تُعَدّ الضغوط الاجتماعية الداخلية المستمرة في إيران، والتآكل الاقتصاديّ المتفاقم، وتطوّر رسائل الردع، واستمرار الجمود الدبلوماسي، من الديناميكيات المهمّة التي لا ينبغي التعامل معها بوصفها أحداثاً عابرة أو مجرّد انعكاسات لخطابٍ إعلاميّ مستهلَك؛ بل إنّها مؤشّرات على تلاقي مجموعة من العوامل التي تُعيد تشكيل قوة طهران الداخلية وتموضعِها الخارجي ضمن بيئة دوليّة متعدّدة الأقطاب تتّسم بالضغط والتنافس الاستراتيجي.
واليوم يمكن تحديد مسار إيران، على نحوٍ متزايد، من خلال التفاعل بين الضغوط الاجتماعية والسياسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، واعتماد مقاربة أكثر أماناً لإدارة الشأن الداخلي؛ إذ أسهم هذا المزيج في تقليص القدرة على التنبؤ بتماسك النخب وسلوك السياسة الخارجية، وعليه، ينبغي التعامل مع الاضطرابات الداخلية لا بوصفها سلسلةً من موجات احتجاجية منفصلة، بل باعتبارها حالة هيكلية مستمرة تُضيّق تدريجياً هامشَ صنع القرار، وتُعيد تشكيل مستوى تقبّل القيادة للمخاطر مع مرور الوقت.
ينبغي التعامل مع الاضطرابات الداخلية لا بوصفها سلسلةً من موجات احتجاجية منفصلة بل باعتبارها حالة هيكلية مستمرة
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التحليل لا يركز على الاحتجاجات بوصفها أحداث عابرة، بل على الكيفية التي يعيد بها الضغط الداخلي المستدام صياغة حسابات طهران للمخاطر، وإشارات الردع، وأفقها الاستراتيجي.
وضمن هذا السياق، تستمرّ الرسائل الرسميّة الإيرانيّة في تأطير الصراع الداخلي من منظورِ التدخّل الخارجي، وهو ما يحوّل القضيةَ في حدّ ذاتها إلى الخارج ويعزّز منطق الأمن القومي بوصفه أداة للشرعيّة الداخليّة، غير أنّه، وتحت وطأة الضغوط المتراكمة، يصبح هذا التأطير أقلَّ كونه تكتيكاً تواصلياً عابراً، وأكثرَ كونه نمطاً مستداماً للحكم.
وهذا يشير إلى أنه على المستوى الاستراتيجي، لا يتمثّل هدف طهران في التصعيد لذاته، بل في إدارة المخاطر تحت وطأة ضغوطٍ طويلة الأمد؛ إذ تسعى القيادة إلى الحفاظ على السيطرة الداخلية ومصداقية الردع، مع تجنّب فتح جبهاتٍ جديدة قد تفرض تكاليف مفاجئة على نظام يعاني أصلاً من قيود متزايدة، غير أنّ الحاجة الملحّة إلى إظهار الصمود قد تدفع إلى تصعيد حدّة الإشارات الخارجية، بما يزيد من مخاطر سوء التفسير والحساب عبر ساحات إقليميّة متعدّدة.
وفي ضوء الخلفية السابقة، يتناول التحليل كيفية تقاطع المسار الداخلي لإيران مع ديناميكيات الأمن الإقليمي، ومع بيئات السياسات لدى الفاعلين الخارجيين الرئيسيين، بما في ذلك أوروبا والولايات المتحدة وروسيا والصين، وعليه، فإنّ فهم الموقف الراهن لطهران يقتضي الانطلاق من الساحة الداخلية، حيث بات الضغط المستدام يحدِّد، على نحوٍ متزايد، حدود سلوكها الخارجي.

الاستقرار الداخلي والضغوط الاقتصادية
في البداية، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المسار الداخلي لإيران غالباً ما يتم التعامل معه بوصفه منفصلاً عن تموضعها الإقليمي واستراتيجيتها الدولية، غير أنّ الاستقرار الداخلي يُشكّل، في الواقع، ركيزةً استراتيجيةً أساسية، فالضغوطُ الاجتماعية المستمرّة، وأزمات الشرعيّة، والتوتّرات الاقتصادية المزمنة، باتت تفرض قيوداً متزايدة على قيادة المرشد علي خامنئي وعلى المؤسّسة الأمنية الأوسع، بشكل يُعيد تعريف مستوى المخاطر الاستراتيجية التي تستطيع طهران تحمّلها بصورة واقعية.
ومع ذلك، لا تقتصر أهميةُ عدمِ الاستقرار الداخلي على كونه قد يكرر موجات الاحتجاج، بل لأنه يُقوض القدرة على التنبؤ على امتداد مستويات النظام كافّة؛ كما أنّه يُجبر صانعي القرار على تركيز الموارد على الرقابة الداخلية، ويُعزّز الاعتماد على أدوات الحكم القسريّة، ولكن في ظلّ الضغوط المستمرّة، يصبح الحفاظ على الاستقرار الهدف الأسمى، وتتحوّل السياسة الخارجية، على نحو متزايد، إلى امتداد للاستقرار الداخلي، بدلاً من أن تكون ساحةً لطموح استراتيجيّ مستقل.
وضمن هذا الإطار، تُفاقِم القيود الاقتصادية هذه الديناميكيّة؛ إذ يُقلل تفاقم العقوبات والضعف الهيكلي من قدرة طهران على تخفيف الضغوط الاجتماعيّة، والحفاظ على قدرتها على إعادة توزيع الموارد، أو الوفاء بالتزاماتها الخارجيّة دون تقديم تنازلات سياسيّة، كما أنّ الضغط الاقتصادي يُسرّع من التآكل السياسي، وعندها يصبح انعدامُ الأمن واقعاً يوميّاً يعيشه الإيرانيون، فيؤثّر في العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وعلى النقيض من ذلك، لا يقتصر الضغط الاقتصادي بالنسبة للإيرانيين على كونه قيداً فحسب، بل قد يُشجّع طهران على انتهاج سلوك تفاوضيّ أكثر حدّة؛ فعندما تنظر إلى سياسة الاحتواء بوصفها دائمة لا مؤقّتة، يصبح لديها حافز لرفع التكاليف المتوقَّعة للضغط، وتوسيع هامش التفاوض لديها من خلال أدوات تصعيدٍ انتقائيّة.
وهذا يشير إلى أنّ هذه العوامل لا تؤدّي تلقائياً إلى ضبط النفس أو إلى التصعيد، بل تعمل على تضييق نطاق السياسات المتاحة أمام طهران لإظهار قوّتها مع إدارة نقاط ضعفها؛ وهنا يصبح إظهار القدرة على الصمود ضرورةً استراتيجيّة، لا مجرّد خيارٍ للتواصل.
لذا، تُشكّل هذه البيئة الداخلية الضاغطة أيضاً الطريقة التي تُدرك بها إيران حساب الزمن واستراتيجيتها؛ فالنظام السياسي تحت ضغط مستمر يصبح أقلّ توجّهاً نحو المشاريع التحويلية المستدامة، وأكثر تركيزاً للحفاظ على الاستمرارية من خلال دورات متكرّرة من الصدمة والتعافي وإعادة التنظيم.
النظام السياسي تحت ضغط مستمر يصبح أقلّ توجّهاً نحو المشاريع التحويلية المستدامة وأكثر تركيزاً للحفاظ على الاستمرارية
وهذا ما يُفسّر سبب ظهور موقف طهران غالباً على أنّه تكيفيّ ومستمرّ، بدلاً من أن يكون ثورياً، وفي المقابل، تحدّد البيئة الداخلية الطريقة التي تمارس بها إيران نفوذها خارجياً، ولكن مع تضييق الخيارات السياسية، تصبح الإشارات أكثرَ مركزية، ويعتمد الردع بشكل متزايد ليس فقط على القدرة المادية، بل على الانطباع والإرادة المتصوَّرة.
إظهار القوة تحت القيود
من المعطيات السابقة، المتمثلة بالضغوط الداخلية والاقتصادية، ينبغي فهم الإشارات الأمنية الإيرانية الأخيرة على أنّها محاولة للحفاظ على مصداقية الردع ضمن حدود هيكليّة واضحة؛ فطهران لا تعمل بحرّية مطلقة، وتعكس رسائلُها الخارجية نفس القيود الداخلية التي تحدّ من قدراتها التقليدية.
وهذا ما يوضّح سبب اعتبار الإشارات الأخيرة من إيران إعادة تنظيم بدلاً من انقطاع جذري؛ فالتفسير الأكثر منطقية هو أنّها تعديلات تتم من خلال الغموض المُدار، وليس تحوّلاً جوهرياً في العقيدة، إذ يهدف هذا النهج أولاً، إلى إظهار القدرة والاستعداد، مع الحفاظ على درجة من عدم اليقين بشأن النوايا والتوقيت وحدود التصعيد، وثانياً إلى توفير مجال لتجنب النزاعات المباشرة، في الوقت الذي تسعى فيه طهران للحفاظ على خيارات تصعيد ذات مصداقية.
كما يؤدي هذا الموقف وظائف عدة في آن واحد؛ فعلى المستوى الخارجي، يعقّد حسابات الخصوم ويثنيهم عن اتخاذ خطوات استباقية من خلال رفع التكاليف المتوقعة، وكذلك يشير إلى أنّ طهران تحتفظ بعدّة قنوات للرد، تشمل الخيارات التقليدية وغير المتماثلة، وربطها بالفاعلين بالوكالة.
أما على المستوى الداخلي، فإن هذا الموقف يعزّز سرديات السيادة والسيطرة في وقت يتعيّن فيه على القيادة الإيرانية التعامل مع مؤشرات التوتر الظاهرة، ولكن في الأنظمة التي تعاني من ضغوط، غالباً ما تُستخدم رسائل الردع كأداة لتحقيق الاستقرار، بما يعزّز تماسك النخب من خلال إظهار الاستمرارية والكفاءة.
ومع ذلك، يمكن أن يؤدي نفس الخطاب الذي يعزّز الردع إلى توليد حالة من عدم الاستقرار؛ فالأفعال المصمَّمة للردع قد تُفسَّر على أنّها تحضيرات للتصعيد، لا سيما في بيئات منخفضة الثقة، حيث تكون عمليات اتخاذ القرار تحت الضغط، وقد يقرأ الخصوم إشارات إيران على أنّها أكثر عدوانية مما يُقصد بها، في حين قد تفسّر طهران الإجراءات الدفاعية للآخرين على أنّها دلائل على مواجهة وشيكة.
وبالتالي، فإن الخطر الأساسي لا يكمن في التوجّه الإيراني الأقصى المتعمّد بقدر ما يكمن في تأثيرات التفاعل بين الإشارات والردود؛ فقد تؤدي تحركاتُ الردع إلى ردودٍ مقابلة تُسرّع من وتيرة التصعيد أسرع مما تستطيع القيادة السياسية سيطرة عليه، لا سيما عندما تضغط الأزمات على الجداول الزمنية وتقلّص مساحة التوضيح أو تفادي النزاعات.
تؤدي تحركاتُ الردع إلى ردودٍ مقابلة تُسرّع من وتيرة التصعيد أسرع مما تستطيع القيادة السياسية السيطرة عليه
وهذا يشير إلى أنّ التلويح بالردع يُعدّ أمراً بالغ الأهمية، ولكنه في الوقت نفسه ينطوي على مخاطر متزايدة؛ إذ يُرسي دعائم استراتيجية طهران للصمود، بينما يزيد من احتمالية سوء الفهم والتقدير، حيث تتفاقم هذه المخاطر في الساحة الإقليمية، إذ لا يقتصر الردع على التلويح به فحسب، بل يُمارَس أيضاً عبر شبكات نفوذ وسلطة متفرّقة.
مسارات التصعيد
تؤثر الديناميكيات الداخلية لإيران بشكل مباشر على المنطقة، لأن العناصر الرئيسية لهندستها للردع تنتقل إلى الخارج عبر مسارح متعددة، إذ يتم الحفاظ على العمق الاستراتيجي ليس فقط من خلال قدرات الدولة، بل عبر شبكة موزعة من الشراكات والفاعلين غير الحكوميين المتوافقين معها، حيث يولّد هذا النموذج نفوذاً ومرونة، لكنه في الوقت نفسه يضيف عنصر التقلب، خصوصًا عندما تتطور الأزمات بسرعة ويضيق هامش السيطرة.
وهذا يشير إلى أن هذا الواقع يتعزز بحقيقة أن البيئة الإقليمية تكافئ الغموض أكثر من التسوية، فموقف طهران مصمم للحفاظ على النفوذ، مع العمل دون تجاوز عتبة الحرب المباشرة، ومع ذلك، تكمن المشكلة في أن نفس البنية تزيد من نقاط الاحتكاك، فتنشيط الفاعلين بالوكالة، والحوادث البحرية، ودورات الرد الانتقائي المحسوب، يمكن أن تحوّل الضغوط المسيطر عليها إلى تصعيد غير مستقر، حتى عندما يكون القصد الأصلي محدوداً ونفعياً.
هذا التفاعل لا يظهر بوضوح في أي مكان كما هو الحال في منطقة الخليج، فالمنطقة لا تزال عرضة بشكل خاص للتصعيد السريع نظراً لكثافة الأصول العسكرية، وحساسية الممرات البحرية، والأهمية السياسية لأمن الطاقة، حيث يؤدي حادث محدود إلى سلسلة من ردود الفعل التي يصعب التراجع عنها بسرعة، إذ يتضافر غموض تحديد المسؤولية، والضغط من أجل استجابة فورية، والمخاطر الاقتصادية الكبيرة، لتقصير دورات اتخاذ القرار وزيادة احتمالية التصعيد.
أما خارج منطقة الخليج، غالباً ما يكون تصعيد الصراع أكثر صعوبة في السيطرة عليه في مسارح العمليات الأوسع في الشرق الأوسط، حيث تعمل جهات فاعلة متعددة بهياكل قيادة غير متكافئة وحوافز متباينة، ما يجعل التنسيق وتجنب الصدام هش هيكلياً، حتى عندما تسعى طهران إلى ممارسة ضغط مدروس، يمكن أن يتحول الزخم العملياتي بسرعة من مجرد توجيه إشارات إلى رد فعل انتقامي، وهذه ثغرة متأصلة في الردع القائم على الوكلاء، فهو يُولّد نفوذاً، ولكنه يُضعف السيطرة المركزية بمجرد تفاقم الأزمة وبدء الجهات الفاعلة بالاستجابة للأحداث بدلاً من النوايا.
والسؤال المطروح الآن، هو هل سيدفع الضغط الداخلي المستمر إيران نحو التحفّظ أم نحو تعزيز الردع الخارجي؟، والنتيجة الأكثر احتمالاً هي أن تحاول طهران القيام بالأمرين في الوقت نفسه، حيث تسعى لإظهار الصمود والحفاظ على النفوذ الإقليمي، مع محاولة احتواء التصعيد، وهذه الموازنة صعبة الاستدامة بطبيعتها، لا سيما عندما تضغط الأزمات على الجداول الزمنية وتقلل مساحة المناورة.
النتيجة الأكثر احتمالاً أن تحاول طهران القيام بالأمرين معاً حيث تسعى لإظهار الصمود والحفاظ على النفوذ مع محاولة احتواء التصعيد وهذه موازنة صعبة
أما الأهم من ذلك، أن عدم الاستقرار الإقليمي لا يقتصر على المنطقة نفسها، بل يؤثر أيضاً على المواجهة الإيرانية مع الجهات الفاعلة الغربية، لا سيما من خلال الربط بين إدارة التصعيد وإنفاذ العقوبات والملف النووي.
أمريكا وأوروبا والملف النووي
في هذا السياق، يتشكّل موقف إيران تجاه الغرب بفعل غياب إطار دبلوماسي مستقر، وبفعل بنية الردع والعقوبات المصمّمة لإدارة التصعيد بدلاً من حله، إذ تظل الولايات المتحدة الفاعل الذي يحدّد سقف التصعيد الأساسي من خلال موقفها الردعي، وبنيتها العقابية، وقدرتها على فرض أو تخفيف الضغوط الاقتصادية.
أما أوروبا، وعلى الرغم من كونها أقل تأثيراً من واشنطن، فتبقى على التوافق المؤسّسي، وخيارات التنفيذ، والإشارات الدبلوماسية.
من وجهة نظر طهران، يتسم المناخ الغربي بالاحتواء دون تسوية، وتركّز السياسة الأمريكية على الردع والضغط والسيطرة على الأزمات، مع تجنّب المواجهة المفتوحة إلا عند تجاوز عتبات حرجة، حيث ينتج عن هذا النهج توازنٌ ديناميكي تختبر فيه إيران الحدود تدريجياً، بينما تردّ الولايات المتحدة بشكل انتقائي لمنع التصعيد من الخروج عن السيطرة، إذ لا ينتج عن ذلك استقرار، بل توقّع للمواجهة، حيث تصبح الإشارات والضغط والردّ التكتيكي أدوات تواصل روتينية لكلا الجانبين.
وعلى النقيض من ذلك، لا يمكن تفسير سلوك طهران على أنّه استفزاز فحسب، بل هو بمثابة تفاوض قائم على المخاطرة، في سياق لا تزال فيه الحركة الدبلوماسية الرسمية محدودة.
وما يجب التذكير به هنا أنّ دور أوروبا يتمثل في التأطير التنظيمي والتأثير الثانوي؛ فالضغط الأوروبي يزيد من التكاليف المتعلقة بالسمعة ويعزّز العزلة الاقتصادية، لكنه نادراً ما يغيّر من أولويات طهران الأمنية الأساسية عندما تنظر القيادة الإيرانية إلى القضية بوصفها وجودية، ولكن النفوذ الأوروبي يزداد أهميةً عندما تتصاعد إجراءات الإنفاذ، أو عندما تشير المؤشرات السياسية إلى تماسك أو تشرذم ضمن الموقف الغربي الأوسع.
في الوقت الحالي، يُمثّل الملف النووي نقطة التقاء هذه الديناميكيات؛ فالجمود الدبلوماسي ليس مجرد توقف مؤقت، بل أصبح حالة استراتيجية، واليوم القضية النووية بالنسبة لطهران، تُشكّل ورقةَ ضغطٍ في المفاوضات وآليةَ ضمان، أما بالنسبة للجهات الفاعلة الغربية، فهي لا تزال تُشكّل مبرّراً رئيسياً للعقوبات، وإطاراً لإدارة مخاطر التصعيد.
لكن في غياب مسارات تسوية موثوقة، يصبح الملف النووي مرتبطاً هيكلياً بديناميكيات التصعيد الإقليمي؛ فهو يمنح طهران أداة لممارسة ضغط محسوب بدقة، قادر على رفع مستوى التوتر دون فرض مواجهة فورية، وفي الوقت نفسه، يزيد من خطر تحول التحركات النووية التكتيكية إلى محفّزات لتصعيد أوسع للأزمة، لا سيما إذا خلصت واشنطن إلى أنّ عتبات معينة قد تم تجاوزها.
وهذا يشير إلى أنّ العقوبات ستظلّ تشكّل قيداً هيكلياً، لكنها في الوقت نفسه تعزّز تفضيل طهران للتفاوض متعدد الأقطاب واستخدام الأدوات غير المتماثلة، ونتيجةً لذلك، تبقى السياسة الغربية وديناميكيات الأزمات الإقليمية مترابطة بشكل وثيق، حتى عندما يحاول الفاعلون التعامل معهما كمسارين منفصلين.
من جانب آخر، تزيد هذه العلاقة من قيمة التحوّط الخارجي، مع وجوب التوضيح أنّ طهران لا تتحرك في هذا السياق الغربي بمعزل عن الآخرين، وأن قدرتها على الحفاظ على النفوذ تتشكّل جزئياً من خلال محدودية المساحة الاستراتيجية المتاحة عبر روسيا والصين.
روسيا والصين كقنوات للتحوط
ترى إيران في علاقاتها مع موسكو وبكين أنّها محور استراتيجيّ حاسم، حيث تشير تقييمات أكثر واقعية إلى أنّ طهران تسعى من خلال هذه العلاقات إلى التحوّط لا الاعتماد الكامل، إذ توفر القوتان بعض المنافذ الجزئية التي تقلّل من العزلة، لكنها لا تمثّل أيّاً منهما راعٍ استراتيجيّ قادر على تحييد نقاط الضعف الجوهرية لإيران.
وانخراط روسيا يعكس تقارباً مشروطاً تشكّل بفعل التوتر المشترك مع الغرب، إذ تستفيد إيران من غطاء سياسي، وتعاون أمني انتقائي، وقنوات اقتصادية تُسهم في تخفيف الضغط، إلا أنّ الدعم الروسي يبقى مُقيّداً بمصالح موسكو، ومن غير المرجح أن تدعم تصعيداً إيرانياً قد يُشعل حرباً إقليمية خارجة عن السيطرة أو يُكبّد روسيا نفسها خسائر مباشرة، وبالتالي، تكتسب طهران مرونةً تكتيكية بدلاً من ضمانات استراتيجية.
الدعم الروسي يبقى مُقيّداً بمصالح موسكو ومن غير المرجح أن تدعم تصعيداً إيرانياً قد يُشعل حرباً إقليمية خارجة عن السيطرة
هذا التميّز في العلاقات يعدّ أمراً بالغ الأهمية، فالتعاون الروسي قد يوسّع خيارات إيران على المدى القريب، لكنه لا يغيّر من مدى انكشافها الهيكلي للضغوط الغربية، كما أنّ استعداد موسكو للتعاون سيتذبذب تبعاً لتغير دوافعها، لا سيما عندما تعيد روسيا ترتيب أولوياتها الواسعة، بينما تنظر طهران إلى روسيا كعلاقة تمكينية، لا كركيزة أمنية.
أما موقف الصين، فهو يتسم بالبراغماتية، وإن كان مدفوعاً بمنطق مختلف؛ فالجمهورية الإسلامية تقدم قيمة مهمة في مجال الطاقة وفائدة جيوسياسية ضمن بيئة أوسع من التنافس المنهجي مع الغرب، وفي الوقت نفسه، تُعطي بكين الأولوية للاستقرار وتحدّ من انكشافها على أزمات الشرق الأوسط، أي أنّ الانخراط الصيني يمكن أن يوفر حيزاً اقتصادياً ونطاقاً دبلوماسياً أوسع، لكنه لا يُغني عن الراحة المنهجية التي ستجنيها إيران من إعادة الاندماج في الأسواق العالمية، حيث تُعزّز الصين القدرة على الصمود، لكنها لا تُزيل القيود.
توسّع روسيا والصين، مجتمعتين، هامشَ المناورة المتاح لطهران مع الحفاظ على نقاط ضعفها الأساسية، وتكمن أهميتهما في تحديد قدرة إيران على الصمود، لا في إزالة بيئة الضغط التي لا تزال تُؤثر على خيارات طهران الاستراتيجية.

اختبار صمود طهران
في الفترة المقبلة، من المرجح أن تظل طهران ملتزمة باستراتيجية الصمود المحسوب، ولكن المتغير الرئيس ليس ما إذا كانت إيران تواجه ضغوطاً، بل الكيفية التي سيعيد بها الضغط المستمر تشكيل مستوى تقبّل المخاطر، وأفقها الزمني الاستراتيجي، وإدارة التصعيد، إذ يهدف هذا النهج إلى الحفاظ على مصداقية الردع والسيطرة الداخلية، مع تجنّب المواجهة المفاجئة والمكلفة بشدة.
واليوم، لا ينتج هذه المنطق مساراً واحداً، بل عدة سيناريوهات صمود متميزة:
الأول، يجمع بين ضغوط داخلية مرتفعة وإدارة متقنة للتصعيد، ففي هذا السيناريو، ستعتمد طهران على الإشارات، والضغط الانتقائي، والغموض المسيطر عليه، مع تجنّب الخطوات التي قد تثير ردّاً خارجياً حاسماً، إذ ستستمرّ الاحتكاكات، لكن التحفّظ سيظل قائماً عند عتباتٍ أعلى.
الثاني يربط بين الضغوط الداخلية المستمرة وسلوك ردع أكثر حزماً على طول المحيط الإقليمي، ففي هذا السيناريو، ستولي طهران اهتماماً أكبر بالنفوذ الخارجي ورفع استعدادها لفرض تكاليف، مع الاستمرار في محاولة إدارة سقف التصعيد، حيث سيزيد هذا من احتمال وقوع أزمات متقطعة، لا سيما عبر ديناميكيات الفاعلين بالوكالة والاحتكاكات البحرية، دون أن يشير بالضرورة إلى نية الانخراط في حرب نظامية.
الثالث يعكس استقراراً داخلياً جزئياً وتحولاً نحو إدارة المخاطر بشكل أكثر هيكلية، ففي هذا السيناريو، قد تسعى طهران لتقليل تعرضها لدورات التصعيد السريعة واتباع تفاوض أكثر انضباطاً، لا سيما عند تقاطع تخفيف العقوبات والإشارات النووية، حيث سيشكّل هذا إعادةَ تنظيم، لا إعادة ترتيب استراتيجي كامل.
عبر جميع هذه السيناريوهات، يبقى هناك قيدٌ دائم يتمثّل في أنّ التصعيد ليس دائماً قابلاً للسيطرة المركزية، فكلما تم تنفيذ الردع من خلال شبكات متفرّقة وحدود غامضة، ارتفعت المخاطر بأن تؤدي الأحداث التكتيكية إلى عواقبَ استراتيجية.
وبالتالي، فإن استدامة نهج طهران يعتمد على الحفاظ على التماسك الداخلي، وإدارة الضغوط الاقتصادية، والحفاظ على السيطرة عبر تسلسل الأزمات، في بيئة يعمل فيها الخصوم أيضاً ضمن جداول زمنية مضغوطة.
متانة وحدود الصمود
بالمحصلة، يُفهم مسار طهران على أفضل وجه من خلال منظور الصمود الاستراتيجي وإدارة المخاطر، وهنا لا يكمن السؤال المحوري في قدرة إيران على إظهار المرونة على المدى القصير، بل في مدى استدامة استراتيجيتها الصمودية في ظل الضغوط المتراكمة، إذ يعتمد التعامل مع الغموض المُدار على الوقت والسيطرة وحدود التصعيد المتوقعة، وهي شروط نادراً ما توفرها الأزمات الإقليمية، ونتيجةً لذلك، تستمر ديناميكيات الوكالة والاحتكاكات البحرية وعمليات الردّ في توليد مسارات متكررة لسوء التقدير.
أما على الصعيد الخارجي، فمن المرجح أن يبقى الجمود في الملف النووي شرطاً استراتيجياً، ما يُعزز الربط بين إنفاذ العقوبات وإدارة التصعيد، وستواصل روسيا والصين توفير ثغرات جزئية، لكن يبقى تعاملهما ذا طابع تبادلي، بشكل يُوسّع خيارات طهران دون القضاء على نقاط ضعفها الأساسية.
في نهاية المطاف، يظل نموذج الصمود قائماً طالما حافظت طهران على تماسكها الداخلي، وتحملت الضغوط الاقتصادية، وأدارت تسلسل التصعيد عبر جبهات متعددة، حيث تظهر حدود هذا النموذج عندما تضعف هذه الركائز في آنٍ واحد، ويتحوّل الردع من إدارة المخاطر إلى تصعيدٍ خارج عن السيطرة تماماً.




