلا وإعادة بنائها سيستغرق سنوات عدة، ومع ذلك، فإن تصريحاته المذهلة تثير أسئلة أكثر مما تجيب عليه، فهي لم توضح إلى حدّ كبير كيف تعتزم الإدارة تحويل العمل العسكري إلى نتائج استراتيجية دائمة.
دائرة مادورو المقربة تحكم فنزويلا
اليوم يطرح تساؤل واقعي، ما الذي تغيّر فعلياً داخل فنزويلا نتيجة العملية الأمريكية؟، خاصة بعد أن ترك ترامب الشبكة التي مكّنت نظام مادورو الفاسد من الصمود بعد توليه السلطة عام 2013 دون تغيير، وتتولى ديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس، منصب الرئيسة بالوكالة، التي تعد حليفة قديمة لمادورو، وقد اعترف بها الجيش الفنزويلي، ثم تولت زمام الحكم المركزي ودعت إلى العودة إلى الحياة الطبيعية كما كانت، مع الإشارة إلى أن الجيش كثف دورياته في كراكاس، في نمط مشابه لما كان يحدث خلال فترة حكم مادورو.
وبالتزامن مع تطورات هذه الأحداث، التقى ترامب يوم الخميس الماضي بماريا كورينا ماتشادو، زعيمة المعارضة الفنزويلية والحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025، وهي الجائزة التي يطمح ترامب إلى نيلها، ومع ذلك، انتهى اللقاء بينمها دون أن تتضح ملامح الحكومة الفنزويلية المقبلة، ولا يُتوقع أن يتبدد هذا الغموض حتى خلال الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة، وهذا الأمر يعكس حالة عدم استقرار مستمرة ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على شركات الطاقة التي اعتادت التخطيط لاستثماراتها على مدى عقود طويلة.
ملامح الحكومة الفنزويلية المقبلة لم تتضح بعد ولا يُتوقع أن يتبدد هذا الغموض خلال الأيام أو الأسابيع المقبلة ما يعكس حالة عدم استقرار مستمرة تلقي بظلالها على شركات الطاقة
مبدأ “دونرو”
أصبحت فنزويلا بالنسبة للرئيس ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو، رمزاً لموقف إقليمي أوسع في أمريكا اللاتينية أطلقت عليه الإدارة اسم: “مبدأ دونرو”، وهذا المصطلح مستوحى من مبدأ جيمس مونرو الصادر عام 1823 والذي يحذر القوى الخارجية من التدخل في الأمريكتين.
صاغ ترامب وروبيو هذا المبدأ كرسالة إلى خصوم الولايات المتحدة، مثل: روسيا والصين وإيران، الذين يمتلكون جميعاً شكلاً من أشكال الوجود العسكري في المنطقة، حيث اتخذ روبيو، الذي غادرت عائلته كوبا قبل الثورة، موقفاً متشدداً للغاية تجاه الجزيرة، بينما ألمح ترامب إلى أنها قد تكون الهدف التالي للضغط الأمريكي، ولكن هذا الخطاب ينذر بمزيد من عدم الاستقرار السياسي والغموض.
ومع ذلك، فإن الغموض والارتباك الذي يكتنف الاستراتيجيات السياسية للإدارة يتضاءل مقارنةً بالتحديات الهيكلية التي تواجه هدف ترامب المعلن، عبر إعادة إحياء صناعة النفط في فنزويلا وتحويل الإنتاج إلى عائدات مستدامة، إلا أن الانهيار في الإنتاج لا يعود إلى قيود جيولوجية بل إلى فشل تشغيلي شامل، حيث كشفت تقديرات شركة النفط الحكومية الفنزويلية أن شبكة خطوط الأنابيب لم تُحدَّث منذ 50 عاماً، وأن تكلفة إعادة البنية التحتية إلى مستويات الإنتاج القصوى السابقة تُقدَّر بمليارات الدولارات، كما تدهورت مرافق التكرير بشكل كبير، إذ تعمل العديد منها بما لا يتجاوز 20–30٪ من طاقتها التصميمية، وقد أدت الحرائق والحوادث إلى إعاقات جسيمة في المصافي التي تفتقر شركة النفط الفنزويلية إلى رأس المال لإصلاحها.
وما يحدث الآن، أن دولة كانت تزود الولايات المتحدة بأكثر من 10٪ من واردات النفط الخام سابقاً عبر شركة “سيتغو” المتخصصة في تكرير ونقل وتسويق الوقود ومواد التشحيم والبتروكيماويات، أصبحت الآن تستورد المنتجات البترولية المكررة، لأن نظامها المحلي للتكرير غير قادر على تلبية الطلب إذ يرجع ذلك جزئياً إلى العقوبات الأمريكية المشددة.
النفط الخام الفنزويلي الثقيل
الأمر المهم والذي يزيد من مساوئ النفط الفنزويلي طبيعته التركيبية، التي تهيمن على احتياطيات البلاد، وهو الخام الثقيل جداً من حزام أورينوكو وهي تشبه القطران، حيث يتطلب استخراجها ومعالجتها وتكريرها تقنيات معقدة ومكلفة، بالإضافة إلى خبرات متخصصة فقدتها كراكاس بعد أن قام تشافيز بتسريح نحو 19 ألف موظف من شركة النفط الفنزويلية خلال إضرابات 2002-2003، مع العلم أن ذراع الشركة في البحث والتطوير “إنتيفيب”، قد فقدت نحو 80% من القوة العاملة لديها، ما أدى إلى إضعاف قدرتها على الابتكار، حيث طغت الحسابات السياسية واعتبارات أمن النظام على المنطق التجاري، إذ استبدل تشافيز الكوادر الفنية ذات الخبرة بموالين له، ما أدى إلى ارتفاع بعدد الموظفين مع انخفاض الإنتاج.
وفي هذه الحالة، يعد تردّد كبرى شركات النفط في تقديم التزامات واضحة، أمراً مفهوماً بالنظر إلى تاريخها مع الدولة الفنزويلية، ففي عام 1976 أممت فنزويلا صناعتها النفطية لأول مرة، عندما كانت الشركات الأمريكية تتحكّم بأكثر من 70٪ من إنتاج الخام بموجب اتفاقيات امتياز كان من المقرر أن تنتهي في 1983، حيث خسرت تلك الشركات مليارات الدولارات من أصولها وحصلت على تعويض محدود فقط.
بعد ثلاثة عقود، قام هوغو تشافيز بإعادة تأميم قطاع النفط مجبراً الشركات الأجنبية على الدخول في مشاريع مشتركة مع شركة النفط الحكومية، والتنازل عن الحصص الكبرى في المشاريع التي كانت قد طورتها للحكومة، حيث رفضت إكسون موبيل وكونوكو فيليبس تلك الشروط وغادرتا البلاد، واحتكمتا للمحاكم الدولية، التي قضت بأن تدفع فنزويلا لشركة كونوكو فيليبس أكثر من 10 مليارات دولار ولشركة إكسون موبيل مليار دولار كتعويضات، لكن كاراكاس لم تلتزم بالأحكام ولم تسدد المبالغ بالكامل.
وهذا يشير إلى أن سعي ترامب إلى إحياء صناعة النفط الفنزويلية تضع الشركات أمام خيار واحد، إما إعادة الدخول إلى سوق لا تزال مدينة لها بمليارات الدولارات من المطالبات التي لم يتم حلها، أو استثمارات في مناطق معينة توفر قدراً أكبر من اليقين القانوني ومخاطر سياسية أقل.
وفرة النفط تُخفض الأسعار
تمتلك شركة إكسون موبيل استثماراً كبيراً ومربحاً للغاية في غيانا المجاورة، حيث تستخرج نحو 10 مليارات برميل من النفط الخام الخفيف، في بلد لا توجد فيه شركة نفط حكومية واحدة، ويتميز بنظام ضريبي أكثر ملاءمة، وهي “واحدة من أكثر مناطق النفط جاذبية في العالم”، بحسب وصف مونالدي لها.
وعلى النقيض من ذلك، وبمعزل عن المشاكل السياسية والتقنية في فنزويلا، فإن ظروف سوق النفط العالمية الحالية تجعل أي استثمارات إضافية واسعة النطاق غير مجدية، إذ أدى الفائض المستمر إلى انخفاض الأسعار إلى ما دون 60 دولاراً للبرميل، ما يعكس انخفاضاً بنحو 20% في عام 2025 وحده، حيث زادت دول منظمة “أوبك+” الإنتاج بعد سنوات من ضبطه، بينما أدى التضخم وعدم اليقين الاقتصادي العام إلى انخفاض الطلب، وبمعنى أخر، أن استخراج النفط الخام الثقيل في ظل الظروف الحالية يُعد غير مجد ولا جذاب على وجه الخصوص، لأنه يتطلب طاقة تكرير متخصصة أكبر، وتكاليف أعلى، وينتج عنه انبعاثات أكثر من البدائل الأخف مثل نفط غيانا.
وهنا تشير تقديرات شركة “تي دي سيكيوريتيز” الاستشارية إلى أن استعادة الإنتاج إلى مستويات مجدية تجارياً، يتطلب استثمارات رأسمالية تتراوح بين 20 و60 مليار دولار على مدار عشر سنوات، إذ يُقدّر الخبراء أن نقطة التعادل لسعر النفط الخام الفنزويلي تتراوح بين 60 و80 دولاراً للبرميل، وذلك بحسب افتراضات التكلفة، بينما تتراوح أسعار النفط القياسية حالياً حول 59.50 دولاراً.
استخراج النفط الفنزويلي حالياً يُعد غير مجد ونقطة التعادل السعري له تتراوح بين 60 و80 دولاراً للبرميل بينما أسعار النفط القياسية الآن حول 59.50 دولاراً
إذاً لن تتحقق العوائد المطلوبة إلا بعد فترة طويلة من الاستثمار الأولي، ما يُضعف جدوى المشروع، لا سيما مع توفر بدائل أفضل بكثير لدى كبار منتجي النفط، وفي غيانا، تُقدّر أسعار التعادل بنحو 35 دولاراً للبرميل، بينما يمكن أن تكون المشاريع في حوض بيرميان مجدية عند 48 دولاراً، وبالنظر إلى ثقل النفط الخام الفنزويلي وصعوبة معالجته، واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي، فمن المرجح أن يتطلب الاستثمار دعماً أو ضمانات كبيرة من واشنطن أو كاراكاس لتعويض المخاطر وتحسين العوائد.
الفساد والعزلة
لو وضعنا التحديات السابقة جانباً، فإنه ثمة مشكلة جوهرية في الجدول الزمني الذي طرحه ترامب، فهو غير واقعي أولاً، ويوحي بأن شركات النفط الأمريكية قادرة على التحرك بسرعة إلى فنزويلا لإصلاح نظامها المنهار ثانياً، فالحقيقة تفيد بأن هذا الأمر سيستغرق وقتاً طويلاً وشاقاً، لأن تجربة الولايات المتحدة في إعادة إحياء صناعات النفط التي تضررت جراء الحروب وخاصة في ليبيا والعراق ما تزال ماثلة أمام الجميع.
في العراق، وبمشاركة واسعة من شركات النفط الأمريكية، استغرق الأمر قرابة عقدين لاستعادة طاقته الإنتاجية النفطية بعد غزو عام 2003، أما ليبيا، فلم تحقق بعد تعافياً كاملاً ومستقراً إلى مستويات الإنتاج التي كانت سائدة قبل الإطاحة بزعيمها معمر القذافي.
في كلتا الحالتين، انطوت إعادة بناء قطاع النفط على تحديات أقل نسبياً، حيث عانى العراق وليبيا من دمار مادي واسع النطاق جراء الحرب، لكنهما احتفظا ببعض عناصر رأس المال البشري وتمكنا من جذب استثمارات إعادة الإعمار، أما التحدي الذي يواجه فنزويلا فهو أكثر تعقيداً، فحتى لو رُفعت العقوبات الأمريكية عن النفط الفنزويلي، فإن التعافي سيتطلب أكثر من مجرد رأس المال والأمن، حيث ستحتاج البلاد إلى إعادة بناء أصول حيوية مثل المعرفة المؤسسية وإدارة سلاسل التوريد.
وتعكس فنزويلا اليوم الصورة الحقيقية لقدرة الفساد والعزلة الاقتصادية وسوء الإدارة المؤسسية طويلة الأمد على تدمير قطاع الطاقة بالقدر نفسه الذي تفعله الحروب.
والحقيقة المؤلمة، تكمن في أن أي انتعاش لقطاع النفط في فنزويلا، إن حدث أصلاً، سيستغرق عقوداً لا سنوات، وسيتطلب ذلك استثمارات ضخمة، واستقراراً سياسياً مستداماً غير متوفر حالياً، وأطراً قانونية واتفاقات جديدة، وظروفاً سوقية أفضل وقد لا تتحقق أبداً، وهذا كله سيتطلب تغييراً في سلوك نفور الشركات من المخاطرة الذي تعكس بفعل التجارب الأخيرة لبعضها.
وفي غياب هذه الشروط، يصعب تصور مستقبل الاستثمار في فنزويلا وكيف ستستثمر شركات النفط رؤوس أموالها دون يكون هناك أي شكل من أشكال الضمان الحكومي، وهو ترتيب محتوم سينقل في نهاية المطاف مخاطر كبيرة إلى دافعي الضرائب الأمريكيين.

فنزويلا وحدود القوة الأميركية
أشار الرئيس ترامب إلى أن فنزويلا تمتلك ثروة نفطية استثنائية، لكن الفجوة بين تصريحاته المنتصرة والتقييمات الواقعية بالنسبة لخبراء الطاقة تكشف عن حقيقة جوهرية في الجغرافيا السياسية الحديثة، وهي أن النجاح العسكري لا يؤدي تلقائياً إلى نتائج اقتصادية، إذ أظهرت الولايات المتحدة قدرتها على تنفيذ غارة جريئة وإزالة زعيم فاسد، لكن الشيء الذي ما زال غير واضح هو ما إذا كانت تمتلك الصبر، والمهارة الدبلوماسية، والالتزام المالي لتحويل هذا الإنجاز التكتيكي إلى مكافأة استراتيجية طويلة الأمد وعد بها ترامب.
الفجوة بين تصريحات ترامب والتقييمات الواقعية لخبراء الطاقة تكشف عن حقيقة جوهرية بأن النجاح العسكري لا يؤدي تلقائياً إلى نتائج اقتصادية
أصبحت استراتيجية ترامب في فنزويلا بمثابة اختبار لرؤيته الأوسع للهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي، لكن الشيء المكتسبة بالقوة أثبت تاريخياً أنه هشة ومكلف في الحفاظ عليه، إذ لا يكمن التحدي الرئيسي الذي يواجه الإدارة في قدرة القوات الأمريكية على تنفيذ عمليات معقدة، فهي قادرة على ذلك بلا شك، لكن ما لو كانت السياسة الخارجية الأمريكية المُعاد ضبطها غير قادرة على بناء تحالفات متينة، وترسيخ الثقة، وإثبات القدرة على الصمود التي يبدو أن ترامب يتراجع عنها حالياً في أوروبا؟.
حالياً، لا يزال نفط فنزويلا على حاله منذ عقود، من إمكانات هائلة حبيسة في باطن الأرض، وإذا تحققت رؤية ترامب، وتمكن من إقناع شركات النفط بتجاوز شكوكها، فقد يتدفق المزيد من النفط، إلا أن الفائدة الأساسية لن تكمن في النفط نفسه، بل في معالجة الأسباب الجذرية للهجرة التي زعزعت استقرار المنطقة وأجبرت ملايين الفنزويليين على الفرار من وطنهم.
سيناريو التفاؤل يتطلب توافقاً سياسياً شبه كامل، بالإضافة إلى خطة موثوقة للتعامل مع ديون فنزويلا الخارجية البالغة قيمتها نحو 170 مليار دولار، أما المسار الأكثر احتمالاً فيشير إلى سنوات من عدم الاستقرار المُدار، حيث تتنافس أحزاب مختلفة على السلطة والوصول إلى عائدات نفط غير مؤكدة، فالولايات المتحدة تخاطر بجذب استثمارات إلى فخ مفتوح بالتزام غير واضح ونهاية تتميز بتدخلات متكررة، وردود فعل مختلفة من الحلفاء الإقليميين في أمريكا اللاتينية، واستمرار ضغوط الهجرة.
بالمحصلة، قد تستطيع أسواق النفط العالمية استيعاب انهيار كامل للإنتاج الفنزويلي نظراً للفائض الحالي، إلا أنها لا تستطيع بسهولة استيعاب الفوضى السياسية الناتجة عن ذلك، فلا يزال من غير المؤكد مدى تأثير غارة ترامب على القيادة السياسية في فنزويلا، وكذلك حول ما إذا كانت ستغير مسار فنزويلا، ومسار نصف الكرة الغربي ككل، وهو تساؤل لن يجيب عنه إلا الزمن، وربما عقود منه.




