لا يحتاج الكرملين إلى أن يتولى حزب البديل من أجل ألمانيا، الحكم لتحقيق النصر الذي يسعى إليه في ألمانيا؛ بل يكفيه أن يمتلك الحزب قوة انتخابية تُمكّنه من محاصرة الأحزاب الحاكمة المُنهكة داخل ائتلافات إقصائية تزداد هشاشة، وتكافح من أجل الحفاظ على إعادة التسلّح، ودعم أوكرانيا، والتزامات برلين الأمنية طويلة الأمد.
في سبتمبر المقبل، قد تثبت الساحة الانتخابية الألمانية أنها واحدة من أقل الجبهات كلفة بالنسبة لروسيا في مواجهة حلف “الناتو”، فمع اعتماد أوروبا على الموازنات الألمانية لتعزيز قدراتها الدفاعية، والقطاع الصناعي، والإرادة السياسية في برلين، فإن شلّ الحكومة الألمانية قد يتيح للكرملين إضعاف تماسك الجناح الأوروبي لحلف الناتو وقدرته العسكرية، من دون أن يضطر إلى نشر جندي واحد.
شلّ الحكومة الألمانية قد يتيح للكرملين إضعاف تماسك الجناح الأوروبي لحلف الناتو وقدرته العسكرية من دون أن يضطر إلى نشر جندي واحد
ضغوط داخلية ونفوذ خارجي
تُدلي ولاية ساكسونيا-أنهالت بأصواتها أولاً في 6 سبتمبر، فيما يتصدر حزب البديل من أجل ألمانيا استطلاعات الرأي بنسبة 41%، متقدماً بنحو 17 نقطة مئوية على حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وتليها برلين في 20 سبتمبر، حيث يحتل الحزب المرتبة الأولى أو الثانية، بحسب نتائج استطلاع الرأي، وفي اليوم نفسه، تُجري مكلنبورغ-فوربومرن انتخاباتها، في ظل حصول حزب البديل من أجل ألمانيا على 36% في استطلاعات الرأي.
تكمن الفرصة الاستراتيجية أمام روسيا في نقاط الضعف السياسية والاقتصادية التي تعاني منها ألمانيا، وهي نقاط تعود في معظمها إلى عوامل داخلية سابقة للحملة الانتخابية الحالية، حيث شكّل الغاز الروسي الرخيص، لعقود، ركيزة أساسية للنموذج الصناعي الألماني، وكان الاعتماد على هذا الغاز خياراً ألمانياً بحتاً، إذ عملت حكومات ألمانية متعاقبة على تعميق هذا الاعتماد من خلال خطوط أنابيب “نورد ستريم”، وتعاملت مع التكامل التجاري باعتباره استراتيجية لتعزيز الأمن، بدلاً من النظر إليه بوصفه مصدراً محتملاً للضعف قد يختار الكرملين، في مرحلة ما، استغلاله.
أدى التخلّي عن الطاقة النووية، الذي اكتمل في أبريل 2023، إلى إلغاء أحد البدائل المتاحة في وقت أصبح فيه الاعتماد على الغاز مصدراً لمخاطر متزايدة، ثم جاءت الحرب ونظام العقوبات ليضعا حداً لهذا الترتيب، فانكمش أكبر اقتصاد في أوروبا خلال عامي 2023 و2024 على حد سواء.
وزادت قضية الهجرة من حدة الضغوط، حيث منحت الإخفاقات المتكررة في الحد من الهجرة غير النظامية حزب البديل من أجل ألمانيا، القضية الأكثر موثوقية في استقطاب الناخبين، كما وفّرت الخلافات حول الاندماج، والهوية الوطنية، وسرعة التحولات الاجتماعية قضية ثانية عززت موقع الحزب.
ثم أكمل التوتر من الائتلافات الحكومية الصورة؛ بدءاً من حكومة أولاف شولتس، وصولاً إلى حكومة ميرتس حالياً، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو أربعة من كل خمسة ألمان غير راضين عن أداء الحكومة، حيث لم تكن العمليات الروسية هي التي أوجدت حالة الاستياء داخل ألمانيا، فكل قضية يستغلها حزب البديل من أجل ألمانيا تستند إلى منطق سياسي داخلي خاص بها، حتى وإن كان الكرملين يدرك بوضوح حجم الفرصة المتاحة أمامه، ويعمل على توسيع نطاقها.
لم تكن العمليات الروسية هي التي أوجدت حالة الاستياء داخل ألمانيا فكل قضية يستغلها حزب البديل من أجل ألمانيا تستند إلى منطق سياسي داخلي خاص بها
ومع ذلك، فقد وثّقت السلطات الألمانية تدخلاً روسياً مستمراً في العملية الانتخابية، ففي ديسمبر2025، استدعت وزارة الخارجية الألمانية السفير الروسي، مؤكدة أن عملية “ستورم-1516″، المرتبطة بجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية، سعت إلى التأثير في الانتخابات الفيدرالية التي أُجريت في فبراير 2025 وزعزعة استقرارها.
إلى ذلك، حدد باحثون أكثر من 700 حساب مزيف على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الأخير من تلك الحملة، عملت على نشر فضائح ملفقة تستهدف فريدريش ميرتس، وكذلك روبرت هابيك، الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب المستشار، وكان مرشح حزب الخضر لمنصب المستشار، كما شهدت الحملة الانتخابية أيضاً هجوماُ لم تُحدَّد الجهة التي تقف وراءه حتى الآن، ففي الأسبوع الماضي، تمكّن سائق حافلة في مطار “لايبزيغ/هاله” من إسقاط طائرة مسيّرة محمّلة بالمتفجرات كانت تحلّق بالقرب من طائرة شحن أوكرانية من طراز أنطونوف، ووصف المدّعون العامون الفيدراليون الحادث بأنه هجوم خطير على الأمن الخارجي والداخلي لألمانيا.
ويشتبه المحققون في أن الحادث قد يكون جزءاً من حرب هجينة روسية، إلا أن موسكو تنفي أي تورط لها، ولم تثبت حتى الآن مسؤولية أي جهة عن الهجوم، أما الارتباط السياسي بحزب البديل من أجل ألمانيا، فهو موثق بشكل منفصل؛ إذ يعارض الحزب تسليم الأسلحة إلى كييف، كما فتح المدعون الألمان تحقيقات مع شخصيات مرتبطة بالحزب بشأن مدفوعات يُزعم أنها جاءت من شبكة صوت أوروبا الموالية لروسيا.

حسابات جدار الحماية المستحيلة
يشكّل شرق ألمانيا وقوداً بنيوياً قابلاً للاشتعال، فبعد ثلاثة عقود على إعادة توحيد ألمانيا، تجمع المنطقة بين أجور أقل، وتراجع ديموغرافي، وضعف في البنية التنظيمية للأحزاب السياسية، إلى جانب ذاكرة سياسية أقل ارتباطاً بالتوجه الأطلسي.
وفي “ساكسونيا-أنهالت”، يخوض المرشح الأبرز لحزب البديل من أجل ألمانيا، أولريش زيغموند، مواجهة مع رئيس الحكومة المحلية الحالي زفين شولتسه، فيما تراجعت شعبية حزبه، الاتحاد الديمقراطي المسيحي إلى نحو 24 %.
لكن العائد الاستراتيجي الأعمق للكرملين يكمن في المعادلة السياسية التي تفرضها قوة الحزب على جميع الأطراف الأخرى، فكل نقطة مئوية يحرزها حزب البديل من أجل ألمانيا، تضيق المساحة المتاحة لتشكيل أغلبية مؤيدة لأوكرانيا، بغض النظر عن نوايا الناخبين أو ما كانوا يقصدونه بأصواتهم.
وقد بدأت هذه الآلية تظهر بالفعل على المستوى الفيدرالي، فميرتس يحكم من خلال ائتلاف كبير مع الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو ائتلاف لا يحظى بحماس شعبي يُذكر، وعلى الصعيد الوطني، يحظى حزب البديل من أجل ألمانيا بنحو 27 % من التأييد في استطلاعات الرأي، متقدماً حالياً بفارق 8 نقاط مئوية على الاتحاد الديمقراطي المسيحي.
بدأ هذا الضغط يظهر الآن داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي نفسه، ففي يوليو دعا رئيس وزراء ولاية ساكسونيا، والقيادي في الحزب، ميشائيل كريتشمر إلى إنهاء ما يُعرف بـ “جدار الحماية” الذي يحظر التعاون السياسي مع حزب البديل من أجل ألمانيا، لكن ميرتس رفض دعوته، مؤكداً أن اليمين المتطرف لا يزال الخصم الرئيسي للاتحاد الديمقراطي المسيحي.
في الواقع، يتصرف الرجلان بصورة عقلانية إزاء معضلة استراتيجية تبدو مستعصية على الحل، فالإبقاء على “جدار الحماية” يُجبر الاتحاد الديمقراطي المسيحي على تشكيل ائتلافات مع يسار سياسي ضعيف، ما يؤدي إلى حكومات تقوم على القاسم المشترك الأدنى، ويغذي حالة الإحباط السياسي نفسها التي يستفيد منها حزب البديل من أجل ألمانيا.
أما التخلي عن الجدار فيعني في المقابل تطبيع حزب يصنّفه جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني حزباً متطرفاً ومنحه شرعية سياسية، فضلاً عن أنه سيمنح موسكو انتصاراً سياسياً مهماً.
اليوم، تواجه الأحزاب الحاكمة الأخرى، خارج الاتحاد الديمقراطي المسيحي المأزق نفسه، ففي مدينة “شفيرين”، يتراجع الحزب الاشتراكي الديمقراطي بقيادة مانويلا شفيزيغ بفارق عشر نقاط عن حزب البديل من أجل ألمانيا، بينما تشير استطلاعات الرأي في العاصمة إلى عدم وجود أغلبية حكومية واضحة يمكن تشكيلها بسهولة.
ويرى بعض المعلّقين السياسيين الألمان أن إشراك حزب البديل من أجل ألمانيا في الحكومة قد يعالج المشكلة التي يؤدي استبعاده إلى تفاقمها، فالتحديات الناجمة عن تولّي الحكم فعلياً قد تضعف الحزب في نهاية المطاف، ووفقاً لهذا الرأي، فإن تحمّل المسؤولية يكشف حقيقة الخطاب الشعبوي؛ إذ إن الشعبويين، عندما يُجبرون على الحكم، يفقدون رفاهية البقاء في موقع الاحتجاج الدائم.
عندها سيضطر الخطاب السياسي القائم على المظلومية الذي يتبناه حزب البديل من أجل ألمانيا إلى التحول، إذ لن يعود بإمكانه الاكتفاء بانتقاد النظام، بل سيُجبر على تحمّل تبعات القرارات التي يتخذها ومواجهة اختبار الحكم الفعلي.
لكن النمسا اختبرت هذه الفرضية وكشفت حدودها، حيث دخل حزب الحرية النمساوي في ائتلاف حكومي عام 2017، ثم انهار الائتلاف بعد عامين على خلفية فضيحة إيبيزا، ليتراجع الحزب إلى 16% في الانتخابات التالية، حيث نجح إخضاع الحزب لتجربة الحكم في كشف حقيقته، ولو لفترة وجيزة، لكن الحزب لم يحتاج سوى خمس سنوات ليستعيد عافيته؛ إذ تصدّر الانتخابات الوطنية في 2024، وهو يتصدر الآن استطلاعات الرأي من موقع المعارضة.
ومن منظور موسكو، تبدو المراهنة أكثر أماناً؛ إذ إن فشل حكومة يقودها حزب البديل من أجل ألمانيا من المرجح أن يفضي إلى حالة من الاضطراب وإلى تقويض مصداقية الدولة، أكثر ما سيؤدي إلى إعادة تأهيل القوى السياسية الوسطية، وفي نهاية المطاف، تميل كل هذه المسارات إلى خدمة الهدف الأدنى للكرملين: ألمانيا تحكمها ائتلافات هشة، منشغلة بصراعها من أجل البقاء السياسي أكثر من انشغالها بتعزيز دورها الاستراتيجي.
ألمانيا تحكمها ائتلافات هشة منشغلة بصراعها من أجل البقاء السياسي أكثر من انشغالها بتعزيز دورها الاستراتيجي
وبالنسبة إلى أي دولة عضو في حلف الناتو، فإن طائرة مسيّرة واحدة، وشبكة من الحسابات الوهمية، ومخربين بالوكالة جرى تجنيدهم لاستغلال أزمة حزب البديل من أجل ألمانيا في برلين، لا تمثل سوى إنفاق هامشي إذا ما قورنت بميزانية الدفاع لأي دولة من دول الحلف.
أسلوب قديم وهدف جديد
للأسلوب الروسي جذور تعود إلى عقود مضت، ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، دعمت التدابير النشطة السوفييتية المعارضة في ألمانيا الغربية لنشر صواريخ “بيرشينغ 2″، وأسهمت تلك الحملة في التأثير على النقاش العام وتحويل موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي، لكنها لم تُحدث تغييراً في تركيبة البوندستاغ، وفي نهاية المطاف، مضت عملية نشر الصواريخ قدماً في عهد هيلموت كول، لأن كتلتين سياسيتين كبيرتين كانتا لا تزالان قادرتين على تشكيل حكومات مستقرة دون الحاجة إلى تحالفات مع أطراف هامشية، لكن هذه القدرة على امتصاص الصدمات السياسية تآكلت منذ ذلك الحين.
أما النسخة المعاصرة من هذا الأسلوب، فلا تحتاج إلى مسيرات احتجاجية أو واجهات سياسية ممولة، كل ما تحتاجه هو ناخبون يميلون إلى معاقبة الأحزاب الحاكمة، وبرلمان مجزأ يستنزف فيه استبعاد حزب بعينه الأغلبية الممكنة لتشكيل الحكومات، وقنوات معلومات تستطيع موسكو إغراقها بتكلفة زهيدة للغاية، حيث انتقل الكرملين من تمويل المعارضة إلى استغلال التوتر الديمقراطي وتحويله إلى مكسب سياسي.
تحمل انتخابات سبتمبر أهمية تتجاوز حدود ألمانيا لتطال الحلف بأكمله، لأن برلين أصبحت بمثابة الركيزة الأساسية للدفاع الأوروبي، حيث تخصص موازنة الدفاع لعام 2026 نحو 125 مليار دولار للقوات المسلحة، منها نحو 95 مليار دولار من الموازنة الأساسية، إلى جانب إنفاق إضافي يُموَّل من الصندوق الخاص البالغة قيمته 115 مليار دولار.
كما تضع خطط الحكومة مساراً لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 % من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، مع توقع وصول الموازنة الأساسية للدفاع إلى 177 مليار دولار بحلول عام 2028، إذ كان ميرتس قد أعلن عزمه بناء “البوندسفير” ليصبح أقوى جيش تقليدي في أوروبا.
لكن الجدول الزمني يزيد من حجم المخاطر السياسية، فمن المتوقع أن ينفد الصندوق الخاص بحلول نهاية عام 2027، ما يعني أن أكبر الزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي ستقع لاحقاً، بين عامي 2028 و2030، وهي الفترة نفسها التي ستعيد فيها الانتخابات الفيدرالية المقبلة توزيع موازين القوى، وبعبارة أخرى، إعادة تسليح ألمانيا هي تعهّد قطعه البرلمان الحالي، لكن البرلمان المقبل وحده يستطيع الوفاء به.
إعادة تسليح ألمانيا هي تعهّد قطعه البرلمان الحالي لكن البرلمان المقبل وحده يستطيع الوفاء به
وقد فرضت الحسابات الانتخابية قيوداً على هذا التعهّد مرة من قبل، ففي مارس 2025، نجح ميرتس في الحصول على استثناء دستوري يسمح بإنفاق إضافي على الدفاع خارج قيود مكابح الديون، لكن تمرير هذا الإجراء لم يكن ممكناً إلا عبر البرلمان المنتهية ولايته، أما البرلمان الجديد، فقد ضم كتلة من حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار تتمتع بحجم كافٍ لمنع تمرير أي تعديلات دستورية.
وهكذا، فإن الأساس القانوني لإعادة تسليح ألمانيا يستند إلى مناورة أُنجزت قبل أيام فقط من إغلاق الباب الانتخابي، ومن المرجح أن تواجه أي تعديلات مستقبلية برلماناً أكثر صعوبة وتعقيداً في تمريرها.
ولا تقتصر تداعيات ذلك على ألمانيا وحدها، بل تمتد إلى ما هو أبعد من حدودها، فقد أصبح المجهود الحربي الأوكراني يعتمد بدرجة متزايدة على هذا المسار، وبعد خفض واشنطن مساعداتها العسكرية، أصبحت ألمانيا أكبر مانح عسكري لأوكرانيا، مع مساعدات يُعتزم تقديمها في عام 2026 بقيمة تقارب 13.2 مليار يورو، تشمل أنظمة الدفاع الجوي “باتريوت”، والمدفعية، والطائرات المسيّرة.
ألمانيا وتقاسم الأعباء داخل الناتو
تشكّل الصناعة الألمانية ركيزة أساسية للجهد الدفاعي الأوروبي الأوسع، من خلال توسّع مصانع الذخائر التابعة لشركة راينميتال ، إلى جانب شراء مقاتلات F-35 الذي يدعم مهمة الناتو النووية، كما تتعامل خطط الحلف مع ألمانيا بوصفها مركزاً لوجستياً خلفياً تمر عبره التعزيزات المتجهة إلى الجناح الشرقي في حال اندلاع أزمة.
ومن ثم، فإن تشكيل حكومة بقيادة حزب البديل من أجل ألمانيا، في ساكسونيا-أنهالت ستكون له تداعيات تتجاوز نطاق السياسة المحلية للولاية، فالحكومة ستحظى بأصوات في البوندسرات “مجلس الولايات”، حيث ستملك نفوذاً على أجهزة الإدارة والشرطة، كما ستسهم في تطبيع حضور الحزب ومنحه مزيداً من الشرعية السياسية قبل الانتخابات الفيدرالية لعام 2029.
والأهم من ذلك، أن العقود متعددة السنوات المرتبطة بسياسة الصندوق الخاص تتطلب وجود أغلبيات مستقرة تمتد عبر دورات انتخابية متعددة، لكن حزب البديل من أجل ألمانيا يرفض بصورة صريحة هذا التوافق الاستراتيجي حول إعادة تسليح ألمانيا.
أصبحت عملية تعزيز القدرات الدفاعية الألمانية جوهر معادلة تقاسم الأعباء داخل حلف الناتو، ففي قمة لاهاي عام 2025، تعهد الحلفاء بتخصيص 5 % من الناتج المحلي الإجمالي للدفاع والبنية التحتية ذات الصلة، وهو هدف صُمم بما يتيح لواشنطن إعادة توجيه جزء أكبر من تركيزها نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وبالتالي، فإن الركيزة الأوروبية التي تطالب بها واشنطن تعتمد بدرجة كبيرة على القرارات المالية والسياسية التي تتخذها ألمانيا، فبولندا ودول البلطيق تنفق بسخاء على الدفاع، لكنها تفتقر إلى العمق الصناعي والقدرة المالية اللذين تتمتع بهما ألمانيا، أما فرنسا، فتمتلك ثقلاً نووياً مهماً، لكنها تواجه بدورها قيوداً مالية، إلى جانب تصاعد نفوذ حزب التجمع الوطني قبيل انتخابات 2027.
تعرقل سلوفاكيا في عهد روبرت فيتسو بالفعل الموقف الموحد للحلفاء تجاه روسيا، بينما خاض أندريه بابيش حملته الانتخابية في التشيك معارضاً تمويل مبادرة تزويد أوكرانيا بالذخائر، قبل أن يعود إلى السلطة، أما المجر، فتُظهر أن تنامي التيار الداعي إلى التهدئة داخل الحلف لا يزال محل نزاع ويمكن مواجهته، حيث أدت الهزيمة الساحقة التي ألحقها بيتر ماغيار بفيكتور أوربان في أبريل إلى إزاحة أبرز حلفاء الكرملين وأكثرهم موثوقية في استخدام حق النقض السياسي.
ومع ذلك، كانت المجر عقبة داخل المشروع، في حين أن ألمانيا تمثل أساس المشروع نفسه، فإذا أصبحت برلين عاجزة عن التمويل والتسليح واتخاذ القرارات، فقد لا تقتصر النتيجة على تعطيل المشروع، بل قد تؤدي إلى نهايته برمتها.
ولا يتوقف هذا النمط عند حدود أوروبا، فواشنطن تطالب بإعادة تسليح ألمانيا، في وقت تهاجم فيه شخصيات أمريكية بارزة الاستراتيجية السياسية التي تحمي هذا المسار وتحصّنه، ففي مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2025، شنّ نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس هجوماً على جدران الحماية السياسية الأوروبية المفروضة على أحزاب مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، بينما أعلن إيلون ماسك تأييده الصريح للحزب قبيل الانتخابات الفيدرالية، وهكذا، فإن الطرف الذي يفترض أن يكون الداعم الرئيسي لتقاسم الأعباء الدفاعية في أوروبا يمنح غطاءً خطابياً للحركة الأكثر قدرة على تقويض هذا المشروع، أما موسكو، فتحصد مكاسب الانقسام الذي لم تكن بحاجة إلى خلقه بنفسها.
تمنح واشنطن الداعم الرئيسي لتقاسم الأعباء الدفاعية في أوروبا غطاء خطابياً للحركة الأكثر قدرة على تقويض هذا المشروع أما موسكو فتحصد مكاسب الانقسام الذي لم تكن بحاجة لخلقه بنفسها
إخفاقات الديمقراطية
صُمم النظام الدستوري الألماني لمواجهة هذا النوع من التهديدات تحديداً، إلا أن أدواته باتت تواجه اختباراً صعباً، ففي مايو 2025، صنّفت المكتب الاتحادي لحماية الدستور حزب البديل من أجل ألمانيا، منظمةً يمينية متطرفة بشكل مؤكد، اليوم، يجد النظام نفسه أمام ناخبين باتوا أكثر استعداداً لمنح أصواتهم لحزب البديل من أجل ألمانيا من أي حزب سياسي آخر.
في فبراير من هذا العام، أصدرت المحكمة الإدارية في كولونيا أمراً قضائياً مؤقتاً علّقت بموجبه تصنيف الحزب، إلى حين صدور الحكم النهائي، بعدما رأت أن الشروط اللازمة لهذا التصنيف لم تكن مستوفاة، واحتفى زعيما حزب البديل من أجل ألمانيا، أليس فايدل وتينو شروبالا، بالقرار باعتباره انتصاراً للعدالة الديمقراطية، وجاء ذلك قبل أشهر قليلة من انتخابات الولايات الشرقية.

لكن المؤسسة القانونية الألمانية اتخذت مساراً معاكساً، ففي يونيو، نشرت جمعية الحقوق والحريات رأياً قانونياً خلص إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا ينتهك مبادئ الكرامة الإنسانية والديمقراطية المنصوص عليها في القانون الأساسي الألماني.
وبحلول أوائل أغسطس، كان أكثر من ألف قانوني قد وقّعوا رسالة مفتوحة تطالب ببدء إجراءات حظر الحزب أمام المحكمة الدستورية الاتحادية الألمانية.
لكن كل مسار من هذه المسارات يخدم رواية الكرملين، فطلب حظر الحزب سيتيح لوسائل الإعلام الروسية تصوير ألمانيا على أنها ديمقراطية مُدارة تُسكت أكبر حزب معارض فيها، أما فشل طلب الحظر أو التخلي عنه، فسيؤكد سلامة وضع حزب البديل من أجل ألمانيا دستورياً، ويقوّض مبررات استبعاده، حيث يكشف قرار المحكمة الصادر في فبراير تكلفة ثالثة؛ إذ تنزع المحاكم صلاحيات أجهزة الاستخبارات في خضم الحملة الانتخابية، ما يترك تقييم الدولة للحزب فاقداً للمصداقية ويمنح الحزب مزيداً من الجرأة.
افترضت الديمقراطية الألمانية أن أعداء الدستور سيظلون أقليات، حيث لا تقدم هذه العقيدة إجابة عن حزب مصنّف متطرفاً يقترب من تحقيق الأغلبية النسبية، لأن حظر حركة تضم عشرة ملايين ناخب ينطوي على مخاطر لم يضعها واضعو القانون الأساسي في الحسبان، ولدى العقيدة السوفيتية اسم للنسخة المقصودة من هذه النتيجة: “التحكم الانعكاسي”، وهي تسعى إلى تشكيل البيئة المعلوماتية للخصم بحيث يختار طوعاً المسار الذي يفضله الطرف المبادر، حيث تشبه مأزق ألمانيا هذا الهدف أكثر ما تشبه هذه التقنية.
لم يخطط أي منظّر لهذا الوضع، فتصنيف جهاز الاستخبارات، والأمر القضائي بتعليقه، ورسالة رجال القانون، وجدار الحماية؛ كلها تمثل النظام الدستوري وهو يدافع عن نفسه، لكن كل واحد منها يوفر أيضاً مادة للرواية القائلة إن الديمقراطية الألمانية مُدبّرة، وهي رواية يضخمها حزب البديل من أجل ألمانيا ووسائل الإعلام الروسية بالتوازي وبقوة خطابية كبيرة، وهكذا أصبحت آليات الدفاع عن النظام الدستوري نفسه جزءاً من ساحة المعركة السياسية.
الجبهة غير المحصّنة
ترسم خطط الدفاع في حلف الناتو خريطة فجوة سوالكي، والمداخل المؤدية إلى دول البلطيق، ومنطقة الشمال الأقصى، لكن الجبهة الأكثر قابلية للاختراق في الحلف لا تظهر على أي من هذه الخرائط، لأنها سياسية وانتخابية وليست جغرافية، حيث أثبتت روسيا أن إضعاف مركز ثقل الحلف لا يتطلب صواريخ، بل يتطلب فقط الصبر ريثما يؤدي الاستنزاف الديمقراطي مهمته، ولا تتناول أي وثيقة استراتيجية للحلف احتمال وجود دولة عضو تتلاشى قدرتها على إعادة التسلح من خلال عملية انتخابية مشروعة بحد ذاتها.
لا يتطلب التأثير الاستراتيجي وجود تخطيط استراتيجي مسبق، وسواء أضافت عمليات النفوذ الروسية نقطتين إلى إجمالي أصوات الحزب أم لم تضف شيئاً على الإطلاق، فقد تتحقق النتيجة التي تسعى إليها موسكو في كلتا الحالتين، ومع ذلك، تستدعي التوقعات الحذر، فقد تتمكن الائتلافات الكبرى مرة أخرى من تشكيل أغلبيات في الانتخابات الثلاثة جميعها، كما أثبت الدعم الشعبي الألماني لأوكرانيا أنه أكثر صموداً مما توقع المتشائمون، فيما حافظت حكومة ميرتس حتى الآن على مسارها الدفاعي خلال كل جولة من جولات إقرار الموازنة.
ستُظهر ثلاثة مؤشرات في سبتمبر المقبل مدى تقدم هذا المسار، أولها ما إذا كان حزب البديل من أجل ألمانيا سيتمكن من تحويل تقدمه في ماغديبورغ إلى أغلبية مطلقة من المقاعد، وهو ما يعتمد على عدد الأحزاب الصغيرة التي ستفشل في تجاوز عتبة الخمسة في المئة.
وثانيها ما إذا كانت أي قيادة إقليمية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي ستتحدى الخط الوطني للحزب أثناء تشكيل الحكومة، إذ إن أي خروج عن هذا الخط من شأنه أن ينهي جدار الحماية باعتباره التزاماً سياسياً ذا مصداقية، أما المؤشر الثالث، فهو المدة التي ستحتاجها العاصمة لتشكيل أي حكومة، لأن استمرار الشلل السياسي في برلين لفترة طويلة سيؤكد بحد ذاته الاتهام بأن البلاد غير قابلة للحكم.
يبدو أن الاتجاه الهيكلي يسير في اتجاه واحد، فالنتيجة الأكثر ترجيحاً هي أن انتخابات سبتمبر ستترك الأحزاب الحاكمة في ألمانيا أضعف، وتشكيل الائتلافات أكثر صعوبة، وجدار الحماية أكثر هشاشة وكلفةً من حيث الحفاظ عليه، وقد تثبت الانتخابات الفيدرالية لعام 2029 أنها الجولة الحاسمة من الاختبار نفسه، مع دخول حزب البديل من أجل ألمانيا إليها من قاعدة انتخابية أعلى.
يميل ميزان عدم التكافؤ لمصلحة موسكو، فلا تخسر روسيا الكثير من الانتظار إلى أن يتعمق الانقسام الديمقراطي، بينما يتعين على ألمانيا وحلفائها الحفاظ على التوافق عبر دورات انتخابية متعاقبة، إذ يجب على المدافعين عن سياسة الصندوق الخاص أن ينجحوا مراراً وتكراراً؛ أما موسكو فقد تحتاج إلى النجاح مرة واحدة فقط.
في المحصلة، أمضى حلف الناتو عقوداً في تحصين الحدود التي يستطيع رؤيتها، حيث سيقدم اختبار ألمانيا في سبتمبر مؤشراً مبكراً على مدى صمود حدودها السياسية بالقدر نفسه، فإذا أثبت المركز السياسي في ألمانيا عجزه عن الحفاظ على إعادة التسلح على المدى الطويل، فقد تواجه استراتيجية تقاسم الأعباء في حلف الناتو قيوداً لا يمكن لأي قدر من التخطيط العسكري التغلب عليها.
إذا أثبت المركز السياسي في ألمانيا عجزه عن الحفاظ على إعادة التسلح على المدى الطويل فقد تواجه استراتيجية تقاسم الأعباء في الناتو قيوداً لا يمكن التغلب عليها


