الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022 أعاد تشكيل مشهد الردع في أوروبا بصورة مباشرة، كما أن حالة عدم اليقين السياسي التي أعقبت عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أدت إلى إحياء الدعوات لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، وعمّقت في الوقت نفسه الشكوك داخل العواصم الأوروبية بشأن موثوقية الردع النووي الأميركي على المدى الطويل.
ونتيجة لذلك، أسهمت الحرب في تسريع جهود أوروبا لبناء منظومة ردع أكثر مرونة ومتعدد الطبقات وقدرة على الصمود، إذ لم يعد هذا النقاش محصوراً بالدور التقليدي للقوات النووية البريطانية والفرنسية، بل امتد ليشمل خيارات الضربات التقليدية بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي المتكاملة، إضافة إلى هياكل قيادة وسيطرة أكثر صلابة على طول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومن المرجح أن يتسارع هذا التحول خلال الأشهر الـ12 إلى الـ24 المقبلة، بما يزيد في آنٍ واحد من تعقيد الردع ومخاطر التصعيد في الجانب الشرقي الأوروبي.
تأتي هذه التحوّلات في توقيت بالغ الأهمية، فمنذ عام 2022، لم تكتفِ روسيا بتوسيع نطاق رسائلها النووية، بل أعلنت خططاً لنشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، وقامت بمراجعة عقيدتها النووية، وأرست أسس اقتصاد حرب موجَّه نحو مواجهة طويلة الأمد مع الغرب، وفي الوقت ذاته، أسهم انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتزايد الجدل حول متانة الضمانات الأمنية الأمريكية، والنقاشات العلنية الواسعة بشأن ترتيبات توزيع الأسلحة النووية، في نقل قضايا كانت حكراً على دوائر الخبراء إلى صميم السياسة الأمنية الأوروبية.
وعليه، فإن ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية النووية” لم يعد مجرد احتمال نظري أو افتراض تحليلي، بل بات واقعاً آخذاً في التشكل، ومن شأنه أن يوجّه خيارات الردع في أوروبا خلال السنوات المقبلة.
“المنطقة الرمادية النووية” لم تعد مجرد احتمال نظري أو افتراض تحليلي بل بات واقعاً آخذاً في التشكل ومن شأنه أن يوجّه خيارات الردع في أوروبا
من المواجهة إلى المنطقة الرمادية النووية
يرى المعهد الفنلندي للشؤون الدولية أن مزج روسيا بين الضغط في المنطقة الرمادية، وقدراتها على توجيه ضربات تقليدية بعيدة المدى، وتهديداتها النووية الصريحة، يُجبر حلف الناتو على إعادة النظر في الدفاع عن “خط المواجهة” الممتد من أقصى الشمال إلى البحر الأسود.
وفي الوقت نفسه، يُحدد تحليل حديث أجراه المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ثلاثة مسارات محتملة للردع الأمريكي الممتد في أوروبا، تتراوح بين أزمة ثقة يمكن إدارتها إلى انسحاب استراتيجي محتمل، كما يُبين التحليل كيف تُؤثر الثقة السياسية بشكل مباشر على مصداقية ومرونة خيارات رد الحلفاء.
من جانبها، عمدت موسكو إلى توسيع نطاق رسائلها النووية، فمنذ عام 2022، استخدمت روسيا مراراً وتكراراً التهديدات النووية الصريحة والضمنية لردع التدخل المباشر لحلف الناتو، وتقييد الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، وتصوير الحرب على أنها مسألة وجودية بالنسبة لها، حيث أصبح تسخير الغموض النووي عنصراً أساسياً في السياسة الخارجية الروسية.
ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه التطورات إلى نشوء سباق تسلّح نووي تقليدي في أوروبا الشرقية، بل بدأت تظهر ما يُعرف بـ”المنطقة الرمادية النووية”، إذ يواصل حلف الناتو الامتناع عن نشر أسلحة نووية في الدول الأعضاء الجديدة، بينما أصبحت بولندا وفنلندا ورومانيا محورية في التخطيط والبنية التحتية النووية ذات الصلة بالناتو، وكذلك في دعم قدرات الضربات التقليدية بعيدة المدى، ورغم التزام هذه الدول الكامل بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، إلا أن أهميتها الاستراتيجية قد ارتفعت بشكل كبير، ما يجعلها جزءاً أساسياً من الحسابات النووية الروسية.

من مظلة أمريكا إلى الردع متعدد الطبقات
أدى تطور البيئة الاستراتيجية إلى إعادة نظر معمقة في بنية الردع الأوروبية، وتؤكد التحليلات الأكاديمية والسياسية، بما في ذلك تلك الصادرة عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، أن الردع النووي الأمريكي الموسع لا يزال الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، حيث تستكشف هذه الدراسات سيناريوهات يُطلب فيها من الدول الأوروبية تحمل مسؤولية أكبر عن دفاعها، بما في ذلك دور أكثر بروزاً للقوات النووية البريطانية والفرنسية، فضلاً عن الحاجة إلى استثمار كبير في القدرات التقليدية المتقدمة.
حث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأوروبيين مراراً على الانخراط في نقاش جاد حول دور الترسانة النووية الفرنسية ضمن إطار أوسع للأمن الأوروبي، ففي خطاب له عام 2020، شدد على أن العقيدة النووية الفرنسية تتضمن بالفعل «بُعداً أوروبياً»، وفي عام 2025، وسط تصاعد الإشارات النووية الروسية واستمرار حالة عدم اليقين بشأن الالتزامات الأميركية طويلة المدى، جدّد دعوته لإجراء حوار منظم حول الردع النووي الأوروبي، وتشير التقارير الإعلامية إلى أن بولندا ودول البلطيق قد رحبت بحذر بهذه المبادرات، معتبرة إياها ليس كبديل لمظلّة الولايات المتحدة، بل كتكملة استراتيجية محتملة.
في خضم النقاشات الأخيرة، يبرز مسار مشترك، فأوروبا تنتقل تدريجياً، وإن كان ذلك على نحو متفاوت، من نموذج الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة نحو بنية ردع متعددة الطبقات، وفي هذا الإطار الناشئ، تضطلع الدول الواقعة على الجناح الشرقي بدور أكثر أهمية، ليس من خلال استضافة أسلحة نووية، بل من خلال توفير البنية التحتية والقدرات والموقع الجغرافي الذي يمنح الحلف عمقاً استراتيجياً إضافياً.
لكي ينجح نظام الردع متعدد الطبقات، ينبغي أن يُنفذ خطوات متعددة في آن واحد تقريباً، إذ يجب أن يرفع تكلفة الخيارات العسكرية الروسية ويُقلل من احتمالية اللجوء إليها دون عتبة الطاقة النووية، كما يجب أن يحافظ على الظروف السياسية والعملياتية التي تجعل الردع النووي الأمريكي الموسع ذا مصداقية، حتى في حال اشتدت النقاشات داخل التحالف حول تقاسم المسؤوليات، حيث ينبغي أن يحمي نظام عدم الانتشار النووي من خلال إقناع الدول المعرضة للخطر بأن اندماجها الأعمق في هياكل الردع الحليفة يُعد خياراً أكثر أماناً وفعالية من السعي إلى امتلاك قدرات نووية وطنية.
نجاح نظام الردع متعدد الطبقات رهن تنفيذ خطوات متعددة في آن واحد تقريباً
وبشكل عملي، يُقاس نجاح هذا النهج من خلال مؤشرات واضحة وقابلة للرصد، ومن أبرز هذه المؤشرات: مدى امتثال روسيا لخطوط الناتو الحمراء وتجنبها استعراض القوة المباشر؛ وقدرة الحلف على نشر وصيانة قدرات الضربات بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، وهياكل القيادة والسيطرة المرنة في أوروبا الشرقية، دون أن تعيق الخلافات السياسية الداخلية فعاليته؛ واستمرار النقاش العام في بولندا وفنلندا ورومانيا ضمن إطار الاندماج في هياكل الناتو، بعيداً عن المطالبة بخيارات نووية مستقلة.
أهمية الدول غير النووية
يعتمد مفهوم “المنطقة الرمادية النووية” على حجة غالباً ما يتم تجاهلها، مفادها بأن الردع النووي المستدام لا يتحدد بموقع الرؤوس الحربية فحسب، بل ينبع من مصداقية ومرونة وتماسك السياسة الكاملة للردع، بما في ذلك المكونات غير النووية، وكما توضح دراسة حديثة أجراها المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية حول الردع النووي المستدام الأمريكي في أوروبا، فإن المتغيرات الحاسمة هي وحدة الحلف واتساع خيارات الاستجابة الموثوقة، وليس عدد القنابل الثقيلة المخزنة على الأراضي الأوروبية.
تُبرز الأبحاث الصادرة عن مركز الدراسات الأمنية في المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ تحولاً مفاهيمياً مماثلاً، فقد انتقلت النقاشات الأوروبية من التركيز على حصر الرؤوس الحربية إلى إدارة مخاطر التصعيد في بيئة تتفاعل فيها المجالات النووية والتقليدية والسيبرانية والفضائية ضمن أطر ردع متكاملة، وأصبح السؤال الأساسي هو كيفية منع التصعيد غير المقصود في الأزمة مع روسيا مع الحفاظ على ردع موثوق به في كل مرحلة من مراحل التصعيد.
وفي هذا السياق، لم تعد قدرات الضربات التقليدية عالية الدقة، وأنظمة الدفاع الصاروخي المتكاملة، وهياكل القيادة والسيطرة المرنة، إضافات هامشية، بل أصبحت عناصر أساسية في وضع ردع موثوق، وتُظهر دراسة حديثة أجراها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) كيف تستثمر الجيوش الأوروبية في النيران بعيدة المدى لسد “فجوة القدرات” بين المدفعية التقليدية والخيارات النووية، ما يرفع تكلفة العدوان الروسي مع الحفاظ على عتبات نووية مرتفعة بشكل متعمد.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم “المنطقة الرمادية النووية” الناشئة على أنها مساحة تظل فيها الدول غير نووية وفقاً لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، لكنها تكتسب أهمية نووية كبيرة، فالموقع الجغرافي، والبنية التحتية، والقدرات التقليدية المتقدمة تجعل هذه الدول لا غنى عنها في تخطيط الناتو للردع، رغم عدم وجود نشر للأسلحة النووية على أراضيها، ورغم أن تزايد أهميتها الاستراتيجية لا ينتهك التزاماتها تجاه المعاهدة، إلا أنه يغير ميزان القوى الاستراتيجي في أوروبا بطريقة لا يمكن لروسيا تجاهلها.
بولندا
تُعدّ بولندا أبرز مثال على دولة لا تزال رسمياً غير نووية، ومع ذلك أصبحت محورية في موقف حلف الناتو النووي، سياسياً، برزت وارسو كأحد أقوى الداعمين لاتفاقية أكثر فعالية لتقاسم الأسلحة النووية في الناتو، وقد صرّح مسؤولون بولنديون رفيعو المستوى، بمن فيهم الرئيس السابق أندريه دودا، علناً بأن استضافة الأسلحة النووية الأمريكية من شأنها تعزيز الردع وتوزيع المخاطر والمسؤوليات الاستراتيجية بشكل أكثر عدلاً في جميع أنحاء الحلف.
وفي الوقت نفسه، تستثمر بولندا بشكل مكثف في قدرات الضربات التقليدية الدقيقة بعيدة المدى، إذ توثّق تحليلات حديثة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) ودراسات صادرة عن مركز الأبحاث الفرنسي (Ifri) في باريس خطط وارسو لاقتناء صواريخ كروز برية بعيدة المدى وقدرات متطورة للمدفعية الصاروخية، يُشار إليها أحيانًا بـ”توماهوك أوروبي”، بما يمكّنها من تهديد أهداف روسية عالية القيمة على مسافات تتجاوز بكثير حدودها الوطنية، وتتزامن هذه التطورات مع تعزيز أمريكي كبير على الأراضي البولندية، يشمل انتشار قوات بشكل دوري ومعدات مُخزّنة مسبقاً، وهو ما يحوّل بولندا مجتمعةً إلى محور لوجستي وعملياتي بالغ الأهمية على الجناح الشرقي لحلف الناتو.
من وجهة نظر موسكو، فإن الجمع بين احتمالية مشاركة بولندا مستقبلاً في ترتيبات تقاسم الأسلحة النووية لحلف الناتو، وتوسع قدراتها الهجومية التقليدية بعيدة المدى بوتيرة متسارعة، يجعلها عنصراً محورياً في بنية الردع للحلف، حتى في غياب الرؤوس الحربية النووية البولندية تماماً، مع ذلك، ينظر حلف الناتو إلى هذه التطورات على أنها متوافقة تماماً مع معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وأنها ردود فعل متناسبة على عدوان روسيا وإكراهها النووي وتهديداتها المستمرة.
فنلندا
أدى انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أبريل 2023 إلى تغيير جذري في الخريطة الاستراتيجية لشمال أوروبا، وكما توضح الوثائق الفنلندية الرسمية، فإن العضوية تستلزم التوافق التام مع سياسة الناتو النووية وموقفه الرادع الأوسع، في حين تؤكد هلسنكي في الوقت نفسه التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية ووضعها كدولة غير نووية، من جانبه، يؤكد الناتو أن اندماج فنلندا يشمل التخطيط والتدريبات والقيادة، دون أن يتضمن نشر أو نقل الأسلحة النووية.
لكن ما تغير هو خيارات الحلف للردع والدفاع في أقصى الشمال ومنطقة البلطيق الأوسع، إذ تساهم فنلندا بواحدة من أحدث القوات الجوية وأكثرها جاهزية قتالية في أوروبا، وقدرات متقدمة في جمع المعلومات الاستخباراتية والمراقبة والاستطلاع، ونموذج دفاع وطني يتمتع بمرونة استثنائية، حيث تعمل هذه الأصول مجتمعة على توسيع نطاق ممرات الناتو المحتملة للتمركز والمراقبة والعبور والتعزيز في أي أزمة تشمل روسيا.
ويصف تقرير حديث صادر عن معهد الشؤون الدولية الفنلندي هذا التطور بأنه ظهور خط جبهة ممتد، حيث تضطلع دول الشمال بدور محوري في موازنة قدرات الضربات بعيدة المدى الروسية والضغط الهجين.
من منظور موسكو، فإن تحول فنلندا من حالة الحياد العسكري الطويلة الأمد إلى العضوية الكاملة في الناتو يغيّر خريطة العمليات تقريباً بين عشية وضحاها، فمسارات الطيران المحتملة للطائرات التابعة للناتو، وعمق التغطية الاستخباراتية، وسرعة تعزيز القوات، كلها تتغير بطرق لا يمكن للمخططين الروس تجاهلها، ومع ذلك، لم تتحرك أي أسلحة نووية شمالاً، ومن ثم، تمثل فنلندا نموذجاً للمنطقة الرمادية النووية؛ إذ يزيد اندماج هلسنكي في مشاورات الناتو النووية من أهميتها النووية بشكل كبير، دون أن يغيّر وضعها القانوني أو السياسي كدولة غير نووية.

رومانيا
تشكّل رومانيا الركيزة الجنوبية للمنطقة الرمادية النووية الناشئة، فهي تستضيف أحد أهم أصول الدفاع الصاروخي الباليستي في حلف الناتو: نظام «إيجيس آشور» الأميركي في ديفيسيلو، والذي يُعد جزءاً أساسياً من بنية الدفاع الصاروخي متعدد الطبقات للحلف، وتشير الوثائق الرسمية للناتو صراحةً إلى رومانيا كدولة مضيفة رئيسية، مؤكدة أن النظام مصمم للتصدي للتهديدات الصاروخية الباليستية المحدودة القادمة من خارج منطقة أوروبا الأطلسية، وهو ما يهدف إلى التأكيد على طابعه الدفاعي.
ومع ذلك، فإن تفعيل ديفيسيلو، إلى جانب بطاريات باتريوت وتوسع الوجود المستمر لحلف الناتو، يحمل تبعات استراتيجية كبيرة على حسابات روسيا في منطقة البحر الأسود، فقد تضررت رومانيا مراراً من سقوط حطام الطائرات المسيرة والصواريخ الروسية على أراضيها، ما يبرز مدى ارتباطها الآن بالديناميكيات العملياتية المباشرة للحرب في أوكرانيا.
بالنظر إلى المستقبل، فإنّ المناقشات حول تعزيز قدرات الضربات التقليدية بعيدة المدى والدفاع الجوي في جنوب شرق أوروبا، بما في ذلك أنظمة صواريخ كروز أو صواريخ بعيدة المدى، من شأنها أن تعزز دور رومانيا كمنصة حيوية ضمن استراتيجية الردع لحلف الناتو.
وكما هو الحال في بولندا وفنلندا، لا تتضمن أي من هذه الخطوات سعي رومانيا لامتلاك أسلحة نووية، بل إنّ البنية التحتية لرومانيا، وموقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية المتنامية تجعلها عاملاً تمكينياً رئيسياً لعمليات الحلفاء، ما يزيد من تكلفة الخيارات الهجومية الروسية ويقلل من جدواها في منطقة البحر الأسود الأوسع، وبذلك، تؤثر رومانيا بشكل غير مباشر ولكن مؤثر على حسابات موسكو للمخاطر النووية دون أن تحيد عن وضعها الصارم كدولة غير نووية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
الرد العقائدي والسياسي لروسيا
تحافظ المبادئ الأساسية الروسية المنقحة لعام 2024 بشأن الردع النووي على الغموض المتعمد للنسخ السابقة، ولا تستبعد استخدام الأسلحة النووية ضد الدول غير النووية، ورغم أن الوثيقة تؤكد التزام روسيا بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، إلا أنها تسمح صراحةً باستخدام الأسلحة النووية رداً على عدوان تقليدي واسع النطاق أو تهديدات “وجود الدولة”، بغض النظر عن الوضع النووي للمهاجم.
وتُعد هذه المرونة جوهرية في رسائل موسكو القسرية، ما يترك مجالاً واسعاً للتفسير السياسي في أوقات الأزمات، وكما يُشير تحليلٌ لوكالة أبحاث الدفاع السويدية (FOI)، فإن المبادئ الأساسية تعمل في آنٍ واحد كرسالة خارجية للخصوم وأداة داخلية لإدارة توقعات النخب، موفرةً إطاراً عقائدياً يتمتع بمرونة كافية لاستيعاب الاحتياجات السياسية المتغيرة في أوقات الأزمات.
من الناحية العملية، اختبرت روسيا هذا الإطار العقائدي، بل ووسّعته في جوانب عديدة، من خلال سلوكها خلال الحرب ضد أوكرانيا، وتُظهر دراسات أجراها معهد أبحاث الحرب الدولية (IFRI) ومجلة “السيطرة على التسلح اليوم” أن موسكو استخدمت الرسائل النووية صراحةً لردع التدخل المباشر لحلف الناتو، والحد من نطاق وتطور المساعدة العسكرية الغربية، وتصوير الصراع على أنه حيوي ليس فقط للأمن الروسي، بل لاستمرار وجود الدولة، كما أن الإعلان عن نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، مصحوباً برسائل متكررة حول إمكانية استخدام نووي استعراضي أو محدود، يُضعف التمييز بين الردع والتصعيد القسري.
الإعلان عن نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا يُضعف التمييز بين الردع والتصعيد القسري
من هذا المنظور، لا يُعدّ ظهور منطقة رمادية نووية في أوروبا الشرقية المحرك الرئيسي للتطور العقائدي الروسي، بل لطالما اعتمدت موسكو على تسليح الغموض النووي ودمج الأدوات النووية والتقليدية ووسائل الاتصال في مفهومها الأوسع للردع الاستراتيجي، إلا أن التطورات في بولندا وفنلندا ورومانيا تزيد من التكلفة العملياتية والسياسية لهذا النهج، إذ تجعل الرسائل القسرية الروسية أقل قابلية للتنبؤ وأقل فعالية، وهو ما يفسر سعي الكرملين المتزايد إلى تصوير التعديلات الداخلية لحلف الناتو على أنها مزعزعة للاستقرار بطبيعتها.
التصعيد في المنطقة الرمادية النووية
يُفهم التفاعل بين ضغط المنطقة الرمادية، والضربات التقليدية بعيدة المدى، والرسائل النووية على أفضل وجه باعتباره سلم تصعيد متعدد المراحل.
في أدنى مستوياته، يمكن لروسيا تكثيف عمليات التضليل الإعلامي، والاختراقات الإلكترونية، أو التخريب المُقنّع ضد البنية التحتية الحيوية في بولندا، أو فنلندا، أو رومانيا، وفي مستوى أعلى، يمكنها استخدام الضربات التقليدية بعيدة المدى في أوكرانيا ومحيطها بطرق تُحدث آثاراً جانبية على أراضي الحلفاء.
ومع ذلك، فإن تنفيذ هجمات تقليدية موجّهة ضد أصول تابعة للناتو تشارك في دعم أوكرانيا، مثل مراكز الإمداد واللوجستيات، سيُعد تصعيداً كبيراً، حتى لو سعت موسكو إلى تأطيره بوصفه تحركات محدودة أو تهدف إلى خفض التصعيد.
تتضمن المراحل النهائية إشارات نووية استعراضية، مثل التدريبات أو عمليات النشر أو التجارب النووية، وصولاً إلى التهديد باستخدام الأسلحة النووية أو استخدامها فعلياً.
وتزداد مخاطر التصعيد غير المقصود في المراحل المتوسطة، حيث يمكن تفسير الإجراءات السيبرانية أو التقليدية الغامضة من قِبل أحد الأطراف على أنها محدودة وقابلة للسيطرة، بينما قد يفسرها الطرف الآخر على أنها مقدمة لخطوات أكثر جذرية، في هذه المنطقة الرمادية تحديداً، يصبح وضوح الإشارات، وتماسك التحالف الداخلي، وآليات التواصل الفعالة في الأزمات أموراً بالغة الأهمية.
تخفيف المخاطر للدول غير النووية
تُشكّل المنطقة الرمادية النووية مخاطر غير متكافئة للدول غير النووية التي أصبحت محورية في موقف حلف الناتو، إذ تُعتبر بولندا وفنلندا ورومانيا أهدافاً جذابة للضغط المُدروس، نظراً لأهميتها العملياتية مع بقائها رسمياً دولاً غير نووية.
يمكن لروسيا أن تسعى إلى فرض تكاليف عليها من خلال عمليات تضليل مُستمرة تهدف إلى تقويض ثقة الجمهور في حلف الناتو، وذلك عبر اختبار دفاعاتها السيبرانية أو استخدام التخريب المُقنّع ضد البنية التحتية للطاقة أو النقل أو الاتصالات، وهذه الإجراءات مصمَّمة بحيث تبقى دون عتبة تطبيق المادة الخامسة بشكل واضح، مع اختبار تماسك الحلف وإرادته السياسية في الوقت نفسه.
يصعب القضاء على هذا الخلل البنيوي بشكل كامل، غير أنه يمكن الحدّ من آثاره إذا وجّه الناتو إشارات واضحة مفادها أن الهجمات التي تستهدف العقد ذات الصلة بالردع النووي لن تُعامل كحوادث معزولة، بل كجزء من نمط أوسع من الإكراه ستكون له تبعات على وضعية استجابة الحلف ككل، ويُعد توضيح هذا الترابط أمراً بالغ الأهمية لضمان ألا تتحول المنطقة الرمادية النووية إلى بيئة تتعرض فيها الدول الحليفة الأكثر انكشافاً لضغوط تدريجية متراكمة.
سوء الفهم ومخاطر الرسائل
يُفاقم ظهور منطقة رمادية نووية خطر سوء الفهم، فمن منظور غربي، تُعتبر الاستثمارات في الضربات التقليدية بعيدة المدى، والدفاع الصاروخي، وأنظمة القيادة والسيطرة المُحصّنة، استثمارات دفاعية ومتناسبة، ومصممة خصيصاً للحفاظ على عتبة التهديد النووي مرتفعة، أما من منظور موسكو، فيمكن تصوير نفس الإجراءات على أنها خطوات نحو وضعية أكثر هجومية، بما في ذلك القدرة على تهديد الأصول الاستراتيجية الروسية بوسائل غير نووية أو دعم التصعيد السريع في أوقات الأزمات.
يمكن أن تكون التعديلات التنظيمية معرضة لسوء الفهم، فتعميق المشاورات النووية مع الحلفاء غير النوويين، وزيادة وتيرة التدريبات المتعلقة بالنووي، أو دمج مجالات جديدة مثل الفضاء والسيبرانية في تخطيط الردع، قد تهدف إلى تعزيز القدرة على التنبؤ والسيطرة، ومع ذلك، في بيئة معلوماتية شديدة الاستقطاب، قد يفسّر النخبة الروسية هذه الإجراءات على أنها تمهيد لتحولات أكثر جذرية، مثل نشر إضافي للأصول النووية في الجبهة الأمامية أو تخفيف العتبات المستخدمة للأسلحة النووية.
لا يتطلب إدارة هذه المخاطر المتعلقة بالرسائل تقديم تنازلات جوهرية، لكنه يتطلب استراتيجيات تواصل مدروسة تشرح منطق وحدود التعديلات الحليفة، مدعومة برسائل سياسية متسقة، وعند الحاجة، بالشفافية التقنية، وبدون هذه الجهود، يواجه مفهوم المنطقة الرمادية النووية خطر أن يتحول إلى مساحة معرفية بقدر ما هي عملية، حيث تقود الافتراضات الأسوأ إلى اتخاذ القرارات من كلا الجانبين.
علاوة على ذلك، فإن أي مفهوم ردع موثوق في المنطقة الرمادية النووية يجب أن يبني على أساس “اليوم التالي”، فلا يمكن للحلف أن يفترض إمكانية تجنب وقوع حادث خطير إلى أجل غير مسمى، سواء كان هجوماً سيبرانياً على البنى التحتية الحيوية، أو حادثاً حدودياً مميتاً، أو ضربة تستهدف أحد الأصول الحليفة الداعمة لأوكرانيا، وستكمن الاختبار الحقيقي في مدى قدرة الناتو على الرد بحزم، دون أن يحصر نفسه في مسار تصعيد مفتوح النهايات.
أي مفهوم ردع موثوق في المنطقة الرمادية النووية يجب أن يبني على أساس “اليوم التالي”فلا يمكن افتراض تجنب وقوع حادث خطير إلى أجل غير مسمى
يتطلب هذا وضع مبادئ متفق عليها مسبقاً لإدارة الأزمات، مثل: تحديد معايير أساسية لنسب الأعمال العدائية، وتوفير مجموعة أدوات من الخيارات الردعية التقليدية وغير العسكرية المتدرجة، ووضع آليات داخلية واضحة لمواءمة الخطوط الحمراء الوطنية قبل وقوع أي أزمة، كما يستلزم الحفاظ على قنوات اتصال فعّالة مع موسكو، مهما كانت متوترة، لتقليل خطر تفسير الخطوات الانتقامية بشكل خاطئ على أنها تحضيرات لمواجهة أوسع.
المخاطر وإمكانات الاستقرار
من الناحية النظرية، يثير ظهور منطقة رمادية نووية في أوروبا الشرقية تساؤلات صعبة، حيث يحذر المحللين من أن تعميق اندماج الدول غير النووية في المجال النووي قد يُضعف روح معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ويرفع من الأهمية السياسية للأسلحة النووية في أوروبا، ويعزز الروايات الروسية عن الحصار، وفي المقابل، يرى المؤيدون أنه بالنظر إلى عدوان روسيا وإكراهها النووي المستمر، فإن عدم التكيف سيكون أكثر خطورة، إذ سيُشجع على الترهيب الاستراتيجي، وفي أسوأ الأحوال، قد يدفع الدول إلى التفكير في خياراتها النووية الخاصة.
من الناحية الاستراتيجية، تنطوي المنطقة الرمادية النووية على مخاطر وإمكانات استقرار في آن واحد، ويكمن الخطر الرئيسي في سوء الفهم والاختلافات داخل التحالف، فقد يُسيء المخططون الروس تفسير ما هي في جوهرها تعديلات تقليدية أو تنظيمية داخل حلف الناتو، فيعتبرونها خطوات نحو نشر الأسلحة النووية، ما يُضخّم من حجم التهديد، أما في أوروبا، فإن اختلاف المواقف السياسية تجاه الأسلحة النووية بين الحكومات الأكثر تشككاً في أوروبا الغربية والدول المعرضة للتهديد على الجناح الشرقي قد يُعقّد عملية التواصل المتماسك ويُضعف الردع.
في الوقت نفسه، تُعدّ الآثار المُحتملة لتحقيق الاستقرار كبيرة، فمن خلال تعزيز الضربات التقليدية بعيدة المدى، والدفاع الصاروخي، والتواجد الأمامي في بولندا وفنلندا ورومانيا، يستطيع حلف الناتو رفع تكلفة الخيارات العسكرية الروسية التي تقلّ احتمالية استخدامها عن العتبة النووية، وتقليل احتمالية اللجوء إليها، وإذا ما اقترن ذلك بتأكيد واضح على أن دول الجناح الشرقي لا تزال غير نووية تماماً، وأن أي استخدام نووي روسي سيؤدي إلى ردّ موحّد وقوي من الحلفاء، فإنّ هذه المنطقة الرمادية تُسهم في سدّ ثغرات خطيرة في بنية الردع الأوروبية دون الانزلاق إلى الانتشار النووي الصريح.
سيناريوهات اختبار الضغط (على المدى القريب)
خلال الثلاثين يوماً القادمة، يتمثل أحد السيناريوهات المحتملة في هجوم إلكتروني خطير، وإن كان قابلاً للإنكار، يستهدف البنية التحتية للطاقة أو النقل في إحدى الدول ذات الصلة بالبرامج النووية، بالتزامن مع تكثيف حملات التضليل الإعلامي التي تشكك في جدوى ضمانات حلف الناتو، وقد يكون المحفز المباشر قراراً جديداً من الحلفاء بشأن نشر قوات الضربات بعيدة المدى، أو مناورة عسكرية رفيعة المستوى لحلف الناتو في أوروبا الشرقية.
في مثل هذا السيناريو، يتمثل الاختبار الرئيسي للحلف في قدرته على تحديد المسؤولية المشتركة عن الحادث، وتنسيق رد فعل متناسب، والتأكيد بوضوح أن أي تحقيق إضافي سيترتب عليه تكاليف متزايدة.
خلال فترة 90 يوماً، قد يظهر نمط مستمر من الضغط الاستراتيجي، وقد يشمل ذلك تكرار التشويش على أنظمة تحديد المواقع (GPS) ما يؤثر على الطيران المدني أو الشحن البحري، أو وقوع أضرار غير مفسرة في البنى التحتية الحيوية، أو استخدام فاعلين بالوكالة لتنظيم احتجاجات أو استفزازات بالقرب من المنشآت العسكرية.
وقد يكون المحفز هنا مزيجاً من التطورات السياسية الداخلية في الدول المعرضة للتهديد وخطوات جديدة في وضعية الردع للناتو، وفي هذا السياق، سيكون السؤال المركزي ما إذا كان الناتو قادراً على منع تطبيع تدريجي لمثل هذا الضغط، والحفاظ على صمود الجمهور في الدول المتأثرة، وتجنب الانقسامات الداخلية حول التوازن المناسب بين الحزم وتقليل المخاطر.
تُعدّ هذه السيناريوهات بمثابة اختبارات ضغط، فهي توضح أين يُرجّح أن تُثار النزاعات حول المنطقة الرمادية النووية في الواقع، وما هي أنواع المرونة المؤسسية والسياسية التي ستحتاجها أوروبا لكي يعمل الردع متعدد المستويات تحت ضغط العالم الحقيقي.

الآثار الاستراتيجية (على المدى الطويل)
بالنسبة لعام 2026، تبرز ثلاثة آثار استراتيجية: أولاً، المنطقة الرمادية النووية ليست ظاهرة هامشية أو مؤقتة، بل هي سمة هيكلية للأمن الأوروبي ستحدد كيفية تفاعل الردع وعدم الانتشار على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو.
ثانياً، لن ينجح الردع المتنوع إلا إذا ترافقت الاستثمارات في القدرات التقليدية بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الصاروخي، وهياكل القيادة والسيطرة المرنة، مع إشارات سياسية متماسكة، وإدارة أزمات فعّالة، وتماسك مستدام داخل الحلف.
ثالثًا، ثمن التقاعس ليس الاستقرار، بل اتساع نطاق التساهل مع الضغط الروسي وتآكل الثقة في نظام عدم الانتشار النووي، لذا، يبقى السؤال: هل ستنجح أوروبا في تشكيل هذه المساحة وفق شروطها الخاصة، أم ستترك لموسكو مهمة رسم ملامحها؟
في هذا السياق، ينبغي فهم المنطقة الرمادية النووية لا بوصفها تجربة أوروبية طوعية، بل كتصحيح متأخر، وما يزال غير مكتمل، لبيئة استراتيجية سبق لروسيا أن زعزعتها، وهي تمثل اختباراً لقدرة أوروبا على بناء نظام ردع أكثر صلابة ومتنوع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التزاماتها الراسخة بمنع الانتشار النووي.
أما الإخفاق في تشكيل هذه المساحة بشكل استباقي، فمن المرجح أن يترك حلف الناتو في موقع ردّ الفعل إزاء ديناميكيات التصعيد الروسية، بدلاً من أن يكون قادراً على تقييدها وضبط مساراتها.




