سلام إثيوبيا غير المكتمل

تقرير
بقايا دبابة متفحمة قرب "غيريب أغيو" في جنوب تيغراي (أ ف ب)
بقايا دبابة متفحمة قرب "غيريب أغيو" في جنوب تيغراي (أ ف ب)
ﺷﺎرك

بعد نحو أربع سنوات على توقيع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) اتفاقاً برعاية الاتحاد الأفريقي، بهدف إنهاء واحدة من أكثر الحروب دموية في أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، يواجه هذا الاتفاق اليوم أخطر اختبار له حتى الآن.

ومن شأن تجدد القتال في شمال إثيوبيا، إلى جانب نشوء تحالف استثنائي بين حركات مسلحة كانت في السابق متنافسة بشدة، أن يحوّل عملية السلام المتعثرة إلى تحدٍ أوسع أمام حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد، إذ لم يعد الخطر المباشر يقتصر على مجرد انهيار اتفاق بريتوريا، بل يتمثل في احتمال تزامن الصراعات الإقليمية المنفصلة في إثيوبيا، بما يشكل ضغطاً متعدد الجبهات على السلطة الفيدرالية.

تسارع التصعيد يوم الأربعاء، 23 سبتمبر 2026، عندما سيطرت قوات تيغراي على مطارات ميكيلي وأكسوم وشيري، بالتزامن مع امتداد القتال إلى مناطق عدة بمشاركة القوات الفيدرالية، حيث وصفت سلطات تيغراي تحركها بأنه حرب دفاعية، في حين اتهم مسؤولون فيدراليون جبهة تحرير شعب تيغراي بشن هجوم امتد إلى إقليمي عفر وأمهرة المجاورين.

وفي 24 سبتمبر، وصف نائب رئيس الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، أمانويل أسيفا، المواجهة بأنها حرب شاملة، كما علّقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى تيغراي، إذ يشير امتداد القتال إلى الأقاليم الثلاثة إلى أن المواجهة تتجاوز بالفعل نطاق نزاع محصور في تيغراي.

قبل ذلك بأيام قليلة، انضمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى ست حركات مسلحة ومعارضة أخرى لتشكيل “تحالف القوى الإثيوبية من أجل البقاء”، الذي أعلن أن هدفه إطاحة حكومة أبي أحمد وتشكيل إدارة انتقالية، حيث يضم التحالف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، والحركة الوطنية لأمهرة فانو، وجيش تحرير أورومو، إلى جانب جماعات من مناطق عفر والصومال وبني شنقول-قمز.

لكن اللافت في التحالف أن قوات تيغراي وفانو كانتا خصمين متقاتلين خلال حرب 2020-2022، وتعاونهما الحالي يعكس كيف تتجاوز المعارضة لأديس أبابا، ولو مؤقتاً، بعضاً من أعمق الانقسامات السياسية والإقليمية في إثيوبيا، لتتحالف مع بعضها متهمة حكومة أبي أحمد بتركيز السلطة وتهميش أقاليم البلاد.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن التحالف متماسك بالفعل، فلا تزال الخلافات عميقة بين فانو والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بما في ذلك بشأن الأراضي المتنازع عليها، في حين تختلف الحركات السبع في أهدافها السياسية وتعمل في مناطق متباعدة جغرافياً.

في هذا السياق، أشار محلل مجموعة الأزمات الدولية، ماغنوس تايلور، في تصريحات إعلامية سابقة، إلى أن التعاون قد تحدّه عوامل عدة، من بينها ضعف بعض أعضاء التحالف، والمسافات الجغرافية، والاختلافات السياسية، ومع ذلك، تكمن الأهمية المباشرة للتحالف بدرجة أقل في مدى قدرته على العمل كجيش وطني موحّد، وبدرجة أكبر في قدرته على إجبار أديس أبابا على مواجهة تمردات متزامنة تزداد ترابطاً واتصالاً.

الأهمية المباشرة للتحالف تكمن بدرجة أقل في مدى قدرته على العمل كجيش وطني موحد وبدرجة أكبر في قدرته على إجبار أديس أبابا على مواجهة تمردات متزامنة

لماذا يتداعى اتفاق بريتوريا؟

تكشف الأزمة أيضاً عن مواطن الضعف الكامنة في اتفاق بريتوريا الموقّع في نوفمبر 2022، حيث أسهم في وضع حدٍّ للقتال على نطاق واسع، لكن العديد من بنوده الأساسية لم تُنفَّذ بالكامل، إذ ظلت عملية نزع السلاح غير مكتملة، كما تعذر على النازحين العودة إلى بعض المناطق المتنازع عليها، كما استمرت الخلافات بشأن السلطة السياسية والسيطرة على الأراضي، ولم تكن إريتريا ولا قوات أمهرة، وهما من الأطراف الرئيسية في الحرب السابقة، من بين الموقعين على الاتفاق.

جانب من توقيع اتفاق بريتوريا بين ممثلين عن الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي (أ ف ب)
جانب من توقيع اتفاق بريتوريا بين ممثلين عن الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير تيغراي (أ ف ب)

تدهور الاتفاق أكثر بعد الانقسامات داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، واستعادة الفصيل الذي يقوده دبرصيون ميكائيل السيطرة عليها، ففي مايو، أعادت الجبهة المجلس الإقليمي لتيغراي إلى ما كان عليه قبل الحرب، ونصّبت دبرصيون رئيساً للإقليم، في خطوة قوضت الترتيبات السياسية التي أُنشئت بموجب اتفاق بريتوريا، وأوجدت مطالبات متنافسة بالسلطة في تيغراي.

تبع ذلك اندلاع اشتباكات بالقرب من الحدود السودانية في أغسطس، فيما أفاد الاتحاد الأوروبي لاحقاً بتنفيذ غارات عدة بطائرات مسيّرة شنّتها قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، وعليه، فإن توقيت التصعيد الأخير يعكس ما هو أبعد من مجرد الاستئناف المفاجئ للأعمال القتالية على أرض المعركة.

لقد كان الإطار السياسي الذي وضعته بريتوريا يتآكل بالفعل، حيث أتاح ظهور تحالف مناهض للحكومة عابر للأقاليم للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) بيئةً استراتيجية قد تكون أكثر ملاءمة لمواجهة أديس أبابا، إذ يمثل القتال الذي اندلع في سبتمبر عسكرةً لانهيار سياسي كان يتبلور تدريجياً على مدى أشهر.

الإطار السياسي لاتفاق بريتوريا كان يتآكل فيما أتاح ظهور تحالف مناهض للحكومة عابر للأقاليم للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بيئةً استراتيجية أكثر ملاءمة لمواجهة أديس أبابا

بالتالي، يواجه الاتفاق خطر أن يصبح سارياً على الورق أكثر من كونه قائماً على أرض الواقع، حيث أعلن متحدث باسم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أن الاتفاق لم يعد سارياً، في حين يصر الاتحاد الأفريقي على أن اتفاق بريتوريا لا يزال حجر الزاوية للسلام، ودعا إلى خفض التصعيد فوراً.

هذا التمييز مهم؛ فمن الناحية الرسمية، لم يختفِ الاتفاق ولم يُلغَ، لكن من الناحية العملية، باتت التطورات العسكرية تتجاوز الآليات التي وُضعت لتنفيذ بنوده.

حكومة تواجه عدة جبهات

لا تزال حكومة آبي تتمتع بمزايا مهمة، من بينها سيطرة الجيش الفيدرالي، والتحكم في مؤسسات الدولة الوطنية، وأغلبية برلمانية كبيرة عقب انتخابات عام 2026، غير أن العبء الأمني الذي تواجهه الحكومة كبير، حيث كانت القوات الفيدرالية تواجه بالفعل قوات فانو في أمهرة وجيش تحرير أورومو (OLA) في أوروميا، في حين أن تجدد الحرب في تيغراي من شأنه أن يفتح جبهة رئيسية أخرى.

وعليه، قد يختبر التحالف الجديد قدرة أديس أبابا ليس من خلال هزيمة الجيش الفيدرالي بشكل مباشر، بقدر ما يختبرها عبر استنزاف قواته وموارده المالية واهتمامه السياسي، نتيجة اضطراره إلى التعامل مع أقاليم عدة في آن واحد.

السؤال المحوري الآن، يتعلق بقدرة الدولة على إدارة مواردها والحفاظ على فاعلية مؤسساتها، بقدر ما يتعلق بقوة القوات على أرض المعركة، حيث لا تزال القوات الفيدرالية تمتلك تفوقاً في الموارد العسكرية على المستوى الوطني، بما في ذلك القوة الجوية، غير أن تنفيذ عمليات متزامنة في تيغراي وأمهرة وأوروميا سيتطلب من أديس أبابا الحفاظ على مستويات كافية من القوى البشرية والتمويل والسيطرة الإدارية عبر جبهات متباعدة جغرافياً.

أما، على الصعيد السياسي، يتعين على الحكومة أيضاً منع التعاون التكتيكي بين جماعات ذات أجندات متباينة، حتى لا يتحول هذا التعاون إلى تحالف أكثر تماسكاً واستدامة مناهض للحكومة الفيدرالية، حيث لا يحتاج التحالف إلى قيادة وطنية موحدة لفرض تكاليف على الحكومة، إذا تمكن أعضاؤه من الحفاظ على الضغط على جبهات عدة في الوقت نفسه.

البعد الخارجي يجعل هذا التحدي أكثر خطورة، حيث تتهم أديس أبابا إريتريا بتمويل جماعات مسلحة ضمن التحالف الجديد، فيما نفت أسمرة هذه الاتهامات مراراً، إذ شهدت العلاقات بين البلدين، اللذين كانا حليفين في السابق، تدهوراً حاداً منذ اتفاق بريتوريا، ولا سيما في ظل المطالب الإثيوبية بضمان وصول موثوق إلى البحر الأحمر، والنقاشات بشأن ميناء عصب الإريتري ذي الأهمية الاستراتيجية.

بالتالي، تُعدّ إريتريا المتغير الخارجي الأكثر تأثيراً؛ حيث قاتلت إلى جانب إثيوبيا ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) خلال الحرب السابقة، لكنها بقيت خارج تسوية بريتوريا، ومن شأن أي دعم مادي تقدمه إريتريا لخصوم أديس أبابا أن يمثل تحولاً كبيراً في التحالف الإقليمي الذي كان قائماً في السابق.

غير أن الاتهامات بوجود دعم إريتري لا ترقى، في الوقت الراهن، إلى مستوى الأدلة التي تثبت أن أسمرة تدير القتال الدائر حالياً، أو أن القوات الإريترية دخلت طرفاً في النزاع.

وتتسم البيئة الإقليمية الأوسع بقدر مماثل من التوتر والقابلية للاشتعال، فالسودان يشهد حرباً بالفعل، في حين لا تزال العلاقات بين إثيوبيا ومصر متوترة بسبب سدّ النهضة الإثيوبي الكبير، كما عززت إريتريا علاقاتها مع كلٍّ من السودان ومصر، حيث توفر هذه العلاقات قنوات محتملة يمكن أن يكتسب النزاع من خلالها بُعداً إقليمياً أوسع، إلا أنه لا توجد حتى الآن أدلة على انخراط تلك الدول بشكل مباشر في التصعيد الحالي.

وعليه، لم يعد السؤال الملحّ يقتصر على ما إذا كان بالإمكان تنفيذ اتفاق بريتوريا بصورة كاملة، بل أصبح يتمحور حول ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على استعادة مكانته وفاعليته قبل أن تتداخل النزاعات المنفصلة التي تواجهها إثيوبيا وتتحول إلى أزمة أكبر نطاقاً.

لا يزال التحالف المكوّن من سبع جماعات هشّاً من الداخل، إلا أن القتال الذي اندلع يوم الأربعاء أظهر أن التنسيق بين بعض أعضائه لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح واقعاً قائماً على الأرض. ومن دون خفض سريع للتصعيد، تواجه إثيوبيا خطر الانتقال من سلام غير مكتمل إلى صراع متعدد الجبهات، قد تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من تيغراي لتشمل المنطقة بأسرها.

لم يعد السؤال يقتصر على ما إذا كان بالإمكان تنفيذ اتفاق بريتوريا بصورة كاملة بل أصبح ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على استعادة مكانته وفاعليته قبل أن تتداخل النزاعات المنفصلة التي تواجهها إثيوبيا وتتحول إلى أزمة أكبر

سيغون أدييمي صحفي نيجيري، يتمتع بخبرة واسعة في تغطية القضايا الجيوسياسية والشؤون الراهنة في غرب إفريقيا.
سيغون أدييمي

سيغون أدييمي صحفي نيجيري، يتمتع بخبرة واسعة في تغطية القضايا الجيوسياسية والشؤون الراهنة في غرب إفريقيا.

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

موضوعات أخرى
محمد بن سلمان وترامب في منتدى الاستثمار الأمريكي السعودي في واشنطن (أ ف ب)
تقرير
النيجر ومالي وبوركينا فاسو يوقعون وثيقة تحالف دول الساحل (أ ف ب)
تقرير
خليل الحية زار مصر في 16 أغسطس 2026 والتقى رئيس المخابرات العامة المصرية
تقرير
ولي عهد أبوظبي والرئيس الإيراني خلال لقائهما على هامش قمة "بريكس "في الهند (إكس)
تقرير
قوات من خفر السواحل اليمني الموالي للحكومة المعترف بها قبالة المخا (أ ف ب)
تقرير
وزير التجارة الخارجية الإماراتي يلقي كلمته في المنتدى (إكس)
تقرير
دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث يؤديان التحية العسكرية أثناء مرور قتلى الجيش الأمريكي (أ ف ب)
تقرير
رئيس غانا وعدد من رؤساء الدول والمسؤولين في أفريقيا خلال اجتماع "إيكواس" (أ ف ب)
تقرير

اشترك مجاناً في تقارير إيغل إنتيلجنس

رؤى وتقارير حصرية

تمتّع بإمكانية الوصول إلى تحليلات متعمّقة، ومعلومات استخباراتية حصرية، وتقارير خبراء مُصمّمة خصيصاً لتبقى على اطلاع دائم، وفي صدارة المتابعين لأهم التطورات العالمية.

بالاشتراك، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا.

ايغل انتيلجنس ريبورتس
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.